بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

المنهجية العامة للأجوبة المهدوية/ فذلكة عامة

 

المنهجية العامة للأجوبة المهدوية
فذلكة عامة
 

الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

مقدمة:.....................١٢١
تمهيد:.....................١٢٢
أهمية المنهجية المنظّمة في جواب المسائل العلمية:.....................١٢٢
السبب الأوَّل: اختلاف أهْليَّة المتلقّي:.....................١٢٢
السبب الثاني: تنوُّع الأدلَّة:.....................١٢٣
السبب الثالث: التفنُّن في الجواب:.....................١٢٣
والحاصل:.....................١٢٥
تنبيه: مسؤوليَّتنا طرح الدليل، لا إجبار الآخر على الاقتناع:.....................١٢٦
الجهة الأولى: ضرورة (المنهجية العلمية المنضبطة) في الأجوبة المهدوية:.....................١٢٧
الأمر الأوَّل: موقع العقيدة المهدوية في الدين الإسلامي:.....................١٢٧
الأمر الثاني: كثرة المسائل المهدوية وتفرُّعاتها:.....................١٢٨
الأمر الثالث: شمولية العقيدة المهدوية من حيث الزمان:.....................١٣٠
الأمر الرابع: شمولية العقيدة المهدوية من حيث التوجُّهات الفكرية:.....................١٣٠
الأمر الخامس: التداخل المنهجي بين العقيدة المهدوية والعلوم الدينية والإنسانية:.....................١٣١
الأمر السادس: كثرة الشبهات والادِّعاءات فيها:.....................١٣١
الأمر السابع: ضبط العلاقة بين النص والعقل في بعض القضايا المهدوية:.....................١٣٢
الأمر الثامن: توفير طرق إقناعية رصينة:.....................١٣٢
الجهة الثانية: نماذج من الأجوبة المنهجية في العقيدة المهدوية:.....................١٣٣
فذلكة عامة:.....................١٣٣
بداية:.....................١٣٣
الفذلكة العامة للأجوبة المهدوية:.....................١٣٤
الطريقة الأولى: الاستفادة من المسلَّمات في القضية المهدوية:.....................١٣٤
أوَّلاً: أخذ النتائج تعبُّداً:.....................١٣٤
ثانياً: الاعتماد على التواتر الروائي أو المسلَّمات الدينية والمذهبية:.....................١٣٦
الطريقة الثانية: طريقة: (لا أعلم)!.....................١٣٨
أوَّلاً: ما يتعلَّق بخصوصيات الغيبة:.....................١٣٩
أ - معرفة العلَّة التامَّة والسبب الحقيقي للغيبة:.....................١٣٩
ب - زواج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) زمن الغيبة:.....................١٣٩
ج - محل سكناه زمن الغيبة الكبرى:.....................١٤٠
ثانياً: ساعة الصفر للظهور:.....................١٤٠
الطريقة الثالثة: الاستفادة من القواعد العامة للعقيدة الإسلامية:.....................١٤١
الأوَّل: طول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مع بقاء مظهره شابّاً:.....................١٤٢
الثاني: الحفظ خلال الغيبة:.....................١٤٣
والجواب عن هذا التساؤل يمر عبر خطوات عدَّة:.....................١٤٣
الثالث: الرجعة، إمكانها ووقوعها:.....................١٤٤
الطريقة الرابعة: الاستفادة من القواعد الخاصة بعقيدة الإمامية الاثني عشرية:.....................١٤٤
أوَّلاً: أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام):.....................١٤٥
ثانياً: عصمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):.....................١٤٦
ثالثاً: العلم اللدنِّي:.....................١٤٧
الطريقة الخامسة: الجواب عن إسقاط الروايات على أحداث معيَّنة:.....................١٤٨
الطريقة السادسة: أجوبة تفصيلية، تحليلية:.....................١٥٠
رواية: المهديين الاثني عشر (رواية الوصية):.....................١٥٢
أوَّلاً: إنَّ سندها ضعيف:.....................١٥٢
ثانياً: أنَّ دلالتها ضعيفة:.....................١٥٣
ثالثاً: مخالفتها للنصوص الدالّة على الحاكم بعد المهدي (عجَّل الله فرجه):.....................١٥٣
عناوين مقترحة:.....................١٥٦

↑صفحة ٠↑

مقدمة:
تمثِّل العقيدة المهدوية واحدة من العقائد الضرورية في الدين الإسلامي - إن لم نقل للدين السماوي -، وهي على ضخامة ما ورد فيها من نصوص، وتنوُّع ما كُتب حولها، وعلى الاهتمام الكبير بها - وإن كان بين مدٍّ وجزر - لا تخلو من أسئلة محيِّرة، وشبهات مضلَّة، وتساؤلات متكثِّرة، الأمر الذي يلقي على العلماء والفضلاء مسؤولية توضيح الحق فيها، والإجابة عمَّا يرد حولها من أسئلة وشبهات، فضلاً عن لزوم دفع التشكيكات التي تستهدف نقض العقيدة المهدوية من أساس، كادِّعاء بعض المستشرقين - ومن لفَّ لفَّهم - أنَّها عقيدة اخترعها الشيعة ليبدِّدوا فيها يأسهم من الحصول على الحكم، وليوهموا أنفسهم بأمل لا واقع له وراء أحلام اليقظة.
وعلى كلِّ حال، فإنَّ الجواب عن الأسئلة الواردة في القضية المهدوية يحتاج إلى معرفة مسبقة، ودربة جيِّدة، ومعايشة طويلة مع النصوص والكلمات المتعلّقة، الأمر الذي يقتضي من الباحث التأنِّي قبل أن يدخل ميدان الجواب فيها، فضلاً عن ميدان النقاش وفتح طاولات الجدال حولها.

↑صفحة ١٢١↑

في هذا البحث محاولة لفذلكة الطرق المتنوِّعة للجواب عن المسائل المهدوية، ولا يعني أنَّه يفصِّل الجواب في مسائلها، إنَّما الهدف إعطاء المنهجية العامة، وضرب أمثلة مختصرة لها، ويبقى على الباحث أن يستمر بالقراءة والمطالعة وتطبيق المنهجية للوصول إلى مرحلة تؤهِّله ليكون مجيباً فيها.
وفي البحث تمهيد، وجِهَتَان:
تمهيد:
أهمية المنهجية المنظّمة في جواب المسائل العلمية:
مما لا ريب فيه أنْ ليس هناك طريقة واحدة للجواب في المسائل العلمية، فقد تعارف في الأوساط العلمية أنَّ هناك طرقاً متنوِّعة، بل مختلفة للجواب، ولكلِّ جواب منهجيته الخاصة، وأسلوبه الخاص، والجامع المشترك بين الجميع هو استهدافها حلّ إشكالية معيَّنة، أو دفع شبهة، أو رفع توهُّم.
فمثلاً هناك جواب (حَلّي) يهدف إلى أُسِّ المشكلة ومركزها ليعطي الجواب النموذجي فيها، في قبال (النقضي) الذي يهدف إلى عكس السؤال على المستشكل، بإعطائه مفردة يؤمن بها، في الوقت الذي ينطبق عليها الإشكال ذاته، وينتظر منه جواباً؛ ليكون هو الجواب ذاته عن إشكاله.
وهناك جواب دقِّي علمي، يعتمد المقاسات العلمية المنضبطة، ويعتمد مصطلحات العلم المحدّدة، ويستعمل أدوات خاصة، ولغة قد تكون مغلقة على غير أهل ذلك العلم، بينما هناك جواب عامّ، سَمِّه - إن شئت - خطابياً، أو إقناعياً، أو ما شاكل.
وقد يكون الإشكال واحداً، إلَّا أنَّ الجواب يختلف، واختلافه حينها - مع وحدة الهدف - يرجع إلى أسباب عديدة، منها:
السبب الأوَّل: اختلاف أهْليَّة المتلقّي:
فإذا كان من أهل التخصُّص، فلابدَّ من جواب تخصُّصي، وإن كان من غير أهل التخصُّص، كان الجواب النافع له هو الخطابي أو الإقناعي.

↑صفحة ١٢٢↑

السبب الثاني: تنوُّع الأدلَّة:
كلَّما زادت الأدلة - وإن كانت متنوِّعة - على مطلب واحد، دلَّ ذلك على رصانة المطلب، ومنهجية المضمون، الأمر الذي يُعطي مرونة لحلِّ السؤال على مختلف المناهج والمتبنّيات، مما يُنتج طُمأنينة بسلامة الجواب وضعف السؤال أو الإشكال.
السبب الثالث: التفنُّن في الجواب:
واحدة من مميِّزات العالِم الفذّ، والخطيب المفوَّه، هو تمكُّنه من صياغة المطلب بأساليب متنوِّعة، الأمر الذي يغطي مساحة أكبر من المتلقِّي، ويكشف عن قدرته على المناورة في الجواب.
وليتَّضح الأمر أكثر، دعونا نذكر لذلك مثالاً:
هناك سؤال طُرح على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأجاب فيه جواباً علمياً دقّياً فلسفياً، فقد روي عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قيل لأمير المؤمنين: هل يقدر ربّك أن يُدخِل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغِّر الدنيا أو يُكبِّر البيضة؟ قال (عليه السلام): إنَّ الله تبارك وتعالى لا يُنسَب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون»(١).
فلاحظ أنَّ الجواب في هذه الرواية علمي دقّي فلسفي، مضمونه: أنَّ المشكلة ليست في الفاعل، وإنَّما في القابل، والقدرة تتعلَّق بالممكن، لا بالممتنع ذاتاً، والسؤال تعلَّق بالممتنع الذاتي.
إنَّ فهم هذا المطلب إنَّما يكون بعد إتقان مصطلحاته والمقصود منها والنتيجة التي يراد الوصول إليها، وهذا بحاجة إلى تفنُّن خاص وتخصص منهجي بدرجة معينة في العلوم والمصطلحات العقلية والفلسفية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) التوحيد للصدوق: ١٢٩ و١٣٠.

↑صفحة ١٢٣↑

ولو كان السائل شخصاً عادياً لا يعرف المصطلحات العلمية، لكان المناسب أن يُجاب بجواب أقل تركيزاً، وأخفّ دقةّ، كما لو يقال له مثلاً: إنك تتمكن من رؤية الجبال العظيمة والأشجار الكثيرة والأنهار الواسعة والأراضي الشاسعة بعينك التي لا يتجاوز حجم بؤبؤبها حبة العنب! فلعله يقتنع بهذا الجواب ولا يجد مشكلة فيه، كما روي هذا المعنى في بعض النصوص(٢).
وإذا كانت هناك أجوبة علمية دقّية، وأخرى إقناعية، فهناك أجوبة وجدانية، تأخذ الإنسان إلى أعماقه، ودواخله، ووجدانه، وتناغم شعوره الداخلي، وتجعله يستشعر الأمر في باطنه، لينطلق من باطنه إلى معرفة الجواب.
ومن ذلك ما وجدناه في أجوبة أهل البيت (عليهم السلام) عن أسئلة المشكِّكين بظاهرة الدين عموماً، وبالآخرة والحساب خصوصاً، من أنَّهم ربطوا المسألة بقانون: دفع الضرر المحتمل، وجعل الطرف الآخر يستشعر أنَّ النجاة المتيقنة لا تكون إلَّا في الدين، وأمَّا إنكار الدين فإنَّ احتمال النجاة فيه يساويه - إن لم يزد عليه - احتمال الهلاك الذي لا يمكن تحمله، ومن ثم فيحكم العقل بلزوم الاحتياط فيما تُتَيقن معه النجاة، وترك ما يُحتمل فيه الهلاك والنجاة على حدٍّ سواء!
وكمثال على ذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) مع عبد الكريم ابن أبي العوجاء، إذ قال له: «يا عبد الكريم... إِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ ولَيْسَ كَمَا تَقُولُ، نَجَوْنَا ونَجَوْتَ. وإِنْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وهُوَ كَمَا نَقُولُ، نَجَوْنَا وهَلَكْتَ».
فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَه، فَقَالَ: وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً فَرُدُّونِي فَرَدُّوه، فَمَاتَ لَا رَحِمَه الله(٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) التوحيد للصدوق: ١٢٢.
(٣) الكافي - الشيخ الكليني: ج١، ص٧٨، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح٢.

↑صفحة ١٢٤↑

وعن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزنادقة على أبي الحسن (عليه السلام) وعنده جماعة فقال أبو الحسن (عليه السلام): «أَيُّهَا الرَّجُلُ، أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ ولَيْسَ هُوَ، كَمَا تَقُولُونَ ألَسْنَا وإِيَّاكُمْ شَرَعاً سَوَاءً، لَا يَضُرُّنَا مَا صَلَّيْنَا وصُمْنَا وزَكَّيْنَا وأَقْرَرْنَا»؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ، ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): «وإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَنَا وهُوَ قَوْلُنَا ألَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ ونَجَوْنَا»؟!(٤).
ومن مناظرة للإمام الصادق (عليه السلام) مع الطبيب الهندي: «أرأيت إنْ كان القول قولك، فهل يُخاف عليَّ شيء مما أخوِّفك به من عقاب الله»؟ قال: لا. قلتُ: «أفرأيت إنْ كان كما أقول والحقُّ في يدي ألستُ قد أخذتُ فيما كنتُ أحاذر من عقاب الخالق بالثقة، وأنك قد وقعتَ بجحودك وإنكارك في الهلكة»؟ قال: بلى. قلتُ: «فأيُّنا أولى بالحزم وأقرب من النجاة»؟ قال: أنت(٥).
ومن هذا القبيل أيضاً ما روي أنَّ رجلاً قال للإمام الصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله، دُلَّني على الله ما هو!؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيَّروني، فقال له: «يا عبد الله، هل ركبت سفينة قطُّ؟»، قال: نعم، قال: «فهل كُسِرَ بك حيث لا سفينة تُنجيك ولا سباحة تُغنيك؟»، قال: نعم، قال: «فهل تعلَّق قلبك هنالك أنَّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يُخلِّصك من ورطتك؟»، فقال: نعم، قال الصادق (عليه السلام): «فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث»(٦).
والحاصل:
إنَّ للجواب منهجية علمية، وذوقاً خاصاً، وفنية معيَّنة، ينبغي لكلِّ من يتصدَّى للجواب - في أي فرع من فروع العلم - أن يتقنها، لتكون عنده

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الكافي - الشيخ الكليني: ج١، ص٧٨، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح٣.
(٥) بحار الأنوار - العلامة المجلسي: ج٣، ص١٥٤.
(٦) التوحيد للصدوق: ٢٣١/ ح ٥.

↑صفحة ١٢٥↑

القدرة على التخلُّص من الإشكالات المثارة، وعلى المناورة في طرح المعلومات الصحيحة، وعلى إقناع الآخرين، وعلى الأقل إسكاتهم عن أن يستمروا بالطعن في ما يؤمن به.
تنبيه: مسؤوليَّتنا طرح الدليل، لا إجبار الآخر على الاقتناع:
يقلق بعض المبلغين، والمهتمِّين بمسائل الجدال والنقاش، من أن تذهب جهودهم سدى حينما ينتهي النقاش من دون اقتناع الآخر، رغم قوة الأدلَّة الخاصة، والتمكُّن من كشف وَهْن أدلَّة الآخر، وقد ينكفئ بعضهم على نفسه فيترك النقاش، أو يترك الوعظ والإرشاد، بحجَّة عدم الفائدة.
والحال أنَّ القرآن الكريم وسيرة المعصومين (عليهم السلام) واضحة جليَّة في أنَّ مسؤوليتنا - كمكلَّفين - هو إيضاح الحق ونقض الباطل، أمَّا اقتناع الآخر فهذه مسؤوليته هو، وتابعة لمزاجه الخاص، فقد يكون من النوع المعاند الذي لا يستجيب سلوكياً للحق رغم قناعته النفسية، فيكون على حدِّ من ذكرهم القرآن الكريم بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ (النمل: ١٤).
وقد عبَّرت بعض النصوص عن هذا الإنكار بأنَّه (جحود عن معرفة) في إِشارة إلى السلوك العملي قد يخالف القناعة النفسية، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مقام بيان وجوه الكفر والجحود أنَّه قال: «وأَمَّا الْوَجْه الآخَرُ مِنَ الْجُحُودِ عَلَى مَعْرِفَةٍ، وهُوَ أَنْ يَجْحَدَ الْجَاحِدُ وهُوَ يَعْلَمُ أَنَّه حَقٌّ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَه، وقَدْ قَالَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾»(٧).
والأصل في هذا المعنى، - أي إنَّ مسؤوليَّتنا العمل على الهداية، لا جبر الآخر على الهداية -، هو ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (البقرة: ٢٧٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٨٩، بَابُ وُجُوه الْكُفْرِ، ح١.

↑صفحة ١٢٦↑

وغيرها من الآيات التي تشير إلى أنَّ الهداية لا تكون بالجبر التكويني، وإنَّما بالهداية التشريعية من الله تعالى، والتي يبلِّغها الأنبياء والأوصياء، ويوصلها العلماء، وبالالتزام العملي من الفرد نفسه.
ومن هنا، وجدنا أنَّ بعض النصوص تشير إلى: أنَّه رغم كون صدور الصيحة إعجازياً، وهي بحيث لا يشكّ في صدقها عاقل، إلَّا أنَّ بعضاً لا يهتدي، وعملياً قد يصدِّق بصيحة إبليس، فإنَّ من الوجه في ذلك هو أنَّهم رغم علمهم بالحق، لم يشاؤوا أن يهتدوا، واختاروا الضلال بمحض إرادتهم.
فقد روي عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ علياً وشيعته هم الفائزون»، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم الفائزون - لرجلٍ من بني أُمية -»، قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنَّهم هم المحقُّون الصادقون»(٨).
وعلى كلِّ حال، ورغم أهمية المنهجية العلمية في تنظيم الجواب العلمي في أيِّ فرع من فروع العلم، إلَّا أنَّ مهمَّة الفرد تبقى في حدود توضيح الحق، وإظهار بطلان الباطل، وأمَّا التزام الآخر بالحق، فهذا راجع للآخر نفسه.
الجهة الأولى: ضرورة (المنهجية العلمية المنضبطة) في الأجوبة المهدوية:
تنبع أهمية المنهجية العلمية في أجوبة المسائل المهدوية من أمور عدَّة، منها:
الأمر الأوَّل: موقع العقيدة المهدوية في الدين الإسلامي:
تمثِّل القضية المهدوية عقيدة محورية في الفكر الإسلامي عموماً، وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً؛ وتزداد أهميتها إذا تذكَّرنا أنَّها فرع من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الغيبة للنعماني: ص٢٧٢، ب١٤، ح٢٨.

↑صفحة ١٢٧↑

أصل (الإمامة) الذي أدَّى الاختلاف فيه إلى انقسام الأُمَّة الإسلامية إلى فِرَق مختلفة بل متناحرة...
ومن ثمَّ؛ فإنَّ أي إجابة غير دقيقة أو غير منضبطة، قد تفتح الباب للشبهات الفكرية أو الانحرافات العملية، بل قد تفتح الباب للتردُّد من قبل أتباع المذهب الحق، وقد يتَّخذ بعض المنحرفين من جواب غير منهجي ذريعة لتمرير دعواه الباطلة، أو توجُّهاته الفكرية.
الأمر الثاني: كثرة المسائل المهدوية وتفرُّعاتها:
فإنَّ الروايات الواردة فيها كثيرة جدّاً، وهي على نحو الإجمال وصلت إلى حدِّ التواتر، وبعضها حاز على رتبة التواتر اللفظي فضلاً عن المعنوي، ومن ثم فهي تمثِّل تراثاً معرفياً هائلاً، فتكون المنهجية العلمية ضرورةً فيه، لئلا يضيع بعض منها، أو يُستغل من قبل جهات منحرفة.
فإذا تذكَّرنا أنَّ هناك كمًّا هائلاً من النصوص الضعيفة والموضوعة والمتعارضة فيها، خصوصاً ما ورد في كتب العامة، التي كان بعضها بالأساطير والقصص الخيالية أقرب وأليق به من النصوص الروائية، أصبح الاهتمام بالمنهجية العلمية في مقام فكِّ خناقاتها، وتنظيم مساراتها، أشدّ وآكد.
وتفرَّع على هذا الأمر: كثرة المفاهيم المرتبطة بهذه المسائل، كمفهوم: الغيبة، طول العمر، علامات الظهور وشرائطه، والنيابة الخاصة والعامة، والدولة العالمية، والدين الحصري، وغيرها، وهذه المفاهيم بطبيعتها عرضة للترهُّل من جهة، وللتصلُّب من جهة أخرى، وما بينهما تكمن المنهجية العلمية التي تقتضي ضبط العديد من القواعد والعلوم، لئلا يتم إسقاط تلك المفاهيم على أحداث راهنة، وما يستتبع ذلك من التوقيت المحرَّم، والنتائج النفسية السلبية المنعكسة على الأتباع حال انكشاف زيف التوقيت.

↑صفحة ١٢٨↑

وهذا يعني: أنَّ المنهجية العلمية المنضبطة في الإجابة عن الأسئلة المهدوية تضمن نوعاً من الرشد العلمي والاجتماعي لدى الأتباع، بحيث لا يتسرَّعون في التطبيق على الأحداث الواقعة، ولا يتأثَّرون سلباً بادِّعاءات باطلة.
إنَّ الأجوبة العلمية المنهجية تضمن انضباط الأتباع في سماع الدعاوى، وتزيد من رشدهم المعرفي في التمييز بين الحقِّ والباطل، الأمر الذي أشارت له بعض النصوص بأنَّ من عرف إمام زمانه لم يضره تقدُّم هذا الأمر أو تأخُّره، من قبيل ما روي عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفت لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(٩).
وعن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن مات وهو عارف لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه»(١٠).
أو ما أشار إلى أنَّ من سمع بالروايات قبل وقوع الصيحة فإنَّه لا ينخدع بصيحة إبليس، من قبيل ما روي هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «هما صيحتان: صيحة في أوَّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية»، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: «واحدة من السماء، وواحدة من إبليس»، فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال: «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»(١١).
وفي رواية أُخرى قال (عليه السلام) لعبد الرحمن بن مسلمة الجريري حينما قال له: إنَّ الناس يُوبِّخونا ويقولون: من أين يعرف المحقّ من المبطل إذا كانتا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) الكافي للكليني ١: ٣٧١، باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ح١.
(١٠) الكافي للكليني ١: ٣٧١ و٣٧٢، باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ح٦.
(١١) الغيبة للنعماني: ٢٧٣ و٢٧٤، باب ١٤، ح٣١.

↑صفحة ١٢٩↑

فقال (عليه السلام): «ما تردّون عليهم؟»، قلت: فما نردُّ عليهم شيئاً، قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت من كان مؤمناً يؤمن بها قبل أن تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]»(١٢).
الأمر الثالث: شمولية العقيدة المهدوية من حيث الزمان:
إنَّ المسائل المهدوية هي من النوع الشامل للأزمنة الثلاثة، فهي تاريخية، معاصرة، ومستقبلية، مما يعني أنَّها حيَّة على الدوام، وحيوية مع الزمن، وكلَّما تقادمت الأزمان، ظهرت مفاهيم جديدة، أو شبهات مستجدّة، ومن ثمَّ؛ فضبط المنهجية العلمية ينفع في توجيه بعض المفاهيم فيها إيجاباً أو سلباً، ومن هنا وجدنا بعضاً ينفي وجود مفهوم (التمهيد) مثلاً، بحجَّة عدم وروده صريحاً في النصوص، في حين يدافع عنه آخرون، ويبرِّرونه منهجياً بتوجيهات عدَّة.
الأمر الرابع: شمولية العقيدة المهدوية من حيث التوجُّهات الفكرية:
إنَّ المسائل المهدوية ليست خاصَّة بفئة دون أخرى، ولا بدين أو مذهب دون آخر، وإنَّما هي مسألة عالمية، فكانت الحاجة إلى منهجية تتلاءم مع جميع التوجُّهات، أو قُل: يُمكن بها الجواب وفق كلّ التوجُّهات.
وهذا يعني: أنَّ المصادر التي تناولت هذه القضية متنوِّعة ومختلفة اختلافاً واضحاً في تفاصيلها، الأمر الذي انعكس على النتائج المتعلِّقة بها، ومن ثمَّ، فأي تشويش في المنهجية، أو ترهُّل في الأدوات، أو مرونة غير منضبطة في التطبيق، قد يؤدِّي إلى نتائج مغلوطة، على المستوى النظري والعملي، أو العقيدة والسلوك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الغيبة للنعماني: ٢٧٤، باب ١٤، ح٣٢.

↑صفحة ١٣٠↑

الأمر الخامس: التداخل المنهجي بين العقيدة المهدوية والعلوم الدينية والإنسانية:
إنَّ العقيدة المهدوية ذات روابط قوية ووشائج عميقة مع العديد من العلوم الدينية، ومن ثم تكون الشبه المطروحة فيها متداخلة مع العديد من العلوم، خصوصاً العقيدة والفقه والأخلاق، بل حتَّى السياسة والثقافة والتطور العلمي وما شابه، مما يعني ضرورة المنهجية التي تنسجم والجواب مع جميع التوجُّهات الفكرية والسلوكية.
ومما يشهد على هذا المعنى: أنَّ العقيدة المهدوية كانت وما زالت محط أنظار الكثير من المفكِّرين في مختلف الدراسات، القرآنية منها، والروائية، والتاريخية، وغيرها، وما يرتبط بهذه الدراسات من تحليل واستنتاج وبناء فكري ومعرفي وسلوكي.
وقد شهد عصرنا الراهن توجُّهاً أكاديمياً - لا بأس به - نحو البحوث المهدوية، على مستوى رسائل الماجستير أو الدكتوراه، ومن ثمَّ لابدَّ من ضبط منهجي لكيفية الإجابة عن الأسئلة الواردة فيها، لئلا يقع الباحث في خطأ منهجي، قد يُعمَّم ويُبنى عليه عقيدة أو سلوك أو حتَّى أيديولوجية سياسية معيَّنة.
الأمر السادس: كثرة الشبهات والادِّعاءات فيها:
لطالما ارتبطت القضية المهدوية عبر التاريخ بادِّعاءات باطلة (كادِّعاء المهدوية أو السفارة الخاصة) أو بتأويلات شخصية، وقد شهد عصرنا الراهن العديد من هذه الدعاوى، التي ما زال بعضها قائماً، ولها أتباعها ومؤيِّدوها - وإن قَلُّوا -، لذا؛ فإنَّ المنهجية العلمية تضمن التمييز بين الصحيح والزائف، وتزيد من قوة الأدلة العلمية لإبطال وكشف زيف المدَّعين.

↑صفحة ١٣١↑

الأمر السابع: ضبط العلاقة بين النص والعقل في بعض القضايا المهدوية:
هناك جدلية معروفة في ما يتعلَّق بالمعرفة الدينية، وهي: تنظيم العلاقة بين النص والعقل، والتي طُرحت في علوم العقيدة والفقه وغيرها، وحاصل ما طرحه علماء الكلام هنا: أنَّه بعد تسليم أنَّ بداية المعرفة الدينية تكون بالعقل، إذ النقل يلزم منه الدور، وبعد إثبات أصول العقائد عقلاً(١٣)، هل يبقى للعقل دور في الدين أو لا؟ ومع افتراض بقاء دور له، فهل هو في عرض النقل أو في طوله؟ وكيف نصوِّر الطولية بينهما؟
وقد فصَّلت بحوث نظرية المعرفة الدينية الأجوبة في هذا المضمار، ولسنا في صدد بيان ذلك هنا، المهم أن نعرف: أنَّ بعض القضايا المهدوية تخضع لتراتبية العقل والنقل، وأنَّ العقل يُمكنه أن يعطي جواباً منهجياً فيها لا يتعارض مع دليل النقل، وقد يكون كل منهما مؤسّساً في بابه، وقد يكون أحدهما مؤسّساً والآخر إرشادياً له إمضائياً لمضمونه، ومن ذلك ما يتعلَّق بطول عمره (عجَّل الله فرجه)، وعدم تغيُّر هيأته رغم تقادم الأيَّام، وقدرته على مواجهة القوى العظمى وترسانة الأسلحة الضخمة، وغيرها من الأسئلة.
الأمر الثامن: توفير طرق إقناعية رصينة:
ذكروا في علم الكلام: أنَّ من أهم أهدافه بعد تثبيت العقيدة للفرد، هو: إقناع المخالف، فإنَّ من أهداف الدين أن ينتشر على الأرض، ويُدخل الآخرين داخل ربقته وتحت خيمته، ويشهد لهذا المعنى كثرة الاحتجاجات الواردة في القرآن الكريم والنصوص الروائية الشريفة، ومن ثم؛ فضبط المنهجية العلمية في الإجابة عن الأسئلة المهدوية يضمن - إلى حدٍّ ما - توفير حجج إقناعية ذات وقع نفسي وعقلي على الآخر، مما يقرِّب احتمالية اقتناعه بالعقيدة الحقَّة، وعلى الأقل التخفيف من حدَّة معاداتها معرفياً وسلوكياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) على خلاف في بعض التفاصيل، كما في المعاد، حيث ذهب بعض إلى عدم إمكانه عقلاً، وأنَّ الدليل عليه نقليٌّ حصراً.

↑صفحة ١٣٢↑

الجهة الثانية: نماذج من الأجوبة المنهجية في العقيدة المهدوية:
فذلكة عامة:
بداية:
١ - نذكِّر بأنَّ المقصود في هذه الجهة هو إعطاء عناوين عامة لطرق متنوِّعة في الجواب عن الشبهات والأسئلة المهدوية، مستوحاة من التجربة، ومن كلمات العلماء والمختصِّين، وليس المقصود هو ذكر الأجوبة التفصيلية عن كل سؤال أو شبهة طُرحت فيها كما هو واضح.
٢ - لا مانع من التداخل بين العناوين والطرق المذكورة، بمعنى: أنَّ بعض الأسئلة يُمكن أن يجاب عنها بطرق متعدِّدة، بعضها مثلاً خطابي، والآخر علمي، بعضها يكون من باب الإلزام، وبعضها يكون وفق العقيدة الخاصة، وهكذا.
٣ - الأصل في كل الأجوبة هو الاطِّلاع المسبق، الشامل، والمنوَّع، والمعمَّق، على النصوص الواردة في المسألة، وتأمُّل كلمات العلماء فيها، ولا يمكن الجواب المنهجي من دون معرفة مسبقة.
أضف إليه: ضرورة ضبط وإتقان والتخصُّص في مجموعة من العلوم الدينية، كالعقيدة والرجال والدراية والتفسير وما شابه.
هذا فضلاً عن الاستفادة من الأصول الموضوعية في مجال الجواب، إذ إنَّ منها ما يوفِّر الجواب التعبُّدي، أو العلمي الملزِم للآخر.
٤ - لا ريب في اختلاف الجواب باختلاف السائل والمتلقي، فجوابك عن سؤال المسيحي يختلف عن سؤال المسلم غير الإمامي، ويختلف عن سؤال الإمامي.
ومن المعلوم أنَّ الأصول الموضوعية تختلف حسب اختلاف المتلقِّي.

↑صفحة ١٣٣↑

٥ - في ضمن طرح الفذلكة العامة، ستتم الإشارة إلى الكثير من الموضوعات المهدوية، التي تمثِّل مادة سيالة للبحوث والمحاضرات، فينبغي العمل عليها، والنصيحة أن لا تؤخذ النتائج جاهزة، وإنَّما يبذل الباحث جهده أوَّلاً، ثم يستفيد من البحوث المكتوبة.
الفذلكة العامة للأجوبة المهدوية:
بعد اختلاف كيفية طرح السؤال المهدوي، واختلاف المتلقي، يمكن ذكر طرق متعدِّدة للجواب، ومنها الآتي:
الطريقة الأولى: الاستفادة من المسلَّمات في القضية المهدوية:
من مجمل النصوص الواردة في القضية المهدوية - وهي كثيرة -، يتمكَّن الباحث من استنتاج نتائج عديدة من جهة أنَّ النصوص اتَّفقت عليها، وإن لم تبيِّن فلسفتها، أو كيفية حصولها، أو طريقة مقاومتها للمضادات النوعية من الكافرين والمنافقين والمرجفين، ومن ثمَّ، يُمكن أن يتيقَّن الباحث بالنتيجة، ولو سُئل عن تبريرها أو تبيين كيفيتها، فله أحد طريقين: إمَّا أن يتمكَّن من ذلك، وفق منهجية علمية محدَّدة، وإمَّا أن يختصر الطريق ويقول: إنَّ هذه نتيجة محسومة، وإن لم أتمكَّن من تبريرها، وهذا نظير ما قالوه في المنطق ونظرية المعرفة، من أنَّ بعض البديهي لا يمكن إقامة الدليل عليه، لعدم وجود مفهوم أوضح منه ليكون دليلاً عليه، ولكن هذا لا يمنع من ورود شبهة عليه قد تشوِّش على المتلقي بداهة ذلك البديهي، وحينها، إن تمكَّن الباحث من كشف الشبهة وإبطالها فبها، وإلَّا، فيكفيه أن يقول: إنَّها شبهة في مقابل بديهة.
وعلى كلِّ حال، فيدخل تحت هذه الطريقة مفردات عديدة، منها الآتية:
أوَّلاً: أخذ النتائج تعبُّداً:
بمعنى: أنَّ هناك مفاهيم ونتائج متعلِّقة بالقضية المهدوية قد تكون غير معروفة الأسباب، إذ لم تبيِّن الروايات السبب فيها، ولكن النصوص واضحة

↑صفحة ١٣٤↑

الدلالة فيها، بل هي نصٌّ أو قريب منه، ومن ثم يمكن قبول هذه النتائج وإن لم نتمكَّن من معرفة فلسفتها.
فما يُذكر حينها من أسباب إنَّما هو من باب الاستفادة من مجمل النصوص، أو من الجو العام للنصوص، أو من القواعد العامة للدين، وما شابه، وذلك من قبيل: خروجه (عجَّل الله فرجه) من مكة دون غيرها، وأنَّ عدد أصحابه القادة (٣١٣)، وأنَّ الخروج بإذن الله تعالى، وأن تحركه إنَّما يكون باتِّجاه المدينة بعد مكَّة، ثم العراق، وما شابه هذه المعاني.
أمَّا لماذا كانت كذلك، قد نجد جواباً روائياً، وقد لا نجد، وعلى الثاني يُمكن أن نذكر احتمالات وفق بعض المبادئ المسبقة، لكن قد يصعب الجزم ببعضها، فتبقى في حيِّز الاحتمال، وعلى كلِّ حال، فسواء أكانت أجوبتنا في بيان فلسفة تلك الأحداث مقنعة للطرف الآخر أم لم تكن، فإنَّها مفاهيم اتَّفقت عليها النصوص، وأصبحت من الوضوح بحيث لا تقبل الاحتمال الآخر، فيمكن قبولها والبناء عليها تعبُّداً، أي: وإن لم نعرف العلَّة أو الحكمة أو الوجه فيها.
ومن هذا القبيل أيضاً ما يُطرح من التساؤل حول كيفية انتصار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على قوى الضد والاستكبار العالمي، بما تملكه من أسلحة ضخمة وترسانة أسلحة كبيرة، إذ نجد بعض الباحثين، والتزاماً منه بما ورد التصريح به من خروجه (عجَّل الله فرجه) بالسيف، انتهى إلى ضرورة وقوع حرب عالمية تنهك جميع الدول، وتعدم جميع الأسلحة، وتقضي على التطوُّر، فيرجع الناس إلى حيث السيف!
ونجد بعضاً انتهى إلى أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سيُفعِّل ولايته وقدرته التكوينية للقضاء على كلِّ أنواع الأسلحة المضادة، بالمعجزة، والكرامة...
ونجد بعضاً ثالثاً- وهو الراجح - انتهى إلى أنَّه (عجَّل الله فرجه) سيأتي بتطوُّر مذهل للعقول، بحيث يكون معه التطوُّر الحالي تخلُّفاً مقيتاً، استناداً إلى العديد من

↑صفحة ١٣٥↑

النصوص، من قبيل ما روي ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرُسل حرفان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم (عليه السلام) أخرج الخمسة والعشرين حرفاً، فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الحرفين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً»(١٤).
ورغم كلّ هذه الأجوبة والاحتمالات، ورغم احتمال عدم تمكُّن الباحث من معرفة الصحيح، أو عدم ترجيح احتمال على آخر، إلَّا أنَّ القدر المتيقَّن منه لدى الجميع هو أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سينتصر، أمَّا ما طريقة ذلك، فربَّما نعرفها وربَّما لا، وهذا الجواب (التعبُّدي) يورث السامع اطمئناناً بالنتيجة، رغم افتراض عدم تمكُّنه من تبريرها علمياً أو تخريجها بمقاسات ومصطلحات فنية.
إذن، انتصار الإمام (عجَّل الله فرجه) على أعدائه، وعلى جميع المضادات النوعية له، وهم من يملكون الأسلحة الضخمة، والأتباع الكثر، والأموال الطائلة، أمر مسلَّم ولا تردُّد فيه، - سواء تعقَّلنا الطريقة لذلك أو لا، وسواء تمكنَّا من تحصيل أجوبة مقنعة للطرف الآخر أو لا -، إذ يكفينا أن نعرف أنَّ انتصاره (عجَّل الله فرجه) هو أمر حتمي ولا يمكن أن يكون غيره، وهو أمر اتَّفقت عليه الملل والنحل، وتطابقت عليه النصوص والروايات، ومعه لا يؤثِّر عدم فهمنا لطريقة الانتصار على أصل فكرة انتصاره الحتمي.
ثانياً: الاعتماد على التواتر الروائي أو المسلَّمات الدينية والمذهبية:
هناك بعض النتائج التي ينتهي إليها الباحث في القضية المهدوية، لا تحتاج إلى إقامة الدليل، وإن كان ممكناً، إلَّا أنَّ وضوحها وصل إلى مرحلة استغنت معها عن الدليل، وذلك مثل ما وصل إلينا بالتواتر، أو كان من المسلَّمات الدينية أو المذهبية، ومن ذلك: (ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وثاقة السفراء، انقطاع السفارة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) مختصر بصائر الدرجات - الحسن بن سليمان الحلي: ص١١٧.

↑صفحة ١٣٦↑

وغيرها الكثير)، فإنَّ هذه المفاهيم وصلت إلى مرحلة من الوضوح استغنت معها عن إقامة البرهان، فلو شكَّك أحدهم في النصوص الروائية التي تثبت الولادة، أو شكَّك في وثاقة السفراء من جهة عملهم داخل الدولة العباسية مع انكشاف أوراقهم - مثلاً -، أو ادَّعى أحدهم السفارة في زمن الغيبة الكبرى قبل الصيحة والسفياني، حينها، إن تمكَّن الباحث من الإجابة عن هذه الشبهات فبها، وإلَّا، فيكفيه أن يقول: إنَّ (ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) - وثاقة السفراء - انقطاع السفارة) أمور مفروغٌ عنها، والدليل عليها متواتر، فلا يمكن أن يكون غيرها.
ومن قبيل: ما ورد من أنَّ اليماني مثلاً يخرج من اليمن ويتجاوز الحدود ليصل إلى العراق، فهناك من يتساءل عن إمكان ذلك مع وجود دول حدودية ذات قوة معيَّنة قد تمنع من وصول اليماني إلى العراق، فالجواب: أنَّه مع إخبار الروايات بذلك فلا معنى لهذا التساؤل، فضلاً عن احتمال ضعف دول المنطقة آنذاك، خصوصاً مع ما ورد من ذهاب ملك السنين وحلول ملك الأشهر والأيام، حتَّى أنَّ بعضاً يُنصَّب مَلِكاً صباحاً، ويعزل مساءً...
فقد روى الشيخ بسنده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم».
ثم قال: «إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحدٍ ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله، ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيَّام».
فقلت: يطول ذلك؟ قال: «كلا»(١٥).
وروي عن أبي عبد الله أنَّه قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَقِيتُمْ بِلَا إِمَامٍ هُدًى، وَلَا عَلَمٍ، يَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُمَيَّزُونَ وَتُمَحَّصُونَ وَتُغَرْبَلُونَ،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) الغيبة للطوسي: ص٤٤٧، ح٤٤٥.

↑صفحة ١٣٧↑

وَعِنْدَ ذَلِكَ اِخْتِلَافُ اَلسَّيْفَيْنِ، وَإِمَارَةٌ مِنْ أَوَّلِ اَلنَّهَارِ، وَقَتْلٌ وَخَلْعٌ مِنْ آخِرِ اَلنَّهَارِ»(١٦).
ومن قبيل: ما قد يُقال من أنَّ مهدي الشيعة رجل لا يدعو إلى الإسلام، وإنَّما يدعو إلى (اليهودية) أو إلى (دين جديد)، فإنَّ الجواب عنها - وفق هذه الآلية - يكون بأن أصل كون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الإمام الثاني عشر لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ليس نبيّاً، كافٍ لإنكار إتيانه بشريعة جديدة أو دين جديد، إنَّما هو يأتي ليحيي سُنَّة النبي (صلّى الله عليه وآله) كما صرَّحت به الكثير من الروايات.
وهكذا يمكن أن نجد مفردات عديدة، الجواب عنها بالاعتماد على المسلَّمات الدينية والمذهبية، أو بالاعتماد على الوضوح الكبير في النصوص الواردة.
الطريقة الثانية: طريقة: (لا أعلم)!
هناك أسباب عديدة تقتضي أن يكون جواب العديد من المسائل المتعلقة بالقضية المهدوية هو (لا أعلم)، من قبيل:
١ - إنَّ المسألة متعلِّقة بالمستقبل، ونحن لا نعلم المستقبل، إلَّا ما وصلنا من أخبار عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، ومن ثَم، إذا لم تذكر الروايات معلومة عن مسألة ما، فالجواب المنهجي عنها: لا أعلم.
٢ - إنَّ العديد من مفرداتها قُصد فيها الإخفاء، ومن ثَم لا يتوقَّع أحد أنَّه يتمكَّن من معرفتها.
٣ - على أنَّ بعضاً منها أُريد له أن يكون مشتملاً على عنصر (المفاجأة) و(البغتة)، ومن ثَم لا يُتوقَّع أن يكون عندنا علم تفصيلي فيها.
والحاصل: أنَّ هناك أسئلة متعلِّقة بالقضية المهدوية، يكون جوابها المنهجي (لا أعلم)، وذلك من قبيل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) كمال الدِّين: ص٣٤٧ و٣٤٨، باب ٣٣، ح٣٦.

↑صفحة ١٣٨↑

أوَّلاً: ما يتعلَّق بخصوصيات الغيبة:
ويشمل:
أ - معرفة العلَّة التامَّة والسبب الحقيقي للغيبة:
فإنَّ بعض النصوص صرَّحت بأنَّه لم يؤذَن لأهل البيت (عليهم السلام) بالكشف عن العلَّة التامَّة للغيبة؛ ومن ثَم، يبقى كلّ ما يُذكر في بيان أسبابها دائراً مدار الاحتمال، أو بتعبير آخر: (الحكمة) و(العلة الناقصة)، لا (الملاك الحقيقي) و(العلَّة التامَّة).
وفي ذلك ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدَّ منها، يرتاب فيها كلُّ مبطل»، فقلت: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما، يا بن الفضَّل، إنَّ هذا الأمر أمرٌ من (أمر) الله تعالى وسرٌّ من سرِّ الله، وغيبٌ من غيبِ الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(١٧).
ب - زواج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) زمن الغيبة:
فإنَّ النصوص لا تساعد على إثبات زواجه فيها، ولم يتم دليل على ذلك، كما نوقش في محلِّه، ومن ثم تبقى هذه المسألة طي (عدم العلم)، فالجواب المنهجي فيها هو (لا أعلم)، ومن الواضح أنَّ هذا الجواب لا يُثبت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) كمال الدين للصدوق: ٤٨٢، باب٤٥، ح١١.

↑صفحة ١٣٩↑

ولا ينفي، ومن ثم يبقى احتمال كلا الأمرين وارداً، غايته أنَّ على من يدَّعي أحد الاحتمالين أن يقيم الدليل عليه، غير أنَّ النافي موافق للأصل، إذ الأصل عدم الزواج، فيكفيه عدم الدليل، وأمَّا المثبت فإنَّه مطالب بالدليل.
ج - محل سكناه زمن الغيبة الكبرى:
وهذا أيضاً مما لم يتم دليل عليه بالضبط، فمن ادَّعى أنَّ المسكن هو (طيبة)، اعتماداً مثلاً على ما ورد من تعبير «ونِعْمَ المنزل طيبة»، قد نوقش باحتمال كون ذلك في زمن الغيبة الصغرى، وباحتمال أنَّ المقصود تواجده فيها عادة، لا دائماً، وبغيره من الاحتمالات.
وهكذا احتمال سكناه في جبل رضوى، فإنَّه بلا دليل.
أمَّا احتمال سكنه في (الجزيرة الخضراء) فهو أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع.
فيكون الجواب المنهجي (والموافق للاحتياط إذا صحَّ التعبير) هو جواب: لا أعلم.
وعلى كلِّ حال، فمثل تلك التفاصيل هي من مختصَّات زمن الغيبة، فلو علم بها الجميع لما بقيت غيبة.
ثانياً: ساعة الصفر للظهور:
فإنَّ النصوص تصرِّح بأنَّ الله تعالى أخفاها تماماً عن العباد، وبالنسبة لأهل البيت (عليهم السلام) وُجد احتمالان، أحدهما: أنَّهم كانوا يعلمون به لكن لم يؤذن لهم بالبوح به، وثانيهما: أنَّهم أيضاً لا يعلمون به(١٨).
ومن ثمَّ، منعت النصوص من التوقيت، لأنَّه مما لا يعلمه إلَّا الله تعالى، فيكون كلّ توقيت للظهور هو نوع من الجهل في واقعه، والنصوص التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) ذكرت تفاصيل ذلك في بحث خاص في مجلة الموعود في العدد (١٧) بعنوان: (كيف يعلم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوقت ظهوره؟).

↑صفحة ١٤٠↑

أشارت إلى هذا المعنى كثيرة، ومنها ما وردَ عن محمدٍ بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا محمد، من أخبرك عنَّا توقيتًا فلا تهابنَّ أنْ تكذبه، فإنَّا لا نوقِّتُ لأحدٍ وقتًا»(١٩).
ومعه، فالجواب المنهجي العلمي في هذه المسألة هو: لا أعلم.
الطريقة الثالثة: الاستفادة من القواعد العامة للعقيدة الإسلامية:
وهي الأسئلة التي يمكن الجواب عنها بالاستفادة من القواعد العامة وفق الاعتقاد الإسلامي، مما يعتقد به جميع المسلمين، وإن كان في تفاصيله اختلاف بين المذاهب، ومن تلك القواعد:
١ - الاعتقاد بقدرة الله تعالى المطلقة، التي يمكنه (جلَّ وعلا) بها أن يفعل كل ممكن في حدِّ نفسه، ولم يخرج عن هذه القدرة إلَّا الممتنع، وخروجه تخصُّصاً لا تخصيصاً، ومن ثم يبقى عموم القدرة على حاله.
٢ - الاعتقاد بالحكمة الإلهية، وأنَّه تعالى يفعل لحكمة، بغضِّ النظر عن كون العقل هو المؤسِّس للحكمة - كما يذهب إليه الإمامية - أو أنَّ المؤسِّس فيها هو فعل الشارع نفسه، والعقل مرشد لذلك، لا فرق من هذه الناحية، فكون ما يصدر عنه (تعالى) فعلٌ حكيم، أمرٌ مسلَّم.
٣ - إنَّ السُنن الإلهية قائمة على عدم الاستعجال بالنتائج، وأنَّ الله تعالى كتب على نفسه أن ينصر المؤمنين ويورثهم الأرض ولو بعد حين، فتحديد الوقت المناسب راجع للحكمة الإلهية، وتأخير النتائج لا يخرج عن قوانين هذه الحياة.
ووفق هذه المباني، وغيرها، يُمكن أن نجد جواباً إلزامياً عن العديد من الأسئلة المثارة في القضية المهدوية، ولكل من يعتقد بالإسلام، ومن تلك الأسئلة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) كتاب الغيبة، محمد بن إبراهيم النعماني: ص٣٠٠-٣٠١، الباب ١٦، ح٣.

↑صفحة ١٤١↑

الأوَّل: طول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مع بقاء مظهره شابّاً:
إنَّ طول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الأمور المسلَّمة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وصرَّحت به النصوص العديدة، وتلك النصوص قرنت بين طول عمره من جهة، وبين احتفاظه بمظهر الشباب من جهة أخرى، حتَّى أنَّ بعض النصوص عدَّت خروجه شاباً رغم طول عمره إحدى أشدّ الفتن والاختبارات زمن الظهور، فقد روي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ قَدْ قَامَ اَلْقَائِمُ لَأَنْكَرَهُ اَلنَّاسُ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَابًّا مُوَفَّقاً لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ قَدْ أَخَذَ اَللهُ مِيثَاقَهُ فِي اَلذَّرِّ اَلْأَوَّلِ»(٢٠).
وروي عَنْ أَبِي اَلصَّلْتِ اَلْهَرَوِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لَلرِّضَا (عليه السلام): مَا عَلَامَاتُ اَلْقَائِمِ مِنْكُمْ إِذَا خَرَجَ؟ قَالَ: «عَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخَ اَلسِّنِّ شَابَّ اَلمَنْظَرِ حتَّى إِنَّ اَلنَّاظِرَ إِلَيْهِ لَيَحْسَبُهُ اِبْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِهِ أَنْ لَا يَهْرَمَ بِمُرُورِ اَلْأَيَّامِ وَاَللَّيَالِي حتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ»(٢١).
ولا غرابة في كلا الأمرين: أمَّا عن طول العمر فإنَّ المنقولات التاريخية شاهدة على إمكان أن يطول عمر الإنسان أكثر من المعدَّل الطبيعي، وأنَّ الأبحاث العلمية في طريقها للكشف عمَّا يُمكن به إطالة عمر الإنسان أكثر من المعدَّل الطبيعي، فإن لم ينفع أحد هذين الأمرين في إقناع الآخر، فلا أقل من تسليمه بأنَّ إطالة عمر الإنسان أمر ممكن وداخل تحت القدرة الإلهية، ومن ثَمّ لا يُستغرب من ادِّعاء طول عمر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هذه الفترة...
وهكذا ما يتعلَّق ببقائه بمنظر الشباب كل هذه الفترة، فإنَّه أمر ممكن في حدِّ نفسه، فيكون مقدوراً لله تعالى، فمع توافقه مع الحكمة فلا غرابة ولا إشكال في ادِّعائه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) الغيبة للنعماني: ص ١٩٤ و١٩٥، باب ١٠، فصل ٤، ح٤٣.
(٢١) كمال الدِّين: ص٦٥٢، باب ٥٧، ح١٢.

↑صفحة ١٤٢↑

ولا يخفى أنَّ إثارة مثل هذا السؤال لا يصح إلَّا مع التسليم المسبق - ولو جدلاً - بولادته وبقائه حياً إلى اليوم، وإلَّا، فلا موضع لهذا السؤال من رأس.
الثاني: الحفظ خلال الغيبة:
لا ريب أنَّ الفرد الواحد لا يتمكَّن من إدارة جميع شؤون حياته - من أَلِفها إلى يائها - وحده من دون أن يعينه فيها غيره، وهذا أمر واقعي، بعيداً عن تبريره المعرفي، وكونه من جهة طبيعة الإنسان الاجتماعية، أو من جهة عدم القدرة الواقعية وإن لم تكن طبيعته كذلك.
ومن ثَمَّ قد يُتساءل: أنَّه بعد تسليم طول عمره كل هذه الفترة، كيف يتمكَّن من إدارة شؤون حياته وحده، خصوصاً أنَّ المدَّعى أنَّ واحدةً من حكم الغيبة هو خوفه من القتل، مما يستدعي حاجته إلى أفراد يعينونه في تنظيم أمور حياته وقضاء بعضها مما يرتبط بشؤونه الخاصة.
والجواب عن هذا التساؤل يمر عبر خطوات عدَّة:
فمنها الاستعانة بالنصوص التي دلَّت على وجود من يعينه زمن الغيبة، كالخضر (عليه السلام)، فقد روي أنَّ الإمام الحسن بن عليٍّ العسكري (عليه السلام) قال لأحمد بن إسحاق، وقد أتاه ليسأله عن الخلف بعده، فقال مبتدئاً: «مَثَلُهُ مَثَلُ اَلْخَضِرِ، وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ، إِنَّ اَلخَضِرَ شَرِبَ مِنْ مَاءِ اَلْحَيَاةِ، فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ حتَّى يُنْفَخَ فِي اَلصُّورِ، وَإِنَّهُ لَيَحْضُرُ اَلمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ، وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ، فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ اَلمُؤْمِنِينَ، وَسَيُؤنِسُ اَللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ، فَلَهُ اَلْبَقَاءُ فِي اَلدُّنْيَا مَعَ اَلْغَيْبَةِ عَنِ اَلْأَبْصَارِ»(٢٢).
وكثلاثين رجلاً عُبِّر عنهم بالأبدال، على فرض تسليم دلالة الرواية على هذا الأمر، فقد روي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «لَابُدَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الخرائج والجرائح: ج٣، ص١١٧٤، ح٦٨.

↑صفحة ١٤٣↑

لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ، وَلَابُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَنِعْمَ اَلمَنْزِلُ طَيْبَةُ، ومَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ»(٢٣).
ومنها: إمكان تعامل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بشخصية ثانوية بعيدة عن حقيقته، يساعده في ذلك عدم إمكان التعرُّف عليه من قبل أي شخص.
وإن لم يكف هذا المعنى للجواب، فيكفي القول: إنَّ الله تعالى قادر على أن ينظِّم أمور المهدي (عجَّل الله فرجه) بقدرته وحكمته، بأن يقيض له من يخدمه، ولو من الملائكة، أو يعطيه القدرة على ترتيب أمور حياته ولو لم يستعن بأحد.
المهم أن تصوّر الجواب وفق القواعد الإسلامية العامة ليس بعيداً عن الوقوع، فضلاً عن الإمكان.
الثالث: الرجعة، إمكانها ووقوعها:
الروايات في إثبات الرجعة ووقوعها - إبان الظهور - كثيرة جدّاً، وقد كُتبت فيها كتب عدَّة، وإمكانها في حدِّ نفسها، ووقوعها تحت القدرة الإلهية، لا يُبقي لتهريجات المهرِّجين أيّ مجال، فضلاً عن وقوعها - ولو مع اختلاف الفترات والكيفيات - في الأُمم السابقة كما ذكر القرآن الكريم.
وعلى كلِّ حال، يُمكن أن نجد العديد من الأسئلة التي إن لم يتمكَّن الباحث من تبريرها بجواب خاص، فإنَّ دخولها تحت عموم بعض القواعد الإسلامية المسلَّمة كافٍ للجواب عنها.
الطريقة الرابعة: الاستفادة من القواعد الخاصة بعقيدة الإمامية الاثني عشرية:
لسنا ملزمين دوماً بتقديم جواب ينسجم مع مجمل المباني والمذاهب والأديان، ففي كثير من الأحيان يكفينا أن نقدِّم جواباً ينسجم مع متبنيات المذهب الحق، ومسلَّماته، وضروراته، وهو جواب علمي منهجي في حدِّ نفسه، غايته أنَّه لا يُستعمل في مقام الإثبات للآخر الخارج عن المذهب، وهذا بحث آخر، إذ الأجوبة لا تنحصر بالإقناعية للآخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) الكافي: ج١، ص٣٤٠، باب في الغيبة، ح١٦.

↑صفحة ١٤٤↑

وتحت هذه الطريقة توجد العديد من الأسئلة المهدوية، من قبيل:
أوَّلاً: أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام):
فإنَّ هذا المعنى خاص بمذهب الإمامية الاثني عشرية، وتدلّ عليه الكثير من النصوص، وبألسنة متعدِّدة، من قبيل ما روي بلسان: التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «... واختار من الحسين الأوصياء، يمنعون عن التنزيل تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأوُّل الجاهلين، تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم وهو أفضلهم»(٢٤).
أو بلسان: السابع من ولد الخامس: كما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله تعالى قيامُ قائمنا... المسمَّى باسمي... السابع من ولدي»(٢٥).
وحيث إنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) هو الإمام الخامس، فيكون السابع من بعده هو الثاني عشر، وهو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
أو بلسان: الخامس من ولد السابع: كما روي عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «إذا فُقد الخامس من ولد السابع من الأئمة، فالله الله في أديانكم، لا يزيلنَّكم عنها أحد»(٢٦).
أو بلسان: السادس من السادس: كما في رواية عن أبي عبد الله (عليه السلام)...: «ذلك صاحبكم القائم بأمر الله (عزَّ وجلَّ)، السادس من ولدي...»(٢٧).
وغيرها من الألسنة المتَّفقة على المعنى.
إنَّ هذا الاعتقاد إنَّما يصح وفق مذهب الاثني عشرية، والنصوص الدالّة عليه كثيرة متواترة، ومن ثَمّ يكفي هذا جواباً لمن يعتقد بالمذهب الحق، وليس ضرورياً أن يكون مقنعاً لغيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) المحتضر: ٢٧٧.
(٢٥) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٣١٦، ب٣٠، ح٢.
(٢٦) الغيبة للطوسي: ص٣٣٧، ح٢٨٤.
(٢٧) البحار: ج٥١، ص١٦٣؛ ومقتضب الأثر للجوهري: ص٤٠.

↑صفحة ١٤٥↑

ثانياً: عصمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
فإنَّه اعتقاد خاص بالمذهب، وتكفي فيه الأدلة الخاصة على عصمة كل أهل البيت (عليهم السلام) الشاملة له (عجَّل الله فرجه)، والتي تُطلب في محلِّها من بحوث العقيدة.
وهذا الاعتقاد يستلزم التسليم بالعديد من الأفعال التي ذكرت النصوص أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يقوم بها، مما قد لا يتمكَّن أحدهم من فهم الحكمة منها الآن، ولعلَّه إذ أدرك الظهور فهمها، وعلى كلِّ حال، فإنَّ الاعتقاد بعصمته (عجَّل الله فرجه) يجعل من كل ما يصدر عنه موافقاً للواقع الحق الذي يريده الله تبارك وتعالى، سواء فهمنا الحكمة منه أو لا، ففهم الحكمة أمر آخر.
ومن ذلك ما ورد من أنَّه - مثلاً - يقتل رجلاً من المقرَّبين إليه، فيما رواه النعماني في غيبته عن الإمام الصادق (عليه السلام): «بينا الرجل على رأس القائم (عليه السلام) يأمره وينهاه إذ قال: أديروه فيديرونه إلى قدامه فيأمر بضرب عنقه فلا يبقى في الخافقين شيء إلَّا خافه»(٢٨).
أو أنَّه يقطع أيدي بني شيبة في الحرم، فقد روي عَنِ اَلْهَرَوِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي اَلْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى اَلرِّضَا (عليه السلام): ... بِأَيِّ شَيْءٍ يَبْدَأُ اَلْقَائِمُ فِيهِمْ إِذَا قَامَ؟ قَالَ: «يَبْدَأُ بِبَنِي شَيْبَةَ وَيَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ، لِأَنَّهُمْ سُرَّاقُ بَيْتِ اَلله (عزَّ وجلَّ)»(٢٩).
أو ما ورد من أنَّه يهدم الشُرَف والأجنحة الخارجة على الطرق، ففي رواية أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ سَارَ إِلَى اَلْكُوفَةِ يَهْدِمُ بِهَا أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ اَلْأَرْضِ مَسْجِدٌ لَهُ شُرَفٌ إِلَّا هَدَمَهَا وَجَعَلَهَا جَمَّاءَ، وَوَسَّعَ اَلطَّرِيقَ اَلْأَعْظَمَ، وَكَسَرَ كُلَّ جَنَاحٍ خَارِجٍ فِي اَلطَّرِيقِ، وَأَبْطَلَ اَلْكُنُفَ وَاَلمَيَازِيبَ إِلَى اَلطُّرُقَاتِ، وَلَا يَتْرُكُ بِدْعَةً إِلَّا أَزَالَهَا وَلَا سُنَّةً إِلَّا أَقَامَهَا...»(٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٨٩.
(٢٩) عِلَل الشرائع: ج١، ص٢٢٩، باب ١٦٤، ح١.
(٣٠) روضة الواعظين: ص٢٦٤.

↑صفحة ١٤٦↑

أو يُرجع المسجد الحرام ومسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى ما كانا عليه، فَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ اَلْقَائِمَ (عليه السلام) إِذَا قَامَ رَدَّ اَلْبَيْتَ اَلحَرَامَ إِلَى أَسَاسِهِ، وَرَدَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اَلله (صلّى الله عليه وآله) إِلَى أَسَاسِهِ، وَرَدَّ مَسْجِدَ اَلْكُوفَةِ إِلَى أَسَاسِهِ...»(٣١).
وغيرها العديد.
ثالثاً: العلم اللدنِّي:
وهو علم خاص، غير معلوم المآخذ، ولا مفهوم الطريقة، وقد عبَّرت النصوص عنه بتعبيرات عدَّة، كالنقر في الأذن، والنكت في القلب، وارتفاع عمود من نور، وغيرها، ومن التعبيرات التي وردت فيه هو (الوحي) وهو ما يُعبَّر عنه في علوم القرآن بالتحديث، كالذي كان عند أُم موسى والسيدة مريم (عليهما السلام)، وقد دلَّت عليه النصوص الكثيرة، من قبيل ما روي عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ مُحَدَّثاً»، فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: جِئْتُكُمْ بِعَجِيبَةٍ! فَقَالُوا: ومَا هِيَ؟ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُحَدَّثاً»، فَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ شَيْئاً، أَلَا سَأَلْتَه مَنْ كَانَ يُحَدِّثُه؟ فَرَجَعْتُ إِلَيْه فَقُلْتُ: إِنِّي حَدَّثْتُ أَصْحَابِي بِمَا حَدَّثْتَنِي فَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ شَيْئاً، أَلَا سَأَلْتَه مَنْ كَانَ يُحَدِّثُه؟ فَقَالَ (عليه السلام) لِي: «يُحَدِّثُه مَلَكٌ»، قُلْتُ: تَقُولُ: إِنَّه نَبِيٌّ؟! قَالَ: «فَحَرَّكَ يَدَه هَكَذَا: أَوْ كَصَاحِبِ سُلَيْمَانَ، أَوْ كَصَاحِبِ مُوسَى، أَوْ كَذِي الْقَرْنَيْنِ، أوَمَا بَلَغَكُمْ أَنَّه قَالَ (صلّى الله عليه وآله): وفِيكُمْ مِثْلُه»(٣٢).
وعَنْ عَلِيٍّ السَّائِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الأَوَّلِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قَالَ (عليه السلام): «مَبْلَغُ عِلْمِنَا عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوه: مَاضٍ وغَابِرٍ وحَادِثٍ، فَأَمَّا المَاضِي فَمُفَسَّرٌ، وأَمَّا الْغَابِرُ فَمَزْبُورٌ، وأَمَّا الْحَادِثُ فَقَذْفٌ فِي الْقُلُوبِ ونَقْرٌ فِي الأَسْمَاعِ، وهُوَ أَفْضَلُ عِلْمِنَا، ولَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا»(٣٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) تهذيب الأحكام: ج٥، ص٤٥٢، ح١٥٧٦/٢٢٢.
(٣٢) الكافي للكليني: ج١، ص٢٧١، بَابُ أَنَّ الأَئِمَّةَ (عليهم السلام) مُحَدَّثُونَ مُفَهَّمُونَ، ح٥.
(٣٣) الكافي للكليني: ج١، ص٢٦٤، بَابُ جِهَاتِ عُلُومِ الأَئِمَّةِ (عليهم السلام)، ح١.

↑صفحة ١٤٧↑

إنَّ هذا الاعتقاد ينسجم مع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهو يفي جواباً عن العديد من الأسئلة المثارة في العقيدة المهدوية، من قبيل:
- كيف ومن أين سيأتي بالكتب السماوية غير المحرفة؟
- كيفية علمه بساعة الظهور بالضبط، مما أشارت له بعض النصوص بأنَّه يوحى إليه بها، كما روي عَنِ المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فِي قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] قَالَ: «إِنَّ مِنَّا إِمَاماً مُظَفَّراً مُسْتَتِراً فَإِذَا أَرَادَ الله عَزَّ ذِكْرُه إِظْهَارَ أَمْرِه نَكَتَ فِي قَلْبِه نُكْتَةً فَظَهَرَ فَقَامَ بِأَمْرِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى»(٣٤).
وفي نقل تفسير البرهان: «إذا نقر في أُذُن القائم (عليه السلام) أَذِن له في القيام»(٣٥).
خصوصاً أنَّه ورد في بعض النصوص أنَّه يوحى إليه في إدارة دولته، فقد رويَ عنِ الإمامِ الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «يملكُ القائمُ ثلاثَمائة سنة ويزدادُ تسعاً، كما لبثَ أهلُ الكهفِ في كهفهم، يملأُ الأرضَ عدلاً وقسطاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً، فيفتحُ اللهُ له شرقَ الأرضِ وغربها،... ويدعو الشمسَ والقمرَ فيُجيبانه، وتُطوى له الأرضُ، ويوحى إليه فيعملُ بالوحي بأمرِ الله (عزَّ وجلَّ)»(٣٦).
الطريقة الخامسة: الجواب عن إسقاط الروايات على أحداث معيَّنة:
وأكثر ما نواجه مثل هذه الأسئلة فيما يتعلَّق بالعلامات، وبالأحداث التي يمكن أن نجدها قريبة منها في بعض النصوص.
من قبيل ما رواه نعيم بسند إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض، فلا تحرِّكوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم صغار لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، أصحاب الدولة لا يفون بعهد، ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) الكافي للكليني: ج١، ص٣٤٣، بَابٌ فِي الْغَيْبَة، ح٣٠.
(٣٥) البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني: ج٥، ص٥٢٥، ح١١١٩٨/ [٣].
(٣٦) بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٩٠.

↑صفحة ١٤٨↑

شعورهم مرخاة كشعور النساء حتَّى يختلفوا فيما بينهم ثم يؤتي الله الحق من يشاء»(٣٧).
والجواب المنهجي: قد لا نتمكَّن من الجزم بأنَّ المقصود هم خصوص داعش، فربَّما هم، وربَّما غيرهم، نعم، الأوصاف منطبقة عليهم ربَّما تماماً.
وهكذا مثلاً لو حصلت زلازل كثيرة، فهل هي الزلازل الكثيرة التي تقع قبيل الظهور أو التي هي من علامات الظهور.
وفي هذا المجال توجد قضية كلية، مفادها:
أوَّلاً: أنَّ العلامات منها حتمية ومنها غير حتمية، والحتمية منها واضحة جدّاً كما بيَّنته الروايات، إذ يدور أمرها بين كونها إعجازية - كالصيحة، والخسف في البيداء -، وبين كونها واضحة للعيان كخروج السفياني والخراساني واليماني في يومٍ واحد من شهر رجب، ومن ثلاثة محاور مختلفة (الشام، إيران، اليمن).
ثانياً: هناك توقيت، وهو المنهي عنه في الروايات، كما روي عن الفضيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقَّاتون، كذب الوقَّاتون، كذب الوقَّاتون»(٣٨).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كذب الموقِّتون، ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نوقِّت فيما يستقبَل»(٣٩).
وهناك تطبيق، وهو محاولة إسقاط روايات الظهور وعلاماته على حدث من الأحداث التي تقع.
وليس كل تطبيق يلزم منه التوقيت، بل منه ما يلزم منه التوقيت، كما إذا قُتل شخص فقيل: إنَّه هو النفس الزكية، إذ يلزم من هذا خروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعده بخمس عشرة ليلة فقط كما نصَّت الرواية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس: ص٨٩، ب٣٦، ح٤٧.
(٣٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٢٥-٤٢٦، ح٤١١.
(٣٩) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٢٥-٤٢٦، ح٤١٢.

↑صفحة ١٤٩↑

أو خروج شخصية معادية للتشيع في الشام، فيُدَّعى أنَّها السفياني، حيث يلزم منه خروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعده بفترة وجيزة لا تتعدَّى سبعة أو ثمانية أشهر.
فهذا النوع من التطبيق الذي يلزم منه التوقيت هو المنهي عنه.
ولكنْ هناك نوع آخر من التطبيق لا يلزم منه التوقيت، كما في امتلاء الأرض ظلماً وجوراً، فإنَّ هذا المعنى له مراتب متعدِّدة تزيد وتضعف، فلو حصل بلاء وظلم، وقال شخص: لقد امتلأت الأرض ظلماً وجوراً، فهذا لا يلزم منه التوقيت للظهور، ولا إشكال فيه من هذه الناحية، خصوصاً أنَّ مثل هذا الأمر لم يحدَّد بوقت معيَّن، وإنَّما هو من النوع الذي يمكن أن يمتد إلى أزمنة كثيرة.
وهكذا مثل تشبُّه النساء بالرجال، أو خلوِّ المساجد من المصلِّين، وما شابه.
وعلى كلِّ حال، فالأفضل قطعاً - لغير ذوي الاختصاص - الابتعاد تماماً عن التطبيق، فضلاً عن التوقيت، لأنَّه يؤدِّي إلى التكذيب لو انكشف عدم صحَّة التطبيق - فضلاً عن التوقيت حيث ورد الأمر بتكذيب المؤقتين -، ومن ثم يفقد الباحث أو الخطيب تأثيره في الناس، وتكون أقواله مورداً للشك والتشكيك المستمر.
الطريقة السادسة: أجوبة تفصيلية، تحليلية:
إنَّ أقوى الطرق استدلالاً، وأكثرها إقناعاً، وأرجاها للقبول، وأقربها للاطمئنان، هي الأجوبة التفصيلية التحليلية العلمية، التي تأخذ مساراً منهجياً محدَّداً، يبدأ من إثبات - أو إثبات عدم - الصدور، وينتهي بالتكييف مع عامَّة النصوص الثابتة والقواعد المسلَّمة في الدين والمذهب.

↑صفحة ١٥٠↑

وفي الوقت ذاته، هي أكثر الطرق صعوبة، وأشدها احتياجاً إلى ضبط العديد من العلوم الدينية، كقواعد الفقه، وقوانين الأصول، وثوابت العقيدة، فضلاً عن الحديث والتفسير والرجال وغيرها من العلوم.
وتمر هذه الطريقة بمراحل عدَّة، أهمّها:
المرحلة الأولى: البحث السندي للنصوص.
المرحلة الثانية: البحث الدلالي الخاص بالنص في حدِّ نفسه، فإن كان مقبولاً في حدِّ نفسه، وإلَّا رُفض.
المرحلة الثالثة: جمع النص مع مجمل النصوص الواردة في المقام - المؤيدة والمعارضة -.
المرحلة الرابعة: تكييف النص مع القواعد والمسلمات المذهبية والدينية.
المرحلة الخامسة: مراجعة كلمات العلماء في الجواب عن السؤال المطروح.
وقد يُستغنى عن بعض هذه المراحل في بعض الأحيان، وقد تُتمَّم كلَّها من باب افتراض عدم تمامية ما قبلها، فلو كانت الرواية ضعيفة السند، أو ثبت وضع الرواية، أغنى ذلك منهجياً عن إتمام بقية المراحل، لكن بعض المتخصِّصين - كما هو المعمول به في بحوث الفقه والأصول - يفترض تسليم سندها وصدروها، فيبحث في مضمونها، وعن طريقة تكييفها مع مجمل النصوص لو أمكن.
والأسئلة التي يُمكن أن يُجاب عنها بهذه الطريقة كثيرة جدّاً، ولا نبالغ إن قلنا: إنَّ هذه الطريقة هي ما ولِّدت البحوث وفتقت الأذهان على تفهُّم القضية المهدوية أكثر، وتوليد القناعة البرهانية والاطمئنان الوجداني فيها أكثر، وسنذكر تطبيقاً واحداً، وعناوين عدَّة من دون ذكر الأجوبة عنها، فإنَّ تفصيل الأجوبة يقتضي كتابة موسوعة مهدوية في هذا المجال، فنترك معالجتها لمتابعة القارئ الكريم.

↑صفحة ١٥١↑

رواية: المهديين الاثني عشر (رواية الوصية):
من أهمّ ما استند إليه المدَّعي (أحمد إسماعيل گاطع) لإثبات مدَّعاه في أنَّه المهدي الأوَّل الذي يحكم الأرض بعد المهدي (عجَّل الله فرجه) هي رواية أسموها برواية الوصيَّة، وهي رواية رواها الشيخ الطوسي في غيبته، وقد ورد في ذيلها:
«... ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، (فإذا حضرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أوَّل المؤمنين».
حيث ادَّعى ابن گاطع بأنَّه هو المقصود بأوَّل المقرَّبين وأوَّل المؤمنين، ومن ثَمّ يجب على الشيعة أن يبايعوه ويتبعوه ويطيعوه...
وطريقة الجواب عن هذه الدعوى وفق الطريقة التحليلية العلمية يكون بالآتي:
أوَّلاً: إنَّ سندها ضعيف:
فلا يُمكن الركون إليها لإثبات عقيدة يتوقَّف عليها إيمان الفرد، إذ إنَّ عادة النصوص أنَّها تركِّز بشدَّة على العقائد المهمة، من حيث طريقة صياغة الخطاب، وقوة البيان، والتكرار في مناسبات عدَّة، كما نرى ذلك في ما يتعلَّق - مثلاً - بتأكيد النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو كما نراه في التأكيد على كون المهدي (عجَّل الله فرجه) مما يجب أن يقع قبل يوم القيامة، وغيرها الكثير، أمَّا أن يُذكر ذلك في رواية واحدة، وضعيفة السند جدّاً، فهذا ما لا تركن النفس إليه، ولا يقبله المنهج العلمي لإثبات قضية فقهية فرعية، فضلاً عن اعتقادية أساسية.
وعلى كلِّ حال، فرواية الوصية قد رواها الشيخ الطوسي بالسند التالي:
أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفري، عن عليّ بن سنان الموصلي العدل، عن عليّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن

↑صفحة ١٥٢↑

الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمِّه الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):...».
وهذا السند غاية في الضعف، لاشتماله على عدَّة مجاهيل وضعفاء، فإنَّ (عليّ بن سنان الموصلي العدل)، وكذلك (أحمد بن محمّد بن الخليل)، و(جعفر بن أحمد المصري)، و(عمّه الحسن بن عليّ، عن أبيه) كلُّهم مجاهيل، فلا تصلح رواية وردوا في طريقها للاستدلال.
ثانياً: أنَّ دلالتها ضعيفة:
لو تنزَّلنا عن ضعف السند، ولو لما ادَّعاه الكاطع من إنكار جدوى أو شرعية (علم الرجال) ونتائجه، فمع ذلك لا يمكن أن تدلّ هذه الرواية على مدَّعاه؛ إنَّ رواية الوصيَّة نصَّت على أنَّ (ابن المهدي) و(أوَّل المقرَّبين) سيتولَّى مهام قيادة الدولة المهدوية بعد وفاة أبيه، إذ إنَّها قالت ما نصَّه: «... ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، (فإذا حضرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أوَّل المؤمنين».
ومعه، فلا يلزمنا اتِّباعه إلَّا بعد ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وحكمه الأرض ووفاته، لأنَّ هذا هو ما نصَّت عليه الرواية، ومن ثَمّ فلا دليل على لزوم اتِّباعه اليوم، إلَّا أن يخالف الوجدان ويدَّعي ظهور الإمام وموته!
ثالثاً: مخالفتها للنصوص الدالّة على الحاكم بعد المهدي (عجَّل الله فرجه):
هناك نصوص مشتهرة، متعاضدة، تدلُّ على أنَّ الذي يحكم الأرض بعد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الحسين (عليه السلام) في الرجعة، ومنها ما عن الإمام

↑صفحة ١٥٣↑

الصادق (عليه السلام): «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن عليٍّ، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٤٠).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئل عن الرجعة، أحق هي؟ قال (عليه السلام): «نعم»، فقيل له: من أوَّل من يخرج؟ قال (عليه السلام): «الحسين (عليه السلام)، يخرج على أثر القائم (عليه السلام)»، قلت: ومعه الناس كلهم؟ قال (عليه السلام): «لا، بل كما ذكر الله تعالى في كتابه ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ [النبأ: ١٨] قوم بعد قوم»(٤١).
هذان النصّان صريحان في:
١ - رجعة الإمام الحسين (عليه السلام).
٢ - أنَّه أوَّل من يرجع.
٣ - وأنَّ رجعته ستكون عند ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقبل موته.
وهناك نصوص دلَّت على أنَّه (عليه السلام) يحكم الأرض مدَّة طويلة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن عليٍّ (عليه السلام)، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٤٢).
هذه الرواية دلَّت على أنَّه (عليه السلام) سيمكث في الأرض أربعين سنة، وبضميمة ما ورد من أنَّ رجعته تكون قريبة من موت الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - كما سيأتي -، يستفاد أنَّ بقاءه هذه الفترة يكون من أجل حكم الأرض بعد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
بل يدل على ذلك بوضوح ما روي من إعطاء المهدي (عجَّل الله فرجه) الحسينَ (عليه السلام) الخاتمَ، فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ويُقبِلُ الحسين (عليه السلام) في أصحابه الذين قُتلوا معه، ومعه سبعون نبياً كما بعثوا مع موسى بن عمران (عليه السلام)، فيدفع إليه القائم (عليه السلام) الخاتم، فيكون الحسين (عليه السلام) هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه، ويواري به في حفرته»(٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ١٨.
(٤١) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي: ص ٤٨.
(٤٢) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ١٨.
(٤٣) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ص ٤٨ و٤٩.

↑صفحة ١٥٤↑

فإنَّ تسليم الخاتم له (عليه السلام) كناية عن تسليمه مقاليد أمور الدولة والحكومة والرئاسة.
وهناك ما دلَّ على أنَّه (عليه السلام) يقوم بتجهير الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حين موته، تطبيقاً لقاعدة: (لا يلي الوصي إلَّا الوصي):
فقد روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ القَاسِمِ البَطَلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرضِ مَرَّتَيْنِ﴾ قَالَ: «قَتْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وطَعْنُ الحَسَنِ (عليه السلام)» ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ قَالَ: «قَتْلُ الحُسَيْنِ (عليه السلام)»، ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾ «فَإِذَا جَاءَ نَصْرُ دَمِ الحُسَيْنِ (عليه السلام)» ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ «قَوْمٌ يَبْعَثُهُمُ الله قَبْلَ خُرُوجِ القَائِمِ (عليه السلام) فَلَا يَدَعُونَ وَتْراً لآِلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَتَلُوه»، ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ «خُرُوجُ القَائِمِ (عليه السلام)»، ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ «خُرُوجُ الحُسَيْنِ (عليه السلام) فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِه عَلَيْهِمُ البَيْضُ المُذَهَّبُ لِكُلِّ بَيْضَةٍ وَجْهَانِ، المُؤَدُّونَ إِلَى النَّاسِ أَنَّ هَذَا الحُسَيْنَ قَدْ خَرَجَ؛ حتَّى لَا يَشُكَّ المُؤْمِنُونَ فِيه وأَنَّه لَيْسَ بِدَجَّالٍ ولَا شَيْطَانٍ والحُجَّةُ القَائِمُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِذَا اسْتَقَرَّتِ المَعْرِفَةُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ أَنَّه الحُسَيْنُ (عليه السلام) جَاءَ الحُجَّةَ المَوْتُ فَيَكُونُ الَّذِي يُغَسِّلُه ويُكَفِّنُه ويُحَنِّطُه ويلْحدُه فِي حُفْرَتِه الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، ولَا يَلِي الوَصِيَّ إِلَّا الوَصِيُّ»(٤٤).
ويدلُّ على هذا المعنى أيضاً ما تقدَّم من رواية تسليم الخاتم إليه (عليه السلام).
وبذا يتم أنَّ الذي يحكم الأرض بعد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الحسين (عليه السلام).
وبذا ترى أنَّ النقاش التحليلي لرواية الوصية أخذ خطوات متسلسلة، متَّفقة على عدم إمكان الاستدلال بها على مدَّعى المدَّعي الكاطع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) الكافي للكليني: ج٨، ص٢٠٦ و٢٠٧، ح٢٥٠.

↑صفحة ١٥٥↑

عناوين مقترحة:
فيما يلي جملة من العناوين المتعلِّقة بالعقيدة المهدوية، يُمكن أن تكون منطلقاً لبحوث مفيدة، بالاعتماد على الطريقة الأخيرة في كيفية الجواب:
أ - ما علَّة الغيبة وطولها؟
ب - ما المطلوب من المنتظرين أثناء الغيبة؟
ت - ما دور وفائدة الإمام الغائب؟
ث - هل يُغلق باب التوبة عند الظهور؟
ج - لماذا يُكثر الإمام (عجَّل الله فرجه) من القتل؟
ح - هل سيقتل علماء الدين؟
خ - هل سيقرّ الأديان الأخرى على ما هي عليه؟
د - لماذا يحكم بعلمه؟
ذ - لماذا يحكم بحكم آل داود وما معناه؟
ر - كيف ستصطلح الحيوانات زمن الظهور؟
ز - هل سيأتي بدين جديد؟
س - هل سيأتي بقرآن جديد؟
ش - هل سيغيِّر القبلة إلى كربلاء؟
ص - هل يعلم الإمام بوقت ظهوره، وكيف يعلم، وإذا لم يكن يعلم فكيف يظهر في وقت الظهور؟
ض - هل اليماني من اليمن أو من العراق (البصرة أو غيرها)؟
ط - من الذي يحكم الأرض بعد المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
ظ - كم عدد النساء اللَّاتي يكنَّ مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وما دورهنَّ؟ وهل هنَّ من ضمن الـ(٣١٣) أو من غيرهم؟
ع - أين يقع مكان دفنه، وهل هو في كربلاء؟

↑صفحة ١٥٦↑

غ - متى يظهر، وكيف يمكن أن نعلم بظهوره؟
ف - هل السفياني - وكذا الدجال، واليماني، والخراساني - أشخاص أم حركات؟
ق - ما دور الفقهاء في عصر الظهور؟
ك - أين ستكون عاصمة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وهل هي القدس أم الكوفة؟
ل - أين سيكون ظهوره الأوَّل، في مكَّة أو في الكوفة؟
م - كيف سيجتمع إليه أصحابه، وما هي مدنهم وأسماؤهم؟
ن - ما دور الملائكة في حركة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وما دور المعجزة فيها؟
هـ - ما معنى التوقيت، وما الحدود المسموح بها فيه؟
و - هل هناك (تمهيد) لازم على المؤمنين زمن الغيبة، وما دورهم أصلاً في الانتظار؟
ي - ما هي مفاصل الدولة المهدوية، وما أركانها؟
وغيرها الكثير الكثير من البحوث المهدوية التي تعتمد عنصر التحليل المنهجي والتسلسل العلمي في تقديم إجابة شافية وافية لها، نأمل من الأقلام المباركة أن تسعى للكتابة في هذه العناوين وغيرها، خدمة للقضية المهدوية المباركة.

↑صفحة ١٥٧↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ٣٤ : ٠
: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.