بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

تصنيف المدَّعين للوكالة ونقد رأي أحمد الكاتب

 

تصنيف المدَّعين للوكالة
ونقد رأي أحمد الكاتب
 

نعمت الله صفري فروشاني - حسين قاضي خاني
 

ترجمة: علاء الزبيدي
 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

تمهيد:.....................٢٠٩
المقدِّمة:.....................٢١٠
١. الحيرة وارتباك الشيعة:.....................٢١٢
٢. سرّية وخصوصية نظام الوكالة:.....................٢١٢
ومن أبرز ما ميَّز نظام الوكالة:.....................٢١٣
أ - الكتمان والتقيَّة:.....................٢١٣
ب - النشاط السّري والتخفّي:.....................٢١٤
أدعياء الوكالة في الغيبة الصغرى:.....................٢١٩
ويقع الكلام في نقطتين:.....................٢١٩
أ - وكلاء خائنون:.....................٢١٩
١. أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي (الهلالي) (١٨٠-٢٦٧ ق):.....................٢١٩
٢. أبو طاهر محمد بن علي بن بلال (البلالي):.....................٢٢٠
ب - الأصحاب المنحرفون:.....................٢٢٠
١. أبو محمد الحسن الشريعي (السريعي):.....................٢٢٠
٢. محمد بن نصير النميري:.....................٢٢١
ج - العمّال الخائنون:.....................٢٢١
الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر:.....................٢٢٢
د - الانتهازيون:.....................٢٢٢
١. أبو بكر البغدادي:.....................٢٢٢
٢. أبو دلف المجنون (الكاتب):.....................٢٢٣
٣. إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي:.....................٢٢٣
٤. أبو عبد الله الباقطاني:.....................٢٢٤
٥. أبو عبد الله الحسين بن منصور الحلاج:.....................٢٢٤
١. أسباب وظروف الانحراف وطرح الادِّعاءات الباطلة:.....................٢٢٤
أ - تناسب سياق عصر الغيبة الصغرى مع هذا النوع من الانحرافات والادِّعاءات:.....................٢٢٥
ب - مكانة منظومة الوكالة لدى الشيعة الإمامية:.....................٢٢٥
ج - الانحراف العقائدي:.....................٢٢٦
د - الزلّات الأخلاقية:.....................٢٢٧
٢. سابقة الخيانة والدّعوى الكاذبة في منظومة الوكالة:.....................٢٢٧
أ - سابقة الخيانة في منظومة الوكالة قبل الغيبة الصغرى:.....................٢٢٨
ب - سابقة الادِّعاءات الكاذبة في أمر الوكالة في عصر ما قبل الغيبة الصغرى:.....................٢٢٨
٣. التصنيف:.....................٢٢٩
ألف - اختلاف نوعية وخلفية الأشخاص:.....................٢٢٩
ب - كيفية صدور التوقيعات في حق المدَّعين:.....................٢٣٠
ج - اختلاف الشخصية والمكانة الاجتماعية والعلمية:.....................٢٣١
د - الزمن:.....................٢٣١
٤. الانسجام الداخلي:.....................٢٣٣
٥. قبول أصل منصب الوكالة حتَّى من هؤلاء المعارضين:.....................٢٣٣

↑صفحة ٠↑

تمهيد:
عند دراسة دور مسألة الوكالة في عصر الغيبة الصغرى، تكتسب حالة الوكلاء المُخادعين والمدَّعين الكاذبين منهم أهمية خاصّة؛ نظراً لوجود بعض الأفراد موثوقين وذوي النفوذ من هذا القبيل بين الشيعة الإمامية، فكانت معارضة هؤلاء يمكن أن تُثير تناقضات في المجتمع الإمامي.
يستخدم أحمد الكاتب هذه النقطة من خلال إظهار عدد هؤلاء الأفراد بشكل غير واقعي، ليبني فكرة يؤكِّد من خلالها مخالفة هؤلاء مع المتصدِّين في ذلك الوقت لمنصب الوكالة، ليخلص إلى أنَّ أصل منصب الوكالة في زمن الغيبة الصغرى هو أمر مصطنع، وبالتالي ينكر وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
تهدف هذه المقالة إلى استكشاف وتحليل الوقائع التاريخية، لتعريف القارئ في البداية بأوضاع البيئة السياسية والثقافية وما إلى ذلك في تلك الفترة، ولتُظهِر دور هذه الأوضاع في بروز هذه الادِّعاءات والمخالفات من قِبل المدَّعين الكاذبين، وأيضاً من خلال تصنيف هؤلاء الأفراد وسلوكيَّاتهم نبيِّن عدم جدوى وجدّية ادِّعاءاتهم ومخالفاتهم في تحدِّي أصل منصب الوكالة، كما تسعى المقالة أيضاً - ومن خلال النظر في ادِّعاءات أحمد الكاتب في هذا المجال -، إلى الإجابة على ادِّعاءاته.

↑صفحة ٢٠٩↑

المقدِّمة:
بالنظر إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية في عصره، أعطت أنشطة الإمام الصادق (عليه السلام) حياة جديدة للشيعة، ونتيجة لجهوده، برزت بشكل جلي وفي زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) ما عرف فيما بعد بـ(الوكلاء) حيث كان لهم دور كبير في ربط الإمام (عجَّل الله فرجه) مع الشيعة.
ومع اقتراب زمان الغيبة ظهر أثر هذا العمل الكبير والتنظيم المحكم، فقد كانت الوكالة أهم وسيلة للتواصل مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في تلك الأيام، لذا فإنَّ دراسة دور الوكلاء يمكن أن يكون من أهم الأدلة التاريخية على إثبات وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه التحدّيات في فترة الغيبة الصغرى، فإنَّ بحث وجود الإمام الثاني عشر أو عدمه كان مطروحاً عبر التاريخ، وقد استغلَّ المعارضون للإمامية غيبته (عجَّل الله فرجه)، وتوجَّهوا إلى إثارة الشبهات حول وجوده، ومن روَّاد هذا الموضوع، هم الزيدية، حيث يمكن ملاحظة شبهاتهم والإجابات المطروحة في كتاب (كمال الدين) لمؤلفه الشيخ الصدوق (م٣٨١هـ)، مما يعني أنَّه لم يكن العلماء والأعلام الشيعة غافلين عن هذه المسائل، فصنَّفوا المؤلفات لمواجهة هذه الأنشطة، ومن بين هذه الكتب (الإمامة والتبصرة من الحيرة) لعلي بن بابويه، والد الشيخ الصدوق (ت٣٢٩هـ)، و(الغيبة) للنعماني (ت٣٦٠هـ)، و(الغيبة) للطوسي (ت٤٦٠هـ)، و(المسائل العشر في الغيبة) للشيخ المفيد (م٤١٣هـ).
وفي العقود الأخيرة، برز أشخاص من المشكِّكين في وجود المهدي وغيبته، وفي مقدّمتهم ناصر القفاري وأحمد الكاتب.
أحمد الكاتب هو كاتب عراقي، انتقل إلى لندن في عام (١٩٩٧م)، ونشر كتاباً بعنوان (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)

↑صفحة ٢١٠↑

حيث يصل أحمد الكاتب إلى نتيجة مفادها أنَّ ولاية الفقيه الجامع الشرائط على المجتمع تعتمد على مفهوم النيابة العامة للفقيه عن الإمام في عصر الغيبة الكبرى.
لذلك، إذا ثبت عدم وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته، فإنَّ هذه النيابة ستصبح ملغاة أيضاً.
إنَّ الوكالة من جملة الأدلة التي ينفي دلالتها على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وعلى إثبات وجوده والتي تعتبر وفقاً لأحمد الكاتب أهم دليل تاريخي على إثبات وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(١)، إذ يحاول أن يوحي بأنَّ الوكالة في عصر الغيبة الصغرى كان أمراً مصطنعاً، ولإثبات هذا الادِّعاء، سعى لإظهار عدَّة قليلة من الوكلاء المخادعين والمدَّعين الكاذبين للوكالة وكأنَّهم عدَّة كبيرة، ليتمكَّن من إنكار أصل منصب الوكالة لمجرَّد معارضة هذه المجموعة للوكلاء الحقيقيين للمنصب، وينتهي به الأمر إلى استنتاج عدم وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
الكاتب في سياق نفيه وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومن أجل الطعن بمؤسسة الوكالة التي يمكن أن تكون من أهم الأدلَّة التاريخية لإثبات وجود الإمام، يَعتبر منصب النوّاب الأربعة من ضمن الأدلة المصطنعة لوجود المدَّعين الآخرين الذين نطلق عليهم لقب الوكلاء المدَّعين الكاذبين، ويزعم أنَّ الشيعة في تلك الفترة لم يقبلوا دعوى النيابة لأكثر من عشرين مدَّعياً لنيابة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ووجَّهوا إليهم تُهمة الكذب والتزوير، ويخلق لهؤلاء المخالفين والمدَّعين الكاذبين هيبة وقوة تجعل من الممكن إنكار أصل وجود نظام الوكالة؛ لمجرَّد مخالفة هؤلاء للوكلاء الحقيقيين لإمام العصر (عجَّل الله فرجه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) تطوُّر الفكر السياسي من الشورى إلى ولاية الفقيه - الكاتب: ١٥٩.

↑صفحة ٢١١↑

في البداية، يبدو أنَّه من الضروري الانتباه إلى عدَّة نقاط؛ لأنَّ المعرفة والإلمام بها له أهمية كبيرة في تحليل الخلافات والانحرافات والادِّعاءات المتعلِّقة بالوكالة:
١. الحيرة وارتباك الشيعة:
بعد شهادة الإمام الحادي عشر (عليه السلام)، ومع الأخذ في الاعتبار سرّية ولادة وحياة ابنه المهدي (عجَّل الله فرجه)، واجه الشيعة تحدِّياً خطيراً في مسألة الإمامة؛ خاصَّة أنَّ جعفراً - وهو أخو الإمام العسكري (عليه السلام) والذي قام بطرح إمامته -، قد زاد من تأجيج هذه الأجواء(٢).
ولقد وصلت هذه الحيرة والارتباك إلى حدٍّ جعل أشخاصاً - مثل علي بن بابويه القمي - يسعون لتأليف كتابٍ؛ بهدف إزالة هذا الشك والحيرة(٣).
في هذه الأثناء، كان نظام الوكالة يتحمَّل دوراً تواصليّاً بين الإمام والشيعة، وكان الوكلاء يعملون بسرية وخفاء؛ نظراً للأوضاع السياسية، وللحفاظ على حياة الإمام (عجَّل الله فرجه).
٢. سرّية وخصوصية نظام الوكالة:
الوكالة التي برزت في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) بوضوح، تحمَّلت على مرِّ الزمن مهامّاً كبيرة، فمن تلك المهام هي الجوانب التواصلية والاقتصادية والإرشادية وغيرها، ونظراً لازدياد عدد الشيعة، وتنوُّع المناطق الشيعية جغرافياً، ولصعوبة الوصول إلى الإمام، وتشدُّد السلطة الحاكمة، يتَّضح مدى أهمية تشكيل تلك المنظومة، وفي عصر الغيبة الصغرى ظهرت أهميَّتها الخاصة، وكان الوكلاء الخاصُّون عن الإمام يتولُّون شؤون الشيعة بالنيابة عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) انظر: فرق الشيعة - النوبختي ١: ٩٦.
(٣) انظر: كتاب (الإمامة والتبصرة من الحيرة) لأبي الحسن علي بن الحسين ابن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق (رحمهما الله)، المتوفى ٣٢٩ هـ.

↑صفحة ٢١٢↑

الإمام (عجَّل الله فرجه)، وكانت الأنشطة سرّية ومخفية، مما سبَّب نقصاً في المعلومات وعدم وضوح بعض الأمور التاريخية حولها، مما جعل عمل الباحثين في دراسة واكتشاف سَيْر الأحداث بشكل طبيعي يواجه صعوبة كبيرة؛ لذلك.
ومن أبرز ما ميَّز نظام الوكالة:
أ - الكتمان والتقيَّة:
الكتمان والتقية كانت أساسية وضرورية بالنسبة للنوّاب، ويمكن اعتبارها معياراً لتحديد النيابة؛ ولدعم هذا الادِّعاء، يمكن الإشارة إلى قول أبي سهل النوبختي في ردِّه على عدم اختياره لخلافة محمد بن عثمان (النائب الثاني للإمام (عجَّل الله فرجه)) وتعيين الحسين بن روح لهذا المنصب، قال:
(هُم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمتُ بمكانه، كما علِم أبو القاسم، وضغطتني الحجَّة على مكانه لعلِّي كنت أدلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه)(٤).
وابن روح يطرد بوّاباً له بسبب لعن معاوية، فقد روى الشيخ الطوسي أنَّه: (بلغ الشيخ أبا القاسم (رضي الله عنه) أنَّ بوّاباً كان له على الباب الأوَّل قد لعن معاوية وشتمه، فأمر بطرده وصرفه عن خدمته، فبقي مدّة طويلة يسأل في أمره، فلا والله ما ردّه إلى خدمته، وأخذه بعض الأهل فشغله معه، كل ذلك للتقيَّة)(٥).
كما أنَّه يوبِّخ أحد الشيعة الذي تبسَّم في مجلس بسبب تقيَّة ابن روح، فقد روى الشيخ الطوسي: (أنَّ ابن روح كان يوماً في دار ابن يسار، وكان له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص٤١٢، ح٣٥٨.
(٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص٤٠٧، ح٣٤٩.

↑صفحة ٢١٣↑

محل عند السيد - أو السيّدة، وهي أُم المتوكّل - والمقتدر عظيم، وكانت العامّة أيضاً تعظِّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقيَّة وخوفاً، وعهدي به وقد تناظر اثنان، فزعم واحداً أنَّ أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ عمر، ثمّ علي، وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر، فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم (رضي الله عنه): الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصدّيق ثم بعده الفاروق، ثمّ بعده عثمان ذو النورين، ثمّ عليّ الوصي، وأصحاب الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا، فبقي من حضر المجلس متعجّباً من هذا القول، وكان العامة الحضور يرفعونه على رؤوسهم وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض، فوقع عليَّ الضحك، فلم أزل أتصبَّر وأمنع نفسي وأدسّ كمّي في فمي، فخشيت أن أفتضح، فوثبت عن المجلس، ونظر إليَّ ففطن بي، فلمّا حصلت في منزلي فإذا بالباب يطرق، فخرجت مبادراً، فإذا بأبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) راكباً بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيّه إلى داره.
فقال لي: يا أبا عبد الله أيَّدك الله لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي كأنَّ الذي قلته عندك ليس بحق؟ فقلت: كذاك هو عندي، فقال لي: اِتَّقِ الله أيُّها الشيخ، فإنِّي لا أجعلك في حل، تستعظم هذا القول منّي، فقلت: يا سيدي رجل يرى بأنَّه صاحب الإمام ووكيله يقول ذلك القول لا يتعجَّب منه ولا يضحك من قوله هذا؟ فقال لي: وحياتك لئن عدت لأهجرنَّك، وودعني وانصرف)(٦).
ب - النشاط السّري والتخفّي:
الأوضاع الخاصة في عصر العباسيين كانت تتطلَّب نشاطاً خفيّاً، لذلك كان الأئمة (عليهم السلام) والنوّاب والوكلاء يعدّون ذلك أمراً ضرورياً، ويمكن عدّ خطوة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) الغيبة - الشيخ الطوسي: ص٤٠٥، ح٣٤٧.

↑صفحة ٢١٤↑

محمد بن الفرج الرخجي، الذي كان من وكلاء الإمام التاسع والعاشر (عليهما السلام)، في هذا الاتِّجاه، فبعد استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام)، عقد جلسات سرّية في منزله ببغداد حضرها عدد من الوكلاء وزعماء الشيعة، وفي رسالة إلى خادم الإمام الهادي (عليه السلام)، الذي كان من خواصّه، أبلغه بهذا التجمُّع، وذكر له أنَّ سبب عدم دعوته ودعوة باقي كبار الشيعة هو تجنب شهرة هذا الخبر، وخوفاً من جذب انتباه المخالفين، فقد روى الكليني بطريقه إلى الخيرانيّ، عن أبيه أنَّه قال:
(كان يلزم باب أبي جعفر (عليه السلام) للخدمة التي كان وُكِّل بها، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يجيء في السحر في كلِّ ليلة ليعرف خبر علَّة أبي جعفر (عليه السلام)، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر (عليه السلام) وبين أبي إذا حضر قام أحمد وخلا به أبي، فخرجت ذات ليلة، وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول، واستدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام، فقال الرسول لأبي: إنَّ مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنِّي ماضٍ، والأمر صائر إلى ابني عليّ، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثمّ مضى الرسول ورجع أحمد إلى موضعه، وقال لأبي: ما الذي قد قال لك؟ قال: خيراً، قال: قد سمعت ما قال، فلِمَ تكتمه؟ وأعاد ما سمع، فقال له أبي: قد حرَّم الله عليك ما فعلت؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]، فاحفظ الشهادة لعلّنا نحتاج إليها يوماً ما، وإيَّاك أن تظهرها إلى وقتها.
فلمَّا أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة، وقال: إن حدث بي حدث الموت قبل أن أطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها، فلمّا مضى أبو جعفر (عليه السلام) ذكر أبي أنَّه لم يخرج من منزله حتَّى قطع على يديه نحو من أربعمائة إنسان، واجتمع رؤساء العصابة عند محمّد بن الفرج يتفاوضون هذا، فكتب محمّد بن الفرج إلى أبي

↑صفحة ٢١٥↑

يعلمه باجتماعهم عنده، وأنّه لولا مخافة الشهرة لصار معهم إليه ويسأله أن يأتيه، فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الأمر؟ فقال أبي لمن عنده الرّقاع: احضروا الرّقاع، فأحضروها، فقال لهم: هذا ما أُمرت به...)(٧).
وهذا التخفّي جعل عثمان بن سعيد في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) يخفي نشاطه تحت ستار بائع زيت، وكان يوصِل الرسائل إلى الإمام عن طريق إخفائها في أواني الزيت. قال الشيح الطوسي في (الغيبة):
(فأوَّلهم: من نصبه أبو الحسن علي بن محمد العسكري وأبو محمد الحسن بن علي بن محمد ابنه (عليهم السلام) وهو الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)،... ويقال له: العسكري أيضاً؛ لأنَّه كان من عسكر سرّ من رأى، ويقال له: السمّان؛ لأنَّه كان يتَّجر في السمن تغطيةً على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السّمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمد (عليه السلام) تقيةً وخوفاً)(٨).
وفي إمامة الإمام العسكري (عليه السلام)، كُلِّف داود بن أسود من قبل الإمام بإيصال قطعة خشب مدورة تحتوي على رسائل الشيعة وإجابات الإمام عليها، دون أن يكون على علم بمحتواها، إلى عثمان بن سعيد؛ لكن عدم احتياطه في الطريق أدَّى إلى كسر الخشب وسقوط الرسائل، لذا قام الإمام بتوبيخه بسبب هذا الإهمال، فقد روى ابن شهرآشوب عن أبي هاشم الجعفري، عن داود بن الأسود وقّاد حمّام أبي محمد (عليه السلام) قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الكافي - الكليني ١: ٣٢٣.
(٨) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٧٤ - ٣٧٥.

↑صفحة ٢١٦↑

(دعاني سيّدي أبو محمد، فدفع إليَّ خشبة كأنَّها رِجْلُ باب مدوَّرة طويلة ملء الكف، فقال: «صِر بهذه الخشبة إلى العمري»، فمضيت، فلمَّا صرت إلى بعض الطريق عرض لي سقّاء معه بغل، فزاحمني البغل على الطريق، فناداني السّقاء: صِحْ على البغل، فرفعت الخشبة التي كانت معي فضربت البغل فانشقت، فنظرت إلى كسرها فإذا فيها كتب، فبادرت سريعاً فرددت الخشبة إلى كمِّي، فجعل السّقاء يناديني ويشتمني ويشتم صاحبي، فلمّا دنوت من الدار راجعاً استقبلني عيسى الخادم عند الباب، فقال: يقول لك مولاي (أعزّه الله): «لِمَ ضربت البغل وكسرت رجل الباب»؟ فقلت له: يا سيدي لم أعلم ما في رجل الباب، فقال: «ولِمَ احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، إيَّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شاتماً فامضِ لسبيلك التي أُمرت بها، وإيَّاك أن تجاوب من يشتمنا أو تعرِّفه من أنت، فإنَّنا ببلد سوء ومصر سوء، وامضِ في طريقك، فإنَّ أخبارك وأحوالك ترِد إلينا...»)(٩).
وفي حادثة أخرى، عندما انحرف فارس بن حاتم وكيل الإمام الهادي (عليه السلام) عن المسار الصحيح، كتب الإمام في جواب رسالة عروة بن يحيى، أن يكذبوا فارس بن حاتم ويهتكوه... فقد ذكر الكشّي بإسناده عن موسى بن جعفر بن وهب، قال:
(كتب عروة إلى أبي الحسن (عليه السلام) في أمر فارس بن حاتم، فكتب: «كذّبوه واهتكوه، أبعده الله وأخزاه، فهو كاذب في جميع ما يدَّعي ويصف، ولكن صونوا أنفسكم عن الخوض والكلام في ذلك، وتوقّوا مشاورته، ولا تجعلوا له السبيل إلى طلب الشر، فكفانا الله مؤونته ومؤونة من كان مثله»)(١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) مناقب آل أبي طالب - ابن شهرآشوب ٣: ٥٢٨.
(١٠) رجال الكشي: ٥٢٢ / ١٠٠٤.

↑صفحة ٢١٧↑

يكتسب نشاط التخفِّي والتستُّر في زمن الغيبة الصغرى أهمية مضاعفة في موضوع أمان حياة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لذلك كان وكلاء الإمام مضطرِّين إلى النشاط السرّي، فما ذكره الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي يشير إلى دقَّة محمد بن عثمان في مراعاة جانب الحذر؛ للبقاء بعيداً عن عيون جواسيس العباسيين، فكان في بعض الأحيان يزيل الوثائق، فقد حدَّث الشيخ الصدوق بسنده إلى أبي علي المتيلي، قال: (جاءني أبو جعفر فمضى بي إلى العبّاسية وأدخلني خربة، وأخرج كتاباً فقرأه عليَّ،... ثمّ قال لي: «احفظ، ثمّ مزّق الكتاب»...)(١١).
وأحياناً وبسبب الحفاظ على الأسرار كان يمتنع عن إعطاء إيصالات لمن يجلبون الأموال، فقد روي الشيخ الطوسي، بسنده إلى أبي جعفر محمد بن علي الأسود (رحمه الله) قال: (كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) فيقبضها مني، فحملت إليه يوماً شيئاً من الأموال في آخر أيّامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي (رضي الله عنه)، فكنت أطالبه بالقبوض، فشكا ذلك إلى أبي جعفر (رضي الله عنه)، فأمرني أن لا أطالبه بالقبوض، وقال: كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليَّ، فكنت أحمل بعد ذلك الأموال إليه ولا أطالبه بالقبوض)(١٢).
وكان ابن روح يتردَّد على الجهاز الحاكم، ولم يكن الجهاز العبّاسي حسّاساً تجاهه، بل في بعض الأحيان كان يستخدم هذا الأسلوب لتنظيم أمور الشيعة، فقد روى الشيخ الطوسي:
(إنَّ ابن روح كان يوماً في دار ابن يسار، وكان له محل عند السيد - أو السيّدة، وهي أم المتوكّل - والمقتدر عظيم، وكانت العامَّة أيضاً تعظّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفاً...)(١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ٤٩٨.
(١٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٨.
(١٣) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٥.

↑صفحة ٢١٨↑

أدعياء الوكالة في الغيبة الصغرى:
ويقع الكلام في نقطتين:
الأولى: معرفة عدد هؤلاء الأشخاص؛ حتَّى لا نتأثَّر بإيحاءات أمثال أحمد الكاتب الذين يزعمون أنَّ عددهم كان كبيراً.
الثانية: دراسة هؤلاء لمعرفة وجوه انحرافهم:
ويمكن تصنيفهم على النحو التالي:
أ - وكلاء خائنون:
أشخاص كانوا في زمن الأئمّة السابقين من بين وكلاء الإمام، ولكن لأسباب معيَّنة اتَّخذوا مساراً منحرفاً فتمّ عزلهم، منهم:
١. أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي (الهلالي) (١٨٠-٢٦٧ ق):
اسم هذا الشخص يُذكر ضمن أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام)(١٤).
ومن كلام الشيخ الطوسي يتبيَّن أنَّ أحمد كان ضمن الوكلاء قبل عصر الغيبة(١٥).
وبحسب ما يظهر من قول النجاشي، فإنَّ أحمد بن هلال انحرف في زمن الإمام العسكري (عليه السلام)(١٦)، فهو في زمن محمد بن عثمان (الوكيل الثاني) لم يقبل وكالة محمد، لكنَّه لا ينكر وكالة والد محمد (عثمان بن سعيد)، وكان له مظهر عبادي وروحاني مميَّز(١٧)، وهذا الأمر كان يجعل قبول انحرافه صعباً، فالشكوك لدى بعض الشيعة التي كانت تجعل قبول انحرافه ولعنه صعباً عليهم، وقد صدرت عدَّة توقيعات بلعنه(١٨)، تشير إلى وعي الهلالي ومعرفته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٠.
(١٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٥٣.
(١٦) رجال النجاشي: ٨٣.
(١٧) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٣٥.
(١٨) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٣٥ - ٥٣٧؛ و٣٧٣.

↑صفحة ٢١٩↑

بأسرار منظومة الوكالة، وأنَّ انحرافه كان يمكن أن يوجِّه مجموعة من الشيعة إلى الضلال، لذا، فقد بُذِلت جهود خاصة لكشفه من قبل الناحية المقدسة.
٢. أبو طاهر محمد بن علي بن بلال (البلالي):
وهو من جملة أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)(١٩).
كان أبو طاهر في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى على طريق الحق، بحيث كان الحسين بن روح، الذي لم يكن قد وصل بعد إلى الوكالة، يستشيره في بعض الأمور(٢٠)، ووفقاً لكلام الطبرسي، كان البلالي في الفترة المبكرة من الغيبة الصغرى جزءاً من وكلاء النيابة(٢١)، وبحسب ما ذكره الشيخ الطوسي من امتناع طاهر عن تسليم أموال الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى محمد بن عثمان، كان ذلك دفعه إلى الانحراف(٢٢).
ب - الأصحاب المنحرفون:
هذه الفئة لم يكونوا من الوكلاء، وإنَّما كانوا من الأصحاب والمحيطين بالأئمة (عليهم السلام)، وقد تعرَّضوا للطرد واللعن من قِبل الأئمة (عليهم السلام) بسبب اتِّباعهم مساراً منحرفاً، نذكر منهم:
١. أبو محمد الحسن الشريعي (السريعي):
يظهر اختلاف في اسمه، فبعضهم يسمِّيه حسناً، وبعضهم الآخر محمد بن موسى(٢٣)، ويبدو أنَّ الشريعي هو أوَّل شخص في ذلك العصر ادَّعى زوراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٣٥؛ البرقي، ١٤١٩: ١٤٣.
(٢٠) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٨٧.
(٢١) إعلام الوري بأعلام الهدى - الطبرسي ٢: ٢٥٩.
(٢٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٠.
(٢٣) معجم رجال الحديث - الخوئي: ج٦، ص٢٨٦.

↑صفحة ٢٢٠↑

الوكالة والبابية للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٢٤)، وقد صدر توقيع في لعنه(٢٥).
وعدَّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، وأنَّه ادَّعى مقاماً لا يليق به وكذب على الله والأئمة، ثم لعنه الشيعة وابتعدوا عنه، وصدر توقيع في لعنه، لكنَّه أصرَّ على انحرافه(٢٦).
٢. محمد بن نصير النميري:
أدرك عصر الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام)، ويبدو أنَّه كان لديه في تلك الفترة معتقدات فاسدة لعنها الإمام الهادي (عليه السلام)(٢٧)، وقد ذكرت بعض الأقوال حوله وحول معتقداته، ممّا يتطلَّب مزيداً من البحث(٢٨).
وفي عصر محمد بن عثمان ادَّعى مقامه(٢٩)، وبفضل محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات(٣٠)، استطاع أن يعزِّز من نشاطاته ويجمع حوله عدداً من الأشخاص(٣١)، ويظهر اسم محمد بن نصير بين الملعونين في التوقيعات(٣٢)، وفي المصادر توجد أحاديث عن بابيته للإمام العسكري والإمام المهدي (عليهما السلام)(٣٣).
ج - العمّال الخائنون:
وهم أشخاص ممَّن لم يكونوا من الوكلاء، بل كانوا يشرفون على بعض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٧.
(٢٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١١.
(٢٦) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٧.
(٢٧) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٢٠ - ٥٢١.
(٢٨) فرق الشيعة - النوبختي: ١٠٢ - ١٠٣؛ الغيبة - الطوسي: ٥٢٠-٥٢١.
(٢٩) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٨.
(٣٠) من الأشخاص التابعين للسلطة العباسية.
(٣١) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٨.
(٣٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١١.
(٣٣) الهداية الكبرى - الخصيبي: ١٣٢.

↑صفحة ٢٢١↑

الأمور تحت إشراف الوكلاء، كالشلمغاني، وهؤلاء كشفوا عن نواياهم مع مرور الوقت.
الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر:
أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بـ(ابن أبي العزاقر)، له عدَّة مؤلفات من بينها كتابا (الغيبة)، و(التكليف)(٣٤)، وكان من بين العاملين في منظومة الوكالة، وكان نشطاً تحت إشراف الحسين بن روح خلال فترة النيابة(٣٥)، ومع ذلك، انحرف عن طريق الحق وادَّعى مقام النيابة، ومع انضمام الحسين بن الفرات ابن وزير العباسيين، أُتيحت له الفرصة للتوسُّع في ادِّعاءاته في الأوساط في ذلك الوقت(٣٦)، ونتيجة لإصرار الشلمغاني على اتِّباع المسار المنحرف الذي اتَّخذه، صدر توقيع بلعنه(٣٧).
د - الانتهازيون:
هم أشخاصٌ لم يكن لهم مكانة مهمَّة بين الشيعة، بل إنَّ بعضهم كان من المعارضين للشيعة، لكنَّهم سعوا لاستغلال الأجواء المضطربة في عصر الغيبة الصغرى، ويمكن الإشارة إلى بعض الأسماء من هذه الفئة منهم:
١. أبو بكر البغدادي:
ابن أخت السفير الثاني (محمد بن عثمان) الذي قيل: إنَّه كان مشهوراً بقلَّة حظِّه في العلم والشرف(٣٨)، وليس لدينا الكثير من المعلومات حول كيفية ادِّعائه للنيابة، ووفقاً لما ذكر الشيخ الطوسي، لم يكن أبو بكر في البداية يعلن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) النجاشي: ٣٧٨؛ الطوسي: ٣٨٧.
(٣٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٠٣، ٣٠٥ و٤٠٣.
(٣٦) الكامل في التاريخ - ابن الأثير: ٢٩١.
(٣٧) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٠-٤١١.
(٣٨) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢.

↑صفحة ٢٢٢↑

عن ادِّعاء النيابة بشكل علني، وكان يمتنع عن أخذ الأموال التي كانت تُحمل إليه، ويعد أخذ هذه الأموال حراماً، ووفقاً لما ذكر أيضاً أنَّه عندما طرح أبو دلف المجنون ادِّعاءات حول نيابة أبي بكر البغدادي، سأل الشيعة البغدادي عن ذلك، فأنكر ادِّعاء النيابة وأقسم على ذلك، ويبدو أنَّه بسبب ميل أبي بكر إلى أبي دلف المجنون وابتعاده عن الشيعة، ظهرت شائعات حول ادِّعاء وكالته في المجتمع الإمامي، ولأنَّ هذا الادِّعاء قد طُرح بعد وفاة السفير الرابع، فقد كان الشيعة يلعنونه ويتبرَّؤون منه(٣٩).
٢. أبو دلف المجنون (الكاتب):
محمد بن مظفّر، شخص ملحد ومنحرف، له عقائد غلو فاسدة، وقد سُردت العديد من الحكايات حول فساد مذهبه تدل على أحواله وعقائده الفاسدة(٤٠).
ومما ذكر الشيخ الطوسي يتَّضح أنَّ أبا دلف لعب دوراً أساسياً في انحراف أبي بكر البغدادي في دعوى البابية، وسعى للدفاع عن ادِّعاء أبي بكر البغدادي(٤١)، أمَّا فيما يتعلَّق بأنَّ أبا دلف قد ادَّعى لنفسه النيابة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتمكّنه من كسب وجاهة، فمع الأخذ في الاعتبار وضعه، ففيه مجال للشك.
٣. إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي:
يُعدّ فرداً ضعيفاً في الحديث ومتَّهماً في العقيدة، وقد نُسبت إليه كتب(٤٢)، ولم يذكر الشيخ الطوسي عند ذكر المدَّعين للنيابة اسمه، ولكن من كتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢-٤١٣.
(٤٠) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢.
(٤١) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢-٤١٤.
(٤٢) النجاشي: ١٩؛ الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩.

↑صفحة ٢٢٣↑

دلائل الإمامة يتبيَّن أنَّ إبراهيم بن إسحاق قد ادَّعى النيابة في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى(٤٣).
٤. أبو عبد الله الباقطاني:
لا توجد معلومات كثيرة عنه، ووفقاً لما هو مذكور في كتاب (دلائل الإمامة)، كان الباقطاني يدَّعي النيابة في زمن السفير الأول(٤٤)، ومع ذلك لم يذكر الشيخ الطوسي ادِّعاء الباقطاني، بل أدرج اسمه ضمن الأشخاص الحاضرين عند وفاة محمد بن عثمان(٤٥)، فمع الأخذ بالاعتبار حضور الباقطاني عند السفير الثاني، فإنَّ احتمال عودته إلى مسار الحق لا يبدو بعيداً.
٥. أبو عبد الله الحسين بن منصور الحلاج:
توجد آراء متباينة حول هذا الشخص، قد يُعدّ تاريخ ولادته حوالي عام ٢٤٤هـ، ولا شكَّ أنَّه لم يكن على مذهب التشيُّع، وسلك مسلك التصوُّف(٤٦)، ومن خلال تعامل علي بن بابويه القمي وأبي سهل النوبختي مع الحسين بن منصور، يتَّضح أنَّه كان يحمل دعوة النيابة عن الإمام المهدي(عجَّل الله فرجه)(٤٧).
الأشخاص المذكورون هم من أُشير إليهم في المصادر كمدَّعين كاذبين.
وبعد تقديم لمحة مختصرة عن هؤلاء الأفراد، فإنَّ التأمُّل والتفكير في بعض الأمور يمكن أن يساعد في كشف الحقائق المتعلِّقة بانحرافاتهم وادِّعاءاتهم:
١. أسباب وظروف الانحراف وطرح الادِّعاءات الباطلة:
لا يمكن فهم أسباب الانحراف في هذا الموضوع دون إدراك سياق منظومة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) دلائل الإمامة - الطبري: ٥١٩-٥٢١.
(٤٤) دلائل الإمامة - الطبري: ٥١٩-٥٢١.
(٤٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٧١.
(٤٦) الأنساب - السمعاني: ج٢، ٢٩٢-٢٩٣؛ تاريخ بغداد - البغدادي: ج٨، ١١٢-١١٣.
(٤٧) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠١-٤٠٣.

↑صفحة ٢٢٤↑

الوكالة في عصر الغيبة الصغرى، فلابدّ من الوعي بالظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية في ذلك العصر، جنباً إلى جنب مع معرفة منظومة الوكالة وطريقة عملها، وبذلك يمكن أن يقودنا إلى هذه الأسباب:
أ - تناسب سياق عصر الغيبة الصغرى مع هذا النوع من الانحرافات والادِّعاءات:
لقد أدَّى حيرة وارتباك الشيعة بسبب غموض ولادة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) وحياته المخفية، بالإضافة إلى احتياط وتستُّر العاملين في منظومة الوكالة، خاصّةً الوكلاء الرئيسيين، إلى جانب ضغوط الحكم العباسي، أدَّى كل ذلك إلى جعل المجتمع الإمامي يواجه نوعاً من الارتباك والحيرة، وقد أوجدت هذه الحيرة أرضية ملائمة لاستغلال هكذا نوعية من الأفراد.
ب - مكانة منظومة الوكالة لدى الشيعة الإمامية:
نظراً لأهمية هذه المنظومة، خاصّةً جوانبها الاجتماعية والاتِّصالية والاقتصادية، كان من الممكن أن يدفع ذلك الطامعين غير المتَّقين إلى الرغبة فيها؛ خاصةً إذا كان هؤلاء الطامعون يُعدّون في نظر الشيعة أشخاصاً موثوقين، فإنَّ احتمال هذا الاستغلال سيزداد.
ويمكن تحليل سلوك محمد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور في هذا الاتِّجاه، فَحُبّ المال جعل البلالي يمتنع عن تسليم أموال الإمام(٤٨)، وإذا لم نعدّ الحسين بن منصور شخصاً محتالاً، فإنَّ الطمع في المكانة الاجتماعية لمنصب الوكالة قد يكون دفعه إلى ادِّعاء الوكالة.
وقد ذكر القاضي التنوخي أنَّ الحسين بن منصور كان يحب التواصل مع الرافضة (الشيعة)، وكان يسعى للتأثير في فرقهم(٤٩)، وفي سفره إلى قم، سعى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٠.
(٤٩) (تراژدي حلّاج در متون کهن - فارسي) - مير آخوري: ١٣٤.

↑صفحة ٢٢٥↑

الحلاج لجذب علي بن بابويّه إليه، لكنّه لم يحقِّق شيئاً من ذلك؛ كما أنَّه لم ينجح في جذب أبي سهل النوبختي في بغداد، وانتهى به الأمر إلى فضحه(٥٠).
وفي أحد التوقيعات الصادرة في لعن الهلالي، ذُكِرَ عدم تسليمه الأموال المتعلِّقة بالإمام كأحد أسباب لعنته(٥١)، ممّا يدل على البُعد الاقتصادي للمسألة.
ج - الانحراف العقائدي:
يمكن أن يكون الانحراف العقائدي من بين الأسباب التي ساقت هؤلاء الأفراد إلى هذا المنزلق، فالشخص المنحرف لن يتردَّد في فعل أيّ شيءٍ لتبرير معتقداته، وسيلجأ إلى أيّ حيلة لإظهار سلوكياته وآرائه على أنَّها الحق.
وعند دراسة حالة الوكلاء المنحرفين والمدَّعين الكاذبين، يظهر الانحراف العقائدي بشكل خاص، وقد ورد أنَّ الشريعي كذب على الله والأئمة ونسب إليهم أموراً كانوا بعيدين عنها(٥٢)، وأنَّ ما أدَّى إلى فضيحة الشلمغاني هو ظهور هذه الأفكار المنحرفة(٥٣)، وأيضاً فساد مذهب أبي دلف المجنون(٥٤)، وكذلك اعتقادات محمد بن نصير النميري من هذا النوع أيضاً(٥٥)، وآراء هؤلاء المنحرفين كانت مستلهمة من آراء الحسين بن منصور الحلاج، حيث أكَّد ابن روح على هذا الأمر أيضاً(٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠١-٤٠٣.
(٥١) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٣٥-٥٣٦.
(٥٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٧.
(٥٣) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٤.
(٥٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٤.
(٥٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٢٠-٥٢١.
(٥٦) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٥.

↑صفحة ٢٢٦↑

د - الزلّات الأخلاقية:
يمكن أن يزلّ الكبار من الشخصيات والأشخاص المهمِّين، لكن الزلّة ليست مهمّة بقدر السير في الطريق المنحرف، وهو ما يدمِّر الإنسان، فكم من عظماء قد استدركوا زلّتهم بالعودة إلى طريق الهداية، وبناءً على التوقيع الصادر في لعن الهلالي، فإنَّ الاستبداد بالرأي والعمل وفق هوى النفس هو من بين عوامل انحرافه(٥٧).
ويرى النجاشي أنَّ سبب انحراف الشلمغاني هو حسده للحسين بن روح النوبختي(٥٨).
وحب المال يجعل البلالي يمتنع عن تسليم أموال الإمام إلى محمد بن عثمان(٥٩)، ونتيجة لذلك، أنكر وكالة محمد بن عثمان.
أمّا أحمد الكاتب فهو أيضاً ومن دون ذكر أيّ سند أو مصدر، عدَّ توقّع الهلالي لخلافة ولاية عثمان بن سعيد دليلاً على أنَّه قد رفض قبول وكالة محمد بن عثمان(٦٠).
وهنا يجب أن نأخذ في الاعتبار أنَّ الحالتين الأخيرتين لهما جانب شخصي، بينما الحالتان الأوليتان تأخذان في الاعتبار حُبّ المال والجاه والظهور.
٢. سابقة الخيانة والدّعوى الكاذبة في منظومة الوكالة:
يمكن للعلم بسابقة هذا الأمر في عصور الأئمّة السابقين (عليهم السلام) أن يكسر الهلع والهيبة التي تُخلَق في الذهن عند سماع اسم بعض هؤلاء المدَّعين الكاذبين، ومن خلال إزالة ستار القدسية عن وجوههم، يمكن توفير وضع أفضل لفهم الواقع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٣٥.
(٥٨) النجاشي: ٣٧٨.
(٥٩) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤٠٠.
(٦٠) تطور الفكر السياسي من الشورى إلى ولاية الفقيه - الكاتب: ٢٢٩.

↑صفحة ٢٢٧↑

أ - سابقة الخيانة في منظومة الوكالة قبل الغيبة الصغرى:
كان هؤلاء الوكلاء يتلقَّون الأموال الشرعية والهدايا المتعلِّقة بالإمام (عليه السلام)، وبطبيعة الحال يكونون في دائرة احتمال الوقوع في كمين الطمع والفساد، ويبدو هذا الخطر أكثر جدّية عندما تكون بأيديهم مبالغ ضخمة، فمع بداية إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)، رفضت مجموعة من وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام) المعروفين قبول إمامته، ولم يقبلوا تسليم الأموال للإمام الرضا (عليه السلام)، وهؤلاء توقَّفوا عند إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام)، ومن حيث إنَّهم كانوا شخصيّات بارزة في المجتمع الشيعي في ذلك العصر، فقد أسَّسوا مذهب (الواقفية)(٦١).
هذه الحالة هي مجرَّد مثال واحد على خيانات هؤلاء الأشخاص(٦٢).
ب - سابقة الادِّعاءات الكاذبة في أمر الوكالة في عصر ما قبل الغيبة الصغرى:
لم يكن هذا الأمر ظاهرة غير مسبوقة أو بعيدة عن الأنظار، فمن بين هؤلاء المدَّعين يمكن الإشارة إلى (محمد بن الفرات) الذي زعم كذباً أنَّه باب الإمام، ويبدو أنَّه بعد ذلك طرح ادِّعاء النبوّة لنفسه أيضاً، ولم تؤثِّر محاولة الإمام الهادي (عليه السلام) في هدايته، وفي النهاية لعنه الإمام (عليه السلام) بسبب استمراره في سلوكه(٦٣).
(أحمد بن محمد السيّاري) أيضاً من بين هؤلاء الأشخاص، لقد ادَّعى الوكالة من جانب الإمام الجواد (عليه السلام)، وكان يتلقَّى أموال وجوه الشيعة الشرعية تحت هذا العنوان(٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) الإمامة والتبصرة من الحيرة - القمي: ٢١٤-٢١٦؛ الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٥٢، ٣٦٣-٣٦٧.
(٦٢) للمزيد من المعلومات، انظر: (سازمان وکالت ونقش آن در عصر ائمه - فارسي) - جباري،: قسم (دراسة حالات الانحراف والخيانة في منظمة الوكالة).
(٦٣) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٥٥٤-٥٥٥.
(٦٤) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٦٠٦.

↑صفحة ٢٢٨↑

مع التعرُّف على بعض حالات الخيانة والادِّعاءات الباطلة في أمر الوكالة، يجب ألَّا تلهينا أسماء أخرى عن الواقع، بل تصبح سلوكياتهم ذات أهمية بالنسبة لنا.
٣. التصنيف:
من بين الأمور التي يمكن أن تساعدنا في تحليل أفضل للأضرار والأحداث المرتبطة بمنظومة الوكالة في فترة الغيبة الصغرى، هو تصنيف هذه الأضرار.
سنطرح هذا التصنيف في عدَّة محاور ونقوم بدراستها:
ألف - اختلاف نوعية وخلفية الأشخاص:
في قسم تصنيف المدَّعين الكاذبين، بُيِّنت أنواع هؤلاء الأشخاص، وتحديد أنَّهم ليسوا جميعاً في طيف واحد، فالهلالي والبلالي لا يُصنَّفان ضمن أمثال الشريعي والنميري وغيرهم من المتاجرين بالفرص، فقد كان الشلمغاني، والهلالي، والبلالي من الشيعة ذوي النفوذ في المجتمع الإمامي، وكان انحرافهم يمكن أن يؤدِّي إلى مخاطر كبيرة، بينما لم تكن ادِّعاءات أبي بكر البغدادي وأبي دلف المجنون ذات تأثير على المجتمع الإمامي، خاصّةً أنَّ أبا بكر البغدادي نفسه كان ينكر وجود مثل هذا الادِّعاء(٦٥)، ومن المثير للاهتمام أنَّ هذين الشخصين ليسا من الشيعة أيضاً(٦٦)، كذلك الحلَّاج، الذي كان يهدف إلى النفوذ في الإمامية، فبعد أن واجه الفضيحة في خداع أبي سهل النوبختي وابن بابويه، لم يحقِّق أي مكسب من هذه المحاولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢-٤١٣.
(٦٦) السابق: ٤١٢ و٤١٤.

↑صفحة ٢٢٩↑

ويمكن أن يساعدنا التدقيق في هذه المسألة في فهم كيفية تعامل الناحية المقدَّسة مع هؤلاء الأشخاص.
إنَّ السعي لإعادة هؤلاء الخائنين والمنحرفين إلى مسار الحقيقة، والتعامل معهم خطوة بخطوة، وأخيراً لعنهم والتبرِّي منهم، في غاية الأهمية، فمعرفة الخائنين بأسرار منظومة الوكالة وسابقة حضورهم فيها، جعل خطرهم جدّياً، وكان يجب التعامل معهم بطريقة تضمن - بالإضافة إلى كشف وجههم الحقيقي - الحد الأدنى من الضرر الذي قد يلحق بمنظومة الوكالة، فعلى سبيل المثال، عندما سار فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني في طريق الانحراف، وكان من العاملين في منظومة الوكالة في زمن الإمام الهادي (عليه السلام)، كتب الإمام في ردٍّ على رسالة طُلب فيها بيان شأنه، فكتب:
«كذِّبوه واهتكوه، أبعده الله وأخزاه، فهو كاذب في جميع ما يدَّعي ويصف، ولكن صونوا أنفسكم عن الخوض والكلام في ذلك، وتوقُّوا مشاورته، ولا تجعلوا له السبيل إلى طلب الشّر، كفانا الله مؤنته ومؤنة من كان مثله»(٦٧).
من هذه الرسالة، يتَّضح حرص الإمام (عليه السلام) على الحفاظ على أُسس منظومة الوكالة، فمن جهة يطلب الإمام من الشيعة أن يكشفوا (فارس بن حاتم)؛ ليكون ذلك سدّاً أمام استغلالهم، ومن جهة أخرى، يحذِّر الشيعة من المواجهة العلنية معه التي قد تؤدِّي إلى الفتنة، وإمكانية كشف أسرار منظومة الوكالة.
ب - كيفية صدور التوقيعات في حق المدَّعين:
الدقَّة في التوقيعات الصادرة المتعلِّقة بهؤلاء الأشخاص يمكن أن تشير إلى مدى خطر قبول ادِّعاءاتهم، فعلى الرغم من أنَّنا نرى لعن الشريعي والهلالي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ٢: ٨١٠.

↑صفحة ٢٣٠↑

والبلالي والنميري والشلمغاني في هذه التوقيعات، فإنَّه فيما يتعلَّق بشأن الهلالي والشلمغاني، فإنَّه نظراً لمكانتهما الشخصية والاجتماعية بين الشيعة، حيث كان بإمكانهما مواجهة منظومة الوكالة بتحدٍّ جدِّي.
أمَّا الشلمغاني، فبسبب مرافقته لابن روح، وأيضاً مكانته الخاصّة لدى بني بسطام، فقد كان بإمكانه أن يثير المشاكل والارتباك في المجتمع الإمامي، ويمكن أن تشير التوقيعات الصادرة بشأن سلوكياته إلى مدى تأثيره فيه(٦٨).
ومن هنا، فقد يُعزى عدم ذكر أسماء المنحرفين والمدَّعين الآخرين في التوقيعات إلى ضعف تأثير ادِّعاءاتهم.
ج - اختلاف الشخصية والمكانة الاجتماعية والعلمية:
هؤلاء الأفراد لم يكونوا يمتلكون شخصية ومكانة قريبة من بعضهم بعضاً، فهناك فئة يمثلها أشخاص كالهلالي، والبلالي، والشلمغاني، وهم من العلماء ورجال الدين المشهورين في الشيعة، يقابلها فئة يمثِّلها أشخاص كأبي بكر البغدادي، وأبي دلف المجنون، والحلّاج، وهم ممن ليس لديهم أيِّ اعتبار لدى الشيعة، ولديهم أفكار وآراء خاصّة بهم، وخاصّةً الحسين بن منصور الذي كان يسلك طريق التصوُّف، وقد اعتُبر محمد بن نصير فرداً غالياً وذا أفكار إلحادية، ولا نملك معلومات واسعة عن الآخرين لرسم وضعهم الشخصي والمكانة الاجتماعية لهم.
د - الزمن:
معرفة زمن طرح هذه الادِّعاءات مفيدة جداً، فرسم مخطط ذهني للزمن الذي حدثت فيه هذه الانحرافات والادِّعاءات، وكذلك الوعي بتقلُّباته، سيساعد بشكل كبير في فهم الواقع، فإذا قبلنا ما ذكره مصنف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) الغيبة - الشيخ الطوسي:٤١٠-٤١١ و٣٧٣.

↑صفحة ٢٣١↑

 (دلائل الإمامة)، بأنَّ الباقطاني وإبراهيم بن إسحاق الأحمري قد ادَّعيا الوكالة في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى، فمن الطبيعي أن تثار ادِّعاءات الهلالي والبلالي ومحمد بن نصير النميري والحلّاج في فترة محمد بن عثمان، وأيضاً يكشف الشلمغاني عن آرائه في زمن الحسين بن روح النوبختي.
إنَّ ادِّعاء أبي بكر البغدادي وأبي دلف المجنون النيابة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أيضاً، ومع الأخذ بعين الاعتبار وضعهم العقائدي؛ خاصّةً أنَّ ادِّعاءاتهم قد وجدت من يؤيِّدها من بين الشيعة، كل هذا يدعونا إلى التأمُّل الجاد، فممّا ذكره الشيخ الطوسي يتبيَّن أنَّ البغدادي كان ينكر مثل هذا الادِّعاء، وأيضاً أنَّ من ادَّعى ذلك من الآخرين في بعض الحالات قد واجه السخرية من الشيعة(٦٩)، فمن مجموع المعلومات المتاحة حول أحوال هذين الشخصين، يتَّضح أنَّهما على فرض كونهما مدَّعين، إلَّا أنَّهما قد تردَّدا في إظهار ادِّعائهما.
وكما رأينا، فإنَّه في عصر عثمان بن سعيد (النائب الأوَّل) يُذكر اسمان فقط للمُدَّعين، وهما شخصان يُحتمل كثيراً أنَّها قد تخلَّيا عن ادِّعائهما؛ لأنَّ الشيخ الطوسي لم يذكر هذين الاسمين عند تقديمه للمنحرفين والمدَّعين، بل إنَّه ذكر اسم الباقطاني ضمن الحاضرين على سرير محمد بن عثمان(٧٠).
مع وفاة عثمان بن سعيد الذي كان يتولَّى الوكالة لسنوات، خاصة في عصر الأئمة السابقين (عليهم السلام)، يواجه محمد بن عثمان (المتوفّى ٣٠٥هـ) ادِّعاءات الهلالي والبلالي، ثمَّ النميري والحلّاج، ويمكن البحث عن أسباب ذلك في أمور؛ مثل طول فترة وكالته (حوالي خمسين عاماً)، وافتقاره إلى الدعم مثل دعم والده، فأحمد بن هلال الذي يواجه محمد بن عثمان ويرفض قبول وكالته، لا ينكر وكالة والده (عثمان بن سعيد)(٧١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٤١٢.
(٧٠) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٧١.
(٧١) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٩.

↑صفحة ٢٣٢↑

وابن روح خلال فترة وكالته (٣٠٥-٣٢٦هـ) كان الشلمغاني فقط، وفي فترة السفير الرابع (٣٢٦-٣٢٩هـ) لا يوجد أخبار عن هؤلاء المدَّعين، وتشير هذه السيرة الزمنية إلى انخفاض عدد المدَّعين مع مرور الوقت، فإذا كانت الوكالة مصطنعة، لكان من المفترض أن يزداد عدد هؤلاء المدَّعين مع مرور الزمن.
٤. الانسجام الداخلي:
المقصود هو أنَّه يجب أن نلاحظ نوعاً من النظام في كلِّ منظومة، بحيث تكون العلاقة بين أجزائها المختلفة مفهومة، ومن خلال دراسة منظومة الوكالة تحت إشراف الوكلاء الأربعة، يمكن فهم هذه المنظومة وملاحظتها، من ذلك: كيفية تعيين الوكيل اللاحق، والعلاقة بينه والمتلقِّين منه، وتسليم الأموال الشرعية، وتلقِّي والإجابة عن الأسئلة الشرعية، وطريقة التعامل مع المدَّعين والمُنحرفين، وإصدار التوقيعات، وغيرها، فكلُّها مفهومة في سياق أهداف هذه المنظومة، لكن فيما يتعلَّق بالمدَّعين الكاذبين والمُنحرفين، فإنَّه لا توجد طريقة خاصة لذلك، منها: عدم وضوح طريقة تعيينهم للوكالة، وعدم تحديد مكانتهم بالنسبة لبقية أركان مؤسَّسة الوكالة (العاملين)، والخلفاء، وما إلى ذلك، فإنَّ ذلك لا يؤدِّي إلَّا إلى رفض ادِّعاءاتهم.
٥. قبول أصل منصب الوكالة حتَّى من هؤلاء المعارضين:
عندما تطمع مجموعة في منصبٍ ما، وكان أصل ذلك المنصب مصطنعاً وزائفاً، وعندما لا تحقِّق تلك المجموعة الطامعة أهدافها، بل تواجه اللّعن والطرد من المجتمع، فإنَّ أفضل وسيلة للهرب من هذه الورطة هي التشكيك

↑صفحة ٢٣٣↑

في أساس ذلك المنصب؛ خاصّةً إذا كانوا هم أنفسهم من العاملين في تلك الهيئة، وكانوا على دراية بجوهرها.
أمّا في حالة الصراع بين المتصدِّين لمنصب الوكالة، فلا يوجد قول أو فعل يدلُّ على زيف منصب الوكالة، بل إنَّ كل ما هو موجود يدلّ على واقعيتها، فعندما يُسأل أحمد بن هلال: (ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه، وقد نصَّ عليه الإمام المفترض الطاعة؟ فقال لهم: لم أسمعه ينصّ عليه بالوكالة، وليس أنكر أباه - يعني عثمان بن سعيد -، فأمَّا أن أقطع أنَّ أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه، فقالوا: قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف على أبي جعفر، فلعنوه وتبرّؤوا منه، ثم ظهر التوقيع على يد أبي القاسم بن روح بلعنه والبراءة منه في جملة من لعن)(٧٢).
وأقوال الشلمغاني أيضاً تؤكِّد وجود منصب الوكالة وارتباطها بالإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يدَّعي هو نفسه ذلك المنصب(٧٣).
استناداً إلى ما تقدَّم، يمكن التوصُّل إلى النتائج التالية:
١. مع معرفة أوضاع زمن الغيبة الصغرى، فإنَّ احتمال أن يسعى بعضٌ للاستفادة من هذه الأوضاع لصالح أهدافهم ليس أمراً بعيداً.
٢. بما أنَّ منظومة الوكالة تُعتبر منظَّمةً سرّية، وبالنظر إلى مكانتها الخاصّة لدى الشيعة الإمامية، - خاصة في بُعدها المالي، فيمكن أن تكون محل اهتمام من يحاول الاستفادة غير المشروعة منها.
٣. كان العاملون في هذه المنظومة - في حال انحرافهم - يرون أنَّ ذلك هو أفضل فرصة لاستغلال مناصبهم، فكلَّما زادت درجة مقامهم ووجاهتهم، زادت احتمالية الوصول إلى أهدافهم الشيطانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩٩.
(٧٣) الغيبة - الشيخ الطوسي: ٣٩١-٣٩٢.

↑صفحة ٢٣٤↑

٤. على الرغم من أنَّ أفراداً مثل أحمد الكاتب يرغبون في اعتبار ادِّعاءات هؤلاء المنحرفين والمدَّعين كبيرة ومهمة، ممّا يدل على أنَّ معارضتهم للمتصدِّين في وقتهم في منظومة الوكالة تعكس وهمية أصل منصب الوكالة، إلَّا أنَّ هذه المعارضات وبالنظر إلى تصنيفها وافتقارها إلى الانسجام الداخلي وغير ذلك من الأمور، لا يمكن أن تصمد أمام حقيقة وحقّية هذا الأصل.
٥. والأهم من ذلك كلّه أنَّ قبول الأصل في منصب الوكالة من قبل هؤلاء المعارضين دليل على حقيقة وجود منصب الوكالة في عصر الغيبة الصغرى.
واستناداً إلى مجموع المطالب في هذه المقالة، فإنَّه ليس من المنطقي أن تكون هذه الادِّعاءات أمراً يمكن الركون إليه في دعم فكرة زيف منظومة الوكالة.

↑صفحة ٢٣٥↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ٣١ : ٠
: نعمت الله صفري فروشاني : علاء الزبيدي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.