فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » مِنهاجيَّة دعاء الافتتاح - قراءةٌ في التعاطي العَقَدي مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
 كتب أخرى

الكتب مِنهاجيَّة دعاء الافتتاح - قراءةٌ في التعاطي العَقَدي مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: مرتضى علي الحلي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٢/٠٨/١٧ المشاهدات المشاهدات: ١٨١ التعليقات التعليقات: ٠

مِنهاجيَّة دعاء الافتتاح
قراءةٌ في التعاطي العَقَدي مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

مرتضى علي الحلي - النجف الأشرف

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين، ربي عجّل لوليّك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الفرجَ، واجعلنا من أنصاره الواعين والعاملين بين يديه، بحق محمد وآله المعصومين (عليهم السلام).
 بدايةً لا بد من أن يَعرف الإنسان المؤمن أنّ (دعاء الافتتاح) من الأدعية المُعتبرة والمشهورة في المجاميع الروائية؛ فقد ذكره الشيخ الطوسي في كتابه (تهذيب الأحكام)(١)، والسيد ابن طاووس الحسيني في كتابه (إقبال الأعمال)(٢)، والمحدّث الجليل الثقة الشيخ عباس القمّي في كتابه (مفاتيح الجنان)(٣). وهو على النحو الآتي:
عن محمد بن أبي قرة بإسناده، قال: حدثني أبو الغنائم محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله الحسني، قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمد بن نصر السكوني (رضي الله عنه)، قال: سألت أبا بكر أحمد بن محمد بن عثمان البغدادي (رحمه الله)، أن يُخرِج إليّ أدعيةَ شهر رمضان، التي كان عمّه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري(٤) رضي الله عنه وأرضاه يدعو بها، وهو قد أخذها عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) باعتباره سفيرا شرعيا عنه، فأخرجَ إليّ دفترا مجلدا بأحمر، فنسخت منه أدعية كثيرة، وكان من جملتها: ...وتدعو بهذا الدعاء أي: دعاء الافتتاح في كل ليلة من شهر رمضان؛ فإن الدعاء في هذا الشهر تسمعه الملائكة وتستغفر لصاحبه، وهو:
«اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك وأنت مسدّد للصواب بمنّك، وأيقنت أنك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبّرين في موضع الكبرياء والعظمة. اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك، فاسمع يا سميع مِدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، وأقل يا غفور عثرتي، فكم يا إلهي من كربة قد فرّجتها، وهموم قد كشفتها، وعثرة قد أقلتها، ورحمةٍ قد نشرتها، وحلقة بلاء قد فككتها... إلخ»(٥).
 توجدُ في دعاء الافتتاح الشريف مضامين إيمانية عقدية وسلوكية، يرسمها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بصورة تتفق قيمياً مع منهاجية القرآن الكريم في تربية الإنسان المؤمن، التي هي اليوم تمثّل ضرورة معنوية وإيمانية تشدّ الإنسان إلى عالم الغيب والقدرة الحقة. وسنشرع إن شاء الله تعالى في استنطاق مفرداتِ الدعاء واستظهار دلالاتها الراقية بصورة وجيزة تنفع المتلقّي في ضرورة الأخذ بها في شهر رمضان شهر الإقبال على الله سبحانه.
القسم الأول:
إنَّ أول فقرة يبدأ بها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي قوله: «أللهم إني أفتتحُ الثناءَ بحمدك، وأنت مسدّد للصواب بمنّك، وأيقنت أنك أرحم الراحمينَ في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضعِ النكال والنقِمة، وأعظمُ المتجبّرين في موضع الكبرياء والعظَمة. أللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك، فاسمع يا سميع مِدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، وأقل يا غفورُ عثرتي، فكم يا إلهي من كُربة قد فرّجتها، وهمومٍ قد كشفتها، وعثرة قد أقلتها، ورحمة قد نشرتَها، وحلْقة بلاء قد فككتها».
بمعنى أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يُريد أن يضعَ لنا منهاجا أخلاقيا وسلوكيا يبدأ فيه بنقطة الانطلاقة من حمد(٦) الله تعالى وشكره باللسان على جميل ما أعطانا سبحانه من نعمه الوافرة علينا، وأهمّها نعمةُ الوجود والحياة، ولزوم ذكر اسم الله المقدس على نحو قولنا في حركتنا الوجودية دائما: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أو (لا حولَ ولا قوة إلاّ بالله)، وإن الروايات الصحيحة أكدت لزومَ البدء في الفعل البشري حياتيا بذكر اسم الله تعالى، ففي الحديث الشريف: «كل أمر لا يُبدأُ فيه بذكر الله فهو أبتر»(٧)، ومعنى (الأبتر) هنا: عدم توفيق الشخص -الذي يتخلّى عن ذكر الله فيتركَه الله وشأنه؛ فلا يصل في النهاية إلى مقصده أو رضا الله تعالى- فتكون حركته عرجاءَ مبتورة(٨) لا تمكّنه من الثبات على الصراط المستقيم، طبعا والذكر هنا ليس باللفظ حسب، بل أن يكون اللفظ طريقاً للسير والوعي بمنهج الله تعالى للإنسان في هذه الحياة.
قوله (عليه السلام): «وأنتَ مُسددٌ للصواب بِمنّك».
فالمقصود به القطع العقلي والقلبي بأنّ الله تعالى يُمكّن الإنسانَ المؤمن المُتحرك نحوه سبحانه، من المسك الفعلي بأسباب الوصول وآلياته إلى الحق والهداية الحقيقية، فالله تعالى قد نص على هذه الحقيقة العقدية والإيمانية في كتابه العزيز: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩](٩)، فتسديد الله تعالى عبدَه الصالح هو فضل منه سبحانه ومنٌ كريمٌ، فلا جبرَ ولا تفويض في حركة الإنسان نحو ربه تعالى بل هو منٌ وتوفيق إلهي.
وهاتان الفقرتان: «أللهم إني أفتتحُ الثناءَ بحمدك، وأنت مسدّد للصواب بمنّك». هما في الواقع حجرا الأساس الوجودي للإنسان وتكاملِه في هذه الحياة، ومنهما تبدأ تنشئة المجتمع الصالح الذي سيتحقق يقيناً في آخر الزمان وعند ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، أما نحن اليومَ ومن قبلُ فقد ابتعدنا عن تلك المرتكزات التأسيسية لكيان المجتمع الصالح؛ فأسهمنا بشكل أو آخر في تأخير الفرج للإمام (عليه السلام). ومن المهم أن نعمل جاهدين في شهر رمضان الفضيل شهرِ العودة الروحية والمعنوية، على استرجاع مضامين منهاج دعاء الافتتاح أو مضامين منهاج القرآن بصورة عامة؛ كي نُسهم -ولو بالحد الأدنى وذلك أضعف الإيمان- بتعجيل الفرج لإمامنا المهدي (عجّل الله فرجه).
وحين يقول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «وأيقنتُ أنك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرينَ في موضع الكبرياء والعظمة». فهو (عليه السلام) هنا يطرح ثلاثيةً عقدية قطعية في وعيها ومعطياتها العملية، وهذه الثلاثية العقدية تنص على أن يفهمَ الإنسانُ المؤمن الذي قد يتوانى أو يغفُل في حركته نحو الله؛ أن عليه أن لا ييأس أو يترك السيرَ وينحى منحىً آخر أجنبياً عن صراط الله، لا بل عليه أن يُكمل ما بدأَ به ويتوب توبة نصوحة وبخاصة في شهر رمضان شهر الاختبار الفعلي للصائم، بتزكية بدنه وروحه وترميم سلوكه وخُلقه من جديد، بعد أن تشوّهت حركته في الشهور السالفة من السنة.
وأما عبارة: «وأيقنتُ أنك أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة». فهي مُساوقة قيمياً(١٠) لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨].
وقوله (عليه السلام): «وأشدّ المعاقبينَ في موضع النكالِ والنقمة». هو الآخر عبارة واحدة من ثلاثية إيمانية تبيّن ضرورةَ الحذرِ من الله تعالى،(١١) وإدراك أنه سبحانه يُعاقب من يخترق حرمتَه وحقوقه تعالى. فالإنسان غالبا ما يستغل حلم الله -بالمسامحة في التعبير- وينسى أنّ الله تعالى بقدر ما هو حليم فإنه (عزَّ وجلَّ) شديدُ العقاب في حال تجرّؤ الإنسان على مناطق الحرام العقدية والشرعية نحو الكفر، أو استحلال ما حرّم الله تعالى.
وهذه حقيقة بيّنها الله تعالى في كتابه الحكيم فقال: ﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، فلاحظوا مدى التوازن الحقوقي والقيمي والنظامي في تعاطي الله تعالى في حسابه وجزائه مع الناس.
فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نبّه على هذه الحقيقة وأدغمها قيمةً سرمدية في دعائه الشريف هذا؛ فليلتفتِ الإنسانُ المؤمن إلى تلك الحقيقةِ، فقراءة الدعاء ليست نطقاً بصوت حسَن لكلماتٍ عابرة، بل هي وعيٌ وفهم وإدراك لما وراء الألفاظ من معانٍ ومقاصد يُنشئها المعصوم (عليه السلام) في كيفية تعاطيه مع ربه سبحانه.
«وأعظمُ المتجبّرين في موضع الكبرياء والعظمة». وهذه العبارة الثالثة هي الأخرى تضع عند الإنسان القارئ والمدرك لها، وعياً جديداً بأنّ خالقَه أعظمُ من غيره مطلقاً،(١٢) وترفده باطمئنان أنه يعبد رباً قوياً وملكاً جبارا قاهراً كل شيء، ذلك مما يقوّي من عزيمة الإنسان وحركته في نشاطاته ومع أموره البشرية، فلا خوفَ من الظالمين والمتجبّرين ما دام جبار السموات والأرض هو أعظم المتجبّرين في موضع الكبرياء والعظمة.
وعندما تقرأ هذه العبارة: «اللهم أذنتَ لي في دعائك ومسألتك، فاسمع يا سميعُ مِدحتي، وأجِب يا رحيم دعوتي، وأقِل يا غفور عثرتي، فكم يا إلهي من كربةٍ قد فرّجتها، وهمومٍ قد كشفتها، وعثرة قد أقلْتها، ورحمةٍ قد نشرتها، وحلقة بلاء قد فككتها».
تجد أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يُريدُ لنا كما يُريدُ الله تعالى ذلك منّا أيضاً، في أن نتحرك في سيرنا نحو الله تعالى بصورة الدعاء والاستعانة، اللذين هما بابان من أبواب الله المفتوحة دوما للسائرين إليه تعالى، فلا ينبغي للفرد المؤمن أن يتكل على نفسه ناسياً ربّه وغير داعيٍ له. فهذه العبارة تبثّ الثقة بالله تعالى في نفس المؤمن مُذكّرةً الإنسان بأنّ الله تعالى هو القادر وحدَه على إقالة العثرات البشرية ودفعها في حركتها نحو ربها، «وأقِل يا غفور عثرتي» ومَن غير الله تعالى يقدر على ذلك! إلاّ هو سبحانه(١٣).
فهو من بيده تفريج الكرُبات وكشف المُهمّات ونشر الرحمات وتفكيك البلاءات؛ وهنا حريٌّ بنا كمعتقدين بإمام وقتنا الغائب الحجة المهدي (عجّل الله فرجه) أن نكثّف من الدعاء الخالص والصادق لتفريج كربة إمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)؛ برفع الغيبة الكبرى عنه وتعجيل فرجه الشريف، فهذا هو التعاطي العقدي والإيماني مع إمامته (عليه السلام)، ولاسيما في شهر رمضان الذي تفتح فيه أبوابُ الدعاء وتتحقّق فيه الاستجابة.
إذ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خُطبته الشهيرة قبل شهر رمضان مذكراً بذلك: «وتوبوا إلى الله من ذنوبكم فارفعوا إليه أيديَكم بالدعاء في أوقات صلاتكم؛ فإنها أفضل الساعات ينظر الله (عزَّ وجلَّ) فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجَوه ويلبّيهم إذا نادوه ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعَوه. يا أيها الناس، إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم»(١٤).
القسم الثاني:
«الحمد لله الذي لم يتخذْ صاحبةً ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبّره تكبيرا، الحمد لله بجميع محامِده كلها على جميع نعمِه كلها، الحمد لله الذي لا مضادّ له في ملكه ولا منازعَ له في أمره، الحمد لله الذي لا شريك له في خلقِه، ولا شبيه له في عظمته، الحمد لله الفاشي في الخلق أمرُه وحمده، الظاهر بالكرم مجدُه، الباسط بالجود يدَه، الذي لا تنقص خزائنُه ولا تزيده كثرةُ العطاء إلا جوداً وكرما».
 ومن هنا يبدأ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مُعلّماً إيانا بأسلوبية مخاطبةِ الله تعالى؛ إذ أنه (عليه السلام) ركّز بصورة واضحة على استعمال جملة «الحمد لله» مراراً في حوارية دعاء الافتتاح؛ وهذا يكشف لنا عن عمق استحقاق الله تعالى الحمدَ ومداها، الذي هو الثناء عليه سبحانه دوماً باللسان، والوعي بواقع ما أنعم به علينا سبحانه.
ومعنى «الحمد لله» أنّ الثناء والتقديس منحصرٌ بالله تعالى، فلا أحد غيره يستحق الثناء والحمد إلاّ إياه، أما غيره فكل ما يستحقه منّا -إن كان متفضّلا علينا- الشكر حسب؛ ولذا جاء صوغ العبارة بصورة الجملة الاسمية؛ للتدليل على الثبات والدوام باستحقاق الله تعالى الحمدَ دوماً(١٥)، ولبيان مزيد الاهتمام بحمده تعالى من الإنسان المؤمن.
 فوعي عبارة «الحمد لله» ومعرفتها يجب أن يكون قريبا منّا في معطياته العملية يوميا؛ إذ أننا كثيرا ما نُردّد هذه المفردة الراقية في كل صلاة يومياً وبخاصة في سورة الحمد (الفاتحة) ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. أما معنى كلمة (الله) فهي عَلَمٌ يُطلق على ذات الله المقدسة الجامعة لصفات الكمال والجلال.
وبصورة عامة فإنّ النص آنفاً الذي نحن بصدد بيان مضامينه ومعطياته العقيدية والإيمانية، مطابقٌ تماما في أغراضه وتأسيساته لأغراض سورة الحمد (الفاتحة) وتأسيساتها؛ إذ أنّ هذا النص يُركّز عقائدياً على أصل توحيد الله تعالى وتنزيهه، الذي هو أصل الأصول الدينية الخمسة؛ فمن التوحيد الإلهي يترشّح وجوبُ بعثة الرسل والأنبياء، إذ أنهم (عليهم السلام) هم الرابط والواسطة بينه تعالى والبشر، فقال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، ومن التوحيد يترشّح عدلُ الله ولطفه ووجوب تنصيبه تعالى الأئمةَ والأوصياء (عليهم السلام) من بعد الرسل، وهذا هو معنى أصل الإمامة، ومقتضى عدل الله تعالى أن يبعث الخلائق بعد تكليفها ليُجازيها ثواباً أو عقاباً وهذا هو أصل المعاد الجسماني والروحي للإنسان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ففي قول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبّره تكبيرا»، «الحمد لله الذي لا شريكَ له في خلقه ولا شبيه له في عظمته». تقريرٌ من إمام معصوم بحقيقةِ وحدانية الله تعالى الفردِ الصمد، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١]، نفيٌ لأباطيل اليهود والنصارى ومزاعمهم، الذَين زعما أنّ لله صاحبةً وولداً وحاشاه سبحانه من ذلك، وذهبت الجرأة والوقاحة باليهود إلى أن زعموا أنه تعالى ضعيف وجل وعز عن ذلك، والقرآن الكريم بيّن تلك الأباطيلَ وفنّدها جملة وتفصيلا، فقال سبحانه وتعالى رادً على تلك المزاعم الباطلة: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً﴾ [الجن: ٣]، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]، ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَالقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].
وأما معنى قوله (عليه السلام): «الحمد لله الذي لا مضادّ له في ملكه ولا منازع له في أمره»، وقد تقدّم معنى الحمد لله، فيكون المعنى الحمد لله الذي لا ضدّ له، والضد اصطلاحا هو المساوي للآخر في القوة والمُمَانع له في الوجود، بمعنى أنّ الله تعالى ليس له ضدٌ أياً كان إلهاً آخرَ أو بشراً أو أي شيء آخر بحيث تكون له من القدرة المماثلة لقدرة الله فتعارضُ قدرةَ الله أو تمنع جريان أوامره في الكون.
وهذه الضدية لله تعالى ممتنعة عقلاً ونقلاً؛ فقد أثبت الفلاسفة المسلمون استحالة ذلك عقلاً؛ لأنه يحصل من ذلك تمانعٌ في الإرادات وتعارض في الأوامر (بين الله تعالى وضده) على الفرض، ومن ثم يفسدُ نظام الوجود عامةً والكون خاصة، وهذه الحقيقة الفلسفية العقلانية بيّنها القرآن الكريم جلياً، فقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، بمعنى (لو كان فيهما) أي السموات والأرض (آلهة إلا الله) أي غيره (لفسدتا)، وخرجتا عن نظامهما المشاهَد لوجود التمانع بينهم، وفق العادة عند تعدّد الحاكم يحصل التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه، والحال أننا لم نشهد ونلحظ فساداً في الوجود والكون، وهذا دليل عقلي على حسن نظام الوجود ووحدانية خالقه الله سبحانه وتعالى وواحديته؛ لذا خُتمت الآية بقوله تعالى: (فسبحان الله)، (فسبحان) تنزيه (الله رب) خالق (العرش) الكرسي (عما يصفون) الكفار اللهَ به من الشريك له وغيره.
وقد اختزل أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) معنى التوحيد الإلهي ومفهومه بكلمة واحدة، هي في قوله: «التوحيد أن لا تتوهّمه»(١٦)، وهذه كلمة وجيزة بلفظها ولكنها ثقيلة بمعناها وقيمها ومعطياتها، ووفرت للمؤمنين جهداً كبيراً في ضرورة وعيها وإدراكها واقعيا، في حين أنّ الفلاسفة صنّفوا كتباً ومجلدات للبرهنة العقلية والفلسفية على توحيد الله تعالى بصورة حقة، ولكن أمير الفصاحة والبلاغة علي بن أبي طالب (عليه السلام) اختصرها وبيقين قاطع بهذه الوجازة الرائعة.
فالإنسان حسبَ تركيبته الذهنية، كلما أراد أن يحكم على شيء يهرع إلى ذهنه متصوراً ذلك الشيء كي يحكمَ عليه أو يُحاول إدراكَه، ولكن هذا لا يتحقق مع حقيقة الله تعالى الواقعية التي عجزت العقول عن إدراك كنه معرفتِها، فضلا عن عجزها عن إدراك حقيقتها، ولا يتصوّر الإنسان في يوم ما إمكانية الإحاطة بمعرفة ذات الواجب تعالى شأنه وكنهه، وكل ما يتصوّره المخلوق ويميزه بوهمه بأدق معانيه فهو مخلوقٌ مثله مردود إليه(١٧)، فالكل متحيّر في معرفة كنه الباري تعالى وتقدس، وإنما يُعرف تعالى شأنه بالآثار، واستشعار وجوده كخالق حقيقي لنا تعالى.
وينبغي أن يلتفتَ الإنسان المؤمن التفاتةً يقينية - عقلية إلى أنّ توحيد الله تعالى ليس مجرد ألفاظٍ يُردّدها كتأديتهِ الشهادة أن (لا إله إلاّ الله)، نعم، هذا مطلوبٌ ذكرُه والإيمان به قلباً ووجدانا، لكن التوحيدَ الحقيقي أن يتيقّن الإنسانُ المؤمن بأنّ خالقه الله تعالى واحدٌ أحد فردٌ صمد، بمعنى أن يتعقّل بذهنه نفيَ الشريك عنه قطعاً، وهذا هو معنى التوحيد الذاتي لله تعالى ،وقد أكدته السورةُ القصيرة بألفاظها الكبيرة بمعطياتها وثمارها، ألا وهي سورة التوحيد (الإخلاص) ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
 ثم إذا تيقّن الإنسان المؤمن وأدرك مفهومَ التوحيد الذاتي لله تعالى، فعليه أن يدركَ ويفهم التوحيدَ الصفاتي لله تعالى، بمعنى أن يعرف أنّ لله تعالى صفاتٍ ثبوتية وكمالية نحو كونه حياً وعليماً وقادراً ومُريداً وسميعاً وبصيراً. وفي الوقت نفسه مطلوب منه أن يُنزّه ربه تعالى عن صفات النقص، التي تُسمّى بالصفات السلبية، أي التي يجب سلبُها عن الله تعالى وعدمُ توصيفه بها، منها: الجسمانية، وكونه في مكان، أو له طول أو عرض، أو كونه في جهة ما، أو متحداً مع غيره كما زعم النصارى ذلك، أو كما ذهبت بعض الفرق الضالة إلى ذلك فحسبت نفسها على الإسلام وقالت بجسمانية الله تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
وأيضا فعلى الإنسان المؤمن أن يدرك في حال توحيده لله تعالى ويقينه بذلك، أنّ لله تعالى أفعالاً يجب أن يعتقد بها نحو كونه تعالى خالقاً، وباسطَ الرزق، وباعثَ من في القبور، ومجريَ الأمور، ويُحيي ويُميت وغيرها، وهذا هو التوحيد الأفعالي لله تعالى، بمعنى أنه سبحانه مستقلٌ في أداء أفعاله وقاهرٌ غير مقهور؛ لذا وضّح ذلك الإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه)، بقوله: «الحمد لله الفاشي في الخلق أمرُه وحمده، الظاهر بالكرم مجده، الباسط بالجود يدَه، الذي لا تنقص خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلا جودا وكرما»؛ إشارة منه (عليه السلام) إلى ضرورة وعي توحيد الله الأفعالي عقلاً، وحمده سبحانه على ذلك فعلا.
القسم الثالث:
قال الإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه) داعياً ربه سبحانه وتعالى، ومربيّاً إيّانا: «اللهم إني أسألك قليلاً من كثير مع حاجةٍ بي إليه عظيمة، وغِناك عنه قديم وهو عندي كثير، وهو عليك سهل يسير. اللهم إن عفوك عن ذنبي، وتجاوزك عن خطيئتي، وصفحك عن ظلمي، وسترك على قبيح عملي، وحِلمك عن كثير جُرمي عندما كان من خطأي وعمدي، أطمعني في أن أسألك ما لا أستوجبه منك الذي رزقتني من رحمتك، وأريتني من قدرتك، وعرّفتني من إجابتك، فصرتُ أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا، لا خائفا ولا وجلا، مُدّلاً عليك فيما قصدتُ فيه إليك، فان أبطأ عني عتبتُ بجهلي عليك، ولعلّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمكَ بعاقبة الأمور. فلم أرَ مولىً كريماً أصبرَ على عبدٍ لئيم منك عليّ، يا رب إنّكَ تدعوني فأولّي عنك،وتتحبّب إلي فأتبغّضُ إليك،وتتودّد إلي فلا أقبل منك، كأن لي التطوّلَ عليك، فلم يمنعْك ذلك من الرحمةِ لي والإحسان إلي، والتفضّل عليّ بجودك وكرمك، فارحم عبدَك الجاهل، وجُد عليه بفضل إحسانك، إنك جوادٌ كريم».
عند الوقوف المُتَفحّص في مفردات هذا النص السديد، الذي أنشأه المعصوم (عليه السلام) تجدْه بحق منهاجاً أخلاقيا وسلوكيا مُتكاملاً، في آليّة تعاطي الإنسان مع ربّه، كاشفاً عن صورة الإنسان وحركته باتجاه ربه(١٨)، التي قد تشوبها غالبا بعضُ مواضعِ الجمود والركود في وعي العلاقة بين الإنسان وربه، فالإنسان بحكم طبيعته الوجودية المُتقدّرة بأقدار الطبيعية التي يعيش فيها، يتحرّك وفق خلفياتِ طبيعته ومعطيات تصوراته المحدودة، ويُريدُ إنجاز طموحاته وتحقيق رغباته من حيث رؤيته وإرادته الخاصة، وبمعزلٍ عن التوكّل على الله تعالى الذي بيده مجاري الأمور تكوينياً، وهو ما يُعبّر عنه في علم العَقديّات (علم الكلام) بـ «قانون المشيئة الإلهية»، ناتجاً من منطوق النص القرآني:
﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الإنسان:٣٠]، أو ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وأيضا نجدُ في النص أعلاه من الدعاء رسماً واقعيا يُبيّن ملامحَ سلوكيات الإنسان مع ربه، من الطمع في المزيد من حيث استحصال النِعم، التي قد تكون في غير صالحه، ولكنه غالباً ما لم يعِ ذلك؛ فتراه مُلحّا مُستعجلاً ومُستغلا -مع المسامحة التعبيرية- لعفو الله تعالى وحلمه وتوبته وصفحه الجميل، في حين قد يكون الإنسان مع ارتكابه الذنوب وانحرافه عن الصراط المستقيم، غيرَ مستحقٍ واقعا للعفو أو القبول عند ربه، بحكم قانون الثواب والعقاب، ولكن على الرغم من هذا نجد أنّ الله سبحانه قد وسّع من رحمته(١٩)، بحيث يمكن معها شمول المذنب بالعفو حالَ العِلم بتوبته وإنابته النصوحة إلى ربه.
ففي قول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «اللهم إني أسألكَ قليلاً من كثير مع حاجة بي إليه عظيمة، وغِناك عنه قديم وهو عندي كثير، وهو عليك سهلٌ يسير»، شروعٌ في بيان صورة الدعاء الحق الذي يجب أن يكون مشتملاً على معرفة المدعوّ وهو الله تعالى؛ لأنّ الإنسان المؤمن إذا عرف الله تعالى ووحّده بيقين ودراية، فإنه حين يدعوه يدرِك أنّ ربه سيُجيبه حتماً(٢٠)، فلاحظوا مفرداتِ هذه الفقرة، وهي تبيّن مدى تعدد حاجات الإنسان وتزايدها، ورغبته في تحقيقها من عند ربه «اللهم إني أسألك قليلاً من كثير مع حاجة بي إليه عظيمة»، وهنا يتضح جليا فَقر الإنسان، وحاجته وجوديا إلى ربه وخالقه الغني الحميد، فحاجةُ الإنسان إلى ربه تبقى في ضرورتها، ولا يمكن لأحد الاستغناء بتحقيق حاجاته عن ربه. مثلما عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠]، بمعنى: كلّ فريق من العاملين للدنيا الفانية، أو العاملين للآخرة الباقية نزيده مِن رزقنا، فنرزقَ المؤمنين والكافرين(٢١) في الدنيا؛ فإن الرزق مِن عطاء ربك تفضلا منه، وما كان عطاءُ ربك ممنوعاً من أحد مؤمنًا كان أم كافرًا، فالله تعالى مُستغنٍ عن الكل والإنسان هو الفقير الحقيقي.
فعبارة: «وغناك عنه قديم»، تحكي عن أنّ الغنى الإلهي صفة ثبوتية لله تعالى، وقديمة بقدم ذاته وجودا -لا المقصود هنا القدم الزماني- فالمقصود أنّ الله تعالى منذ الأزل هو غني ومستغنٍ عن الآخرين، فقضاء الله تعالى للإنسان حاجاتِه يأتي من تفضّله تعالى ورأفته بعباده عامة، وهذا عليه سهل يسير؛ لذا أكد القرآن الكريم حقيقةَ حاجة الإنسان وجوديا إلى ربه مذ خلقه وحتى نهايته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، بمعنى: يا أيها الناس، أنتم المحتاجون إلى الله في كل شيء, في وجودكم ولا تستغنون عنه طرفة عين(٢٢), وهو سبحانه الغنيُّ عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته, الحميدُ في ذاته وأسمائه وصفاته، المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بالناس فمنه، فله الحمد والشكر على كلِّ حال.
ثم تأتي فقرة الدعاء:
«اللهم إن عفوك عن ذنبي، وتجاوزَك عن خطيئتي، وصفحك عن ظلمي، وسترك على قبيح عملي، وحلمك عن كثير جرمي، عندما كان من خطأي وعمدي، أطمعني في أن أسألكَ ما لا استوجبّه منك، الذي رزقتني من رحمتك، وأريتني من قدرتك، وعرّفتني من إجابتك، فصرتُ أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا، لا خائفا ولا وجِلا، مُدّلاً عليك فيما قصدتُ فيه إليك، فإن أبطأ عني عتبتُ بجهلي عليك».
طبعا من المعلوم أنّ هذه الصياغية في تركيبة هذه الفقرات، إنما صاغها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بلسان حال الآخرين بحسب النص؛ لأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) معصوم يقيناً، فلم ولن يصدر منه ذنب أو جرم يستحق عليه العقاب وحاشاه (عليه السلام).
 إذ أنها ترسم طريقةَ دعاء الإنسان المذنب وقناعته، بأنّ ربه سيعفو عنه ويستر عليه، ومع هذا يتحرّك الإنسان الذي أذنب بحق ربه طامعاً في المزيد، دون أن يدرك أنه من الواجب عليه أن يحذر من ربه ويعيش حالة الخوف والتقوى، وتوقّع عدم القبول عنده تعالى لما صدر من العبد من ذنب بحق ربه، وهذه هي الحالة التي غالبا ما يكون عليها الإنسان المذنب، فيرى في نفسه كأنّ له حق على الله سبحانه، فحين تتأخّر استجابة الدعاء من عند الله تعالى يطلق لنفسه العنان في معاتبة الله تعالى جاهلاً ومتجاهلاً لأمره، وناسياً أنه ليس له الحق في ذلك؛ لأنّ الله هو المتفضّل والمنعم الحقيقي، وليس لأحد الحق في معاتبته إن منعَ أو أعطى.
وهذا هو معنى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ومراده في قوله: «فصرتُ أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا، لا خائفا ولا وجلا، مُدلّاً عليك فيما قصدتُ فيه إليك، فان أبطأ عني عتبتُ بجهلي عليك».
فهذه الحالة(٢٣) التي تُسمى إدلالاً, هي مرتبة أشد من العُجب المذموم أخلاقيا؛ فالإمام (عليه السلام) أراد بذلك تشخيصَ هذه الظاهرة الأخلاقية غير الصحيحة ومعالجَتها فعليا بقوله (عليه السلام): «ولعلّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأمور، فلم أرَ مولىً كريما أصبرَ على عبد لئيم منك علي، يا رب إنّكَ تدعوني فأولّي عنك وتتحبّب إلي فأتبغّضُ إليك وتتودّد إلي فلا أقبل منك، كأن لي التطولَ عليك، فلم يمنعْك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي والتفضّل علي بجودك وكرمك، فارحم عبدَك الجاهل وجُد عليه بفضل إحسانك، إنك جواد كريم».
إنّ في هذا النص بحق وبقوة من المتانة الأسلوبية والبيانية ما تكون معه دليلاً كافيا على صدوره(٢٤) من لدن معصوم وإنسان كامل مثل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، إذ أنه (عليه السلام) فصّل واقعَ النفس الإنسانية وسلوكياتها مع ربها، التي تكره استبطاء قضاءِ الله تعالى حاجياتها غير مُدركَة مصلحتَها في ذلك، بل تقصُر نظرها على ظواهر الأشياء ومتناسية ما وراء عالم الشهادة الحسي من غيبيات لا يعرفها إلاّ الله تعالى، فقول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «ولعلّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأمور»، هو لبنَة أساسية وضعها (عليه السلام) في منهاجية تهذيب النفس البشرية المحدودة الأفاق والتصور؛ كي يلتفتَ المؤمن إلى أنّ ما يجري عليه من إبطاءٍ وتأخير في قضاء أموره وإنجازها من ربه تعالى، هو خير وصلاح له من حيث لا يشعر في بداية الأمر، وهذه اللبنة الأخلاقية انبثقت في تأسيسها على يد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أصل النص القرآني الحكيم في قوله تعالى لبيان هذه الحقيقة ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، بمعنى: وقد تكرهون شيئاً وهو في حقيقته خير لكم, وقد تحبّون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة, وهو شر لكم، والله تعالى يعلم ما هو خير لكم, وأنتم لا تعلمون ذلك.
وقوله تعالى ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، فعليه، لو سار الإنسان المؤمن جادا وصادقا في حركته الوجودية وفق منهاج الله تعالى، ومنهاجِ المعصوم (عليه السلام) المُجسّد واقعا له في هذه الحياة الدنيا، لكان خيرُ الدنيا والآخرة يتحقق عاجلا وآجلا للإنسان؛ فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قد وضع حجر الأساس في بناء هيكلية النفس البشرية، الذي يجب أن يقوم على يقينية الإيمان بالله تعالى وقطعيته ووعيه وحسن الظن به دوما، وعدم التضجّر من قضاء الله تعالى وقدره.
وينبغي لنا أن لا نكون مصداقاً للحقيقة التي بيّنها الله تعالى كاشفا بها واقعَ البشر في سلوكهم معه تعالى، فيقول الله تعالى بشأن ذلك: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥].
ثم يقول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بعد ذلك: «فلم أرَ مولىً كريماً أصبر على عبد لئيم منك علي، يا رب إنّكَ تدعوني فأولّي عنك وتتحبّب إلي فأتبغّضُ إليك، وتتودّد إلي فلا أقبل منك، كأن لي التطولَ عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي، والتفضّل علي بجودك وكرمك، فارحم عبدك الجاهل وجُد عليه بفضل إحسانك، إنك جواد كريم».
 فهذه مفاهيمُ تصلح لئن تكون دستوراً أخلاقيا للإنسان في ضرورة تصحيح علاقته مع ربه تعالى، فأي ربٍ هذا سبحانه وتعالى الذي يصبر ويُمهل تكرّماً منه ورأفة بحال عبده الجاهل! والذي يعصيه مرارا دون حياء(٢٥)، إنه الله تعالى الكمال والخير والرحمة والعدل المطلق. فبلحاظ عبارة: «إنّكَ تدعوني فأولّي عنك، وتتحبّب إلي فأتبغضُ إليك، وتتودّد إلي فلا أقبل منك، كأنّ لي التطوّل عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي، والتفضّل علي بجودك وكرمك».
فالله تعالى يدعو الإنسانَ، والإنسان يولّي مُدبرا عن منهاج ربه راكناً إلى هواه، الله تعالى يتحبّب إلى الإنسان والإنسانُ يتبغض أوامرَ الله ونواهيه، الله تعالى يتودد للإنسان والإنسان يُجافي ويُقاطع الله تعالى، ومع كل هذا يحسب الإنسان نفسَه كأنّ له الفضل والمنّة على ربه، ناسياً أنه لا قيمة له من دون ربه تعالى؛ إذ هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، يوم لم يكُ شيئا مذكورا.
وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ [الإنسان: ١]، أي: قد مضى على الإنسان وقتٌ طويل من الزمان قبل أن تُنفَخ فيه الروح, لم يكن شيئا يُذكر, ولا يُعرف له أثر. ومع تطّول الإنسان على ربه تعالى فلم يُقابله الله تعالى بالمثل، بل قابله سبحانه وتعالى كما قال الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي والتفضل علي بجودك وكرمك».
القسم الرابع:
قال الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «الحمدُ لله مالكُ المُلكِ مُجري الفُلك، مُُسخّر الرياح فالِق الإصباح ديّان الدين رب العالمين، الحمد لله على حلمه بعد علمه، والحمد لله على عفوه بعد قدرته، والحمد لله على طول أناته في غضبه وهو القادر على ما يريد».
في هذا النص الشريف يُلحظُ أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قد أكثر من مقولة (الحمدُ لله) في بدء كلّ فقرة من الدعاء، وقرنَها بذكر صفات الله تعالى الوجودية، وتوحيده في كل حال هو عليه تعالى، بمعنى أنّ الله تعالى دوما ولزوما هو لوحده مَن يستحقّ الحمد وباستحقاق ذاتي له تعالى، بدءاً من قدرته تعالى على تدبير الكون والوجود وإدارتهما، وانتهاءً بجزائه للبشرية يومَ الدين، وهذا التحميد المتكرّر لله تعالى إنما ساقه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لنا إرشاداً منه (عليه السلام) إلى ضرورة افتتاح التقديس لله تعالى بالحمد، وهذا مصداق ما ذكره (عليه السلام) في أول فقرة من دعاء الافتتاح، وهي: «اللهم إني افتتح الثناء بحمدك»، فتكرار الحمد هنا لم يكُ اعتباطاً، بل على العكس إنما هو جاء تنظيماً وترتيبا لصورة دعاء العبد ربّه تعالى، وبياناً لعمق التحميد لله تعالى ووجوبه في كل ثناء له، ومدح لصفاته سبحانه وتعالى.
 وأن أسلوب تكرار التحميد لله تعالى ليس للتأكيد حسب، بل لتثبيت لزومية استدامة التحميد له تعالى في كل شأن من شؤونه سبحانه وتعالى، وهذا الأسلوب ليس ببعيد عن أسلوبية القرآن الكريم في نصوصه الشريفة، فقد كرّر الله تعالى في سورة الرحمن استعمالَ آية: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فذكرها الله تعالى بعد كل صفة من صفاته وشأن من شؤونه، وبعد كل
نعمة أنعم بها سبحانه على الجن والأنس، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إذاً بتكراره التحميد أراد (عليه السلام) تقريرَ الحمد لله في كل شيء.
وأما الذي ذكره (عليه السلام) آنفاً، فهو من باب استعراض المصاديق، وإلاّ فالله تعالى يستحق الحمد على كل حال،
 وهكذا ينبغي للعبد إذا أراد أن يحمد الله تعالى، فعليه أولاً أن يُقرَّ باستحقاق الله تعالى الحمدَ، ويشكر الله على نعمه ويحمده عليها.
وأما المقصود من قول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في متن الدعاء بفقرة: «الحمدُ لله مالكُ المُلكِ، مُجري الفُلك، مُسخر الرياح، فالِق الإصباح، ديّان الدين رب العالمين»،
هو أنّ الله تعالى وحده مَن له السلطنة التدبيرية على نظام الوجود عامة، منذ الأزل وإلى ما لا نهاية له، فـ (مالكُ الملك) وصف واقعي ويقيني لله تعالى حصراً، بمعنى أنّ له تعالى كلّ ما خلقه في الوجود من السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، وما نَعلم وما لا نعلم، يتصرّف به كيف يشاء سبحانه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم نصا بقوله سبحانه: ﴿قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ومفردة «مُجري الفُلك» هذه صورة من صور تدبير الله تعالى وإدارته نظامَ الوجود، والفُلك بضم الفاء هي السفن، وقد ذكر الله تعالى هذه الصورة التدبيرية في القرآن الكريم، فقال عزّ من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، فكل شيء يتحرّك بأمر الله تعالى، ولا يخرج عن سلطنته المطلقة سبحانه على نظام الوجود، حتى السفنُ التي نراها تجوب البحار فهي تتحرك بإرادة الله تعالى ومشيئته ﴿وَالفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، وعلى مثل هذا التدبير الإلهي يستحق سبحانه الحمد حقاً.
وأما «مُسخّر الرياح» فهذه صورة أخرى وعجيبة من الله تعالى في تسخير الرياح لخدمة البشرية حياتيا، فيقول الله تعالى بشأن هذه الحقيقة التدبيرية فعليا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، فالله تعالى هو الذي يرسل الرياح الطيبة اللينة مبشراتٍ بالغيث الذي تثيره بإذن الله, فيستبشر الخلق برحمة الله, حتى إذا حملت الريحُ السحاب المُحَمّل بالمطر، ساقه الله بها لإحياءِ بلدٍ قد أجدبت أرضُه, ويَبِست أشجاره وزرعه, فأنزل الله به المطر, فأخرجَ به الكلأ والأشجار والزروع, فعادت أشجاره مُحَمَلّة بأنواع الثمرات، كما نحيي هذا البلد الميت بالمطر، نخرِجُ الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم; لتتعظوا فتستدلوا على توحيد الله وقدرته على البعث، فالرياح لها من الوظائف الحيوية ما يتوقف عليها نظام حياة الإنسان واقعياً.
لذا فالقرآن الكريم إنما استعرض وظائفَ الرياح مُذكّرا الإنسان بنعم ربه وفضله عليه، فقال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨]، فإجراء الله تعالى الفُلكَ وتسخيره سبحانه الرياحَ من النعم المغفول عن شكرها بشرياً؛ ولذا جاء ذكرُها من لدن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؛ تذكيراً لنا بضرورة شكر النعم.
حتى أن استحباب قراءة دعاء الافتتاح في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، فيه من النص الأخلاقي على ضرورة عدم كفران النعم الإلهية التي نحن نلمسها يوميا، ولولاها لما استقامت الحياة على الأرض.
«فالِق الإصباح»، وهذه هي الأخرى من عظيم صفات قدرة الله تعالى، فقد ذكرها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الليْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
بمعنى: أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي شقّ ضياء الصباح من ظلام الليل, وجعل الليل مستقرًا, يسكن فيه كلّ متحرك ويهدأ, وجعل الشمس والقمر يجريان في فلكيهما بحساب متقن مقدَّر لا يتغير ولا يضطرب, ذلك تقدير العزيز الذي عزَّ سلطانه, العليم بمصالح خلقه وتدبير شؤونهم. فتلك الظواهر الوجودية والكونية مَنْ مُهندسها ومدبّرها؟ أليس الله سبحانه؟ فأنّى لنا نكران تلك النعم والغفلة عنها.
وأما معنى «ديّان الدين رب العالمين»، فهو أنّ الله تعالى هو مَن سيُحاسب الخلائقَ يوم الدين أي يوم القيامة، وهو نفسه ربُّ العالمين ومدبّرهم، ومعنى «رب العالمين»، أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يُطلَقُ عليه عَالَم ، فيُقالُ عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ذلك...
وقد ركّز القرآن الكريم على لزومِ الوعي بمفهوم رب العالمين؛ فلذا افتتح سورة الحمد لله تعالى بهذا الوصف العظيم بقوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثم بعد تحميد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الله تعالى على صور تدبير الله للوجود، يُعرّج (عليه السلام) على تحميده بذكر صفاته المقدّسة بخصوص تعاطي الله سبحانه مع عبده، فيقول (عليه السلام):
«الحمد لله على حلمه بعد علمه، الحمد لله على عفوه بعد قدرته، الحمد لله على طول أناته في غضبه وهو القادر على ما يُريد. الحمد لله خالقِ الخلق باسط الرزق ذي الجلال والإكرام والفضل والإنعام». وهنا يطرح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) خصائصَ الله تعالى المقدّسة، التي ليس كمثله فيها شيء، من الحلم بعد العلم، والعفو بعد القدرة، وطول الأناة في الغضب، والقادرية في إرادته النافذة وجوديا، وخالقية الخلق وباسطية الرزق، وجامعيته تعالى صفاتِ الكمال والجلال.
فالحليم هو مَن بيده تأخير العقوبة عن مستحقّها، وبخاصة إذا ما جاء الحلم بعد العلم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، والعليم هو المُحيطُ بجميع ما خَلق ،فالله تعالى بحكم كونه حليما هو كثيرا ما يُؤخّر معاقبةَ المذنبين، على الرغم من استحقاقهم للعقوبة آنياً، ولكن مقتضى حلمه إمهالُهم لمدة ما؛ علّهم يتوبون توبةً يستحقون بها العفو والمغفرة، وأخلاقية حلم الله تعالى هي التي تعطي للإنسان فسحة من الرجاء والأمل، للعودة إلى ساحة الطاعة؛ لأنه إن لم يحلُم الله تعالى بعباده فيقيناً سينزل بهم العذاب فورا، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم نصاً، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]
ومن أخلاقيّات الله تعالى المقدّسة هي «عفوه بعد قدرته»، والعفو المحو والتجاوز عن الأفعال البشرية المُنكرة، فالله تعالى واقعاً هو العفوّ مع كونه قادراً على معاقبة المقصّرين، فقال تعالى بشأن ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، فالعفو عند المقدرة من صفات الله العزيز القدير، الذي يعفو عن عباده مع امتلاكه القدرة على الانتقام بأي صورة شاء، وهنا يغفل كثير من العباد العصاة عن شكر الله تعالى وحمده على عفوه عنهم إذ أنّهم لم يلتفتوا إلى ذلك.
و«الحمد لله على طول أناته في غضبه»، وهذه هي الأخرى أيضاً من أقدّس أخلاقيات الله تعالى، إذ أنه سبحانه كثيراً ما يتصف بطول الأناة، وهو الإمهال للخُاطئين والعاصين في تنفيذ عقوبته تعالى بهم، بمعنى أنه تعالى بطيء الغضب ولا يتسرّع في تفعيل غضبه بعباده المذنبين، إلاّ بعد أن يحق القول عليهم، وهنا تكمن حقانية حمده سبحانه.
وبعد هذه الفقرة جاءت عبارة: «وهو القادر على ما يُريد»، وهذه العبارة فيها جنبة القوة المطلقة لله تعالى في سرعة تنفيذ غضبه إن أراد سبحانه، وجنبة التفضّل والتكرم الإلهي على المذنبين في عدم إنزال العذاب بهم فورا، إذ أنه (عزَّ وجلَّ) اتصف بطول الأناة في غضبه.
القسم الخامس:
«الحمد لله خالقِ الخلق باسط الرزق، ذي الجلال والإكرام والفضل والإنعام، الذي بَعُدَ فلا يُرى وقرُبَ فشهد النجوى تبارك وتعالى، الحمد لله الذي ليس له مُنازعُ يُعادله، ولا شبيه يُشاكله، ولا ظهيرٌ يُعاضده، قهر بعزته الأعزاء وتواضع لعظمته العظماء، فبلغَ بقدرته ما يشاء».
ومرة أخرى تكثّرَت مقولة (الحمد لله) في امتدادات هذا النص الشريف، شارحةً أفعال الله تعالى وصفاته الذاتية والفعلية.
ومع كلِ مقولة حمد لله تعالى في هذا النص الشريف، ينفتح باب من المعرفة واليقين، الذي يجب من الضرورة العقَديّة والدينية أن يدركها الإنسان المؤمن بالله تعالى وبرسله وكتبه ومنهجه.
ففي مقولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «الحمد لله خالق الخلق باسط الرزق، ذي الجلال والإكرام والفضل والإنعام»، ينبسط علينا وعي وإدراك جديد لمعنى صفات الله تعالى الفعلية كالخالقية للخلق والباسطية للرزق، فهاتان الصفتان الفعليتان من صفات أفعال الله تعالى، فيهما حقيقة وجودية قيمية، إذ أنهما تمثلان عين العدل والرحمة بالخلائق من لدن الله تعالى، فخالقية الخلق هي صفة مساوقة وجوديا لباسطية الرزق، بمعنى أنه تعالى قد نظّم توازن الوجود البشري(٢٦) خلقا ورزقاً، وإذا ما حصل خلل في هذه التوازنية الوجودية، فسببه يقينا من الإنسان لأنّ الله تعالى أجل وأكرم من أن يخلق الخلائق ويتركها سدىً، من دون عناية وتنظيم لمعيارية العدل وتطبيقاته على أرض الحياة الدنيا.
وقد أكّد الإمام علي (عليه السلام) هذه التوازنية الوجودية خلقا ورزقا، بعد تشخيصه الخللَ الحاصل في خرقها عمليا من قبل الإنسان، فقال (عليه السلام): «ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني، وما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع»(٢٧)، فلذا أردف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مقولة الحمد هذه بتوصيف الله تعالى، بذي الجلال والإكرام والفضل والإنعام؛ إشارة منه (عليه السلام) إلى ضرورة تنزيه الله عن صفات الظلم وحاشاه تعالى عن الظلم.
 والمراد بقول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «الذي بَعُدَ فلا يُرى وقرُبَ فشهد النجوى تبارك وتعالى»، توصيف لذاتية الله تعالى المقدسة، وحقيقتها الغيبية الممتنع إدراكها حسيا والمشهود بوجودها قلبيا، فسبحانه مَن بَعُدَ عن لحظات العيون وقرُبَ من خطرات الظنون، وهذا التوصيف الذاتي لله تعالى قد نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، بمعنى: (لا تدركه الأبصار) أي لا تراه العيون بحسيتها ولا تحيط به (وهو يدرك الأبصار) أي يراها ولا تراه (وهو اللطيف) بأوليائه (الخبير) بهم، وهذا التوصيف الذاتي لله تعالى إنما جاء من القرآن الكريم وعلى لسان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في دعائه أيضا؛ رداً على من يقول بجواز الرؤية البصرية لله تعالى كفرقة المُجَسِّمة الضالة عقديا وفكريا، وهذه فرقة ضالة ظهرت في بطن التأريخ المنصرم وهي اليوم تشبه بصورة كبيرة فرقة الوهابية المعاصرة، فالرؤية البصرية والحسية ممتنعة على الله عقلا، لأنّه لو كان سبحانه مرئيا لكان في جهة (حيّز في مكان ما) فيكون جسما، والجسمية محال عليه تعالى وهذا أمرٌ باطل عقلا(٢٨).
وللعلم إنّ مفردتي البعد والقرب في توصيف الله تعالى، لا علاقة لهما بالمكان بالنسبة للإنسان في هذه الحياة الطبيعية المحكومة بقانون الزمان والمكان والعليّة ،وإنما تكشفان عن عمق الغيب من استحالة إدراك ذات الله تعالى وحقيقته الواقعية، فالله تعالى بقدر ما هو غيبٌ مكنون لا يُدرك حساً، فهو قريبٌ وجودا من الإنسان ونفسه بل وقلبه، بل يحول بينهما كما عبّر القرآن الكريم عن تلك الحقيقة العقدية في نصوصه الشريفة، إذ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، بمعنى: ولقد خلقنا الإنسان, ونعلم ما تُحَدِّث به نفسه, ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وهو عِرْق في العنق متصل بالقلب.
وبعد الذي تقدّم من بيان معنى «الذي بعُدَ فلا يُرى»، يكون معنى «قرُبَ فشهد النجوى تبارك وتعالى»، أي هو قريبٌ وحاضرٌ سبحانه من حديث السر البشري لا قربا وحضورا مكانيا، بل بمعنى هو عالم بالسر وأخفى علما إحاطياً يتخطى حدود السر والعلن والزمان والمكان والمادة، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، بمعنى: ألم تعلم أن الله تعالى يعلم كل شيء في السموات والأرض؟ ما يتناجى (أي يتكلموا سرا) ثلاثةٌ مِن خلقه بحديث سرٍّ إلا هو رابعهم بعلمه وإحاطته, ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من هذه الأعداد المذكورة ولا أكثر منها إلا هو معهم بعلمه في أيِّ مكان كانوا, لا يخفى عليه شيء من أمرهم, ثم يخبرهم تعالى يوم القيامة بما عملوا من خير وشر ويجازيهم عليه، إن الله بكل شيء عليم.
ومقولة «الحمد لله الذي ليس مُنازعٌ يُعادله، ولا شبيه يُشاكله، ولا ظهيرٌ يُعاضده، قهر بعزته الأعزاء وتواضع لعظمته العظماء، فبلغ بقدرته ما يشاء»، هي أيضاً مقولة توحيديةٌ صرفة، تمنح الإنسانَ المُدرِك لها مزيداً من الإيمان بوحدانية الله تعالى وواحديته في ملكه، وامتناع أن يكون له شريك في الوجود، واستحالة حاجته تعالى إلى غيره من الملائكة أو البشر كما زعم المشركون ذلك.
وهذه المقولة تساوق بمفادها وبصورة واضحة سورةَ التوحيد (الإخلاص) ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ،بمعنى: قُل -أيها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): هو الله المتفرّد بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات، لا يشاركه أحد فيها، فالله تعالى لم يكن له كفوا أحد أي لم يكن له مكافئ ومماثلٌ في وجوده سبحانه، فهو سبحانه:
«قهر بعزته الأعزاءَ، وتواضع لعظمته العظماء، فبلغ بقدرته ما يشاء»، ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، أي: أنّ الله سبحانه هو الغالب القاهر فوق عباده; خضعت له الرقابُ وذَلَّتْ له الجبابرة, وهو الحكيم الذي يضع الأشياءَ مواضعَها وفق حكمة, الخبير الذي لا يخفى عليه شيء.
فالعلماء هم أفضل مصداق للعظماء؛ لأنهم أقرب الناس إلى معرفة الله سبحانه، فهم يتواضعون له ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
القسم السادس:
«الحمد لله الذي يُجيبني حين أُناديه، ويسترُ علي كل عورةٍ وأنا أعصيه، ويُعظّم النعمةَ علي فلا أُجازيه، فكم من موهبةٍ هنيئة قد أعطاني، وعظيمة مَخوفَة قد كفاني، وبهجة مونقةٍ قد أراني، فأثني عليه حامداً وأذكره مسبّحا».
وهنا نجد أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يبثّ طمأنينةً عقدية بيقينيةِ استجابة الله تعالى دعاءَ عبده الصالح والمؤمن، وهذه المفردة الرائعة «الحمد لله الذي يُجيبني حين أُناديه» تصوغ حقيقةَ كيان الإنسان المؤمن في حركته الوجودية في الدنيا، فالإنسان بطبعه البشري يُحب تأمينَ حاجياته الحياتية، وإذا ما توفّر عنده يقين باستجابة الله تعالى له في تنجيز حاجاته بحسب صلاحه وصالحه، فإنه سوف يتّزن وجوديا وأخلاقيا وروحيا وحتى ذهنياً، وهذا أمرٌ وجداني وفطري مُتسالم عليه عقلائيا من باب (أنّ النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت)، والقرآن الكريم دعم وأعطى ضمانة قطعية لهذه المفردة (دعاء الإنسان لربه)، ولكن أضاف إليها شروطا موضوعية مهمة، تصبّ في مصلحة البشر عامة ،فالدعاء لا يُستجاب من الله تعالى جُزافاً، دونما أن تكون فيه معيارية وجودية وأخلاقية، فالإنسان بمنظار الله تعالى ليس مُدللاً يُعطى كل ما يُريد من ربه، لا ليس الأمر كذلك! بل هو كائنٌ مكلّف شرعيا وعقلانيا، والدعاء يُستجاب وفق قانونية نظام الوجود الإلهي، على ما نص القرآن الكريم بذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، بمعنى: وإذا سألك -أيها النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)- عبادي عني، فقل لهم: إني قريبٌ منهم, أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني؛ فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه, وليؤمنوا بي, لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده, قرباً وجوديا لا ماديا بمعنى القرب اللائق بجلاله.
وهذا النص القرآني الشريف ضمن استجابة الدعاء بشرطين هما: استجابة الإنسان لربه في اتباع منهج الله تعالى الحق والصراط المستقيم، والإيمان بالله تعالى أي بوجوده وتوحيده وتسليم الأمر إليه سبحانه، والنتيجة هي ﴿لعلّهم يَرشدُون﴾.
فنلحظ أن الفقرة تبدأ بـ «الحمد لله...»، وتنتهي بالحمد لله في قوله (عليه السلام): «فأثني عليه حامدا وأذكره مسبحا»، وهذه التفاتة قيّمة حقا، إذ يجب أن يكون البدء بالحمد لله تعالى في صورة الثناء وتعداد النعم، ويجب أن يُختم الحمد أيضا بالحمد لله وتنزيهه عن كل نقص وقبيح سبحانه وتعالى.
وفقرة «ويسترُ علي كل عورة وأنا أعصيه»، هي صورة من صور تفضّل الله تعالى على عبده في حال توبته النصوحة لربه، فالأصل النظامي لله تعالى، أنه حينما يذنب الإنسان يُعاقَب على ذنبه، ولكن مع هذا فالله سبحانه يعطي مساحة معينة من إمكانية ستره على عبده العاصي تلطفاً به ورأفة؛ علّ العبدَ العاصي يُدرك قيمة ذلك الستر الإلهي، الذي لا يمكن معه افتضاح العبد في الدنيا والآخرة، ولكن أغلب الناس لا يدركون ذلك، ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٤]، فالله سبحانه قادرٌ على فضح المذنبين ومعاقبتهم فوراً، ولكن لطفه ورأفته يحول دون ذلك، لا من باب الضعف (معاذ الله)، بل من باب تربية العباد وتوعيتهم بضرورة التوبة والإنابة إليه تعالى فهو القوي العزيز.
وفي فقرة «ويُعظّم النعمة علي فلا أُجازيه، فكم من موهبة هنيئة قد أعطاني، وعظيمة مَخوفَة قد كفاني، وبهجة مونقة قد أراني، فأثني عليه حامدا وأذكره مسبحا».
صورةٌ تبيّن سلبيةَ تعاطي الإنسان مع ربه المنعم الحقيقي عليه، فالإنسان في وعيه العام يدركُ جيدا أنّ كل ما عنده من نعمة فهي من الله تعالى ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] ،والنعم الإلهية لها صورها المتنوعة، فتارة تصل الإنسانَ نعمةٌ مادية ملموسة، كأن يرزقه الله تعالى ولداً أو يحصل على مال حلال، وغيرها كثير، وتارة يدفع الله تعالى عنه بلاءً وقضاءً غير مبرم، فهذه أيضا نعمة حقيقية من الله تعالى، فالنعمة ليست هي أخذٌ من لدن الإنسان من ربه حسب، بل هي دفعٌ عنه من ربه أيضا، وهذه حقائق يجهلها كثير من الناس، فالله تعالى عادل في إنعامه على الإنسان وجودا وعدماً، بمعنى بقدر ما يعطيه من نعم يدفع عنه تعالى المخاطر العظام؛ فالمفروض على الإنسان أن يحمد الله على كل حال.
القسم السابع:
«الحمد لله الذي لا يُهتك حجابُه، ولا يُغلق بابه، ولا يُرد سائله، ولا يُخيب آمله، الحمد لله الذي يُؤمن الخائفين، ويُنجي الصالحين، ويرفع المستضعفين، ويضع المستكبرين، ويهلك ملوكاً ويستخلف آخرين. والحمد لله قاصمِ الجبارين، مُبير الظالمين، مُدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين. الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكّانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموج البحار ومن يسبح في غمارتها. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الحمد لله الذي يَخلقُ ولم يُخلَق، ويَرزقُ ولا يُرزَق، ويُطعِم ولا يُطعَم، ويُميت الأحياء ويُحيي الموتى، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير».
إنّ في هذا النص الشريف المُشتَمل في فقراته على مقولة (الحمد لله) وامتداداتها المعرفية بياناً مُنظّما لوضع الله تعالى وشأنه الخاص به، من حيثية وجوده الحقيقي سبحانه وعظمة قدسيته، واستحالة انتهاك أو اختراق نظامه الوجودي الخاص به، أو العام مطلقا، وبياناً مُنظّماً أيضا لوضع الله سبحانه وعلاقته بعباده الصالحين والطالحين.
وفي النص أيضا من البيان العجيب لصورة تعاطي الطبيعة وجوديا مع ربها، كالسماء والأرض فضلا عن سكانها، وفيه أيضا بيان للطّفية الله بخلقه من جهة هدايتهم وعدم تركهم سدى.
ويختم النص فقراتِه بصفات الله تعالى الفعلية من الخالقية، والرازقية، والإحياء، والإماتة، والقدرة المطلقة، موضحاً في الوقت نفسه لزومية تنزيه الله تعالى عن صفات النقص، نحو قوله (عليه السلام): «الحمد لله الذي يَخلقُ ولم يُخلَق»، وهكذا بقية الصفات الفعلية؛ تركيزاً منه (عليه السلام) على تنشيط الوعي القويم بحقيقة التوحيد الإلهي الحق. فمقولة «الحمد لله الذي لا يُهتك حجابه ولا يُغلق بابُه»، فيها من الاختزال المفهومي لمعنى توحيد الله ما لا يخفى على اللبيب، وهنا استعمل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لبّ الفصاحة العربية، إذ أنه (عليه السلام) أوجز الألفاظ -اختصرها- وأشبع المعنى والمفهوم قيمةً ودلالة ووعيا.
وعلى هذا الأساس الفطري يكون معنى (عدم هتك الحجاب) ومفاده بالنسبة لله تعالى، واحديته ووحدانيته الصرفة وجوديا من جهة تفرّده في تدبير نظام الوجود، وبذاته تعالى من دون استعانة بأحد أو تأثّر بغيره. وتشير هذه العبارة أيضاً إلى استحالة الإحاطة بكنه الذات الإلهية وواقع من غيره، حتى من الملائكة المقرّبين ولا يعلم ما هو إلاّ هو سبحانه وتعالى(٢٩).
وهذه الحقيقة الإلهية -أي عدم هتك حجاب الله تعالى واستحالة ذلك من غيره- عرض لها القرآن الكريم في نصوصه مراراً، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨- ٩].
ومعنى: «ولا يُغلق بابه، ولا يُرد سائله، ولا يُخيّب آمله»، هو عين مفهوم بسط الله تعالى وتوسعته على عباده، فعدم غلق الله تعالى بابه تعبير كنائي يرمز لانفتاح الله تعالى على خلقه رزقا وتدبيرا، ورحمة ولطفا، وهذه الثلاثية الرائعة من: عدم غلق الله تعالى بابه، وعدم ردّه سائله، وعدم تخييبه تعالى آملَه، يجب أن تأخذ طريقها إلى الوعي البشري، إذ أنها تعني وتفيد مدى حرص الله تعالى وعنايته بخلقه خاصة وعامة.
فإذاً، لا بد لنا من الإيمان بهذه الثلاثية الربانية؛ إذ أنها تمنحنا الاستقرار والطمأنينة النفسية، بل والسلوكية في حياتنا البشرية.
وأما مقولة:
«الحمد لله الذي يُؤمن الخائفين ويُنجي الصالحين ويرفع المستضعفين، ويضع المستكبرين، ويهلك ملوكاً ويستخلف آخرين. والحمد لله قاصم الجبارين، مُبيرِ الظالمين، مُدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين، موضعِ حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين»، ففيها من الوضوح بمكان، ما لا يمكن الغفلة عنه على إطلاقي القدرة الإلهية في الهيمنة(٣٠) على نظام الوجود.
وهذه الفقرة ترسم في مفرداتها لوحةً قيمية، تحدّد معالم منهج الله تعالى وسبيله ونظامه في خلقه، فحال الإنسان أياً كان أمامَ ربه، لا يخلو إما أن يكون صالحا أو ظالما، ولربه في الوقت نفسه تجاهه موقف وقرار.
ومعلوم أيضا أنّ الإنسان منذ أن خلقه الله تعالى، يعيشُ ثنائية الخير والشر(٣١)، والعدل والظلم، والحق والباطل؛ فلذا نجد أنّ هذه المقولة القيّمة توضّح موقف الله تعالى تجاه كل ظاهرة بشرية، في صورة تعاطيها العمودي(٣٢) مع الله تعالى، أو تعاطيها الأفقي مع الناس بوجهيها الإيجابي والسلبي؛ لأنّ حال الإنسان -مثلما أسلفنا- لا يخلو إما أن يكون صالحا أو ظالما.
ومن هنا، يجب أن يضع الإنسان المؤمن والصالح والمُستَضعف، نصب عينيه وفي وعيه وذهنه، أنّ الله تعالى مع المؤمنين والصالحين والمُستَضعفين، ولن يتركهم سدى من دون تسديد ونصر ونجاة.
وقد ركّز القرآن الكريم على أهمية وعي الإنسان وفهمه لمعيّة الله تعالى معه وجوديا، فقال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ولكن هذه المعيّة الإلهية مشروطة بشرط تحقّق العنوان لمن يستحقّه، وملازمةِ منهج الله ورسله إيمانا وتطبيقا.
وقد بيّن الله تعالى سننَه الأزلية والسرمدية في تدبير نظام الوجود وبخاصة البشري منه في كتابه العزيز نصاً.
وهذه مقولة: «ويضع المستكبرين، ويهلك ملوكا ويستخلف آخرين، والحمد لله قاصم الجبارين، مُبير الظالمين، مُدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين»، هي الأخرى تُمثّل اختزالاً مفهومياً وقيمياً لسنن الله تعالى في أرضه، فالله تعالى عادل في تطبيقاته السننية، فهو تعالى بقدر ما يكون مع المؤمنين والصالحين والمستضعفين في الوجهة الإيجابية، من جهة نصرهم وتأمين حياتهم وحفظهم من الأعداء ومكاره الحياة، فهو سبحانه بالمقدار نفسه في تعاطيه مع المستكبرين والجبارين والظالمين بالوجهة الانتقامية العادلة، وإليك عزيزي المؤمن نصوصاً قرآنية شريفة تبيّن هذه الحقيقة الحقة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦].
والفقرة في صورة القانون: «ويهلك ملوكاً ويستخلف آخرين»، فهذه سنّة إلهية لا تتبدل(٣٣) ولن تتغير مهما طال الأمد، ومنها ننطلق نحن المؤمنين بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في إيماننا بقربيّة ظهوره الشريف (عليه السلام) واليقين بذلك، وببسطه عدلَ الله تعالى في أرضه المعمورة.
وهذه المقولة في مفادها السُنني تقترب روحا ودلالة من قانون المداولة الإلهي، الذي نصّت عليه الآية القرآنية الشريفة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، بمعنى: وتلك الأيام يُصَرِّفها الله تعالى بين الناس, نصراً مرةً وهزيمة مرةً أخرى؛ لما في ذلك من الحكمة, حتى يظهرَ ما علمه الله في الأزل ليميز(٣٤) الله المؤمن الصادق مِن غيره, ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة، والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم.
وفي نهاية صور التحميد لله تعالى يختم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تحميداته بأروعها في قوله (عليه السلام): «الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماءُ وسكّانها، وترجف الأرض وعمّارها، وتموجُ البحار ومن يسبح في غمراتها. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الحمد لله الذي يَخلقُ ولم يُخلَق، ويَرزقُ ولم يُرزَق، ويُطعِم ولا يُطعَم، ويُميت الأحياء ويُحيي الموتى، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير».
فالسماء والأرض والبحار ومن يسكنُ فيها من الملائكة والبشر والكائنات الأخرى، كلها تُسبّح لله تعالى وجدانا وتكوينا،
فالأمر ليس منحصراً في طبيعة وجودية خلقِها مجبولةً على العبادة قهراً، كما يتصوّر البعض، لا ليس الأمر كذلك، فالسماء والأرض والجبال وكل المخلوقات الطبيعية لها وعيها الخاص بها وجوديا وتقواها العملية إرادياً، والقرآن الكريم صرّح نصا بذلك في نصوصه الشريفة؛ لأنه في صورة جبر الأشياء الطبيعية على عبادة الله تعالى، دونما أن يكون لها وعي ودراية بذلك، فذلك ليس من الفضيلة في شيء، حتى يُستشَهد به مثلا على تقوى الله تعالى؛ فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فالله تعالى يطرح خيارين أمام عبادة السماء والأرض له تعالى، وهما الطاعة الطوعية أو الإكراهية(٣٥)، فانظر ماذا يختارا -السماء والأرض- ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، بمعنى: ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال, ففهم ما فيه مِن وعدٍ ووعيد, لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلا متشققًا من خشية الله تعالى. وتلك الأمثال نضربها, ونوضّحها للناس؛ لعلهم يتفكرون في قدرة الله وعظمته، وفي الآية حثّ على تدبّر القرآن, وتفهّم معانيه, والعمل به.
القسم الثامن:
«اللهم صلّ على محمدٍ عبدك ورسولك، وأمينك وصفيك وحبيبك، وخيرتِك من خلقك، وحافظ سرك، ومبلّغ رسالاتك، أفضلَ وأحسن وأجمل، وأكمل وأزكى وأنمى، وأطيب وأطهر وأسنى، وأكثر ما صلّيت وباركت وترحّمت، وتحنّنت وسلّمت على أحدٍ من عبادك وأنبيائك ورسلك، وصفوتِك وأهلِ الكرامة عليك من خلقك. اللهم صلّ على عليٍ أميرِ المؤمنين، ووصي رسول ربّ العالمين، عبدِك ووليك وأخي رسولك، وحجتك على خلقك وآيتِك الكبرى والنبأ العظيم، وصلّ على الصدّيقة الطاهرة فاطمةَ الزهراء سيدةِ نساء العالمين، وصلّ على سبطي الرحمة وإمامي الهدى، الحسنِ والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وصلّ على أئمة المسلمين، علي بنِ الحسين، ومحمد بن علي، وجعفرِ بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلفِ الهادي المهدي، حججِك على عبادك، وأمنائِك في بلادك، صلاةً كثيرة دائمة».
إنّ الصلاة على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله المعصومين (عليهم السلام)، حقٌ أسس له القرآن الكريم في نص شريف، في قوله تعالى: ﴿إنّ الله وملائكته يُصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ومعنى الصلاة على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الدعاء له وتعظيمه حالَ ذكرِه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما يصنع الله تعالى هو وملائكته وجوديا وبصورة مستمرة، مذ خلق الله تعالى محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى ما يعلم الله ختامَه، وهنا أمرٌ مهم يجب التنبه عليه، هو أنّ الصلاة من الله على النبي هي بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى التزكية له (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا فعلٌ من الله وملائكته يدوم، والدليل على ذلك استعمال الله تعالى للحكاية عن هذه الحقيقة صيغةَ الفعل المضارع (يصلّون) وهو فعل مستمر الحدث والتجدد لا ينقطع.
وقد ورد في الروايات الصحيحة عن أبي حمزة، عن أبيه، أنه سأل الإمامَ الصادق (عليه السلام) عن معنى التسليم في قوله تعالى ﴿وسلموا تسليما﴾، فقال (عليه السلام): يعني التسليم له فيما ورد عنه. قال: فقلتُ فكيف نصلي على محمد وآله؟ قال (عليه السلام): تقولون «صلواتُ الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه، على محمد وآل محمد والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته». قال: فقلتُ فما ثواب من صلّى على النبي وآله بهذه الصلاة؟ قال (عليه السلام): الخروجُ من الذنوب واللهِ كهيئة يوم ولدته أمه، وقرأ الإمام الصادق (عليه السلام) بعد ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال (عليه السلام): «كل دعاءٍ يُدعى الله تعالى به محجوبٌ عن السماء، حتى يُصلى على محمد وآل محمد»(٣٦)، اللهم صلِ على محمد وآل محمد، بقدر ما أنتَ وملائكتكَ تُصلي عليه يا الله.
وقد جاء في كتاب (الصواعق) لابن حجر الهيثمي: «أنّ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: لاتصلّوا عليّ الصلاةَ البتراء. فقالوا وما الصلاة البتراء؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): تقولون «اللهم صلّ على محمد»، وتُمسكون، بل قولوا: «اللهم صلّ على محمد وآل محمد»(٣٧).
وإنّ معنى ﴿ويسلموا تسليما﴾ هو وجوبُ الانقياد والطاعة والتسليم لمنهاج الرسول الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي هو منهاج الله تعالى عينه، والذي يُعزّز هذا الرأي تأكيدُ القرآن الكريم حقيقةَ الانقياد العلمي والعملي إلى منهج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسننه الشريفة، في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وهنا يتّضح الأمر التربوي والتعليمي جلياً، إذ أنّ القرآن الكريم جعل المعيار في إيمانية الفرد المسلم، مدى إتّباعه وتسليمه إلى منهج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقضائه في زحمة المناهج التربوية وتداخلها في كل وقت، وعدم التقاطع معها وعدم الاستنكاف في الأخذ منها؛ إذ بها يتحقق سبيل النجاح والفوز.
ومن الممكن الإفادة تربويا وتعليميا من هذه القيم القرآنية، في تنمية الأفراد وتربيتهم سلوكيا ونفسيا وفكريا، وهنا نلحظ نقطة مهمة جدا يجب الالتفات إليها، هي أنّ ذكر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الأئمةَ المعصومين ومنهم الصدّيقة الزهراء (عليه السلام) بالصلاة والدعاء في صورة الصلاة الحقّة والكاملة على النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تأكيد منه (عليه السلام) حقيقة المعصومين (عليهم السلام)، وبيان قداستهم ومدى استحقاقهم للتقدير والتعظيم، وأنهم معصومون قطعاً، فضلا عن أنّ ذكرهم المتسلسل يعني أنهم أئمة الإنسان والوقت في كل زمان ومكان، وهذا يعني أنهم خلفاء النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحق ومشروعية، مثلما نصّ عليهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فردا فردا.
ومن النصوص الصحيحة أيضا في صراحتها ودلالتها القطعية(٣٨) في إمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ما رواه الصحابي الجليل الثقة (جابر بن عبد الله الأنصاري)، قال: لمّا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، قُلتُ: يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عرفنا الله فأطعناه، وعرفناك فأطعناك، فمَنْ أولوا الأمر الذين أمرنا الله بطاعتهم؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هم خلفائي يا جابر، وأولياء الأمر بعدي -وفي نسخة أئمة المسلمين من بعدي- أولهم أخي علي (عليه السلام)، ثمّ من بعده الحسن (عليه السلام) ولده، ثمّ الحسين (عليه السلام)، ثمّ علي بن الحسين (عليه السلام)، ثمّ محمد بن علي، وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، ثمّ جعفر بن محمد (عليه السلام)، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى الرضا، ثمّ محمد بن علي، ثمّ علي بن محمد، ثمّ الحسن بن علي (عليه السلام)، ثمَّ محمد بن الحسن يملأ الأرض قسطا وعدلا كما مُلِئَت ظلما وجورا»(٣٩).
القسم التاسع:
«اللهُمّ وصلِ على ولي أمرك القائم المؤمّل والعدل المُنتَظَر، وحفّه بملائكتك المقربين وأيّده بروح القدس يا رب العالمين».
إنّ هذا النص الشريف يضعُ أمامنا -نحن المؤمنين المُنتَظرين ظهور إمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)- وظائفَ وتكاليف شرعية وأخلاقية، ومن خلال تطبيقها تتحدّد هويتنا الفعلية والإيمانية في هذه الحياة، وبخاصة أننا نعيش محنةَ الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي (عجّل الله فرجه).
وأبرز وظيفة هنا الدعاءُ، ذلك السلاح الرباني الخفي(٤٠) الذي يجهل كثيرٌ قيمتَه ومعطياته؛ فالدعاء خيار مشروع ومعقول ينبغي لنا اللجوء إليه في المحن والشدائد وفي محنة غيبة إمامنا المهدي (عجّل الله فرجه) خصوصاً، ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
 ولا يتصوّرنّ أحدٌ أنّ الدعاء وسيلة المُستضعفين حسب، بل خلاف ذلك، فالإنسان أياً كان نبياً أو إماماً أو من عوام الناس، وفي أي حال كان هو في الرخاء أو الشدة، فالكل مُحتاج إلى الدعاء، الذي هو سبيل مفتوح بين السماء والأرض، ومن خلاله تتنزل الإمدادات الغيبية لمُستحقيها.
 فالقرآن الكريم ضرب لنا أمثال رائعة في معطيات الدعاء ومردوداته في أحلك الظروف، التي غالبا ما يكون فيها المؤمنون مُحاصَرين بضغوطات الطواغيت والظلمة، فعند الدعاء تنفرج الهموم وتنكشف الغموم، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]، أي: ولمّا ظهروا (أي طالوت وأتباعه) لجالوت وجنوده, ورأوا الخطر رأيَ العين، فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيماً, وثبّت أقدامنا, واجعلها راسخةً في قتال العدو, لا تفرّ مِن هول الحرب, وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين، فكان الردّ الإلهي فوريا بالنصر والغلبة لطالوت وجنوده، إذ قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]، بمعنى: فهزموهم بإذن الله, وقتل داود (عليه السلام) جالوتَ قائدَ الجبابرة, وأعطى الله (عزَّ وجلَّ) داودَ بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل, وعَلَّمه مما يشاء من العلوم، ولولا أن يدفع الله ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا وهم أهل المعصية والشرك به, لفسدت الأرض بغلبة الكفر, وتمكّن الطغيان وأهل المعاصي, ولكن الله ذو فضل على المخلوقين جميعًا.
إذاً، إذا عرفنا قيمة الدعاء ومردوداته الربانية الفورية، وأدركنا أنه سبيل مفتوح بين الله وعباده الصالحين، فما علينا إلاّ تعبئة الدعاء بالعمل على مرادات الله تعالى ورسوله والمعصومين (عليهم السلام) عقديا وشرعيا وأخلاقيا واجتماعيا؛ فالدعاء ليس أسلوباً وجدانياً حسب، أي ليس علاقة مغلقة بين العبد وربه فقط، بل الدعاء وسيلة إعلام وتثاقف وتناقل للمعارف الربانية والإسلامية بين المؤمنين وعامة الناس، فكثيرا ما استعمل أئمتنا المعصومون (عليهم السلام) الدعاء خياراً لبث علومهم ومنهجهم بين الناس في أحلك الظروف، وما الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين (عليه السلام) إلا شاهدٌ على ذلك، وكذلك من كان من الأئمة (عليهم السلام) من قبلِه الإمامُ علي (عليه السلام)، والحسن والحسين (عليهما السلام)، فالملحوظ في حركتهم استخدامُ الدعاء وتوظيفه لتوعية الأمة وإرشادها حياتيا.
 طبعا، فإن الدعاء يحتاج إلى العمل وفهم الجوهر والمفاد، فليس الأمر منحصرا بترديد ألفاظ قد يجهل المتلفّظ بها معناها، وإنما المطلوب الوقوف على المعنى والمراد ؛ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر»(٤١)، وهذا النص فيه تقريب حسي للناس، وترميزٌ وجودي لضرورة الدعاء حياتيا، إذا أنه عادة ما تكون الحاجة إلى القوس ووتره في الحرب أو الدفاع، أو حتى في السلم، إشعاراً للآخرين بوجود قوة يمكن اللجوء إليها في أي لحظة، فالداعي بلا عمل وتطبيق ووعي لما يدعو به، كالرامي بلا وتر في قوسه، فما ينفعه ذلك ميدانيا، بمعنى أنه يُحرّك مقبض القوس دونما أن يضع فيه وتراً، وهكذا حالنا فغالبا ما ندعو من دون عمل وفعل ملموس واقعاً، ومن ثم لا تكون هناك استجابة للدعاء.
وأول انطلاقة في دعائنا الدعاءُ الخاص بإمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)، وبحسب ما جاء في صياغية دعاء الافتتاح وبخاصة النصُ أعلاه، الذي نحن بصدد بيانه وتوضيح مطالبه، فيجب أن ندرك ما ندعو به.
وفي قولنا خصوصا: «اللهُمّ وصلِ على ولي أمرك القائم المؤمل والعدل المنتظر، وحفّه بملائكتك المقربين وأيده بروح القدس يا رب العالمين».
نلحظ مصطلح (ولي الأمر) ونسبته إلى الله تعالى، وما فيه من النسبة القيمية والتشريفية للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، بكونه ولي أمر الله تعالى في أرضه. فمصطلح (ولي الأمر) مصطلح قرآني أصيل(٤٢) يُساوق مفهوميا الإمامَ المعصوم (عليه السلام)، لذا فالقرآن الكريم بثّ وعيه ومراده بهذا المنصب الإلهي للمؤمنين، وطلب منهم الطاعة العملية لِمن يتسنّمه، وبجعلٍ من الله تعالى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى أيضا: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣]، بمعنى: وإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقرّ الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه، متعلق بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين, أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان, أفشوه وأذاعوا به في الناس، ولو ردَّ هؤلاء ما جاءهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لعرفوا حقيقة معناه، ولولا أنْ تفضَّلَ الله عليكم ورحمكم -ببعث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبتنصيب إمام وقت لكل زمان وإنسان- لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم.
وهنا ملاحظة ونكتة بيانية مهمة جداً(٤٣)، استعملها القرآن الكريم في النصين أعلاه، وهي إيراده في النص الأول صيغةَ ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ فضمير (منكم) يرمز إلى الحاضرين ومبسوطي اليد في ميدان العلم والشريعة والمجتمع، من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بعد شهادة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وختم النبوة الشريفة.
وصيغة ﴿وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ في النص الثاني، ترمز إلى ضرورة الرجوع إلى ولي الأمر وإن كان غائبا ميدانيا، بمعنى أنّ طاعة ولي الأمر المعصوم والرجوع إليه واجبة شرعا وعقلا سواء أكان حاضرا أم غائباً، ومن هنا تكون طاعة الإمام المهدي الغائب (عليه السلام)، الذي هو ولي أمر الله طاعةً واجبة شرعا وعقلا بنص القرآن الكريم، فالاعتقاد بإمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لم تأتِ جزافا من دون دليلٍ قرآني قويم، مُؤسس لقانون الإمامة المفتوحة ربانيا بعد ختم النبوة المحمدية، فالله تعالى طرح مفهوم الإمام وحدده بصورة واضحة في كثير من نصوصه الشريفة قرآنيا، فمثلا قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فنلحظ أن حقيقةَ نصب الإمام وجعله تكون مُنحصرة بيد الله تعالى، ويتم تبليغها لمستحقّها بطريق النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ذلك بتكرّر مصطلح جعل الإمام بيد الله تعالى حصرا: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾، بحيث يصلُ الحال إلى أن يُدعى كل فردٍ إنساني بإمام وقته يوم يقوم الناس لربّ العالمين، والذي كان من الواجب الشرعي والعقلي على ذلك الإنسان الإيمان به وطاعته، قال تعالى بشأن ذلك: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء: ٧١]، بمعنى: ذكّر أيها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم البعث مبشرًا ومخوفًا، حين يدعو الله (عزَّ وجلَّ) كلّ جماعة من الناس مع إمامهم الذي كانوا يقتدون به في الدنيا، فمن كان منهم صالحًا وأُعطي كتابَ أعماله بيمينه، فهؤلاء يقرؤون كتاب حسناتهم فرحين مستبشرين، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم الصالحة شيئًا، وإن كان مقدارَ الخيط الذي يكون في شقِّ النواة، وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «لمّا نزلت هذه الآية ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال المسلمون: يا رسول الله، ألستَ إمام الناس كلهم أجمعين؟ قال: فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنا رسول الله إلى الناس أجمعين، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي، يقومون في الناس فيُكَذّبون، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم، فمن والاهم واتبعهم وصدّقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألا ومَن ظلمهم وكذّبهم فليس مني ولا معي وأنا منه بريء»(٤٤).
ويقنياً أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو أحد أئمة أهل بيت الرسول الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، وهو إمام وقتنا، وغدا سنُدعى به قطعاً، فلذا يجب الالتفات إلى ذلك إيمانيا.
إنّ فقرات نص الدعاء آنفاً، التي هي وظائف عقدية مُحدّدة لكل فرد مؤمن ومسلم، تتطلّب كل واحدة منها بسطاً في البحث والتنظير المعرفي وهو ما يطول به الكلام، ولكن سنقف مختزلِين على الفقرات المهمة جداً، منها:
«والعدل المُنتَظَر»، فهذه فقرة تنص على توصيف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في حال ظهوره الشريف، بحقيقة العدل وماهيته تطبيقياً، ومعلوم عند أهل البلاغة والبيان أنّ توصيف الذات البشرية بصيغة المصدر (العدل)، لهو أبلغ وأعمق دلالة ومفاد من توصيفه بصيغة اسم الفاعل (عادل)، وهذا التوصيف يأتي عن استحقاق واقعي وتأهيل ذاتي للموصوف، وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا، مثلما مُلِئَت ظلما وجورا، فصيغة المصدر (العدل) فيها من الإطلاقية(٤٥) في تطبيق العدل الإلهي ما لا تتوفر عليه صيغة اسم الفاعل (عادل)؛ ومن هنا تحدّد وصف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بـ (العدل المُنتَظر)، وهذا التوصيف يشير إلى معنيين هما:
١- انتظار شخص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الموصوف بالعدل.
٢- أو انتظار تطبيق العدل الإلهي وتحققه على يد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حياتيا، بالطبع، فكلا المعنيين يرجع روحا ومعنىً إلى حقيقة واحدة.
وفقرة: «وحُفّه بملائكتك المقربين، وأيّده بروح القدس يا رب العالمين»، وظيفةٌ بصورة الدعاء، ينبغي أن لا يغفل عنها المؤمن في حال تعاطيه وجدانيا وإيمانيا مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ولا مانع عقلا وشرعا من أن يؤيّد الله تعالى ولي أمره المهدي (عجّل الله فرجه) بالملائكة المقربين وبروح القدس.
 فطلبنا من الله تعالى بأن يحفّ -أي يُحيط وجودا- إمامَنا المهدي (عجّل الله فرجه) بملائكته المقربين وبروح القدس، تأمينٌ مشروعٌ ومعقول على حياة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المحفوفة بالمخاطر، فالقرآن الكريم ضمن لنا ذلك تأسيسا وتطبيقا، مثلما حصل مع شخص الرسول الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حياته الشريفة، فقال تعالى بخصوص ذلك: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، بمعنى: فإن الله هو وليه (ولي محمد وآله (عليهم السلام)) وناصره, وجبريل (عليه السلام)، وصالح المؤمنين (الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام))، والملائكة بعد نصرة الله، أعوانٌ له ونصراء على مَن يؤذيه ويعاديه.
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
القسم العاشر:
«اللهم اجعله الداعي إلى كتابك، والقائمَ بدينك، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مكّن له دينه ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمناً، يعبدك لا يشرك بك شيئا. اللهم أعزّه وأعزز به، وانصره وانتصر به، وانصره نصرا عزيزا، اللهم أظهِر به دينَك وسنة نبيك، حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافةَ أحد من الخلق. اللهم إنّا نرغبُ إليك في دولةٍ كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهلَه، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادةِ إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة».
 إنّ من المعلوم عَقديّاً أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، أُوكِلَت إليه مَهمة الدعوة إلى كتاب الله الخالد القرآنِ الكريم، والقيام بالدين واقعيا وخلافة الله تعالى في أرضه شرعةً ومنهاجا، وهذه المهمة الكبيرة تتحقق بعد ظهوره الشريف (عليه السلام)، وظفرِه ميدانيا بزمام الأمور والتدبير، حينها يتبدّل حال البشرية إلى الأفضل والأحسن وجودا ونظاماً، إذ يتحول الخوف إلى أمن، والشرك والكفر إلى توحيد لله تعالى، ويصبح الإسلام ديناً للناس كافة، ويلمس الكل أفضلَ سنّة نبيٍ عرفتها البشرية وهي سنّة محمد وآله (عليهم السلام)، سنةِ الوسطية والعدل والاعتدال والعقلانية والأخلاقية والإنسانية، حتى يصل الأمر إلى ظهور العدل والحق كليا دونما تخوفٍ من أحدٍ من الخلق، وهذا هو جوهر «حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافةَ أحد من الخلق».
 وهذه المُرتَكزات الوجودية والقيمية، هي البنية التحتية لقيام الدولة الكريمة، في عهد ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في المستقبل إن شاء الله تعالى، أما البنى الفوقية فهي سريان التطبيق الفعلي لشرعة الله ومنهاجه في أرضه المعمورة وامتداد ذلك التطبيق بين بني البشر قاطبة، وهذا يعني أنّ هناك مرحلة ستصل إليها البشرية عند الظهور الشريف للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، هي مرحلة الاقتناع الذاتي والعلمي والديني والأخلاقي بمشروعية الإسلام العزيز وحقانيته بصورته المستقيمة في الإسلام المحمديّ الأصيل إسلامِ المعصومين (عليهم السلام) لا الإسلام المشوّه والمقلوب. إذ أنه لا يمكن لدينٍ ما من أن يبسطَ نفوذه القيمي والعقدي والتشريعي، ما لم يقتنع الناس به ذاتياً، وهذا هو معنى النص الشريف قرآنيا: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، يعني لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه، لمن تُعرَض عليه دعوة الإسلام؛ وفي الآية تشريع لعدم الإكراه؛ فالدلائل مبينة يتضح بها الحق من الباطل, والهدى من الضلال، فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله، ويؤمن بالله, فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى, واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له، والله سميعٌ لأقوال عباده, عليمٌ بأفعالهم ونياتهم, وسيجازيهم على ذلك.
 إذاً، بما أنّ المُرتكزات القيمية أعلاه من الدعوة إلى كتاب الله تعالى، وقيام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالدين ميدانيا، وصيرورته (عليه السلام) خليفةً فعلياً لله تعالى، مبسوطَ اليد وظاهرا في العدل والحق، وبدولة كريمة عالمية النفوذ، قد جاءت في صورة الدعاء والرجاء الذي يجب أن يُمارسه الإنسان المؤمن دائماً، فعلينا أن ندرك حقيقة تنجّز مثل تلك المرتكزات وقطعيتها، وضمان تحقّقها إن شاء الله تعالى بيد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
لأنّ القرآن الكريم أعطى وعداً صادقا غيرَ مكذوب، وصرّح بإرادة ربانية لا تُقهر في تحقّقاتها حياتيا، أنّ كل ما ذُكر آنفاً في صورة الدعاء، هو وعدٌ لن يُخلف وناجزٌ يقيناً إن شاء الله تعالى في نهاية المطاف، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ [الكهف: ٩٨].
وفيما يخص ماهية ذلك الوعد الإلهي وحقيقته، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، أي بمعنى وعدَ الله بالنصر الذين آمنوا منكم وعملوا الأعمال الصالحة، وعلى رأسهم أميرُهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، بأن يورثَهم الأرضَ كلّيا ويجعلهم خلفاءَ فيها، مثلما فعل مع أسلافهم من المؤمنين بالله ورسله, وأن يجعل دينهم الذي ارتضاه لهم -وهو الإسلام- دينًا عزيزًا مكينًا، وأن يبدّل حالهم من الخوف إلى الأمن إذا عبدوا الله وحده، واستقاموا على طاعته، ولم يشركوا معه شيئًا، ومن كفر بعد ذلك الاستخلاف والأمن والتمكين والسلطنة التامة، وجحد نِعَم الله، فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله.
وقال الله تعالى أيضا مُفصحاً عن يقينية إظهار الدين كله بيد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ [الفتح: ٢٨]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩].
طبعا إنّ تكرار هذه النصوص الشريفة -ذات المفاد الواحد- إنما وقع من أجل تعزيز الثقة والطمأنينة بتحقّق الوعد الإلهي فعلياً إن شاء الله تعالى، وفي شأن تفسير هذه الآيات الشريفة، قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فقال (عليه السلام): «والله ما نزل تأويلُها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرجَ القائم عليه السلام، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه، حتى أن لو كان كافرا أو مشركا في بطن صخرة، لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني واقتله»(٤٦)، وقال تعالى أيضا: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
فالقرآن الكريم مليءٌ بالنصوص القطعية التي تُحدد مصيرَ البشرية، في نهاية الصراع والمعترك بين الحق والباطل، وكلها تدلّ على الظهور والغلبة الفكرية والتشريعية والتطبيقية لدين الإسلام على كل دين، وهذه النصوص القرآنية القطعية الصدور والدلالة يجب أن تكون بالنسبة لنا مُحرّكاتٍ وبواعثَ تدفع بنا إلى وعي الانتظار للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، والرغبة الصادقة في تعجيل ظهوره الشريف.
وللأمانة المعرفية والعلمية، فإنّ الإسلام الأصيل والمتجسّد في كيانية محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل محمد المعصومين (عليهم السلام)، لا ينحو بمساره وتفكيره وتأسيسه إلى الخرافية(٤٧) والغلو والمثالية (الطوبائية)، بقدر ما ينحو إلى الواقعية الحقّة، التي ابتعد الناسُ عن محدّداتها ومعالمها، فراحوا يرمون من يتحدث عنها بالخيالية والمثيولوجيا الدينية! وهذا أمرٌ طبيعي، فعندما يُصاب الإنسان بالعمى الذهني والقلبي لا يمكن له أن يعيَ أو يدرك الحقيقة، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، أي: أفلم يَسِر المكذّبون من الناس عامة في الأرض ليشاهدوا آثار المُهلكين، فيتفكروا بعقولهم ليعتبروا، ويسمعوا أخبارهم سماعَ تدبُّر فيتعظوا؟ فإن العمى ليس عمى البصر، وإنما العمى المُهْلِك هو عمى البصيرة عن إدراك الحق والاعتبار.
القسم الحادي عشر:
«اللهم ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه، اللهم المُم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثّر به قلّتنا، وأعز به ذِلتنا، واغن به عائلَنا، واقض به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسدّ به خلتنا، ويسّر به عسرنا، وبيّض به وجوهنا، وفكّ به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتَنا، وأعطنا به سؤلنا وأعطنا به فوق رغبتنا. يا خيرَ المسؤولين وأوسع المعطين، اشف به صدورنا، وأذهب به غيظَ قلوبنا، واهدنا به لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وانصرنا به على عدوّك وعدونا الهَ الحقّ آمين. اللهم إنّا نشكو إليك فقدَ نبيّنا صلواتك عليه وآله، وغيبةَ إمامنا وكثرةَ عدونا وقلةَ عددنا، وشدةَ الفتن بنا وتظاهرَ الزمان علينا، فصلّ على محمد وآل محمد، وأعنّا على ذلك بفتحٍ منك تعجّله وبضر تكشفه، ونصر تعزّه، وسلطان حق تظهره، ورحمةٍ منك تجلّلناها، وعافية تلبسُناها، برحمتك يا أرحم الراحمين».
يطرحُ هذا المقطع الأخير من دعاء الافتتاح مقولاتٍ قيمية تربوية وحقوقية، تصبّ في صالح الإنسان وصلاحه حياتياً، ومن أبرز هذه المقولات: (معرفة الحق)، و(تحَمُّل الحق)، اللتان تُستنبطان من «اللهم ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه»، فمعرفة الحق وشؤونه وتحمّل أدائه وتطبيقه، تُعدّ المعيارَ والمِلاك في تحديد خيارات الإنسان فكريا وشرعيا وسلوكيا، بمعنى على الإنسان المؤمن أن يَعرِفَ الحق أولاً، ويُذعِن له ثانياً، ويُطبّقه ثالثا ويتبع حمَلَته وأهله رابعاً.
والحق أمرٌ واضح وبديهي في صوره المتعددة، من الفكر الحق، والاعتقاد الحق، والأخلاقيات الحقّة، والمنهج الحق، والثقافة والمعرفة الحقة، وتوصيفاته واسعةٌ جدا ولكنّ تطبيقاته قليلة جدا في الوقت نفسه، على ما ذكر ذلك أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، فقال: «الحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقُها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحدٍ أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه»(٤٨).
وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) نفسه، قد أسس لنا معيارية رائعة في الطريقة المثلى ونمطية التعاطي مع مفاهيم الحق وتطبيقاته، وحدّد لنا (عليه السلام) بوصلةَ معرفة الحق وتشخيصه، فقال (عليه السلام): «لا يُعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحق تعرف أهلَه»(٤٩).
إذاً، معرفة الحق هي وظيفة الإنسان المؤمن بعدما يُعرّفه الله تعالى به ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٢٩].
«اللهم ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه وما قصرنا عنه فبلّغناه»، وعلى أساس من معرفة الحق وأهله يكون القبول والرفض أسلوبَنا المعياري في تعاطينا مع الأشياء كافة، فبقول الحق نقبل الأشياء وحمَلَتها، وهذه قيمة مقدّسة لا ينبغي التفريط بها ونستَشهدُ بصورة رائعة عن هذه الحقيقة، وهي عند قراءة الحوارية التي دارت بين الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه (محمد بن الحنفية)، التي ركّز فيها الحسين (عليه السلام) على ضرورة الإصلاح وتطبيقه ميدانيا، حينما قال (عليه السلام): «إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً، ولا مُفسدا ولا ظالماً، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي، أُريدُ أن أمرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خيرٌ الحاكمين»(٥٠).
وفي هذا النص الوثائقي من لدن الحسين (عليه السلام) يظهر للقارئ الواعي معيارية النهضة الحسينية الشريفة وقيميتها، التي تقومت بمقولة إصلاح الأمة وتقويمها، بعد الاعوجاج الذي حصل في وقت حكم الأمويين. وهذه المعيارية - القيمية(٥١) في حركة الحسين (عليه السلام) المجتمعية، تعنونت بعنوان قبول الحق ومِلاكه، الذي هو محور مقدّس يجمع حوله كلّ مقولات الله تعالى وغاياته في تعاطيه مع عباده في هذه الحياة الدنيا.
وهذا الملاك (القبول بقبول الحق)، يَفتحُ تأسيساً جديدا وأصيلاً لم يكن معهودا عند الأنظمة الطاغية في وقت نهضة الحسين (عليه السلام)؛ فلذا رسّخه الحسين (عليه السلام) في حركته ترسيخاً ودعماً لمقولة أبيه الإمام علي (عليه السلام): «اعرِف الحق تَعرِف أهله لا يُعرَفُ الحقّ بالرجال»، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ ملاكيّة (القبول بقبول الحق) ومعياريّتها تُبعِد الأنسان المُصلِح عن ذاته البشرية ومنها منزلته ودرجته الخاصة حياتياً؛ لذا نجدُ أن الحسين (عليه السلام) كان مُلتفتاً التفاتا سديداً، وواعيا لما يؤسس نظريا وتطبيقيا لمشروع التغيير، ومن أجل قطع الطريق أمام خصومه من اتهامه بالتأسيس لشخصه وذاته إذ أنه (عليه السلام)، لم يقُل: «فمن قبلني لشرفي ومنزلتي في المسلمين وقرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما إلى ذلك... لم يقُل شيئا من هذا، إنّ قبوله يجب أن يكون عنده (عليه السلام) بقبول الحق؛ فهذا داعٍ من دعاته، وحين يقبلُ الناس داعي الحق، فإنما يقبلونه لما يحمله إليهم من الحق والخير لا لنفسه»(٥٢).
ومن أبرز صور معرفة الحق وضرورة تحمّله، معرفة إمام الزمان والإيمان به عَقّديّا، ونعني به الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه)، وهو اليوم إمام العصر والإنسان في عصر الغيبة الكبرى.
وقد أكدت الروايات الصحيحة بصورة لا تقبل الشك بعد تأكيد القرآن الكريم، حقيقةَ أصل الإمامة الحقة والمجعولة ربانيا، بعد ختم النبوة، قال النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولم يعرف إمامَ زمانه مات ميتة جاهلية»(٥٣)، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. قلتُ (الراوي): جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): جاهلية كفرٍ ونفاق وضلال»(٥٤).
وإليك عزيزي القارئ رواياتٍ صحيحة أخرى عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وهذه متونها: [«إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام، حتى يعرف»، «إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام»، وفي صحيحة ابن أبي العلاء: يُسأل أحد الأئمة (عليه السلام): «تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال (عليه السلام): لا»، وفي رواية أبي حمزة: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»، وفي رواية أبي هراسة: «لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها»، وفي رواية يونس: «لو لم يكن في الأرض إلا اثنان لكان الإمام أحدهما»](٥٥).
إذاً، إذا أدركنا وعرفنا الحق بصوره المتعددة التي عرّفنا الله تعالى بها، وعلى رأسها توحيده سبحانه، والإيمان به، وببعثة نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والاعتقاد بإمامة المعصومين (عليهم السلام) المنصوبين من قبل الله تعالى، وضرورة الإيمان بعدل الله تعالى، وبعثه الخلائقَ لمحاسبتها وجزائها يوم يقوم الناس لرب العالمين، إذا عرفنا ذلك كله، ينبغي لنا أن ندرك جيدا أنّ وجود الإمامِ ونصبه بصورة عامة -وبخاصة عقيدتنا به (عليه السلام)- تأمينٌ عقدي وذهني وشرعي واجتماعي وأخلاقي لحياتنا البشرية، إذ أنه من دون وجود إمام للناس سيحصل الاختلاف والتناحر والفساد بين بني البشر؛ لأنّ البشر غير المعصوم يتحرك وفق هواه، بعيدا عن الله تعالى في الأعم الأغلب؛ فلذا تكون ضرورة الإمامة أماناً للناس من التفرّق والتناحر والضياع الفكري، وهذا ما أكدته الصديقة الزهراء (عليها السلام) نصا في خطبتها الشهيرة في المسجد النبوي الشريف، حيث قالت (عليها السلام): «وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا من الفرقة»(٥٦).
فمن الطبيعي أن نجد في متن دعاء الافتتاح الشريف مهمات الإمام المعصوم (عليه السلام)، ونخص بالذكر خاتمَ الأئمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومنها ما قاله (عليه السلام): «اللهم المُم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثّر به قلّتنا، وأعز به ذِلتنا، واغن به عائلَنا، واقض به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسدّ به خلتنا، ويسّر به عسرنا، وبيّض به وجوهنا، وفكّ به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتَنا، وأعطنا به آمالنا وأعطنا به فوق رغبتنا. يا خيرَ المسؤولين وأوسع المعطين، اشف به صدورنا، وأذهب به غيظَ قلوبنا، واهدنا به لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وانصرنا به على عدوّك وعدونا الهَ الحقّ آمين».
فنلحظ في فقرات متن الدعاء آنفاً، التي من أهمها: لملمة الشعث، وهو تعبير يرمز إلى جمع الشتات ومنع التفرّق، و(اشعب به صدعنا) والصدع هو التشقق الذي يظهر في جسم الجدار، وهنا تعبير رائع حيثُ يُشبّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المجتمعَ البشري بالكتلة الواحدة، التي يُصيبها التصدّع والتشقق المادي والمعنوي في كيانيتها، في حال غياب الإمام المعصوم (عليه السلام) وعدم تمكّنه من تدبير أمر البشرية، فيكون المعنى تقويمَ الصدع وإصلاحه معنويا وماديا بواسطة ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
وفقرة (وارتق به فتقنا) من التعبيرات القيمية التي تُحدّد الوظيفة الأساس للإمام (عليه السلام)، والرتق سد الفتق ولصقه ببعضه البعض ماديا ومعنويا، ومعنى الفتق هنا ما حصل من انحراف ديني ودنيوي بعد شهادة الخاتم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٥٧)، وما نجم عن ذلك من دفع المعصومين (عليهم السلام) عن مقامهم ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها(٥٨)، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الذي سيرتق الفتق دينيا ودنيويا؛ حتى يعم العدل والصلاح في الأرض عامة.
وهكذا الحال مع بقية فقرات الدعاء الشريف، التي هي وظائف للمعصوم (عليه السلام)، كلها تنصّ على إصلاح الحال الاقتصادي والاجتماعي والفكري والأخلاقي للبشرية عامة، وهذا ما ستتوفر عليه دولة العدل الإلهي الظاهرة إن شاء الله تعالى على يد الإمام المهدي.
وأخيرا تحصل في ختام متن دعاء الافتتاح نقلة ندبية(٥٩) عظيمة تُحدد الفقرات بمعالمها:
«اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا صلواتك عليه وآله، وغيبةَ إمامنا، وكثرة عدونا وقلة عددنا، وشدّة الفتن بنا وتظاهر الزمان علينا، فصلّ على محمد وآل محمد وأعنّا على ذلك بفتحٍ منك تعجّله وبضر تكشفه، ونصر تعزّه، وسلطان حقٍ تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين».
فإنّ مضامين هذه الشكوى لله تعالى لهي وقفات صعبة جداً وعسيرة على الإنسان المؤمن، وبخاصةٍ فقدُ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك الرسول الأكرم الذي عبّر عنه القرآن الكريم بالرحمة الإلهية للناس كافة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقد رأينا ماذا حصل مباشرة بعد فقد النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما جرى ويجري إلى يومنا هذا، نتحمّل آثار الذي وقع وتبعاته.
وغيبة إمامنا أو وليّنا، وفي بعض المتون هي محنة أخرى ما بعدها محنة، ونعني بها وقوع الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)، تلك الغيبة التي بها حُرمنا من رؤية إمامنا وطلعته وظهوره المبارك، التي لو لم تقع لكان حالنا على غير ما نحن عليه يقيناً.
فنسأل الله رفعَها وتعجيل ظهور إمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)، وأما المفارقات الأخرى التي نعيشها واقعا، فهي كثرة الأعداء، وقلة العدد، وتظاهر الزمان علينا بفتنه وبلائه، وهذه هي من علامات آخر الزمان ومعالمه، إذ يكثر الأعداء وتشتد الفتن بنا، ولا منجي من ذلك إلاّ الله تعالى؛ فبالتوسّل، والعمل الصالح، والإخلاص والوعي، ستنفرج الأمور إن شاء الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
وأخيرا يا ربّ «فصلّ على محمد وآل محمد، وأعنّا على ذلك بفتحٍ منك تعجّله، وبضر تكشفه، ونصر تعزّه، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين».
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله المعصومين، وعجّل الله فرجَ إمامنا المهدي (عجّل الله فرجه)، وجعلنا من أنصاره الواعين والعاملين بين يديه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) ٣: ١٠٨.
(٢) ١: ١٣٨.
(٣) ٢٣١.
(٤) السفير الثاني للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في عصر الغيبة الصغرى (ت٣٠٥هـ). قال فيه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي». حياة الإمام المهدي، الشيخ باقر شريف القرشي: ٧٣.
(٥) يمكن مراجعة نص الدعاء كاملا في كتاب (إقبال الأعمال)، للسيد ابن طاووس: ١: ١٣٨. أو الكتاب الشهير (مفاتيح الجنان)، للقمي.
(٦) الحمد أعمّ من الشكر في وجه، فهو الذي يُقال عند حصول المرغوب والمكروه، بخلاف الشكر الخاص بنيل المرغوب. وإن صيغة (الحمد لله) قد وردت في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة، ولم ترد (الشكر لله) حتى مرة إطلاقاً. وقد شاع القول: (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه).
(٧) بحار الأنوار، المجلسي: ٧٦: ٣٥: ح١: باب الافتتاح بالتسمية.
(٨) الذي يُفهم من المعطى القرآني بما يخص (الأبتر)، حتمية انقطاع ديمومة الأمر. وقد يُفهم من الحديث آنفاً أن العمل يتم ولكنه غير مبارك فيه، فقد تنقطع آثاره الوضعية ويتبدّد ثوابه، بمعنى أنه أمر منقوص من هذه الجهة.
(٩) هذه السبل هي الموصِلة إلى معرفته سبحانه. تفسير شبّر: ٢٥٨. فالمصداق الأولى للصواب المذكور هو المنّ من الله سبحانه على العبد بالإيمان؛ استناداً إلى الآية الكريمة ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
(١٠) تتضح مساوقة الرحمة مع الغفران، ويقين الداعي مع ما أوجب الله (عزَّ وجلَّ) على ذاته من كونه (غفّاراً) بالمبالغة، واتحاد جزاءي القضيتين الشرطيتين، فالتوبة والإيمان والعمل الصالح والهداية هي من لوازم موضع العفو والرحمة.
(١١) ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
(١٢) أي المتجبّرين في الأرض، ومَن تتوهّمهم العقول المنحرفة من آلهة وأنصاف آلهة.
(١٣) ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].
(١٤) الأمالي: للصدوق: ١٥٤.
(١٥) يهيمن مفهوم الحمد على الوجود بأسره، فهو في مبتدأ الحياة والتكوين حتى المنتهى. ﴿وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، ﴿وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠]، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
(١٦) خصائص الأئمة: للشريف الرضي: ١٢٤.
(١٧) التفكير العقلي مستند إلى التحليل والتركيب بين التصورات عن الموجودات في الواقع الخارجي؛ وهذا يعني أن التوهّم مجرد إنشاء نسبة بكيفية أخرى بين الموجودات الممكنة، التي من ضمنها الإنسان وعقله ووعيه... إلخ.
(١٨) ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
(١٩) ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ للذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
(٢٠) ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. فجاء الأمر بالإرشاد إلى أهمية الدعاء وترتّب الاستجابة عليه بنحو القضية الشرطية.
(٢١) قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي، إن الدنيا لو عدلت عند الله تبارك وتعالى جناحَ بعوضة لما سقى الكافرَ منها شربةً من ماء». من لا يحضره الفقيه، الصدوق، باب النوادر: ٤: ٣٦٣.
(٢٢) لا يمكن تكوينياً الخروج عن الحاجة إلى الخالق تعالى، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أحلِفوا الظالمَ إذا أردتم يمينَه بأنه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذباً عوجل العقوبةَ، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لم يعاجلْ لأنه قد وحّد الله تعالى». نهج البلاغة: ٤: ٥٦.
(٢٣) إن العبد يقع في الخطأ والتقصير من جهله، وهي حالة ملازمة للإنسان العَجول، فتقع مرةً بعد مرة، والإدلال الوثوق بمن لك عنده محبةٌ ومنزلة فتفرط عليه وتتجرّأ فقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «اللهم ولي إليك حاجة قد قصّر عنها جهدي، وتقطّعت دونها حيلي، وسوّلت لي نفسي رفعَها إلى من يرفعُ حوائجه إليك ولا يستغني في طلباته عنك، وهي زلةٌ من زلل الخاطئين وعثرة من عثرات المذنبين، ثم انتبهت بتذكيركَ لي من غفلتي، ونهضت بتوفيقك من زلّتي، ورجعت ونكصت بتسديدك عن عثرتي، وقلت: سبحانَ ربي! كيف يسأل محتاجٌ محتاجا؟ وأنى يرغب معدِم إلى معدم؟». الصحيفة السجّادية: ٧٣. وربما يفهم معناها من الآية الكريمة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
(٢٤) قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): «أيها الناس، أُعطينا ستاً وفُضّلنا بسبع: أُعطينا العلمَ، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين». لواعج الأشجان، السيد محسن الأمين: ٢٣٤. فالفصاحة من دلائل العصمة.
(٢٥) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحذرَ الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر». نهج البلاغة: ٤: ٧.
(٢٦) ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فهذا العالم قائم على معادلات متسقة تجعله نظاماً واحداً تكاملياً، ويجب على الإنسان -بوصفه جزءاً حيوياً من هذا العالم- رعاية هذا العالم بتجنّب الإسراف والإفساد ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
(٢٧) نهج البلاغة: ٥٣٣.
(٢٨) عن الإمام الرضا (عليه السلام): «بصيرٌ لا بعين مثل عين المخلوقين، وسميعٌ لا بمثل سمع السامعين». التوحيد: الصدوق: ٦٥.
(٢٩) ورد في دعاء المشلول لأمير المؤمنين (عليه السلام): « يا هو، يا من لا يعلم ما هو ولا كيف هو ولا أين هو ولا حيث هو إلا هو». المصباح: الكفعمي: ٢٦٠.
(٣٠) ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. ولا تناقض مع هيمنة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي هي بأمر ربه «السلام على رسول الله، أمين الله على وحيه وعزائم أمره، والخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل،والمهيمن على ذلك كله ورحمة الله وبركاته». مصباح المتهجد: الطوسي: ٧٤١.
(٣١) ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
(٣٢) صورة مجازية يراد بها إرادة العلو الإلهي على مخلوقاته، وكون المخلوقات في مستوى واحد.
(٣٣) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣].
(٣٤) ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
(٣٥) قد تُفهم من الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]، فلم يكن تأويبها باختيار منها.
(٣٦) شرح أصول الكافي: المازندراني: ٥: ٢٢٧- ٢٢٨.
(٣٧) الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيثمي: ٨٧.
(٣٨) من أهم المحفّزات إلى البحث عن حقيقة معرفة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ما في تراث أهل السنة، فالعلماء قد ارتبكوا في معرفة مصداق هذا العدد: « عن جابر بن سمرة، قال سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول في حجة الوداع: إن هذا الدين لن يزال ظاهرا على من ناواه، لا يضره مخالف ولا مفارق، حتى يمضي من أمتي اثنا عشر خليفة. قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش»، مسند أحمد: ٥: ٨٧. «عن عبد الملك، سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يقول: يكون اثنا عشر أميراً... فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: أنه قال: كلهم من قريش» صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، رقم الحديث٧٢٢٢: ٩٩٣. الطبعة٢/١٤٣١هـ- ٢٠١٠م/ مؤسسة المختار/ القاهرة. وفي صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، رقم الحديث١٨٢١: ٧٩١. الطبعة٢/١٤٣١هـ- ٢٠١٠م/ مؤسسة المختار/ القاهرة.
(٣٩) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر: الشيخ علي بن محمد بن علي الخزار الرازي، والذي يروي عن الشيخ الصدوق: ٥٤.
(٤٠) الأصل في الدعاء أنه سلاح المؤمن، ولكنه بما بين العبد وربه مباشرة، فهو سلوك رباني عبودي، وهو خفي بقرينة جهل كثيرين لأثره، أو هو المناجاة سراً.
(٤١) وسائل الشيعة: الحر العاملي: ٧: ١٤٥. والحديث في نهج البلاغة: ٤: ١١٧٥.
(٤٢) يجدر التنبيه على أن صيغة (ولي الأمر) لم ترد بهذه الصورة في القرآن، بل جاءت بالجمع، وجاءت كلمتا (ولي) و(الأمر) منفردتان.
(٤٣) كلا المقطعين يدلّان على تعيين الإمام المعصوم (عليه السلام)، فالآيتان جاءتا باعتبار قرينة ورود (أولو الأمر) في طول الرجوع إلى الله تعالى، والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من حيث اتحاد نتيجة الرجوع، فلا يصح اختلاف الرجوع إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الرجوع إلى أولي الأمر، وإلا كان الدين أمراً لا ثوابت فيه، فمن غير المعقول اختلاف معطيات القرآن والسنة وحديث المعصوم في إدارة شؤون الحياة للمسلمين.
(٤٤) الكافي: الكليني: ١: ٢١٥.
(٤٥) يحمل مصدر الكلمة كل جوانب المفهوم المجرد وحيثياته، فهو أصل لكل الاشتقاقات، ومن ثم فمنه تُستمد المباني والمعاني الزائدة.
(٤٦) كمال الدين وتمام النعمة: الصدوق: ٦٧٠.
(٤٧) تميل بعض الدراسات الفلسفية التي تؤرّخ لنشأة الإنسان وتطور عقله واكتسابه العلوم، تميل إلى أن الإنسان في الطور الأول كان يفسّر الظواهر الحياتية بالخيال والأسطورة، ومن جانب آخر، فإن الإنسان المعاصر -البعيد عن الإيمان- يستغرق في الخيال الأدبي والفلسفي وصولاً إلى تكوين إطار فكري محدث، يكون بديلاً عن الإيمان الناشئ عن إعمال العقل والتفكير بالأدلة، وعلى هذا يكون التفكير الرغبي بالحصول على الدولة المثالية عبر الجهد الإنساني لا بالركون إلى الخالق (عزَّ وجلَّ).
(٤٨) نهج البلاغة: ٢١٦. يكون الحق واسعاً؛ لأن كل الأمور توصف شرعياً وقانونياًً تحت عنوان الحق إيجاباً وسلباً، ويكون ضيقاً؛ لأن موضع المنازعات يُظهر الطبيعة البشرية في عدم تقبّلها للحق. ويُفهم من كلام الإمام التلازم بين الحق والواجب، فكلاهما مكوّنان للإلتزام، فما كان حقاً لك هو التزام على المقابل لك، والعكس صحيح. ومن العبارة الأخيرة يتضح جانب توحيد الله تعالى بأنه الحق المحض ومصدر الحق، فلا التزام على الخالق أمام مخلوقاته، إلا بما أوجبه تعالى على ذاته، وهو ما لا يفسّر إطلاقاً بما يجب على المخلوقين.
(٤٩) بحار الأنوار: المجلسي: ٤٠: ١٢٦.
(٥٠) بحار الأنوار: المجلسي: ٤٤: ٣٣٠.
(٥١) كل حركة وسكنة للإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته الحقة، معيار يمكن لنا أن نقيس عليه أيماننا، وصبرنا، والتزامنا العبادي، وشجاعتنا، وجهادنا،... إلخ.
(٥٢) ثورة الحسين: الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ١٤٠.
(٥٣) الرسائل العشر: الطوسي: ٣١٧.
(٥٤) الكافي: الكليني: ١: ٣٧٤.
(٥٥) مستند الشيعة: المحقق النراقي: ٦: ٢٦.
(٥٦) أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين: ١: ٣١٦.
(٥٧) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
(٥٨) ورد في زيارة عاشوراء: «ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم، وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها». المصباح: الكفعمي: ٤٨٣.
(٥٩) دعاء حزين.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016