أبحاث العدد:
 خلاصات بحوث العدد:
 البحث في العدد ٣:
 الصفحة الرئيسية » اعداد المجلة » العدد ٣/ جمادى الآخرة/ ١٤٣٨هـ » البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان عليه السلام
 العدد ٣/ جمادى الآخرة/ ١٤٣٨ه

المقالات البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان عليه السلام

القسم القسم: العدد ٣/ جمادى الآخرة/ ١٤٣٨هـ الشخص الكاتب: الشيخ نزار آل سنبل القطيفي التاريخ التاريخ: ٢٠١٧/٠٢/٠٩ المشاهدات المشاهدات: ١٤٧ التعليقات التعليقات: ٠

البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان عليه السلام

الشيخ نزار آل سنبل القطيفي

تثار حول العقيدة بإمامة صاحب الزمان عليه السلام عدَّة إشكاليات نأخذ منها ما يكثر الحديث حوله، مع الأخذ بنظر الاعتبار حيثية الاختصار إيراداً وردّاً لمقتضيات الحال في هذا المقال:
تعارض الهداية مع الغيبة:
ربَّما أشكل البعض بما حاصله: أنَّ تحقّق الهداية الإلهية من قِبَل الهادي لا يكون إلَّا من خلال وجوده بين الناس والأتباع، فلا يمكن التوفيق بين هداية الأُمَّة مع غيابه عنها.
والجواب:
قبل بيان الجواب النقضي والحلّي لهذا الإشكال نُقدِّم مقدَّمة حاصلها: أنَّ الشيعة الإماميَّة معتقدة بحكمة الله سبحانه وتعالى والتسليم والانقياد له، بل هو الحكيم المطلق، فكلُّ فعل من أفعاله صادر عن حكمة بالغة.
وعلى ضوئه نقول: ما دام ثبت عندنا حصول الغيبة، وأنَّه أمر لا بدَّ منه، فلا تكون الغيبة إلَّا طبق موازين الحكمة، سواء أعلمناها أم لم نعلمها، فالمدار هو ثبوتها.
الجواب النقضي:
وحاصله: أنَّه لو كانت هناك منافاة بين كونه إماماً هادياً، وبين أن يكون غائباً عن الأنظار، لورد هذا الإشكال على الأنبياء السابقين، إذ أنَّهم غابوا بعضاً من الوقت، فإنَّ نبيَّ الله موسى عليه السلام غاب عن قومه فترة من الزمن، وحصل الفراق بينه وبينهم حتَّى أنَّهم عبدوا العجل في حال غيبته، ولكن ذلك لم يضـرّ شيئاً بنبوَّته ورسالته، قال الله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْـرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وكذلك نبيُّ الله يونس عليه السلام، فقد غاب عن قومه، ومكث في بطن الحوت، ونجّاه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٧)، فهذه نماذج حصلت للأنبياء الصالحين بأنَّهم غابوا عن أُمَّتهم، ولم يضرّ بإمامتهم وهديهم للناس.
وقد أشار إمامنا الصادق عليه السلام إلى ذلك، ويجب التصديق به، وإن خفيت الحكمة علينا، بعد علمنا بأنَّ الحكيم المطلق لا تكون أفعاله إلَّا عن حكمة.
ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلُّ مبطل»، فقلت: ولِـمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم؟»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضـر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(١).
وإن قيل: إنَّ غيبتهم عن قومهم كانت فترة وجيزة، ولم تكن بالغيبة الطويلة، إذ أنَّ الأنبياء كانت مدَّة غيابهم عن أقوامهم أقصر من غيبة الإمام المهدي عليه السلام.
فيُجاب عليه: ليس المناط هو طول فترة الغياب من قصـره، فإنَّه لو كانت الغيبة أمراً باطلاً ما ضرَّ فيه قصر المدَّة وطولها، فلو كانت نفس الغيبة عن القوم تتنافى مع الهداية الإلهية فلا يضـرُّ إن كانت قصيرة المدَّة أو طويلة، فلو امتنع ذلك في الكثير امتنع في القليل، بمعنى أنَّ الممتنع حصوله لا يسعفه قصر المدَّة فيرفعه عن الامتناع إلى الإمكان، كما أنَّ قليل المحرَّم وكثيره على حدٍّ سواء في الحرمة.
الجواب الحلّي:
ويُدفَع هذا الإشكال ببيان أقسام أولياء الله سبحانه وتعالى، فإنَّه من قرأ القرآن وتدبَّره يعلم أنَّ أولياء الله على قسمين:
القسم الأوَّل: الحاضر من أولياء الله سبحانه وتعالى.
القسم الثاني: الغائب من أولياء الله سبحانه وتعالى.
فعندما نلاحظ القرآن الكريم نجد أنَّ الله سبحانه جمع بين وليَّين من أوليائه: نبيَّ الله موسى والخضـر عليهما السلام، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٥ و٦٦)، فإنَّ هذه الآيات الكريمة التي تتحدَّث عن نبيِّ الله موسى عليه السلام والخضـر عليه السلام تُبيِّن أنَّ هناك وليّاً من أولياء الله سبحانه وتعالى - وهو الخضـر عليه السلام -، يحمل علماً من الله سبحانه وتعالى، وعنده علم لدنّي، بحيث إنَّه قام بأُمور عديدة غيبية، مثلُ هذا العبد الذي علَّمه الله سبحانه وتعالى من علمه غائب عن الأنظار، ولكن مع غيبته له وظائف ومسؤوليات، انكشف لنا بعضها من خلال الآية ولم ينكشف لنا غيرها، ولم يقل أحد: إنَّ غيابه تنافى مع كونه وليّاً وهادياً، وصاحب وظائف من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
ومنشأ الإشكال أنَّ المشكل اعتقد الملازمة في ذهنه بين غيابه وعدم الهداية، ولا توجد أيَّة ملازمة عقلية أو عرفية أو عقلائية تدلُّ على أنَّه ما دام غائباً عن الأنظار فلا يؤدّي وظائفه، من هداية الناس وغيرها من الوظائف الإلهيَّة، ولا تنافي بين الغياب والهداية أو الرسالة أو الإمامة، فهناك من الأنبياء والأولياء الصالحين من كان وليّاً هادياً أو صاحب رسالة حتَّى أثناء غيابه عن الأنظار.
وأيضاً دلالة الأحاديث الشـريفة على أنَّ حجج الله سبحانه وتعالى على قسمين: ظاهر مشهور وغائب مستور، ومنها: ما رواه رئيس المحدِّثين الشيخ الصدوق رحمه الله عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم السلام، قال: «نحن أئمَّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يُمسِك الله السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يُمسِك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشـر الرحمة، وتخرج بركات الأرض...»، ثمّ قال: «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجَّة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجَّة الله فيها، ولولا ذلك لم يُعبَد الله»، قال سليمان: فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(٢).
ومنها: ما رواه الصدوق رحمه الله أيضاً: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنَّه قال: «اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجَّة، إمَّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور، لئلَّا تبطل حجج الله وبيِّناته»(٣).
فإنَّ الرواية الشـريفة دلَّت على ضرورة وجود حجَّة الله على عباده، إمَّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، ولا يتنافى غيابه مع كونه حجَّة الله على خلقه. وبيَّنت أيضاً أنَّه أثناء مدَّة غيابه يبقى له نفع وفائدة من وجوده.
طول العمر:
شبهةٌ لطالما تساءل عنها البعض وشنَّع بها المخالفون واتَّخذوا بذلك آيات الله هزواً، وهي: كيف أنَّ الإمام المهدي عليه السلام يبقى كلَّ هذه الفترة الطويلة من الزمن حيّاً دون أن يموت، وقد يُعَدُّ ذلك من المحال إمَّا عقلاً أو عادةً.
والجواب عليه من وجهين:
الوجه الأوَّل: عدم دلالة العقل على امتناع البقاء مدَّة طويلة في الحياة:
فإنَّ الحقَّ أنَّه ليس بمحال عقلاً أن يعيش هذه المدَّة الطويلة، فليس ما نحن فيه من من قبيل اجتماع النقيضين في آنٍ واحدٍ وفي وقتٍ واحدٍ، وكيف لأحد أن يدَّعي ذلك مع ثبوت مثل ذلك لبعض الأنبياء عليهم السلام - كما سيأتي تفصيله -؟ والوقوع أدلُّ دليل على الإمكان.
الوجه الثاني: عدم دلالة غير العقل على امتناعه:
وممَّا يدلُّ على عدم استحالته عادةً، إثبات القرآن الكريم لطول عمر نبيِّ الله نوح عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، فإنَّ الآية المباركة صرَّحت بأنَّ مدَّة الدعوة تسع مائة وخمسون عاماً وهي مدَّة طويلة جدّاً، ولم تتعرَّض لعمر نبيِّ الله نوح عليه السلام، فلم تُبيِّن عمره قبل الإرسال إلى قومه، ومدَّة بقائه بعد الطوفان.
حتَّى أنَّ أصحاب التفاسير ذكروا أقوالاً عديدة في طول عمره الشريف، منها:
قال السمعاني في تفسيره: (وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾، روي عن ابن عبّاس أنَّه قال: بُعِثَ نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستّين سنة، وتوفّاه الله تعالى وهو ابن ألف وخمسين سنة. وفي رواية: أنَّ عمر نوح كان ألف وأربعمائة وخمسين سنة، بُعِثَ وهو ابن مائتي وخمسين سنة، وقد قيل غير هذا، والله أعلم)(٤).
وقال الزمخشـري: (كان عمر نوح عليه السلام ألفاً وخمسين سنة، بُعِثَ على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستّين. وعن وهب: أنَّه عاش ألفاً وأربعمائة سنة)(٥).
وذكر السيوطي حديثاً في عمر نبيِّ الله نوح عليه السلام: (وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة، قال: كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يُبعَث إلى قومه وبعدما بُعِثَ ألفاً وسبعمائة سنة)(٦).
فنصَّ القرآن والمحدِّثون وأصحاب التفاسير على أنَّ طول العمر ليس بمحال عادةً، إذ أنَّ القرآن الكريم أثبت لنا في آياته أنَّ نبيَّ الله نوح عليه السلام بُعِثَ لقومه لمدَّة طويلة من الزمن، ولا قائل من المفسِّـرين باستحالة ذلك وعدم إمكانه، فلو أمكن تحقّقه لنبيِّ الله نوح عليه السلام لأمكن للإمام المهدي عليه السلام.
يقول الشيخ المفيد رحمه الله: (وهذا ما لا يدفعه إلَّا الملحدة من المنجِّمين وشركاؤهم في الزندقة من الدهريين، فأمَّا أهل الملل كلّها فعلى اتِّفاق منهم على ما وصفناه. والأخبار متناصرة بامتداد أيّام المعمِّرين من العرب والعجم والهند وأصناف البشـر وأحوالهم التي كانوا عليها مع ذلك، والمحفوظ من حِكمهم، مع تطاول أعمارهم، والمأثور من تفصيل قضاتهم من أهل أعصارهم وخطبهم وأشعارهم، لا يختلف أهل النقل في صحَّة الأخبار عنهم بما ذكرناه وصدق الروايات في أعمارهم وأحوالهم كما وصفناه)(٧).
وذكر الشيخ المفيد رحمه الله بعد بيان طول عمر نبيِّ الله آدم ونوح عليهما السلام طول عمر عدَّة معمِّرين، منهم:
(لقمان بن عاد الكبير، ربيع بن ضبيع، المستوغر بن ربيعة، أكثم بن صيفي، صيفي بن رياح، ضبيرة بن سعيد، دُريد بن الصمة، محصن بن عتبان، عمرو بن حممة الدوسي، الحرث بن مضاض، الملك الذي استحدث المهرجان، سلمان الفارسي)(٨).
وحتَّى أنَّ أهل السُّنَّة ذكروا عدَّة أشخاص معمِّرين، منهم الخضر عليه السلام، قال القنوجي البخاري: (قيل في إلياس والخضـر: إنَّهما حيّان، وقيل: إلياس وُكِّل بالفيافي كما وُكِّل الخضـر بالبحار، قال السيوطي في الإتقان: قال وهب: إنَّ إلياس عمَّر كما عمَّر الخضر، وإنَّه يبقى إلى آخر الدنيا)(٩).
وكذلك ذكروا لقمان بن عاد، فكان من أطول الناس عمراً من بعده، قال أبو محمّد عبد الملك بن هشام الحميري: (حدَّثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمّد بن إسحاق المطلبي، قال: كان عمر لقمان بن عاد أربعة آلاف عام، عاشت ستَّة نسور كلُّ نسـر خمسمائة عام، وذلك ثلاثة آلاف عام، وعاش لبد وكان آخرها ألف عام)(١٠).
طول العمر وفق الطبّ الحديث:
وأمَّا رأي الطبِّ الحديث، فقد بيَّنوا لنا أنَّه من الممكن للإنسان أن يعيش مدَّة طويلة من خلال النظرية والتطبيق، وكتبوا في ذلك بحوثاً ودراسات، ولعلَّ من أقدمها ما كُتِبَ في مجلَّة المقتطف، في بعض أعدادها سنة (١٩٥٩م)، وحاصل ما ذُكِرَ: أنَّه من الممكن للإنسان من حيث المبدأ والنظرية أن يعيش مدَّة طويلة من الزمن، في ظرف وبيئة معيَّنة، فعندما نُهيِّئ له الظرف الخاصّ، والغذاء الخاصّ السليم، ونرفع عنه موانع طول العمر، كإبعاد المكروبات عنه، فإنَّه يمكن له أن يعيش مدَّة طويلة.
وأخرجت إحدى الباحثات الغربيات في عام (٢٠١١م) الأمر من دائرة النظرية إلى التطبيق والتجربة، فأثبتت أنَّ الكائن الحيّ يمكن أن تُهيَّئ له ظروف خاصَّة مناسبة يعيش فيها فيعيش ضعف المدَّة التي له أن يعيشها خارج هذا الإطار، وطبَّقت هذه التجربة على أقرب كائن للإنسان، بحسب كلامهم وهم الجرذان، لمحاولة إطالة عمره، وأثبتوا ذلك بالتجربة.
وقفتان:
الوقفة الأُولى:
مع بقاء نبيِّ الله يونس عليه السلام إلى يوم يُبعَثون:
قال الله سبحانه وتعالى في يونس النبيِّ عليه السلام ـ: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافّات: ١٤٢ - ١٤٤)، و(لبث) بمعنى يعيش، وليس معناه أنَّه يموت ويبقى داخل الحوت، فالظاهر منه أنَّه يعيش في بطن الحوت.
وهذا ممَّا تُؤيِّده بعض التفاسير من الطرفين أنَّه لبث مع كونه حيّاً، فهذه قضيَّة قرآنية مسلَّمة(١١).
الوقفة الثانية: مع الدجّال:
إنَّ المخالفين المنكرين للإمام الحجَّة عليه السلام والمثبتين للشبه المذكورة والمحاججين فيها والساعين لإبطالها لا ينفعهم ذلك أبداً، إذ ثبت أنَّ طول العمر والغيبة عن الأنظار والاستتار ليس بممنوع عقلاً ولا شرعاً، ونضيف إلى ذلك أنَّهم في أحاديثهم أثبتوا ذلك للدجّال(١٢)، فلنا أن نتساءل: لِـمَ يكون المانع من غيبة الإمام المهدي عليه السلام هو استبعاد واستحالة طول العمر، ويرتفع هذا المانع في الدجّال؟! أليس وليُّ الله وحجَّته والمهدي من آل محمّد عليهم السلام أولى من الدجّال؟ فلا يُعقل أنَّ المسلم يُجوِّز ذلك في عدوِّ الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويمنعه مطلقاً عن وليِّه ووليِّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والميزان العلمي لا يُفرِّق بينهما، إذ كما يجوز لغير المهدي عليه السلام يُجوِّز له عليه السلام أيضاً.
وإن قلتم: هناك دليل أثبت وجود الدجّال وأنَّه حيٌّ إلى آخر الزمان، ولكن لم يرد من الأدلَّة شيء يُثبِت أنَّ الإمام المهدي عليه السلام موجود وحيٌّ.
فنقول: ثبوت ولادة الإمام المهدي عليه السلام ووجوده وغيبته أوضح من وجود الدجّال، ومقتضـى الأدلَّة الصحيحة المتواترة والفهم الصحيح الدقيق لها يُثبِت وجود الإمام المهدي عليه السلام، منها: حديث الثقلين، وحديث الاثني عشـر خليفة، وحديث من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وغيرها من الأدلَّة النقلية والعقلية على ضرورة وجوده(١٣).
فوجود المعمِّرين أمر لا يخفى على أحد من قرّاء التاريخ عند الشيعة والسُّنَّة.
وبهذا الجواب ندفع الاستحالة العادية كما دفعنا الاستحالة العقلية.
والحاصل: أنَّ المناط هو قدرة الله سبحانه وتعالى على أن يُعمِّر من شاء، ولا يقول أحد من المسلمين: إنَّ الله سبحانه وتعالى غير قادر على ذلك، لأنَّه من المقولات التي يكفر بها القائل. ولا غرابة من طول عمره، وحفظ الله سبحانه وتعالى له، وخصوصاً أنَّ الأمر متعلّق بقيام الدولة الإلهيَّة على الأرض، التي تملؤها قسطاً وعدلاً.
وظيفة الأمَّة في الغيبة الكبرى:
لعلَّك تسأل: أنَّ بقيَّة الله الأعظم عليه السلام غائب عن الأنظار، ولا يمكن أخذ الأحكام مشافهةً عنه والحال هذه، فما الذي يفعله الناس في غيبته بالنسبة إلى الأحكام؟
الجواب:
إنَّ الأئمَّة عليهم السلام لم يتركوا شيئاً إلَّا وبيَّنوه، وعلى الأُمَّة أن تعمل بحلال النبيِّ.صلى الله عليه وآله وسلم وتتجنَّب عن حرامه، وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم للأُمَّة المرجعيَّة التي ينبغي الرجوع إليها لأخذ الدين عقيدةً وفقهاً، بل سائر معارفه، كما في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين. فكما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يُبيِّن الأحكام كلّها دفعة واحدة، بل بيَّن ما يحتاج إليه الناس، فوجب أن يكون هناك من يقوم بمهمَّة بيان الدين بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهم أهل بيته عليهم السلام الذين أرجع لهم في حديث الثقلين.
وحالنا في زمن الغيبة الكبرى لا يشذُّ عن هذه القاعدة، فنحن بحمد الله تعالى نمتلك تراثاً ضخماً وصل إلينا عن أئمَّة الهدى عليهم السلام بيد أمينة، فإذا لم نتمكَّن من ملاقاة الإمام والأخذ عنه مباشرةً - كما في زماننا - فإنَّنا نرجع إلى من أرجع إليهم الإمام عليه السلام وسائر الأئمَّة عليهم السلام، وهم فقهاء الدين والمراجع العظام، الذين يتمكَّنون من الرجوع إلى الأحاديث الشريفة واستنباط الأحكام الشرعية منها.
السرداب واتِّهام المؤرِّخين:
إنَّ المتتبِّع والقارئ لا يستغرب من اتِّهامات المخالفين للمؤمنين، ومن جملة الافتراءات التي افتعلها المخالفون لأجل التشنيع على الشيعة فرية السـرداب المبارك التي يشهد الواقع والوجدان بكذبها وبطلانها.
وإليك نصوص جماعة منهم لتقف على حجم الافتراء والتشنيع:
نصوص المخالفين:
ابن خلدون: قال في تاريخه: (يزعمون أنَّ الثاني عشـر من أئمَّتهم - وهو محمّد بن الحسن العسكري، ويُلقِّبونه المهدي - دخل في سرداب بدارهم في الحلَّة! وتغيَّب، حين اعتُقِلَ مع أُمِّه، وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلاً، يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي، وهم إلى الآن ينتظرونه، ويُسمّونه المنتظر لذلك، ويقفون في كلِّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السـرداب، وقد قدَّموا مركباً، فيهتفون باسمه، ويدعونه للخروج حتَّى تشتبك النجوم، ثمّ ينفضّون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم على ذلك لهذا العهد)(١٤).
ابن قيِّم الجوزية: يقول: (وأمَّا الرافضة الإماميَّة فلهم قول رابع: وهو أنَّ المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن عليّ، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً من أكثر من خمس مائة سنة، فلم ترَه بعد ذلك عين، ولم يحسّ فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلّ يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اُخرج يا مولانا، اُخرج يا مولانا، ثمّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه. ولقد أحسن من قال:

ما آن للسـرداب أن يلد الذي      كلَّمتموه بجهلكم ما آنا 

فعلى عقولكم العفاء فإنَّكم        ثلَّثتم العنقاء والغيلانا

لقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منها كلّ عاقل)(١٥) (١٦).
ابن حجر: قال في صواعقه: (قال بعض أهل البيت، وليت شعري من المخبر لهم بهذا، وما طريقه؟! ولقد صاروا بذلك، وبوقوفهم بالخيل على ذلك الـسرداب، وصياحهم بأن يخرج إليهم ضحكة لأُولي الألباب)(١٧).
عبد الله القصيمي: حيث قال: (وإنَّ أغبى الأغبياء، وأجمد الجامدين، هم الذين غيَّبوا إمامهم في السـرداب، وغيَّبوا معه قرآنهم ومصحفهم، ومن يذهبون كلّ ليلة بخيولهم وحميرهم إلى ذلك السرداب، الذي غيَّبوا فيه إمامهم، ينتظرونه وينادونه ليخرج إليهم، ولا يزال عندهم ذلك منذ أكثر من ألف عام)(١٨).
الجواب عنها:
قال تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٢ - ٥٥).
نقول لمن ساغ له الافتراء على الدين الحنيف، والمذهب الرصين، بذكر أُمور واضحة البطلان، بشهادة الوجدان: ألَا تعلمون أنَّ للشيعة علماء فقهاء يذودون عنه الافتراءات والأكاذيب، وأنَّ المكتبات عامرة بكتبهم الشريفة؟!
أفلا تخافون أن تنكشف عورتكم في زمن من الأزمنة؟!
ردود أعلام الإماميَّة:
وهنا نذكر بعض ردود الأعلام - أعلى الله في الجنان مقامهم:
قال الميرزا النوري الطبرسي رحمه الله: (والحقُّ أنَّ مكان التعجّب المخجل لتلك الجماعة مَنْ ينثر الشعير ليالي الجمع في حظائر الحيوانات التي بنوها على سطوح مساجدهم وبيوتهم لحمار الله، لأنَّه ينزل من العرش، وحتَّى لا يبقى الحيوان جائعاً(١٩).
فمن الطبيعي أن يعترضوا بهذا النوع من الاعتراضات على غيرهم.
والجواب: أنَّه لم يُرَ، ولم يُسمَع لحدِّ الآن في أيِّ كتاب من كتب الشيعة من المتقدِّمين والمتأخِّرين والفقهاء والمحدِّثين والمؤمنين بل حتى من انتحل مذهب الإماميَّة لم يقل بأنَّ المهدي عليه السلام بقي في السـرداب منذ غيبته.
فالحلَّة بُنيت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة كما صرَّح بذلك ابن خلّكان في أحوال صدقة بن منصور الملقَّب بسيف الدولة، وغيره من المؤرِّخين، ولذلك فهي معروفة بالحلَّة السيفية.
وإنَّ أكثر مؤرِّخيهم نسبوا سرداب الغيبة إلى هناك، ولم يكن وقت الولادة حتَّى اسمها، كما يقول الشهرستاني في الملل والنحل مع ادِّعائه طول الباع وكثرة الاطِّلاع أنَّ قبر الإمام عليّ النقي عليه السلام في قم.
ولا أدري إذا كانت منقولاته في اللغة والنحو والصـرف هكذا بلا أساس فواويلاه بحال تلك العلوم)(٢٠).
وقال العلَّامة الأميني رحمه الله: (وفرية السـرداب أشنع، وإن سبقه إليها غيره من مؤلِّفي أهل السُّنَّة، لكنه زاد في الطمبور نغمات، بضمِّ الحمير إلى الخيول، وادِّعائه اطِّراد العادة في كلِّ ليلة، واتِّصالها منذ أكثر من ألف عام، والشيعة لا ترى أنَّ غيبة الإمام في السـرداب، ولا هم غيَّبوه فيه، ولا إنَّه يظهر منه، وإنَّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنَّه يظهر بمكّة المعظَّمة تجاه البيت، ولم يقل أحد في السـرداب: إنَّه مغيب ذلك النور، وإنَّما هو سرداب دار الأئمَّة بسامراء، وإنَّ من المطَّرد إيجاد السـراديب في الدور، وقايةً من قايظ الحرِّ، وإنَّما اكتسب هذا السـرداب بخصوصه الشـرف الباذخ لانتسابه إلى أئمَّة الدين، وإنَّه كان مبوء لثلاثة منهم، كبقيَّة مساكن هذه الدار المباركة، وهذا هو الشأن في بيوت الأئمَّة عليهم السلام ومشـرِّفهم النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في أيِّ حاضرة كانت، فقد أذن الله أن تُرفَع ويُذكر فيها اسمه.
وليت هؤلاء المتقوِّلين في أمر السـرداب اتَّفقوا على رأي واحد في الأُكذوبة، حتَّى لا تلوح عليها لوائح الافتعال فتفضحهم، فلا يقول ابن بطوطة في رحلته (صفحة ١٩٨): (إنَّ هذا السـرداب المنوَّه به في الحلَّة)، ولا يقول القرماني في (أخبار الدول): إنَّه في بغداد. ولا يقول الآخرون: إنَّه بسامراء. ويأتي القصيمي من بعدهم فلا يدري أين هو فيطلق لفظ السرداب ليستر سوءته)(٢١).
أقول:
لا يخفى على أحد أنَّ ما ذكروه من أمر السـرداب كذب محض وافتراء واضح بشهادة الوجدان، فليس السرداب بالحلَّة وإنَّما هو في سامراء، كما لم يذكر المؤرِّخون - من غير هؤلاء الكذّابين - وقوف الشيعة في كلِّ ليلة بعد صلاة المغرب أمام السـرداب والهتاف باسم الإمام عليه السلام.
وأمَّا دعوى غياب الإمام المهدي عليه السلام وبقائه في السـرداب فبينها وبين الصحَّة بُعد المشـرقين، وظنّي - وظنُّ الألمعي عين اليقين - أنَّهم يعرفون الحقيقة، فيسترونها ويخفونها ويُموِّهون عليها، لأنَّ طبيعة الأماكن الحارّة آنذاك تقتضـي وجود سراديب في البيوت ليحتمي أهلها من قائظ الحرِّ ويستريحوا في برودتها، كذلك كان السـرداب في بيت الإمام العسكري عليه السلام شأنه شأن تلك السـراديب، ولكن هذا السـرداب تميَّز بخصوصية وهي أنَّه محلّ عبادة ثلاثة من الأئمَّة، وهم: الإمام الهادي، والعسكري، والمهدي عليهم السلام، فكان محلّ ومحطّ الرحمة الإلهيَّة.
فلست ترى أحداً من الشيعة الإماميَّة يؤمن بأنَّ الإمام المهدي عليه السلام باقٍ في السـرداب، بل نحن نزوره ونُصلّي فيه لله سبحانه وتعالى وندعوه (عزَّ وجلَّ) في هذا المكان، لكونه جزءاً من البيت الذي كان أهل البيت عليهم السلام يدعون ويُصلّون فيه، ويبتهلون إلى الله سبحانه وتعالى في رحابه، فهو محلّ دعائهم وأعمالهم وقرائتهم للقرآن الكريم، ومنه يصعد الكلم الطيِّب، فهذه هي بيوتهم الشريفة، محلّ عناية خاصَّة من قِبَل الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْأَصالِ﴾ (النور: ٣٦).
نعم، توجد بعض الروايات التي نقلها غير واحد من علمائنا الأبرار مفادها: أنَّ الدولة العبّاسية سمعوا القرآن في السـرداب، فهجموا عليه، وكان الإمام المهدي عليه السلام يتعبَّد فيه، وحين دخولهم خرج من بينهم، بحيث إنَّه مشى من جانب قائد القوم ولم يعلم به، فقالوا له: لماذا لم تُمسِكه، خرج أمامك؟! فقال لهم: ما رأيته(٢٢).
وقفة مع منشأ المنع من لطف الإمام عليه السلام:
إنَّ الله سبحانه وتعالى منَّ على البشـر ببعث الأنبياء والرسل والأوصياء حتَّى يُعلي كلمة الحقّ والتوحيد، ويفيض الألطاف على البشـر من خلالهم، فإذا منعوا من هذه الألطاف والخيرات، فليس ذلك لعدم وجود المقتضي، بل لوجود المانع من نزول الفيض واللطف الإلهيين.
وبعبارة أُخرى: من الأُمور العقلائية المتَّفق عليها أنَّ التاجر الثري قد يُعطي أولاده أموالاً ليختبرهم فيها، فإذا تاجروا بالشكل الصحيح أعطاهم وزادهم من ثروته، وإلَّا قطع عنهم المدد والمال، والسبب في ذلك ليس عدم وجود المال، أو لأنَّه لا يريد أن يعطيهم لبخل فيه، بل إنَّ الثروة متوفِّرة والإرادة موجودة، ولكنَّه حجبها عنهم لأنَّهم لم يحسنوا استعمالها، فأسرفوا فيها، وضيَّعوها ولم يضعوها في مواضعها.
فكذلك نقول: إنَّ سبب حجب اللطف الحاصل من وجود الإمام المهدي عليه السلام عن الناس، هم الناس أنفسهم، فإنَّ الله تعالى جعله إماماً وأنشأه بينهم لينتفعوا بمحضـره الشـريف، ويُقرِّبهم لما فيه قربهم من الله (عزَّ وجلَّ)، وليُبعِدهم عن ما فيه بُعد عن الله تعالى، ولكنَّهم حينما جحدوا بإمامة المفترض عليهم طاعته، وحاولوا قتله ومحاربته، حجب عنهم اللطف، ولا يُنسَب حرمانهم اللطف إلى الله سبحانه، بل المسؤول عن الاحتجاب وعن الحرمان من الاستضاءة بذلك النور الساطع هم من أرادوا قتله، فتبقى الثمرة محفوظة، واللطف مصون بوجوده الشـريف، ولكن الناس هم المانع من إيصالها.
وهذا بيان لما قرَّره علماؤنا الأعلام بما حاصله: أنَّ وجود الإمام لطف، وفعله لطف آخر، وعدمه من البشـر، ومعنى ذلك أنَّ أصل وجود الإمام لطف من الله سبحانه وتعالى للبشـر، وفعل الإمام المهدي عليه السلام الخارجي لطف آخر للبشـر، ويرجع سبب عدم حصولهم على اللطف الثاني إليهم.

الهوامش:
(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٤٨٢.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٠٧.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٩١.
(٤) تفسير السمعاني ٤: ١٧١.
(٥) تفسير الكشّاف ٣: ٤٤٥.
(٦) الدرُّ المنثور ٦: ٤٥٦. وذُكِرَ ذلك في غيره من المصادر التي ذكرت الأقوال في طول عمره الشـريف كـ: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٣: ٤٠٢، وتفسير القرطبي ١٣: ٣٣٢، وفتح القدير للشوكاني ٤: ٢٣٠.
(٧) الفصول العشرة: ٩٣.
(٨) من أراد التفصيل فليراجع: الفصول العشرة: ٩٤ - ١٠٢.
(٩) فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي البخاري ١١: ٤١٨؛ وأمَّا من خالف هذا القول فإنَّما خالفه لادِّعائه القصور في الأدلَّة، لا من حيث استحالة طول عمره، فإنَّ ذلك لا يمكن أن يتفوَّه به مسلم.
(١٠) التيجان في ملوك حمير ١: ٨٤، لعبد الملك بن هشام بن أيّوب الحميري المتوفّي سنة (٢١٣هـ).
(١١) من الخاصَّة: جوامع الجامع للطبرسي ٣: ١٧٥.
(١٢) في صحيح مسلم ٤: ٢٢٦٢/ باب قصَّة الجساسة.
(١٣) مع تلك الدلائل العقلية والنقلية الدالّة على وجوده عليه السلام، جدير بالإشارة إلى أنَّ العقل يقتضـي وجود الإمام والهادي وعديل القرآن المبيِّن لآياته وأحكامه، وأمَّا العقل لا يقتضـي وجود الدجّال بالضـرورة، فكان عقلاً الأولى بالوجود هو الإمام المهدي عليه السلام. وأيضاً الدلائل النقلية على وجود الإمام المهدي عليه السلام كثيرة ومتواترة وصحيحة، والدلائل على وجود الدجّال لا تضاهيها.
(١٤) تاريخ ابن خلدون ١: ٢٤٩.
(١٥) المنار المنيف ١: ١٥٢.
(١٦) وقد تصدّى لهم ثُلَّة من علمائنا وأُدبائنا الأفذاذ بالردِّ على مثل هذه الاتِّهامات وتفنيدها، وأحدهم السيِّد حيدر الحلّي حيث أنشأ مشطّراً:

ما آن للسـرداب أن يلد الذي         فيه تغيَّب عنكم كتمانا

هو نـور ربِّ العالمين وإنَّما         صيَّرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولـكم العفاء لأنَّكم         أنكرتم بجحوده القرآنا

لو لم تُثنِّوا العجل ما قلتم لنا         ثلَّثـتم العنقاء والـغيلانا

وأشار بقوله: (أنكرتم بجحوده القرآنا)، إلى قوله تعالى: ﴿فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافّات: ١٤٣ و١٤٤)، وهذه الآية دليل على بقاء الإمام المهدي عليه السلام، وهو حيٌّ يُرزَق ينتظر الأمر بظهوره.
(١٧) الصواعق المحرقة ٢: ٤٨٣.
(١٨) الصراع بين الإسلام والوثنية ١: ٣٧٤.
(١٩) حتَّى لا يظنُّ القرّاء الأعزاء أنَّ علماءنا العظام على دأب علمائهم في الكذب والافتراء، نشير إلى أنَّ ما ذكره الميرزا النوري الطبرسي - أعلى الله مقامه الشريف - ليس من عنده، بل ذكره علماء السُّنَّة أنفسهم، ومنهم: ابن عساكر، قال: (ومن أظلم ممَّن كتم شهادة عنده من الله، إنَّ جماعة من الحشوية، والأوباش الرعاع، المتوسِّمين بالحنبلية، أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة، والمخازي الشنيعة، ما لم يتسمَّح به ملحد، فضلاً عن موحِّد، ولا تجوز به قادح في أصل الشـريعة ولا معطِّل، ونسبوا كلّ من ينزّه الباري تعالى وجلَّ عن النقائص والآفات، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات، ويُقدِّسه عن الحلول والزوال، ويُعظِّمه عن التغيّر من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث، وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان، ومنافاة أهل الحقِّ والإيمان...، وتمادت الحشوية في ضلالتها، والإصرار على جهالتها، وأبوا إلَّا التصـريح بأنَّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنَّه ينزل بذاته، ويتردَّد على حمار، في صورة شاب أمرد بشعر قطط، وعليه تاج يلمع، وفي رجليه نعلان من ذهب، وحُفِظَ ذلك عنهم، وعلَّلوه ودوَّنوه في كتبهم، وإلى العوامِّ ألقوه). (راجع: تبيين كذب المفتري فيما نُسِبَ للأشعري ١: ٣١٠ - ٣١١).
(٢٠) النجم الثاقب ١: ٤١٩.
(٢١) الغدير ٣: ٣٠٨.
(٢٢) بحار الأنوار ٥٢: ٥٢ و٥٣.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved