أبحاث العدد:
 البحث في العدد ١٢:
 الصفحة الرئيسية » اعداد المجلة » العدد ١٢/ ذو الحجة /١٤٤٢هـ » التنمية الاقتصادية في دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
 العدد ١٢/ ذو الحجة /١٤٤٢ه

المقالات التنمية الاقتصادية في دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

القسم القسم: العدد ١٢/ ذو الحجة /١٤٤٢هـ الشخص الكاتب: الشيخ حبيب عبد الواحد الساعدي التاريخ التاريخ: ٢٠٢١/٠٨/١٥ المشاهدات المشاهدات: ١٢٦ التعليقات التعليقات: ٠

التنمية الاقتصادية في دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الشيخ حبيب عبد الواحد الساعدي

تمهيد:
١ - المراد من التنمية الاقتصادية المهدوية:

لا نقصد بالتنمية الاقتصادية المفهوم الدارج لها المتمثل بالتنمية والتقدم الاقتصادي في بلد معين فحسب، بل المقصود من التنمية الاقتصادية في بحثنا ازدياد الثروة وتحقيق الرفاه الاجتماعي والعدالة الاقتصادية في العالم البشري بأسره، وأمَّا تحقق التنمية الاقتصادية في بلد دون بلد فلا تسمى تنمية اقتصادية بالمعنى الحقيقي لها، لأنها تنمية على حساب تردّي الاقتصاد في البلدان الأخرى. وهذا ما يميز الدولة المهدوية عن غيرها، فإنَّها جاءت لتحقيق العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي في جميع العالم البشري لا يستثنى منه شيء، وهذا يدل على عالمية الشريعة الإسلامية وعلى كونها لا تخص فئة معينة، وبناء على هذا فمفهوم التنمية الاقتصادية في الإسلام أوسع بكثير من المفهوم الدارج الذي يختص ببلد معين، حيث يتم تعيين التنمية الاقتصادية على أساس مقدار الدخل القومي والتوزيع العادل وإخفاض معدل البطالة في ذلك البلد(١).
٢ - أسباب تحقق التنمية الاقتصادية في الدولة المهدوية:
إنَّ التنمية الاقتصادية العالمية التي تستتبع العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والسعادة الحقيقية هو حلم العالم البشري الذي لم يتحقق منذ العصور القديمة، بل وحتى في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإلى الآن، ولكن هذا الحلم سيتحقق في عصر الظهور، والسر في عدم تحققه حتى الآن هو عدم توفر الأسباب التي توجب التنمية الاقتصادية، وفيما يلي إشارة إجمالية لهذه الأسباب.
يمكن تقسيم هذه الأسباب طبقاً لما يستفاد من التعاليم الإسلامية إلى قسمين:
القسم الأوَّل: الأسباب الطبيعية: وهي منظومة كبيرة مستفادة أيضاً من النصوص.
فأوَّلها: التخطيط: وقد ورد في القرآن الكريم ونصوص أهل البيت (عليهم السلام) الحث الشديد على التفكر، فهناك نصوص قرآنية كثيرة تحث على التفكر كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠)، وتوجد آيات كثيرة على هذه الشاكلة(٢).
بتقريب: أنَّ البصير هو الذي يعتمد على تفكيره في التخطيط، فالتخطيط من مصاديق البصيرة والتفكير، وقد ورد في الروايات: «فكر ساعة خير من عبادة سنة»(٣)، بتقريب أنَّ التخطيط قبل العمل أفضل من العمل وإن كثر.
وثانيها: العمل الدؤوب والمستمر: وقد ورد الحث عليه في القرآن والروايات أيضاً، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥).
بتقريب: أنَّ قوله: ﴿اعْمَلُوا﴾ دال على مطلوبية العمل ومحبوبيته، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «لما مات إبراهيم ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قبره خللاً فسواه بيده، ثم قال: إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن...»(٤). ودلالة الحديث على الاستمرار لا تخفى فإنَّه رغم كونه في مصيبة إلَّا أنَّه بادر إلى الإتقان.
القسم الثاني: الأسباب الغيبية: وهي أيضاً منظومة كبيرة مستفادة من النصوص، كالدعاء والعمل بالأحكام وترك المعاصي وطاعة الباري (عزَّ وجلَّ) وامتثال أوامره. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
بتقريب: أن هناك علاقة بين الإيمان والتقوى ونزول البركات من السماء والارض وكذلك توجد علاقة بين التكذيب وبين نزول البلاء والقحط والجدب، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ (هود: ٥٢)، وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (نوح: ١٠-١٢). وهذه الآيات دالة بوضوح على أن التوبة والاستغفار لهما دور كبير في التنمية الاقتصادية وزيادة الأمطار والأموال والبنين والجنات والأنهار والرفاهية.
وهذان القسمان من الأسباب أحدهما مكمِّل للآخر، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما في تحقيق التنمية الاقتصادية، والعدالة الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي، والمشكلة التي يعيشها العالم اليوم هو التبعيض في هذه الأسباب، فنجد المسلمين يتقنون الثاني ويعملون به، ولكنهم تناسوا أو نسوا القسم الأول، في حين نجد غير المسلمين من الدول المتطورة قد عملت بالأوَّل وتناست أو نسيت الثاني، ولذا لا نجد التنمية الاقتصادية بالمعنى الحقيقي لها لا في العالم الإسلامي ولا في العالم غير الإسلامي، وهذان القسمان -أي الأسباب الطبيعية والأسباب الغيبية - يتحققان في عصر الظهور، وبذلك تحصل التنمية الاقتصادية في العالم البشري بأسره تبعاً لتحقق أسبابها.
وبفقدان أحد هذه الأسباب أو بعضها يمتنع الوصول إلى هذا الهدف، فالدولة الإسلامية لم تتحقق إلَّا في عصر النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام علي (عليه السلام)، وبالرغم من الصفات الكمالية التي كان يمتاز بها كل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) إلّا أن المجتمع آنذاك لم يكن مؤهلاً لتحقيق العدالة، ولذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لهم: «ألا أنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد»(٥). والقرآن الكريم ينص على أنَّ الهدف لا يتحقق إلّا من خلال التغيير الجذري لنفوس أفراد المجتمع، ولذا قال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، ويقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ﴾ (الأعراف: ٩٧).
إذن طبقاً للآيات المتقدمة يخضع نزول بركات السماوات والأرض لعوامل نشير إلى بعضها:
الأوَّل: التغيير الداخلي لأفراد المجتمع وصلاحهم.
الثاني: الإيمان والتقوى.
الثالث: أن تتصف جميع المجتمعات بهذه الصفة وهي الإيمان والتقوى وبناء النفس، ولذا لم يعبر القرآن الكريم (ولو أنَّ بعض أهل القرى)، بل قال: ﴿أَهْلَ الْقُرَى﴾، فالكل ينبغي أن يتصف بهذه الصفة.
ومن هنا لا تَرِد الشبهة القائلة: إنَّ هناك أُناساً لا إيمان لهم ولا تقوى، ولكنهم يعيشون أعلى مستويات التنمية الاقتصادية.
إذ يجاب عنها: أنَّ هؤلاء إنما تمتعوا بذلك لأجل غصب حقوق الآخرين، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما متِّع غني إلّا بما جاع فقير»(٦). نعم لو استطاعت الدول القضاء على الفقر في جميع العالم من دون الإيمان بالله تعالى واتقائه، فسيكون هذا نقضاً علينا، ولكن هذا مستحيل؛ لأنَّ عدم الإيمان بالله تعالى يقتضي - حسب الطبيعة البشرية غير الملتزمة بتعاليم السماء - سلب حقوق الآخرين. إذن التنمية الاقتصادية التي تسبب سعادة جميع البشرية وتحقق الرفاه الاجتماعي والعدالة الاقتصادية إنما تحصل في عصر دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
والهدف من هذا المقال هو تبيين أبعاد هذه التنمية الاقتصادية على ضوء النصوص الدينية، ودراسة أسباب ازدياد الثروة وحصول التنمية، ثم نحاول بيان دور الحكومة المهدوية في تحقيق العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.
والبحث يقع في ثلاثة محاور:
المحور الأول: معالم التنمية في الثروات الطبيعية:
عند ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) واستتباب الحكومة المهدوية يرتفع معدل التنمية في الثورة والمصادر الطبيعية إلى أعلى مستوياته، طبقاً لما وردنا من النصوص والروايات بشأن الوضع الاقتصادي في الحكومة المهدوية، فتخرج الأرض بركاتها بسبب وفرة الأمطار والأنهار والأودية والغدران، وتقدم الزراعة وازدياد محاصيلها وحصول التنمية في الثروة الحيوانية، وحصول التنمية في السكان واستخراج المعادن وكنوز الأرض والطاقة الكهربائية. ولأجل التعرف على مقدار هذه التنمية الاقتصادية لابد من دراسة ذلك على ضوء ما بأيدينا من النصوص التي تعنى بذلك، ويتم الاقتصار على بيانها ومقدار هذه التنمية من دون الإلماع لسبب هذه التنمية الاقتصادية، كما يتم ترتيبها حسب أهمية المصدر الطبيعي ودوره الأساسي في تقدم الاقتصاد.
١ - تنمية المياه والأمطار النافعة:
المياه والأمطار هي أساس الحياة، ولولا المياه لم نجد كائناً حياً على وجه الأرض، كما أن للمياه والأمطار دوراً محورياً في تنمية الاقتصاد، فقلة المياه تنبئ عن تردّي الاقتصاد، كما أن وفرتها بشكل مناسب يؤول إلى تقدم الاقتصاد وتنميته ورُقيِّه، ولا ريب أن أحد الأسباب المهمة في تردِّي الاقتصاد في العصر الحاضر هو قلة الموارد المائية، ويرتفع مستوى المياه ووفرة الأمطار في عصر الحكومة المهدوية ويكون سبباً للتنمية الاقتصادية في هذه الدولة الكريمة، وقد دلت الروايات الشريفة على هذه الحقيقة.
فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وتمطر السماء مطرها، وتخرج الأرض بركاتها، وتعيش أمتي في زمانه عيشاً لم تعشه قبل ذلك»(٧).
وقد روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في أمتي المهدي (عجَّل الله فرجه) يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وتمطر السماء مطراً كعهد آدم (عليه السلام) وتخرج الأرض بركتها، وتعيش أمتي في زمانه عيشاً لم تعشه قبل ذلك في زمان قط»(٨).
وروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الخلائق مثله»(٩).
وعن سعيد بن جبير، قال: «إنّ السنة التي يقوم فيها القائم المهدي تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة ترى آثارها وبركتها إن شاء الله»(١٠).
وفي رواية عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... يرسل الماء عليهم مدراراً، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلّا أخرجته»(١١).
وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «... وتزيد المياه في دولته، وتمدُّ الأنهار، وتضعف الأرض أكلها وتستخرج الكنوز كلّها»(١٢).
وفي رواية عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... تمدّ الأنهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكلها»(١٣).
ووردت رواية تنص على أنّ الله تعالى يسقيه - أي المهدي (عجَّل الله فرجه) - الغيث، وهي كالتالي:
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها...»(١٤).
وزيادة المياه ناجمة عن زيادة المطر، وينجم عنها زيادة الأنهار وتوسعها طبيعياً.
٢ - التنمية الزراعية:
الزراعة من المصادر الطبيعية والثروات المهمة في تقدم عجلة الاقتصاد، فكلما ازداد المنتوج الزراعي أدى ذلك إلى حالة من التحسن ورفع مستوى الفقر، وبما أن الإنتاج الزراعي له ارتباط وثيق بطعام الإنسان الذي يحتاجه في كل يوم عدة مرات، فهذا يعني أن الإنتاج الزراعي له ارتباط بحياة الإنسان ومعيشته، وهذا الارتباط مصيري، ومع انعدام الإنتاج الزراعي أو تردّيه قد يؤدي إلى هلاك الإنسان على الأرض.
ويرتفع الإنتاج الزراعي في عصر الحكومة المهدوية ويصل إلى قمته، وتحصل تنمية في الإنتاج الزراعي، وهذه التنمية متفرعة على التنمية على مستوى المياه والأمطار التي تقدمت قبل قليل، فإنه إذا ازدادت الأمطار والمياه، سيساهم ذلك في تقدم الزراعة بجميع ألوانها، فيساهم في إصلاح الأراضي الزراعية، ونمو النباتات الطبيعية.
ومن هنا نجد أن الروايات السابقة كانت تفرع النعمة الزراعية على وفرة الأمطار، مثل:
قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يرسل الماء عليهم مدراراً، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلّا أخرجته».
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها...».
وفي الرواية التي تقدمت عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... تمدّ الأنهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكلها».
٣ - التنمية الحيوانية:
توفير المياه والنبات يؤدي إلى نمو الثروة الحيوانية، فمن الطبيعي أن تكثر الحيوانات الأليفة والصالحة للأكل، وقد دلت الروايات على ذلك:
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج المهدي في أمتي يبعثه الله غياثاً للناس، تنعم الأُمة وتعيش الماشية وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحاً»(١٥).
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية وتعظم الأُمة»(١٦).
ويستفاد من هذه الروايات -لاسيما من التعبير و«تعظم الأُمة» - أن للتنمية الاقتصادية وازدياد الثروات الطبيعية دوراً كبيراً في تطور الأُمة وقدرتها الاقتصادية وعظمتها وعزتها، ومن هذا يُعلم أن أحد أهم مقومات الأُمة العزيزة والعظيمة هو التقدم الاقتصادي.
٤ - تنمية المعادن وكنوز الأرض:
المقصود بكنوز الأرض هي المعادن الباطنة في الأرض، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والنفط وغيرها من المعادن، ولعل هناك كنوزاً موجودة في الأرض لم يتم العثور عليها حتى الآن، ولكن عند الظهور يتم العثور عليها وزيادة هذه الموارد التي عبرت عنها الرواية الآتية بالكنوز ستؤثر على التنمية الاقتصادية مما يؤدي إلى وفرة الأموال وكثرتها ويحصل الرفاه الاجتماعي، وهذا ما تشير إليه الروايات التالية:
عن المفضل عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... تظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها...»(١٧).
جاء عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «القائم منّا منصور بالرعب مؤيد بالنصر... وتظهر له الكنوز»(١٨).
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «... وتزيد المياه في دولته، وتمدُّ الأنهار، وتضعف الأرض أكلها وتستخرج الكنوز كلّها»(١٩).
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من ولدي... يستخرج الكنوز...»(٢٠).
وفي رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «... ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها»(٢١).
ونلاحظ في هذه الروايات أن استخراج الكنوز تارة ينسب إلى نفس الأرض، أي أن الأرض تقوم بعملية إظهار الكنوز إلى الخارج فيراها الناس، وأخرى ينسب إلى نفس الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حيث ورد في الرواية يستخرج الكنوز، وثالثة ينسب إلى الكنوز نفسها أي أن الكنوز هي التي تخرج نفسها، ورابعة ينسب إلى الفاعل المجهول، وخامسة ينسب إلى الله تعالى.
ولا ريب أن هذا التنوع في التعبير يكشف عن أنَّ جميع هذه الأمور دخيلة في استخراج الكنوز والمعدن فتجتمع الأسباب الطبيعية والغيبية على استخراج هذه الكنوز كما سنشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
٥ - التنمية السكانية:
من مصادر الطبيعة هو الإنسان نفسه، فإن الإنسان يعد أحد أهم المصادر الطبيعية في الأرض، بل من أفضلها، حيث إنه يمثل عنصراً منتجاً، ولولا الإنسان لما وجد أي إنتاج على الأرض ولبقىت الثروة على حالها من دون فائدة، فهو في حد ذاته ثروة منتجة وليس ثروة راكدة. ولذا فزيادة السكان في حد ذاتها تنمية اقتصادية.
ويرى (توماس مالتوس) أن زيادة السكان تنافي التنمية الاقتصادية، لأن ازدياد السكان يكون على أساس متوالية هندسية، بينما يزيد الإنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية، وهذا ما يؤدي حتماً إلى نقص الغذاء والسكن. والمفروض أن مصادر الثروة لا يمكنها تلبية كمٍّ هائلٍ من احتياجات السكان ويتسبب ذلك بزيادة معدل الفقر(٢٢). ولكنه غفل عن أنَّ زيادة السكان عاملٌ مهمٌ في زيادة الإنتاج والدخل القومي، لأنَّ كل فرد من الإنسانية يُعدّ قوة منتجة، كما أنَّ التقدم التقني في وسائل الإنتاج له تأثير كبير على زيادة المحاصيل الزراعية والحيوانية بالنحو الذي يلبي حاجة البشرية بل أكثر، ولذا فازدياد السكان لا ينافي التنمية الاقتصادية، بل هو عاملٌ مهمٌ فيها.
وتشير بعض الروايات إلى زيادة السكان في عصر دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حيث ورد فيها: «... ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ولد ذكر لا يولد له فيهم أنثى...»(٢٣).
بتقريب: أنَّ تعمير الإنسان أكثر مع بقاء قوته يؤدي إلى زيادة إنتاجه وتضاعف خدماته، وهذا من المعاني الكنائيِّة التي يحتملها هذا النص.
٦ - التنمية على المستوى النوري والضوئي:
النور من المصادر الطبيعية التي نحصل عليها من الشمس، فإن ضياء الشمس له فوائد كثيرة من أهمها القدرة على رؤية الأشياء وإبصار الطريق، ودورها في إنتاج المحاصيل الزراعية، ولكن نور الشمس هذا فائدته وقتية، لأنه مختص بالنهار فقط، أمّا في الليل فلا ضياء ولا نور، ومن هنا يحتاج الناس إلى النور البديل في الليل، بل في بعض الأماكن في النهار، فجاءت الاختراعات الكبيرة التي ساهمت في الحصول على الضياء في عصر الظهور وحكومة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإن هذا النور سيستمر حتى في الليل ويمكن للناس الرؤية ويتصل النهار بالليل، لكن لا بمعنى أن الشمس تبقى على حالها، لأن هذا خلاف النظام الفلكي التكويني الذي سَنَّه الله تعالى، فإن عملية الليل والنهار ناتجة عن حركة الأرض ومع فرض بقاء الشمس يحصل الفساد التكويني والنقض لقانون النظم.
بل المقصود بقرينة قوله (عليه السلام) في الرواية التي ستأتي «أشرقت الأرض بنورها» أي إنَّ النور موجود في الأرض وليس مستمداً من السماء، وهذا التعبير يدل على ازدياد الحصول على الطاقة من مصادر الأرض.
حيث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنورها واستغنى العباد عن ضوء الشمس وذهبت الظلمة....»(٢٤). وهو من المعاني الكنائية عن استثمار الطاقة الأرضية في إيجاد النور المضاهي لوجود النور الشمسي.
هذا هو المعنى المستفاد من الرواية المتقدمة كما ويحتمل أن يراد منها معان أخرى:
المعنى الأول: أن يراد بالنور الذي يستغنى به عن نور الشمس هو نور العدل وتذهب الظلمة أي ظلمة الظلم والجور(٢٥).
وهذا المعنى وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنه بعيد عن سياق الرواية، لأن نور الشمس نور حقيقي ونور العدل نور مجازي، ولا معنى لاستغناء العباد عن نور الشمس بنور العدل، لأن آثار نور الشمس تكوينية وآثار نور العدل اعتبارية.
المعنى الثاني: أن يراد أنَّ الناس يحتاجون إلى نور الشمس للزراعة والمحاصيل الزراعية التي تمثل لهم الغذاء ومع وجود الغذاء من دون الحاجة إلى ضوء الشمس يستغني العباد عن ضوء الشمس(٢٦).
وهذا المعنى غير تام، لأن ضوء الشمس لا تنحصر فائدته في المحاصيل الزراعية، بل له فوائد كثيرة من أبرزها الضوء لتحقق الرؤية، والمقصود من استغناء العباد عن ضوء الشمس في تحقق الرؤية في الليل كما هو واضح لا الضوء لأجل الزراعة، ويدل على هذا قوله: «وذهبت الظلمة» أي ظلمة الليل، ويشهد على ذلك أن هناك في بعض النسخ للرواية «وصار الليل والنهار واحداً وذهبت الظلمة»(٢٧)، وهذا التعبير يؤكد المعنى الذي ذكرناه.
والحاصل: أن الطاقة تصل إلى درجة بفضل وفرة المصادر الطبيعية أن تكون أكثر الأماكن بل كلها، مضيئة، فيستغني الناس عن ضوء الشمس بمقدار الرؤية في الليل طبعاً.
المحور الثاني: أسباب تنمية الثروة والمصادر الطبيعية في عصر الظهور:
أشرنا في المحور الأول إلى التنمية الحاصلة في عصر الظهور وحكومة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واتضح لنا معالم تلك التنمية ومقدارها في الثروة والمصادر الطبيعية. ولا ريب أن التنمية المذكورة لا يمكن أن تحصل اعتباطاً أو صدفة، بل تخضع إمّا للعوامل الإعجازية، أو العوامل المعنوية، أو العوامل المادية، أو تجتمع العوامل الإعجازية والمعنوية والمادية على تحقيق ذلك.
إذن هناك أربعة احتمالات نشير إليها:
الاحتمال الأول: العوامل الإعجازية:
إنَّ حصول التنمية الاقتصادية في عصر الظهور يرجع إلى أسباب إعجازية وليست أسبابه طبيعية كازدياد الإنتاج، ومن المعلوم أنَّ هذا الاحتمال يحتاج إلى توجيه؛ لأن الأصل الأولي هو جريان الأمور على أسبابها ومسبباتها إلّا إذا اقتضت الحكمة الإلهية ذلك، لأجل إثبات الدين أو نصرة الدين وحاكمية الدولة الإلهية وغيرها من الأسباب.
وهذا الاحتمال يمكن أن يعضده عدة شواهد وقرائن:
١ - الوعد الإلهي: أن الله تعالى وعد في القرآن الكريم أن يظهر الدين الإسلامي على الدين كله، وهذا الوعد الإلهي يستفاد منه أن نصرة الدين تحتاج إلى التدخل الإلهي، وحيث إن التنمية الاقتصادية تحتل جانباً مهماً من رصانة الحكومة وقدرتها وسيطرتها، فلابد من أنْ توجد ولو بشكل إعجازي.
٢ - يستفاد من جملة من الروايات أن الإمام (عجَّل الله فرجه) منصور بالرعب كالنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي إن هذا النصر يحصل من خلال التدخل الإلهي، وبما أن أحد دعائم قوة الدولة وانتصارها هو تقدمها على المستوى الاقتصادي وازدياد ثروتها وهو بحاجة إلى التدخل الإلهي والإعجاز كإرسال المطر بشكل غير معهود.
إلّا أن هذا الاحتمال يواجه مشكلة وهي القاعدة المتبعة في القانون الإلهي، حيث إن سنة الله جرت على أن تجري الأمور حسب أسبابها ومسبباتها، فمادام يمكن أن ترجع هذه التنمية الاقتصادية على جميع مستوياتها إلى عوامل طبيعية فلا حاجة إلى الإعجاز والتدخل الإلهي.
الاحتمال الثاني: العوامل المادية:
أن تكون هذه التنمية الاقتصادية نشأت من خلال العوامل المادية، وليس هناك أي نوع من الإعجاز فيها، فإن هناك عوامل مادية كثيرة تؤدي إلى تحقق التنمية الاقتصادية، نشير إليها:
منها: توفير فرص العمل إلى أعلى المستويات والحد من البطالة، ومن المعلوم أن زيادة فرص العمل والحد من البطالة له تأثير كبير على نمو الاقتصاد.
ومنها: رفع مستوى الإنتاج، ومن المعلوم أن زيادة الإنتاج تؤدي إلى زيادة الدخل القومي، وذلك يزيد من مستوى التنمية الاقتصادية وغيرها من الأسباب المادية.
والعوامل المادية لا يمكن بمفردها أن تحقق التنمية الاقتصادية الحقيقية وقد أثبت لنا التاريخ أن الماديين إنما أصبحت دولهم نامية على أساس جوع وفقر الدول الأُخرى.
الاحتمال الثالث: العوامل المعنوية:
ونشير إلى جملة من هذه العوامل:
١ - الإيمان بالله تعالى والتقوى، وهذه سنة من سنن الله تعالى في الكون والحياة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
٢ - الاستغفار فيمكن أن يكون جميع أفراد المجتمع في عصر الظهور مستغفرين لله تعالى، ومن الطبيعي أن ينتج ذلك غزارة الأمطار ونزول البركات، قال الله تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ (هود: ٥٢)، وقال (عزَّ وجلَّ): ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (نوح: ١٠-١٢).
٣ - الالتزام بالمنهج الإلهي، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ (الجن: ١٦)، ومن الطبيعي أن يكون المجتمع المترقب لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) متوجهاً للاستغفار والتوبة، ولتقوى الله، والالتزام بتعاليمه وأوامره، والانتهاء عن نواهيه، وكذلك وجود الدولة والحكومة العادلة التي ترعى كل ذلك وتوجه المجتمع نحو الله تعالى ليسمو ويتكامل في ظل المفاهيم والقيم والموازين الإلهية، وستتحقق سنة الله تعالى التي تتبع تلك المقدمات، وتكون جزاءً لإخلاص الإنسانية وتجردها لله تعالى بعد التمحيص الطويل الواقع في طريق العودة إلى المفاهيم والقيم الإلهية وجعلها الحاكمة على الأفكار والعواطف والممارسات.
الاحتمال الرابع: اجتماع العوامل الإعجازية والمعنوية والمادية:
إن التنمية الاقتصادية التي تحصل في عصر الظهور تابعة إلى العوامل الإعجازية القائمة على أساس الحكمة الإلهية لأجل نصرة الدين ولو كره المشركون، والتدخل الإلهي بهذا المقدار لا مشكلة فيه لأجل إنجاز الوعد الإلهي كما أنجز الله تعالى وعده لنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا المقدار من التدخل الإلهي لا ينافي وجود عوامل معنوية من قبيل أن يتمتع المجتمع في عصر الظهور بالإيمان والتقوى والاستغفار والالتزام بالدين الإسلامي بالإضافة إلى عوامل مادية كدور الدولة والحكومة المهدوية في التقدم الاقتصادي على مستوى العمل والإنتاج والعمران.
وأشار إلى هذا الاحتمال السيد محمد الصدر (رحمه الله) حيث قال: «فكما دلت الروايات بأن من العلائم المقارِبة لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) التي تقع قبل الظهور بزمن قليل، نزول الأمطار الغزيرة، والمياه الكثيرة من السماء... وذلك استعداداً للظهور، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة، نزول المطر ليس إعجازياً بطبيعة الحال، إلّا أن توقيته وكميته، كما يبدو من سياق الروايات أنها بقصد إعجازي»(٢٨).
وهذا أقرب إلى الواقع من بين الاحتمالات لعدة قرائن:
القرينة الأولى: أن الروايات المتقدمة ليس فيها إشارة تنفي وجود عوامل مادية أو معنوية تساعد على التنمية الاقتصادية على المستوى الثروات، وليس فيها دلالة تعين كون تلك التنمية على أساس عوامل إعجازية، وبناءً على هذا، فالروايات لا تنفي هذا الاحتمال.
القرينة الثانية: أن هذا الاحتمال يساعد عليه الطابع العام في المفاهيم الإسلامية، مثلاً أن الله تعالى يأمر بالعمل ويجعله أحد أسباب الرزق، ومن الواضح أنه سبب مادي، وإلى جانب ذلك يأمر بالدعاء والتوسل بالأمور المعنوية، ويذكر أنها تزيد من الرزق، وهذا إن دل على شيء دل على أنَّ كلا العاملين المادي والمعنوي له تأثير في ازدياد الرزق والمقام من هذا القبيل أيضاً فإن التنمية الاقتصادية بشكل عام أيضاً تابعة إلى هذين العاملين.
ومجموع هذه القرائن يجعلنا نرجح هذا الاحتمال فهو الأنسب حيث نتيجته تقتضي البحث حول دور الدولة والحكومة المهدوية في التنمية الاقتصادية، وأمّا لو اقتصرنا على الاحتمال الأول فقد لا ينفتح المجال للبحث حول دور الحكومة المهدوية في التنمية.
المحور الثالث: دور الدولة المهدوية في التنمية الاقتصادية:
بالرغم من وجود التدخل الإلهي في نصرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، إلى جانب ذلك أسباب طبيعية وعمل دؤوب على إنجاح التنمية الاقتصادية كما تقدم فإنَّ للحكومة وتدبيرها الدور الكبير على التقدم الاقتصادي، كما أن للشعب وانسجامه وإيمانه وتعاونه مع الحكومة الأثر البالغ في تحقيق التقدم الاقتصادي، فمن هذا المنطلق نحاول هنا الإشارة إلى الأعمال التي تقوم بها الحكومة المهدوية لتحقق هذا التقدم الاقتصادي نقتصر فيها على ثلاثة نشاطات ضمن ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: العمران في الأرض:
تشير الروايات إلى أنَّ العمران الذي يحصل في عصر الظهور يصل إلى أعلى مراتبه، فلا يبقى خراب إلّا عُمِّر، جاء عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «القائم منّا منصور بالرعب مؤيد بالنصر... وتظهر له الكنوز، ولا يبقى في الأرض خراب إلّا عُمِّر»(٢٩)، وتشتمل عملية العمران هذه على مراحل:
أولاً: تعبيد الطرق:
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنّه إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كل منخفض من الأرض، وخفض كل مرتفع منها حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها»(٣٠).
وهذا الترتيب في الأرض إمّا أن نحمله على العمل الإعجازي وهو ممكن، أو نحمله على العمل الطبيعي، أو نحمله على كليهما، حيث يأتي الإعجاز في المجالات التي يتوقف عليها حين يعجز الإنسان عن عملها، وإلّا فكل أمر مقدور من قبل الإنسان يترك له للعمل بلا حاجة إلى معجزة.
وكذا الحال في الخبر المرفوع عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق، لو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقاً)(٣١).
ثانياً: توسيع المساجد:
قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمد (عليهم السلام) بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء»(٣٢). ولا مبالغة في مساحة هذا المسجد؛ لأنّ الناس سيقدمون من أغلب أنحاء العالم للصلاة خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومع كثرتهم لا يسعهم إلّا مسجد كهذا له ألف باب، إضافة إلى ذلك فإنّ الكوفة ستصبح عاصمة للعالم، وهذا يستلزم كثرة السكان فيها، وكثرة المسافرين والزوّار إليها، ففيها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفيها الصالحون من أنصاره.
النقطة الثانية: القضاء على الطبقية والفقر:
ومن المعلوم إذا حصلت التنمية الاقتصادي على مستوى المصادر الطبيعية والثروة أثَّر ذلك إيجابياً على الحالة الاقتصادية عند الناس بسبب التوزيع العادل الذي يقيمه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإن الكنوز التي تظهر لا يختزنها الإمام في بيت المال كما تصنع سائر الحكومات، بل يتم توزيعها على المسلمين بالسوية، ومن هنا تنتفي الطبقية في المجتمع وينتفي الفقر ويصبح الجميع في حالة الرفاه الاقتصادي، ومن هنا يأتي بعض الناس بالزكاة فلا يجد فقيراً كما نطقت بهذا المعنى الرواية حيث تقول: «... ويطلب الرجل منكم من يصله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل ذلك منه واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله»(٣٣).
النقطة الثالثة: التطور التقني:
عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنه قال: «إنّ قائمنا إذا قام مدّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه، وهو في مكانه»(٣٤).
وقال (عليه السلام): «إنّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق»(٣٥).
وهذه الأخبار كان يُنظَر إليها كأمور إعجازية إلى وقت قريب، ناهيك عن عصر صدورها، أمّا في زماننا الحاضر فإنّ الأمر معقول جداً، وسيكون التطور التقني في عصر الظهور رحمة للناس جميعاً، وأول الرحمة أنهم يرون إمامهم ويكلمّونه.
ووردت روايات عديدة حول التطور التقني، ظاهرها الحمل على الأمر الإعجازي، ويمكن حملها على التطور التقني، ويمكن الجمع بينهما.
عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنه قال: «إذا أذن الإمام دعا الله باسمه... فأتيحت له صحابته الثلاثمائة وثلاثة عشر قزع كقزع الخريف وهم أصحاب الألوية، منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً...»(٣٦).
ومعنى سيرهم في السحاب نهارا أن الله تعالى ينقلهم إلى مكة بواسطة السحاب على نحو الكرامة والإعجاز، كما يحتمل أن يكون معناه مجيئهم بواسطة الطائرات كسائر المسافرين، بجوازات سفر بأسمائهم وأسماء آبائهم، وتكون الأحاديث الشريفة عبرت بذلك لأن الطائرات لم تكن موجودة(٣٧).
وفي رواية عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) يشير فيها إلى طي الأرض قائلاً: «... وتصير إليه شيعته من أطراف الأرض، تطوى لهم طياً حتى يبايعوه»(٣٨).
وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنه قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض كلّ إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفّك، فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها»(٣٩).
وقال (عليه السلام): «ويبعث جنداً إلى القسطنطينيّة، فإذا بلغوا إلى الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء فكيف هو؟ فعند ذلك يفتحون لهم باب المدينة فيدخلونها فيحكمون فيها بما يريدون»(٤٠).
وهذه الأخبار إمّا أن تحمل على ظاهرها وتفسر بالمعجزة، وإمّا أن تحمل على التطور التقني، وقد أشارت إليه الروايات بلغة الرموز لعدم استيعاب عقول ذلك الزمان لهذا التطور، وعدم إدراكهم لحقيقته. وفي جميع الأحوال فإنّ التطور التقني حقيقة موضوعية، وأنّ الحياة متوجهة نحو التطور عن طريق الإبداع والابتكار، والتطور ضروري في عهد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لقيام الحكومة العالمية وهي بحاجة إلى سرعة المواصلات والاتصالات.
تلخيص واستنتاج:
التنمية الاقتصادية هي ازدهار اقتصادي تتحقق بواسطته العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي في العالم البشري بأسره، وقمنا بدراسة تحليلية للروايات والنصوص الدالة على حصول التقدم الاقتصادي في الدولة المهدوية، حيث ينمو الاقتصاد وترتفع جميع المشاكل الاقتصادية بشكل عام ويتحقق الرفاه الاجتماعي والعدالة الاقتصادية بشكل منقطع النظير، ويرجع السبب في هذا التقدم طبقاً للنصوص؛ إلى نمو الثروة وازدياد المصادر الطبيعية كوفرة الأمطار التي تتبعها التنمية الزراعية والحيوانية وتخرج الأرض بركاتها وكنوزها، والسبب يعود إلى كمال الإنسان نفسه حيث يحصل تغيير في نفوس المجتمعات نحو الأفضل ويكونون على مستوى من الإيمان والتقوى، يضاف إلى ذلك التقدم العلمي والتقني الذي يتم من خلاله التعرف على جميع المصادر الطبيعية المخبئة تحت الأرض، علاوة على ذلك الجهود التي تبذلها الدولة المهدوية في مجال العمران والتوزيع العادل والقضاء على الفقر.
وتوصلنا من خلال عرض المباحث المتقدمة إلى النتائج التالية:
١ - إن الثروات الطبيعية في عصر الظهور تصل إلى أقصى مستوياتها من قبيل مصادر المياه والتنمية الزراعية والحيوانية والمعادن والكنوز في الأرض والتنمية السكانية والتنمية على مستوى الطاقة الكهربائية.
٢ - إن العوامل والأسباب التي أدت على التنمية في الثروات الطبيعية الآنفة الذكر لا تنحصر بالعوامل الغيبية والإعجازية كما أن الأسباب الطبيعية ليست هي العامل الوحيد في تحقق هذه التنمية، بل اجتمعت العوامل الغيبية والعوامل الطبيعية على تنمية هذه الثروات الطبيعية.
٣ - هناك عدة شواهد وقرائن مستفادة من الروايات والنصوص الدينية تدل على أن العامل في تحقيق التنمية هو مجموعة عوامل طبيعية وغيبية ساهمت في تحقق التنمية الاقتصادية على صعيد الثروات الطبيعية.
٤ - إن للحكومة المهدوية الدور الفعال في تحقيق التنمية الاقتصادية على مستوى العمران والقضاء على الفقر والطبقية، والتطور التقني كما أن للمجتمع في عصر الظهور مساهمة مهمة في مشاركة الدولة في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفع مستوى التطور الاقتصادي.
٥ - الشواهد والأدلة تشير إلى تحقق العدالة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، والأمن الاقتصادي في عصر الظهور، وذلك في ظل الدولة المهدوية والمجتمع الذي يساهم في تحقيق ذلك.

الهوامش:

(١) انظر: التنمية الاقتصادية - مايكل تودارو - استيفن اسميث: ص٢٨.
(٢) سورة آل عمران: ١٩١؛ سورة البقرة: ٢٦٦ و٢١٩.
(٣) عوالي الئالي - ابن ابي جمهور الاحسائي: ج٢، ص٥٧.
(٤) وسائل الشيعة - الحر العاملي: ج٣، ص٢٢٩.
(٥) نهج البلاغة: ج٣، ص٧٠، الكتاب ٤٥.
(٦) روائع نهج البلاغة: ص٢٩.
(٧) المصنف - ابن أبي شيبة الكوفي: ج٨، ص٦٧٨.
(٨) التشريف بالمنن في التعريف بالفتن - السيد ابن طاووس: ص٣٢٢.
(٩) الإرشاد - الشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨١.
(١٠) الإرشاد - الشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨١.
(١١) المجلسي - بحار الأنوار: ج٥١، ص٨٣.
(١٢) المقدسي - عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص٨٣.
(١٣) الشيخ المفيد - الاختصاص: ص٢٠٩.
(١٤) الريشهري - ميزان الحكمة: ج١، ص١٨٧.
(١٥) بحار الأنوار: ج٥١، ص٨١.
(١٦) عقد الدرر في أخبار المنتظر - للمقدسي: ص١٤٤.
(١٧) الشيخ المفيد - الإرشاد: ج٢، ص٣٨١.
(١٨) مختصر إثبات الرجعة: ص٢١٦.
(١٩) عقد الدرر في أخبار المنتظر، للمقدسي: ص٨٣.
(٢٠) البيان في أخبار صاحب الزمان، الكنجي الشافعي، ص١٣٧.
(٢١) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص٣٩٣.
(٢٢) انظر: التنمية الاقتصادية، مايكل توداروا - استيفن اسميث، ص٢٩٦-٢٩٧.
(٢٣) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٦٨.
(٢٤) نفس المصدر، وينظر: روضة الواعظين: ص٢٦٤.
(٢٥) لاحظ: الأنوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة للشيخ جواد بن عباس الكربلائي: ج٥، ص٣٠٠.
(٢٦) لاحظ الانوار الساطعة في شرح الزيارة الجامعة، الشيخ جواد بن عباس الكربلائي: ج٥ ص٣٠٠.
(٢٧) دلائل الإمامة، ابن جرير الطبري الشيعي، ص٤٨٦.
(٢٨) تاريخ ما بعد الظهور للسيد محمد الصدر: ص١٣٧.
(٢٩) مختصر إثبات الرجعة: ص٢١٦.
(٣٠) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٢٨.
(٣١) كتاب الفتن، نعيم بن حماد المروزي، ج١، ص٢٢٩.
(٣٢) الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨٠.
(٣٣) الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨١؛ وينظر: الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٦٨.
(٣٤) الكافي، للكليني: ج‌٨، ص٢٤٠-٢٤١.
(٣٥) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٩١.
(٣٦) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج٥٢، ص٣٦٨.
(٣٧) عصر الظهور، الكوراني العاملي، ج١، ص٢٧٦.
(٣٨) الإرشاد، للشيخ المفيد، ج٢، ص٣٧٩.
(٣٩) غيبة النعماني: ص ٣١٩
(٤٠) الملاحم والفتن، ابن طاووس، ص٥٣.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved