تمهيدنا: قراءة متأنّية في علامات الظهور
تمهيدنا
قراءة متأنّية في علامات الظهور
رئيس التحرير
لا تخفى أهمية العلامات الدالة على ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وموقعيتها في العقيدة المهدوية؛ فقد أولتها الروايات الشريفة عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) عنايةً خاصة، وجعلتها دلائل وإشارات على تحقُّق الوعد الإلهي بخروج الحجة القائم أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
غير أنَّ هذه العلامات - وبخاصة في الآونة الأخيرة - قد تعرَّضت إلى قراءات متباينة وتعاطٍ اجتزائي بعيد عن المنهجية الصحيحة، فبعضٌ عمد إلى تفسيرها اعتماداً على رواية ضعيفة أو متشابهة، دون النظر إلى المنظومة المهدوية ككل والتي تفسِّر الحوادث الجزئية في ضوء المعطيات العامة للمشهد الكلِّي، وكذلك تضع العنوان العام في سياقه الصحيح ومصداقه المناسب، وبعضٌ آخر حاول قراءتها انطلاقاً من مبادئ وخلفيات بعيدة عن أجواء القواعد العامة والأُسس التي يجب قراءة القضية المهدوية على وفقها، فيما اختزل آخرون النظر إليها في بُعدٍ مادي فقط أو غيبي صرف، فوقعوا - هؤلاء جميعاً - في إفراط أو تفريط.
↑صفحة ٥↑
ومن هنا كان لزاماً أن نقف وقفة متأنِّية مع العلامات الواردة في الروايات الشريفة، بعيداً عن التهويل والتهوين، وبمنهجية محكمة تسعى لربط الجزئيات بالمنظومة المهدوية، كي نصل من خلالها إلى فهم أقرب لمراد أهل البيت (عليهم السلام).
وفي هذا السياق ورد الخبر المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي جاء فيه:
قلت - أبو بصير - له: جعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟
فقال: «يا أبا محمد، إنَّا أهل بيت لا نوقِّت، وقد قال محمد (صلّى الله عليه وآله): كذب الوقّاتون، يا أبا محمد، إنَّ قدام هذا الأمر خمس علامات: أولاهن النداء في شهر رمضان...»(١).
وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم، فقال: جعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟
فقال: «يا مهزم، كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون»(٢).
وقد علَّق المولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي (ج٦، ص٣٣٢) على هذا الحديث قائلاً: (إنَّ السؤال عن تعيين الوقت لظهور هذا الأمر قد أجيب ببيان أنَّ كل من يحدِّد وقتاً للظهور فهو كاذب، إمَّا لجهله بالعلم الغيبي، أو لأنَّ كل وقتٍ مفروض فهو في معرض البداء، وأمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) غيبة النعماني: ص٣٠١.
(٢) الكافي: ج١، ص٣٦٨.
↑صفحة ٦↑
المستعجل فهو هالك لعدم رضاه بالقضاء الإلهي والتقدير الأزلي، وأمَّا المسلم لأمر الظهور فهو ناجٍ لاعتقاده بالحق من وجهين:
أحدهما: الإيمان بوقوع الظهور أصلاً.
وثانيهما: اجتناب الاستعجال الذي يستلزم تفويض الأمر إلى الله تعالى والرضا بقضائه وتقديره).
بهذا يتَّضح أنَّ النصوص الشريفة - ومنها ما تقدَّم - وضعت قاعدة مركزية وأساسية للتعامل مع قضية العلامات، مفادها: رفض التوقيت، والتحذير من الاستعجال، والدعوة إلى التسليم والانتظار الواعي.
(فالنص الشريف - الأوَّل - يضع القاعدة الأساس في التعامل مع قضية العلامات، إذ يبيِّن من جهةٍ بطلان التوقيت، ومن جهة أخرى يثبت وجود علامات كبرى ممهِّدة لابدَّ من تحقُّقها قبل الظهور المقدَّس، ولابدَّ من التعامل مع الأمرين بمنتهى الدقَّة والوعي).
ومن هنا تُثار جملة من الأسئلة والإشكالات الرئيسة التي نسعى في هذا الصدد لمعالجتها:
ومنها علَّة أصل وجود العلامة، مناط القسمة في العلامات، ومنشأ القُرب والبُعد فيها، وما معنى هذا القُرب أو البُعد في لسان الروايات؟
ما أبرز العلامات غير الحتمية القريبة منها أو البعيدة؟ ثم ما عدد العلامات الحتمية على الرأي المشهور وغيره، وما سبب تسميتها بالحتمية وما معنى هذا الوصف؟
وهل تخضع هذه العلامات الحتمية للبداء، أو تحتاج إلى شروط ومقدِّمات، وهل لتلك الشروط طابع الحتمية أيضاً؟
↑صفحة ٧↑
ويتفرَّع عن ذلك سؤالٌ عن أقرب علامة وقوعاً إلى زمن الإمام (عجَّل الله فرجه)، وأيّ العلامات الحتمية تكون أوَّلاً في التحقُّق.
كما يثار إشكال دلالة العلامة في ضوء النهي عن التوقيت، وكيفية دفع التعارض المتوهّم بين هذا النهي وبين الأمر بانتظار الفرج والدعاء له، بل كيف يُجمع بين الانتظار الواعي والنهي عن الاستعجال، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد المناط الصحيح في تطبيق العلامة، والميزان المعتبر الذي يُتجنَّب معه الانحراف في التطبيق، مع البحث عن المؤمّنات الشرعية والعقلائية الكفيلة بذلك.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يُطرح أيضاً: هل يصح أن نطلب المعجز من أشخاص يدَّعون انطباق العلامة عليهم، وما هو المصدّق لمدّعي ذلك؟
وما موقع الرايات في عصر الظهور، كم عدد رايات الهدى السابقة للإمام (عجَّل الله فرجه)، وما صفاتها وعناوينها وألوانها، وما لون راية الإمام نفسه، وما الرايات المنحرفة؟
ويُضاف إلى ذلك روايات الفتن وشدَّتها في آخر الزمان، وبعض أسرار الغيبة التي حفظت الإمام (عجَّل الله فرجه)، ثمَّ السؤال عن إمكان خروجه دون وقوع العلامات الحتمية، وكيف يمكن للناس التعرف عليه في مثل هذا الحال.
وأخيراً: ما معنى أنَّ انتظار الفرج نفسه هو من الفرج؟ وكيف تُقرأ هذه الروايات في سياق العلامات وحركة الظهور؟
↑صفحة ٨↑
إنَّها أسئلة دقيقة، وإشكالات مترابطة، لا يراد منها مجرَّد الاستفهام أو صرف الإثراء العلمي، بل تهدف إلى رسم منهج واضح في التعامل مع العلامات، يراعي النصوص المعتبرة، ويكشف عن الحكم الإلهي في سنن الظهور، ويضبط العلاقة بين الغيب والتاريخ في المشروع المهدوي العالمي.
نأمل أن نوفَّق لبيان المعالجات التفصيلية للأسئلة الواردة في هذا التمهيد في أقرب فرصة إن شاء الله تعالى.
↑صفحة ٩↑

