فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » مرجعية الفقهاء في زمن الغيبة
 كتب المركز

الكتب مرجعية الفقهاء في زمن الغيبة

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ جاسم الوائلي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/٠٩/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١٩٥ التعليقات التعليقات: ٠

مرجعية الفقهاء في زمن الغيبة
بحث في إثبات مشروعية التقليد والرد على شبهات المنكرين

الشيخ جاسم الوائلي
تقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

الفهرس

مقدّمة المركز
الإهداء
مقدّمة
تمهيد: في معنى التقليد، وأقسامه
معنى التقليد
أقسام التقليد
أقسام التقليد الواعي
أقسام التقليد في المسائل الدِّينيَّة
التقليد في المسائل العَقَدِيَّة
التقليد في المسائل الأخلاقيَّة
التقليد في المسائل الفقهيَّة
أقسام الأحكام الفقهيَّة
طُرُق امتثال الأحكام الاجتهاديَّة
الطريق الأوَّل: الاجتهاد
الطريق الثاني: التقليد
الطريق الثالث: الاحتياط
الاحتياط مستحيل وممكن
الاحتياط عامٌّ وخاصٌّ
الاحتياط حقيقيٌّ ونسبيٌّ
الفصل الأوَّل: في أدلَّة مشروعيَّة التقليد في الأحكام الفقهيَّة
الدليل الأوَّل
تفسير آخر للآية
الدليل الثاني
إشكال وجواب
إشكال وجواب
الدليل الثالث
الدليل الرابع
الدليل الخامس: الأخبار الخاصَّة
الدليل السادس: سيرة العقلاء الممضاة
الدليل السابع: سيرة المتشرِّعة
الدليل الثامن: البداهة
الدليل التاسع: واقع الحال
توضيح الجهة الأُولى
توضيح الجهة الثانية
النحو الأوَّل: جملة من المسائل الابتلائيَّة المودَعة في الروايات
النحو الثاني: جملة من المسائل المستحدثة
مسائل طبّيَّة
مسائل اقتصاديَّة
مسائل اجتماعيَّة
مسائل سياسيَّة
مسائل عسكريَّة
مسائل علميَّة
مسائل متفرِّقة
الفصل الثاني: تاريخ المرجعيَّة، وقِدَمها، ومكانتها
التوطئة
المقام الأوَّل: قِدَم المرجعيَّة حسب نصوص المعصومين (عليهم السلام)
المقام الثاني: قِدَمُ المرجعيَّة حسب كلمات الأعلام
الفصل الثالث: في أجوبة الشُّبُهات والإشكالات
المقصد الأوَّل: في أجوبة شُبُهات منكري التقليد
الصنف الأوَّل: ما دلَّ على حرمة العمل بالاجتهاد، والرَّأي، والقياس، والاستحسان
المحطَّة الأُولى: في الاحتجاج بالرِّوايات
المقطع المذكور ليس من كلام عليٍّ (عليه السلام)
شبهة وجواب
المحطَّة الثانية: في الاحتجاج بكلمات بعض الأعلام
كلمة الشيخ المفيد
كلام الشيخ الطوسي
كلام المحقِّق الحلِّي
الصنف الثاني: ما دلَّ على حرمة التقليد
الصنف الثالث: ما دلَّ على أنَّ الفقيه إذا أخطأ في حكمه فقد كفر، أو حكم بحكم الجاهليَّة
الصنف الرابع: ما دلَّ على أنَّ مقلِّدي الفقهاء أعداء للدِّين وللقائم (عجَّل الله فرجه)
الصنف الخامس: ما دلَّ على حرمة العمل بالظنِّ
أقسام الكلام
البيان بصيغته الأُولى
البيان بصيغته الثانية
ما هو الحجَّة من هذه الأقسام؟
حُجِّيَّةُ الظَّنِّ
تنبيه
تطبيقات للدليل الظنّي
التطبيق الأوَّل
الجهة الأُولى: سند الرِّواية
الجهة الثانية: دلالة الرِّواية
التطبيق الثاني
التطبيق الثالث
التطبيق الرابع
التطبيق الخامس والأخير
المقصد الثاني: في أجوبة إشكالات المعلِّقين
الإشكال الأوَّل
الإشكال الثاني
الإشكال الثالث
الإشكال الرابع
الإشكال الخامس
الإشكال السادس
مفارقة عجيبة
الإشكال السابع
الجواب على كلام الحُرِّ العامليِّ
الجواب على ما ذكره السيِّد الخمينيُّ
الجواب على ما ذكره السيِّد الخوئي
الخاتمة: في نصيحة للمؤمنين المتأثِّرين بشُبُهات ومغالطات منكري التقليد

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيِّبين الطاهرين.
يُؤسِّس القرآن الكريم العديد من الضوابط المعرفيَّة، التي تعمل على سدِّ النقص المعرفي لدى الإنسان، والتي تُمثِّل بمجموعها منهجاً علميًّا متماسكاً يغلق منافذ الجهل بالقدر المستطاع.
ومن تلك الضوابط:
أنَّ المرجعية الدِّينيَّة إنَّما هي للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حيث يقول تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
علماً أنَّ مرجعيَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الدِّينيَّة تأسَّست على كونه ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾ (النجم: ٣ و٤) الذي يحكي عن عصمته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
وقد ثبت بالأدلَّة القطعيَّة أنَّه ثبت لأهل البيت (عليهم السلام) ما ثبت للنبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من جهة المرجعيَّة الدِّينيَّة، وعلى هذا بنى أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أمرهم فيما يتعلَّق بأُمور دينهم ودنياهم، لم يختلف في ذلك مؤمنان.
هذا وقد اعتاد المؤمنون آنذاك أنْ يرجعوا إلى المعصوم مباشرةً لاستقاء المعارف الدِّينيَّة، بل والدنيويَّة، وما كانوا يواجهون إشكاليَّة معيَّنة من هذه الناحية.
ولكن من ناحية أُخرى، لم يكن جميع المؤمنين يتمكَّنون من الحضور بين يدي المعصوم، لبُعد المسافات بينهم وعدم توفُّر وسائل الاتِّصال كما هي اليوم.
من جهة أُخرى، فإنَّ المؤمنين يوقنون بأنَّ زمن ظهور المعصوم لم يستمر، وأحاديث المعصومين في ذلك أُسِّست للغيبة المتوقَّعة على نحو الضرورة.
حينئذٍ يحقُّ للمؤمن أنْ يتساءل عن الطريقة الممكنة التي يستطيع من خلالها معرفة حكمه الشرعي في الحوادث الواقعة، بحيث تكون هذه الطريقة شرعية، تُؤمِّنه من العقوبة وترسم له طريق العمل وفق الشريعة الغرّاء.
وما كان القرآن الكريم ولا المعصومون (عليهم السلام) ليغفلوا هذه الحاجة، فجاء قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣) ليمضي قاعدة عقلائيَّة للمسلمين في ضرورة الرجوع إلى ذوي الاختصاص في تخصُّصاتهم.
كما وجاءت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لتُوضِّح مصاديق المتخصِّصين في المجال الدِّيني، ليرجع إليهم غير المتخصِّصين، وقد كان توضيح المصاديق على نحوين:
فمرَّة تمَّ توضيح ذلك بالتعيين الشخصي المباشر، من قبيل الإرجاع إلى أمثال زرارة وأبي بصير ويونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم والسفراء الأربعة في زمن الغيبة الصغرى.
ومرَّة كان من خلال إعطاء الضوابط المنهجيَّة التي تمنح من يتَّصف بها إمكانيَّة المرجعيَّة الدِّينيَّة نيابةً عنهم (عليهم السلام)، وذلك كما في حديث الإمام العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أنْ يُقلِّدوه»(١).
ومنه أيضاً ما ورد عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله»(٢).
ورغم وضوح المنهج، إلَّا أنَّه لم يسلم من المناوئين والمشكِّكين، ومن يبغون في الأرض فساداً، فظهرت أمس واليوم العديد من الحركات التي تُشكِّك المؤمنين بهذا المنهج العلمي، وأخذت بإلقاء الشُّبُهات، بل واختلاق الأحاديث ووضعها وتزويرها ليصرفوا المؤمنين عن الفقهاء الذين حملوا أعباء المذهب منذ غاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
بين يديك عزيزي القارئ كتاب غاية في الأهمّيَّة، إذ تعرَّض فيه مؤلِّفه سماحة الشيخ الفاضل جاسم الوائلي إلى بيان هذا المنهج العلمي الذي أسَّسه أهل البيت (عليهم السلام)، وبالدليل الذي لا يمكن لمنصف أنْ يُنكِره.
ثمّ تعرَّض إلى الشُّبُهات المطروحة حول (التقليد) وأجاب عنها بأُسلوب علمي رصين، وبالدليل المنضبط، وبعبارة علميَّة واضحة، وتعرَّض أثناء ذلك إلى بيان المغالطات التي اعتمد عليها المشكِّكون وبيَّن مواطن المغالطة فيها.
وهكذا استرسل لتثبيت مشروعيَّة التقليد في زمن الغيبة الكبرى في ذكر كلمات كبار علمائنا، ممَّن ادَّعى المشكِّكون أنَّهم قالوا ببطلان التقليد، وغيرها من المفردات المهمَّة التي ستجدها في ثنايا هذا السِّفْر.
ونحن إذ نُقدِّم هذا الكتاب للمؤمنين نبتهل إليه (عزَّ وجلَّ) أنْ يتقبَّل منّا ومن سماحة المؤلِّف أعمالنا، وأنْ يجعل ذلك ذخراً لنا وله يوم القيامة، وأنْ يمنَّ علينا بنظرة عطف ورحمة من المولى المنتظر (عجَّل الله فرجه).
كما وندعو المؤمنين إلى ضرورة الاهتمام الزائد في قضيَّتهم الأُمِّ - اليوم - وأنْ يبذلوا قصارى جهدهم لمعرفة الحقِّ فيها من خلال الرجوع إلى الثقات المتخصِّصين في هذا المجال.
نسأله تعالى أنْ يمنَّ علينا بطلعته (عجَّل الله فرجه) البهيَّة، وأنْ يجعلنا من الممهِّدين لدولته، وأنْ نُدرِك ظهوره على سلامة من ديننا.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.
مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
نظرٌ فاحصٌ وبحثٌ حافلٌ
بين ما يراه العقل والشرع من أنَّ التقليد نوعٌ من التعلُّم
وما يراه دعاة ترك التقليد من كونه تقييداً للعقل
أو من قبيل تقليد الآباء والكبراء الذي نهى عنه الشرع المبين
وقد رُوعي في لغة الطرح
ما يليق بالبحث الفقهيِّ مهما أمكن
ومستوى فهم الوسط الجامعي

الإهداء

إلى أُمناء الرُّسُل، وورثة الأنبياء، وحُجَج الأوصياء..
الذين كانوا يُلقُون إليهم الأُصول، فكانوا عليها يُفرِّعون..
إلى أُولئك العلماء الفقهاء الرَّبّانيِّين من الأوَّلين والآخرين..
إلى المُتوَلِّين كفالةَ أيتامِ آل محمّد (صلوات الله عليه وآله أجمعين)(٣)..
وما هذا الإهداء إلَّا نزرٌ يسير من أداء واحدٍ من أيتامهم لواجب الوفاء..

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين محمّد وآله الهداة المعصومين.
وبعد؛ فقد أدرك العدوُّ قبل الصديق أهمِّيَّة دور المرجعيَّة الدِّينيَّة عند الشيعة الإماميَّة، ومكانتها العظيمة في نفوسهم، وتتَّضح أهمِّيَّة دورها في مواطن عديدة، كوقوفها بوجه أعداء الإسلام، وإفشالها لمخطَّطاتهم، لما تتمتَّع به من سلطة روحيَّة بمقدورها أنْ تُحرِّك الجماهير بإشارة منها متى ما شاءت، وأين ما شاءت.
وقد ازداد الأمر وضوحاً بعد احتلال الأمريكان لأرض العراق، بذريعة الإطاحة بطاغية الزمان - صدام المقبور - وتخليص الشعب منه، فقد أدركوا أنَّ كلَّ ما بذلوه وما سيبذلونه في مستقبل الأيّام لتحقيق مصالحهم سيذهب أدراج الرياح، وذلك بسبب وجود تلك السُّلطة الرُّوحيَّة لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تُسمَّى بالمرجعيَّة الدِّينيَّة.
ومن أجل ذلك سعى العدوُّ - وما يزال يسعى - إلى زحزحة مراجع الدِّين عن مكانتهم التي لهم في نفوس أتباعهم، وإسقاط الهالة القُدسيَّة التي تحيط بمقامهم، فعمدت إلى تحريك بعض مؤسَّساتها لنشر الإلحاد والدعوة إليه بمختلف الطُّرُق، مع إتاحة جميع الإمكانات للتواصل مع طبقة الشباب من خلال غرائزهم وشهواتهم وتطلُّعاتهم الحياتية الأُخرى، فهيَّأت لهذا الغرض مختلف الأسلحة النفسيَّة، من فضائيَّات متحلِّلة من جميع القِيَم، ومواقع إباحيَّة، ومراكز اختلاط بين الجنسين، ودورٍ للدعارة، وغير ذلك ممَّا أعدُّوه لهذا الغرض بصورة مدروسة تحت مسمَّى الحرّيَّة تارةً، وحقوق الإنسان تارةً أُخرى، وغيرهما من مختلف العناوين، وذلك ليسحبوا بظنِّهم البساط من تحت المرجعيَّة الدِّينيَّة، وتبديل سلطتها الرُّوحيَّة المهيمنة على نفوس المؤمنين بها - لاسيّما الشباب منهم - بسلطة شهواتهم الغريزيَّة، ومناغاة تطلُّعاتهم الأنانيَّة.
وقد وقفت الحوزة العلميَّة بتوجيه فقهائها وأساتذتها بحزمٍ لتقصف مواقع هذه الحركات بقذائف أدلَّتها العلميَّة المسكتة، وحُجَجها العقليَّة المتقنة، فصانت وعصمت عقول كثيرٍ من الشباب المؤمنين بها وغيرهم، وحفظت لهم دينهم من تشكيكات المنحرفين، وتضليلات المُضلِّين من شياطين الإنس.
ولمَّا رأى العدوُّ أنَّ جهوده قد باءت بالفشل هذه المرَّة أيضاً عمد إلى تحريك جنودٍ آخرين ليقودوا حملة مسعورة ضدَّ عدوِّهم الأوَّل والأشرس، أعني فقهاء الإماميَّة في العراق، وعلى رأسهم المرجعيَّة العليا، فظهرت حركة من داخل الطائفة من مجنَّدي لندن وواشنطن وباريس وغيرها من عواصم المؤامرات، لتهاجم ثوابت المذهب من جهة، وعموم الفقهاء من جهة أُخرى، والمرجعيَّة العليا من جهة ثالثة.
ثمَّ ازداد نشاط تلك الحركة تزامناً مع الانتصارات التي حقَّقها الشعب العراقي بجيشه، وقوّاته الأمنية، والتشكيلات المقاتلة إلى جنبهما، وفي مقدِّمتها عشرات الآلاف من جنود المرجعيَّة، من مجاهدي الحشد الشعبي الذين هبُّوا لامتثال حكمها بوجوب الدِّفاع الكفائيِّ، والذي صدر يومَهَا من المرجع الأعلى آية الله العظمى سماحة السَّيد عليِّ الحسينيِّ السِّيستانيِّ (دام ظلُّه الشريف)، وذلك إبَّان غزو بعض مُدُن العراق من قِبَل ما يُسمَّى بتنظيم الدولة الإسلاميَّة في العراق والشَّام، والمعبَّر عنه مختصراً باسم (داعش).
وقد استطاع (دام ظلُّه) بذلك الحكم أنْ يُوحِّد جميع أبناء الشعب تحت عنوان واحد، وتحريكهم نحو هدف فارد، وهو الدفاع عن العراق أرضاً وعرضاً وشعباً ومقدَّساتٍ، فزاد هذا الأمرُ من حنق الأعداء واستيائهم من المرجعيَّة، كما زاد خوفهم على مصالحهم من الضَّياع، فسَعَوا بكلِّ جهدهم للفصل بين المرجعيَّة وقاعدتها الجماهيريَّة، من خلال إشاعة بعض الشُّبُهات لتشويه صورة الفقهاء عموماً والمراجع خصوصاً، لزحزحة مكانتهم في نفوس أكبر عدد ممكن من المؤمنين، لاسيّما بعض العوامِّ الذين ليست لديهم القدرة على دفع ما يثيره العدوُّ من تشكيكات ودعايات.
ومن بين تلك الشُّبهات: ما زعموه من عدم وجود دليلٍ على مشروعيَّة تقليد الفقهاء، ومحاولة التشكيك في صلاحيَّة ما يُستدلُّ به على المشروعيَّة، لينفرط بذلك عِقد الشيعة بعد أنْ كانوا مجتمعين خلف قيادة ربَّانيَّة بمقدورها أنْ تحمي للشيعة خصوصاً ولبقيَّة العراقيِّين عموماً سيادتهم، واستقلالهم، وتصون كرامتهم، وتحفظ ثرواتهم من أيدي الغزاة وأذنابهم، ورغم هذا فقد أثَّرت محاولة العدوِّ في صفوف بعضٍ من الجهلة والسُّذَّج، وبعضٍ آخر من مرضى القلوب الذين يسارعون إلى تصديق كلِّ ما يثار حول رجال الدِّين، لاسيّما المراجع منهم، وانضمَّ إليهم فريق ثالث من بعض المنحرفين فكريًّا، كبعض العَلْمَانيِّين، ولفيفٍ ممَّا يُسَمُّون أنفسهم بالمدنيِّين، وكأنصاف المثقَّفين، ناهيك عن المناهضين لمراجع الدِّين قبل ظهور هذه الحركة.
ومن هنا فقد رغب إليَّ أحد المؤمنين (أعزَّه الله) في صفحتي على الفيس بوك أنْ أتعرَّض لبيان أدلَّة مشروعيَّة التقليد، ودفع الشُّبُهات عنها، لينتفع بها المؤمن الصادق في إيمانه، وتكون حجَّة على المنكِر المغترِّ ببعض مغالطاته، عسى أنْ يجعلها الله (سبحانه وتعالى) سلاحاً يدافع به المؤمنون أعداء الدِّين، وسبباً لنجاة المغرَّر بهم ممَّن لا يُفرِّقون بين حقَّانيَّة الأقوال وجمالها، فيحسبون الجميل من القول حقًّا، وما هو من الحقِّ في شيءٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ (البقرة: ٢٠٤).
وقد وفَّقني الله تعالى لإجابة مسؤوله في سبعين حلقة بعنوان (القول السَّديد في مشروعيَّة التقليد)، مراعياً في مستوى الطرح أنْ يكون لائقاً مهما أمكن بطبيعته كبحث فقهيٍّ من جهة، وملائماً لمستوى الوسط الجامعي من جهة أُخرى، لأنَّ الطرح في مستواه التخصُّصي لا ينتفع منه إلَّا ذوو الاختصاص، وهم ليسوا في معرض الابتلاء بشبهة حرمة التقليد أصلاً، والطرح دون المستوى الجامعي يقتضي تطويل البحث أضعافاً مضاعفة بحسب لغة التواصل الاجتماعي، ويحتاج تحريره إلى عدَّة مجلَّدات، وبالتالي سوف يعزف عن قراءته - فضلاً عن اقتنائه - أغلب المحتاجين إليه.
ثمَّ رغب إليَّ بعضهم أنْ أجمع تلك الحلقات في كتاب، ليتمَّ الانتفاع بها بنحو أوسع من خلال نشرها في كتاب، فأجبتهم إلى طلبهم.
ولكنِّي أجريت على البحث جملة من التعديلات في صياغته، والحذف، والإضافة، ليتلائم مع طبيعة عالم الكُتُب المختلف مع طبيعة عالم النت، ومن دون مساس بالمضمون، وأسميته: (مرجعيَّة الفقهاء في زمن الغيبة).
وقد تَبنَّى مركزُ الدِّراسات التخصُّصِيَّة في الإمام المهديِّ (عجَّل الله فرجه) طباعة الكتاب على نفقته خدمةً لأيتام آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فجزاهم الله عنِّي وعن سائر المؤمنين خير جزاء المحسنين.
هذا، ويقع الكتاب في تمهيدٍ، وفصول ثلاثة، وخاتمة.
أمَّا التمهيد فيتناول معنى التقليد، وأقسامه، وما يجوز منها، وما لا يجوز.
وأمَّا الفصل الأوَّل فيتناول أدلَّة مشروعيَّة التقليد في الأحكام الفقهيَّة.
وأمَّا الفصل الثاني فيتناول تاريخ مرجعيَّة الفقهاء، ومكانتها.
وأمَّا الفصل الثالث فقد خُصِّص للإجابة على جملة من شُبُهات منكري التقليد، وإشكالات بعض المعلِّقين على البحث في صفحة الفيس.
وأمَّا الخاتمة فتشتمل على نصيحةٍ للمؤمنين المتأثِّرين بشُبُهات ومغالطات منكري التقليد.
وأسأل الله تعالى أنْ يُوفِّقني لإتمامه، ويجعله ذخراً لآخرتي، وأنْ ينفع به المؤمنين كافَّة، وأنْ يغفر لي ولوالديَّ وولدي وأهلي وجميع المؤمنين والمؤمنات، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.

جاسم الوائلي - النجف الأشرف

تمهيد: في معنى التقليد، وأقسامه:
معنى التقليد:
التقليد بمعناه العامِّ الشَّامل لباب الأحكام الشَّرعيَّة وغيرها هو: (متابعة شخصٍ لغيره في فعلٍ أو قولٍ من دون أنْ يعرف مستنده في اختياره لذلك الفعل أو القول).
ومن أمثلته: متابعة المريض لقول الطبيب فيما يأمره بفعله، كشرب دواء معيَّنٍ، أو فيما يأمره بتركه، كترك أكلة معيَّنةٍ، فيتابعه في كلِّ ما يقول له بخصوص مرضه، مع أنَّه لا يعرف ما هو مستند الطبيب فيما قاله.
ومن أمثلته الواضحة: متابعة العامِّيِّ للفقيه في كُلِّ ما يفتي به، فلو قال الفقيه بوجوب شيءٍ فالعاميُّ يقول بوجوبه أيضاً متابعةً منه لذلك الفقيه فيما قاله، ومن دون أنْ يعرف ما هو دليل الفقيه على ذلك الوجوب.
وكذا لو أراد العامِّيُّ أنْ يعرف حكم شرابٍ معيَّنٍ هل يجوز شربه أو لا؟ فرأى مرجعه يشرب من نفس ذلك الشَّراب، فإنَّ العامِّيَّ سوف يفهم من فعل المرجع أنَّ شربه جائز، فيتابعه في فعله، ويشرب من ذلك الشَّراب من دون أنْ يعرف ما هو دليل مرجعه على جواز شربه.
أقسام التقليد:
وينقسم التقليد إلى قسمين:
١ - التقليد غير المبرَّر.
وهذا كما يصنعه السفهاء ممَّن أشار إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رُوي عنه في النهج: «وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ»(٤)، وما أكثر هؤلاء في كلِّ زمان.
وما من عاقل إلَّا ويستهجن هذا القسم من التقليد، بل إنَّ قبحه من الواضحات التي لا تحتاج إلى دليل، ولك أنْ تُسمِّيه بـ(التقليد الأعمى).
٢ - التقليد المبرَّر.
وهو رجوع غير المُختصِّ إلى المُختصِّ، ويُعبَّر عنه برجوع الجاهل إلى العالم، أي رجوع الجاهل في شيءٍ إلى العالم بذلك الشيء.
وأمثلة هذا القسم لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وهو ممَّا حكم العقل بحسنه، وأمر الشرع به، وجرت عليه سيرة العقلاء، ولك أنْ تُسمِّيه بـ(التقليد الواعي).
ومن نهى جاهلاً في شيءٍ عن الرجوع إلى العالم به فهو إمَّا معتوه، وإمَّا مغرض مفسد يبتغي من وراء نهيه تحقيقَ هدفٍ ما، وإلَّا فأيُّ عاقلٍ ينهى مريضاً لا يدري ما داؤه وما دواؤه عن مراجعة الطبيب المختصِّ؟!
وتقليد العوامِّ للفقهاء في مجال الأحكام الفرعيَّة هو من قبيل التقليد المبرَّر والواعي، وقد حكم بمشروعيَّته كافَّة مذاهب المسلمين.
أمَّا الإماميَّة فواضح، وأمَّا بقيَّة المذاهب فقد أغلقت باب الاجتهاد، وأوجبت الرجوع في أخذ الأحكام إلى أربعة من فقهائهم، وهم: مالك، وأبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل.
أقسام التقليد الواعي:
وينقسم التقليد الواعي إلى قسمين:
١ - التقليد في الأُمور العمليَّة، وهو: (متابعة غير الخبير في فعلٍ من الأفعال لمن هو خبيرٌ في ذلك الفعل ثقةً بخبرته).
والمبرِّر لهذا التقليد: فقدانُ الخبرة لدى التابع، ووجودُها لدى المتبوع.
ومن هذا القبيل تقليد أصحاب المِهَن والحِرَف والفنون، فإنَّ العامل يتبع فعل الأُستاذ في تلك الحِرفة ليُتقِن الصَّنعة، ويستفيد من خبرته فيها، كما في مِهنة الخياطة، والنِّجارة، والحِدادة، والبناء، وإصلاح المكائن والمركبات، وكذا في مجال السينما، والمسرح، والفنون التشكيليَّة من الخطِّ، والرسم، والنحت، والتطريز، وغيرها، وكذا في مختلف فنون الأدب، إلى غير ذلك ممَّا لم نذكره.
ولو أنَّ شخصاً تعاطى مهنة الخياطة مثلاً قبل أنْ يُتقِنها فإنَّ العقلاء يلقون باللَّوم عليه، ويحكمون بأنَّه ضامن لما يتلفه بسبب جهله.
ولذا ترى كثيراً من العقلاء يشترطون على الأُستاذ أنْ يباشر العمل بنفسه فيما لو كانوا يشكُّون في قُدُرات عامله.
وقد جرت سيرة العقلاء - بمختلف أديانهم ومعتقداتهم - على الرجوع إلى ذوي الاختصاص في جميع تلك المجالات، ومن رجع فيها إلى غير المختصِّين كان مَلوماً عند العقلاء، حتَّى لو جاءت النتيجة في صالحه وكما يريد.
٢ - التقليد في الأُمور العلميَّة، وهو: (متابعة الجاهل بشيءٍ لقول العالم به من دون معرفة مستنده ثقةً بعلمه).
والمبرِّرُ هنا هو: فقدان العلم لدى التابع، ووجدانه لدى المتبوع.
ومن هذا القبيل متابعة العقلاء لأصحاب العلوم فيما توصَّلوا إليه من نتائج والأخذ بقولهم فيها من دون مطالبتهم بالدليل على ما يقولون، باعتبار أنَّهم ذوو اختصاصٍ في تلك العلوم، وأمثلته كثيرةٌ جدًّا يتعسَّر، بل يتعذَّر حصرها.
فمنها: متابعة العقلاء لعلماء الفيزياء فيما توصَّلوا إليه في مسائل هذا العلم، كقولهم: (لكلِّ فعلٍ رَدَّةُ فعلٍ تساويه في القوَّة وتعاكسه في الاتِّجاه)، من دون أنْ يطالبوهم بدليل على هذه القاعدة، لكونهم ذوي اختصاص في علم الفيزياء.
ومنها: متابعتهم لما قيل في علم الطبِّ من أنَّ شرب الشاي بعد الأكل مباشرةً هو من أسباب قلَّة امتصاص المعدة للحديد، ومن دون أنْ يطالبوهم بدليل على صحَّة مقالتهم هذه.
وتقليد العوامِّ للفقهاء يندرج في هذا القسم من التقليد الواعي، أعني التقليد في الأُمور العلميَّة، حيث يأخذون الأحكام الفقهيَّة من الفقهاء بما أنَّهم أصحاب الاختصاص في علم الفقه، فإنَّ العلوم الدِّينيَّة منها ما يتناول المسائل العقديَّة، ومنها ما يتناول المسائل الأخلاقيَّة، ومنها ما يتناول المسائل الفقهيَّة، والعوامُّ إنَّما يتابعون الفقهاء في خصوص المسائل الفقهيَّة، وأمَّا حكم التقليد في غيرها فهذا ما سوف نُبيِّنه في البحث الآتي تفصيلاً.
أقسام التقليد في المسائل الدِّينيَّة:
ينقسم التقليد في المسائل الدِّينيَّة إلى ثلاثة أقسام:
١ - التقليد في المسائل العقديَّة.
٢ - التقليد في المسائل الأخلاقيَّة.
٣ - التقليد في المسائل الفقهيَّة.
وبيان حكمه في كلِّ قسم من هذه الأقسام يحتاج إلى تفصيل، وبيان كلِّ قسم على حِدَة.
التقليد في المسائل العَقَدِيَّة:
أمَّا المسائل العقدية فهي عبارة عن: مجموع القضايا التي ينبغي للإنسان أنْ يؤمن بها، أو بخلافها.
وقد بحثها العلماء لإثبات ما هو حقٌّ منها، وإبطال ما ليس بحقٍّ من خلال الدليل، لا من خلال الآراء والأهواء، ومن دون متابعة للآباء والكُبَرَاء.
وعلى رأس تلك المسائل ما يُبحَث فيها عن وجود الخالق لهذا العالم، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ولزوم بعثه للأنبياء، ونصبه للأوصياء، وبعثه للأموات ليوم الحساب والجزاء.
والمسائل العقديَّة نوعان:
النوع الأوَّل: المسائل الأساسيَّة، وهي التي يبتني الدِّين على الاعتقاد بها، والتي يلزم من إنكارها الكفر، وتُسمَّى بـ(الأُصول)، ولذا كان تحصيل الاعتقاد بها واجباً بحكم العقل، لأنَّ مصير الإنسان يتحدَّد بها.
والأُصول خمسة: التوحيد، والعدل، والنبوَّة، والإمامة، والمعاد.
ثلاثةٌ منها يُعبَّر عنها بأُصول الدِّين، لأنَّ الإسلام يتوقَّف على الاعتقاد بها، وهي: التوحيد، والنبوَّة، والمعاد، ولذا لو أنكر المسلم واحداً منها فقد خرج عن الإسلام.
وواحد منها مشترَك بين فرقتين من المسلمين، وهما الإماميَّة والمعتزلة، وهو العدل الإلهي، فمن اعتقد بما يخالفه كان خارجاً عن هاتين الفرقتين، كالأشاعرة، ولكنَّه لا يخرج عن الإسلام.
وواحد مختصٌّ بمذهب الإماميَّة، وهو أصل الإمامة، أي الاعتقاد بوجوب نصب الشرع للإمام بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من خلال النصِّ عليه، وأنَّ منصب الإمامة منحصر في اثني عشر معصوماً من أهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أوَّلهم عليُّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، وآخرهم الحجَّةُ بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، فمن أنكر إمامتهم أو إمامة بعضهم أو أضاف إليهم غيرهم من أهل البيت (عليهم السلام) أو الصحابة أو غيرهما فهو خارج عن مذهب الإماميَّة الاثني عشريَّة، وداخل في أحد المذاهب الأُخرى.
النوع الثاني: ما يُسمَّى بالفروع، وهي ما عدا الأُصول، كالإيمان ببعض تفاصيل عالم البرزخ، أو النشور، أو البعث، أو الحشر، أو الصراط، أو تفاصيل ما في الجنَّة والنار، أو غير ذلك من القضايا الجزئيَّة، ومنها الاعتقاد بالرجعة.
ومسائل هذا النوع لا يجب تحصيل الدليل لأجل الاعتقاد بها، ولكن لو صادف قيام الدليل عليها فيجب على من قام الدليل عنده أنْ يعتقد بها، لأنَّه لو أنكرها فيكون قد أنكر ذلك الدليل، كما لو كان آيةً، أو روايةً، فيكون إنكاره ردًّا على تلك الآية، أو الرِّواية.
مثاله: أنَّ الجنَّة والنار ممَّا يجب على كلِّ مسلم أنْ يعتقد بوجودهما، لأنَّ إنكارهما موجب لإنكار المعاد، وهو من أُصول الدِّين، وإنكاره موجب للخروج من الإسلام، وكذلك هو تكذيب للقرآن وللنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) اللَّذين أخبرا بوجود الجنَّة والنار، وتكذيب القرآن والنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) موجب لإنكار نبوَّته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، والنبوَّة من أُصول الدِّين، وإنكارها موجب للخروج من الإسلام.
هذا لو أنكر المسلم وجود الجنَّة والنَّار، وأمَّا تفاصيل الجنَّة والنار، وصفاتهما، وما فيهما فتلك قضايا أُخرى لا يجب تحصيل العلم بها، نعم لو صادف أنْ قام الدليل عند مسلم على شيءٍ منها وجب عليه الاعتقاد به، كما لو بحث في مسألة الرجعة - مثلاً - ووجد أدلَّتها تامَّة، فلو أنكرها بعد ذلك فيكون قد أنكر دليلها، فإنْ كان الدليل آيةً أو روايةً عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فقد خرج من الإسلام، لأنَّه قد ردَّ قول الله تعالى، أو قول رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكلٌّ منهما موجب للخروج من الإسلام، ولو كان الدليل روايةً عن أحد الأئمَّة (عليهم السلام) فردُّها موجب للخروج من مذهب الشيعة، لا من الإسلام.
ولا يتحقَّق الاعتقاد بأيَّة مسألة عقديَّة - من الأُصول أو الفروع - إلَّا إذا حصل اليقين أو الاطمئنان بها، ولا يحصل ذلك إلَّا من خلال الدليل المفيد للقطع، أو الاطمئنان.
وأمَّا الدليل الظنيُّ فلا يكفي لتحصيل القطع، ولا الاطمئنان بشيءٍ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦).
وحيث إنَّ التقليد لا يفيد القطع ولا الاطمئنان فلا يمكن أنْ يتحقَّق الاعتقاد بأيَّة مسألة عقديَّة من خلال التقليد مهما كانت الرتبة العلميَّة لذلك العالم الذي يُقلَّد فيها.
ومن موارد الاطمئنان ما لو اتَّفق جميع العلماء على مسألةٍ عقديَّةٍ فرعيَّةٍ، لأنَّ اتِّفاق الجميع يفيد عادةً الاطمئنان بحقَّانيَّة تلك المسألة، واتِّباع العامِّي لأُولئك العلماء لا لكونهم علماء، بل هو اتِّباع للاطمئنان الذي حصل عنده بسبب إجماعهم على تلك المسألة، ومن المعلوم أنَّ الاطمئنان حجَّة، فيجوز للعامِّي المطمئنِّ متابعة اطمئنانه.
مثاله: ما لو وجد الإماميُّ جميع علماء الإماميَّة متَّفقين على أنَّ الرجعة ستقع في آخر الزَّمان، فلا يحتاج إلى البحث في المسألة بنفسه ما دام قد حصل له الاطمئنان بذلك من خلال اتِّفاق الجميع عليها، اللَّهُمَّ إلَّا لزيادةٍ في الاطمئنان.
والخلاصة: أنَّ المسائل العقديَّة لا حاجة فيها إلى التقليد، بل لا يصحُّ فيها ذلك، لاسيّما الأُصول، كما نهت عنه جملة من الآيات والرِّوايات، وذمَّت الذين اتَّخذوا آلهةً من دون الله تقليداً منهم لآبائهم أو كبرائهم، كما حكى عنهم القرآن في قوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٢).
التقليد في المسائل الأخلاقيَّة:
وأمَّا المسائل الأخلاقيَّة فهي: مجموع القضايا التي تتناول ما ينبغي للإنسان أنْ يتحلَّى به من الخصال الممدوحة، كالعلم، والحلم، والتواضع، والسخاء، والصبر، وغيرها من الصفات التي يستحقُّ بها مدح العقلاء.
كما تتناول ما ينبغي أنْ يتخلَّى منه من الخصال المذمومة، كالجهل، والتكبُّر، والبخل، والتهوُّر، والحسد، وغيرها من الصفات التي يستحقُّ بها ذمَّ العقلاء.
والمسائل الأخلاقيَّة - في الأعمِّ الأغلب - هي قضايا فطريَّة لا يحتاج العلم بها إلى دليل يدلُّ عليها من الكتاب أو السُّنَّة، بمعنى أنَّ النصوص جاءت لتُؤكِّد أكثرها، وليست في مقام تأسيس أخلاقٍ لا يعرفها العقلاء إلَّا ما ندر.
ولذا ترى العلماء قديماً وحديثاً لا يتشدَّدون في أسانيد روايات الأخلاق، لأنَّ مضامينها غالباً متطابقة مع الفطرة السليمة، ومع تعاليم الإسلام العامَّة وخطوطه العريضة، كما أُشير إلى هذه الحقيقة في الحديث النبوي المعروف: «إنَّما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق».
ومن هنا جاز رجوع العوامِّ إلى كثير من الرِّوايات الأخلاقيَّة والتربويَّة، من دون حاجة إلى تقليد الفقهاء فيها، كأكثر ما روي عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في نهج البلاغة، من قبيل قوله (عليه السلام): «خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ»، وقوله (عليه السلام): «إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ»(٥)، وغيرهما من النصوص الكثيرة.
هذا، ولكن يلزم الالتفات إلى أنَّ حدود بعض الخصال الممدوحة ربَّما تصطدم مع الحكم الشرعيِّ، وفي مثلها تلزم ملاحظة ذلك الحكم.
فربَّما تخيَّل بعضٌ أنَّ ترك التقيَّة في مواردها شجاعةٌ، والحال أنَّ التقيَّة في مواردها واجبةٌ شرعاً، فتركها في تلك الموارد ليس شجاعةً، بل هو تهوُّر من الناحية الأخلاقيَّة، وحرام من الناحية الفقهيَّة.
أو تخيَّل أنَّ التواضع خصلةٌ ممدوحةٌ حتَّى مع المتكبِّرين، وأنَّ التكبُّر عليهم خصلةٌ مذمومةٌ، مع أنَّ العكس هو الصحيح.
التقليد في المسائل الفقهيَّة:
وأمَّا المسائل الفقهيَّة فهي القضايا المتكفِّلة لبيان الأحكام الشرعيَّة المتعلِّقة بأفعال المكلَّفين وتروكهم، كالمسائل المتكفِّلة لأحكام باب الصلاة، كبيان أجزائها، وشرائطها، ومبطلاتها، وهي أحكام تربو على المئات، وكذلك أحكام بقيَّة الأبواب، من الصَّوم، والزَّكاة، والخُمُس، والحَجِّ، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبيع، والرِّبا، والإِجارة، والنِّكاح، والطَّلاق، والمَوَاريث، والوَصَايا، والوَقف، والقضاء، والدِّيَات، وغيرها ممَّا تبلغ آلاف المسائل التي يحتاج استنباطها من مصادر التشريع إلى التفرُّغ لعشرات السنين.
والواجب على كلِّ مسلمٍ أنْ يمتثل جميع الأحكام التي يُبتلى بها في حياته، ومن البديهي أنَّ امتثالها يتوقَّف على العلم بها أوَّلاً، وحيث لا يمكن من الناحية العمليَّة أنْ يُعطِّل جميع المكلَّفين حياتهم ويتفرَّغوا للاشتغال باستنباطها، فتعيَّن أنْ تتفرَّغ جماعةٌ لهذه المَهمَّة، وعلى الباقين الأخذ منها، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
وهذه البداهة وإنْ كانت تكفي لوحدها دليلاً قطعيًّا على مشروعيَّة التقليد إلَّا أنَّ الشُّبُهات التي يُلقيها الجاهلون ومن قبلهم المغرضون قد وجدت طريقها إلى أذهان بعض العوامِّ، فكان لا بدَّ من التفصيل في ذلك، وتأكيد تلك البداهة بمختلف الأدلَّة، كهذه الآية الكريمة، وغيرها، وذلك زيادةً في الاحتجاج على المعاند، وتقويةً لقلب الضعيف من عوامِّ المؤمنين (أعزَّهم الله).
وقبل الاستدلال على المشروعيَّة يجدر أوَّلاً تمييز الأحكام الفقهيَّة التي يكون فيها التقليد مشروعاً وفرزها عن الأحكام التي لا يشرع فيها التقليد.
أقسام الأحكام الفقهيَّة:
ولتفصيل ما تقدَّم لا بدَّ من الالتفات أوَّلاً إلى أنَّ مجال التقليد منحصرٌ بالأحكام التي لا يمكن التفرُّغ لاستنباطها من قِبَل جميع المكلَّفين، كما نبَّهنا عليه آنفاً، وهذا يعني أنَّ الأحكام التي يجب تعلُّمها من أجل امتثالها على قسمين:
١ - ما لا يتوقَّف العلم بها على الاجتهاد، ويمكن أنْ نصطلح عليها اسم (الأحكام الواضحة).
٢ - ما يتوقَّف العلم بها على الاجتهاد، ويمكن أنْ نصطلح عليها اسم (الأحكام الاجتهاديَّة).
أمَّا الأحكام الواضحة فتنحصر في دائرةٍ ضيِّقة، وتُشكِّل نسبةً ضئيلةً جدًّا من بين مجموع الأحكام، كوجوب الصلوات اليوميَّة مثلاً، ووجوب صوم شهر رمضان، والزكاة، والخُمُس، والحجِّ، والجهاد، وغيرها من الأفعال التي وجوبها من واضحات الدِّين، أو المذهب.
وكحرمة قتل النفس المحترمة، والزِّنا، واللواط، والسَّرقة، وشرب الخمر، وغيرها من المحرَّمات التي يتساوى في العلم بحرمتها الفقهاءُ والعوامُّ.
وكاستحباب إعانة الفقراء والمساكين، وبناء مأوى للأيتام أو المسنِّين، وإماطة الأذى عن طريق المستطرقين، أو بناء مدرسةٍ، أو مشفى، أو تعبيد طريقٍ، أو غير ذلك ممَّا لا يختلف مؤمنان في استحبابه في شرع الإسلام، أو المذهب.
وهذا القسم من الأحكام لا حاجة فيه إلى تقليد الفقهاء بعد كونه من الواضحات المستغنية عن عمليَّة الاستنباط.
وأمَّا الأحكام الاجتهاديَّة فهي الغالبيَّة العظمى من الأحكام الشرعيَّة، بحيث لو قيل: إنَّها تُشكِّل نسبة تسعة وتسعين بالمائة من مجموع الأحكام لكانت قليلةً، لأنَّها أكثر من ذلك قطعاً.
وقد ذكرنا فيما سبق أنَّه لا بُدَّ من امتثال جميع الأحكام الشرعيَّة التي يُبتلى بها المكلَّف طيلة عمره، ومنها هذا القسم الذي ذكرنا أنَّه يُشكِّل الغالبيَّة العظمى من بين الأحكام الشرعيَّة، وذكرنا أيضاً أنَّ امتثالها يتوقَّف على العلم بها أوَّلاً.
طُرُق امتثال الأحكام الاجتهاديَّة:
ذكرنا أنَّ امتثال الأحكام الاجتهاديَّة يتوقَّف على العلم بها أوَّلاً، وهنا نقول: إنَّ العلم بها في زمان الغيبة الكبرى يتوقَّف على طريقين لا ثالث لهما: إمَّا الاجتهاد، أو التقليد للمجتهد، فلو لم يجتهد المكلَّف ولم يُقلِّد من كان مجتهداً فلا يمكنه امتثال الأحكام وتفريغ ذمَّته منها إلَّا من خلال الاحتياط فيها.
وبهذا يتَّضح: أنَّ طُرُق الامتثال من الناحية النظريَّة ثلاثة، ولذا لا بدَّ من بيان حقائق هذه الطُّرُق تفصيلاً، وبما يتناسب مع الفهم العامِّ.
الطريق الأوَّل: الاجتهاد:
أمَّا الاجتهاد فهو عبارة عن: (استنباط الأحكام الشرعيَّة من مصادر التشريع، كالكتاب، وروايات المعصومين (عليهم السلام)).
والمجتهد هو من لديه القدرة على الاستنباط المذكور.
والقدرة على الاستنباط لا تحصل إلَّا بعد تحصيل أدوات الاستنباط في مختلف أبواب الفقه.
وأدواته هي العلوم التي يلزم إتقانها من خلال دراسةٍ مطوَّلةٍ ومعمَّقةٍ.
وإتقانها لا يتحقَّق في الغالب إلَّا بعد مرور سنوات طوال قد تصل في المتوسَّط إلى ما لا يقلُّ عن ثلاثين سنة من التحصيل والتفرُّغ لدراسة تلك العلوم على أساتذة الحوزة العلميَّة.
ورغم هذا كلِّه فإنَّ الذين يتمكَّنون من إتقانها في كلِّ جيل بحيث يبلغون بها رتبة الاجتهاد لا يزيدون على خمسة بالمائة من مجموع طلبة العلم، والخمسة كثير، فإنَّ الغالبيَّة السَّاحقة منهم وفي كلِّ حقبة وجيل يرحلون عن هذه الدنيا من دون أنْ يصلوا إلى هذه الرتبة.
وهذا يعني أنَّ طلبة الحوزة في جميع المراحل السابقة على الاجتهاد يبقون في شريحة المقلِّدين، بمن في ذلك طلبة البحث الخارج(٦).
نعم ربَّما يختار بعضهم طريق الاحتياط في بعض المسائل، فلا يكون فيها من المجتهدين ولا من المقلِّدين، وفي بعضها الآخر يكون مقلِّداً كبقيَّة العوامِّ.
الطريق الثاني: التقليد:
وأمَّا التقليد فهو عبارة عن: (أخذ العامّي بفتوى المجتهد الجامع لشرائط الفتوى من دون مطالبته بالدليل عليها).
وبعبارة أُخرى هو: رجوع من لا قدرة له على الاستنباط إلى من له تلك القدرة، ولكن مع إضافة شروط أُخرى أهمّها العدالة.
والتقليد من الواضحات لدى العقلاء قاطبةً على مستوى المعنى، وعلى مستوى التطبيق الخارجي، وعلى مستوى المشروعيَّة.
فمعناه من الواضحات عندهم، ومصاديقه الخارجيَّة لا تخفى عليهم، ومشروعيَّته من البديهيّات في أحكامهم.
ولذا فهو لا يحتاج إلى بيان أزيد من هذا، وسوف يزداد وضوحاً لمن هو في شكٍّ منه خلال التعرُّض لأدلَّة مشروعيَّته.
الطريق الثالث: الاحتياط:
وهو عبارة عن: (العمل بحيث يقطع المكلَّف بفراغ ذمَّته).
والقطع بفراغ الذمَّة تارةً يتوقَّف على الإتيان بالعمل، وتارةً أُخرى يتوقَّف على تركه، وثالثةً يتوقَّف على تكراره.
مثال الأوَّل: ما لو أفتى فقيهٌ بوجوب الإقامة للصلاة، وأفتى فقيهٌ آخر بعدم وجوبها، ولا يتحقَّق الاحتياط بلحاظ الإقامة إلَّا بالإتيان بها.
ومثال الثاني: ما لو أفتى فقيه بحرمة التدخين، وأفتى آخر بجوازه، والاحتياط في ذلك يحقَّق بترك التدخين.
ومثال الثالث: ما لو أفتى فقيهٌ بأنَّ الصلاة في المكان الفلاني يجب الإتيان بها قصراً، وأفتى آخر بوجوب الإتيان بها تماماً، والاحتياط فيها يتحقَّق بالإتيان بها مرَّتين، مرَّة تماماً، وأُخرى قصراً.
الاحتياط مستحيل وممكن:
وينقسم الاحتياط إلى قسمين: مستحيل، وممكن.
أمَّا المستحيل فكما لو دار الحكم بين وجوب فعلٍ وحرمته، كما لو أفتى فقيهٌ بوجوب صلاة الجمعة تعييناً في زمن الغيبة، بمعنى عدم مشروعيَّة صلاة الظهر في يوم الجمعة، وأفتى فقيه آخر بعكسه، أي بوجوب صلاة الظهر تعييناً، وعدم مشروعيَّة صلاة الجمعة، فإنَّ العاميَّ لو أراد الاحتياط بين هذين القولين لم يمكنه ذلك، لأنَّه لو أتى بصلاة الجمعة فيحتمل أنَّه ارتكب محرَّماً، لاحتمال أنَّ الذي أفتى بحرمتها قد أصاب في فتواه، ولو تركها وأتى بصلاة الظهر فيحتمل أنَّه ترك واجباً، لاحتمال أنَّ الذي أفتى بوجوب صلاة الجمعة هو المصيب.
وفي مثل هذه الحالة ينحصر امتثال العاميِّ بالتقليد، ولا بديل له عنه، لانسداد طريق الاجتهاد عليه، لأنَّه عامِّيٌّ لا يقدر على الاستنباط، وانسداد طريق الاحتياط عليه أيضاً، لأنَّه مستحيل.
وأمَّا الممكن فقد تقدَّمت أمثلته، ولكنَّه ليس بهذه السُّهولة في جميع الموارد، ففي بعضها لا يخلو من تعقيد، وفي بعض آخر يكون صعباً ومتعسِّراً من الناحية العمليَّة، وإن كان سهلاً نظريًّا، وفي بعض ثالث يكون الاحتياط من عدَّة جهات لا من جهة واحدة، كما لو طلَّق زوجته بصيغة معيَّنةٍ وبعد انتهاء العدَّة علم أنَّ الفقهاء مختلفون في صحَّة تلك الصيغة التي طلَّق بها زوجته، فبعضٌ يُفتي بصحَّتها، وبعض يُفتي ببطلانها، وفي هذه الحالة يجب الاحتياط من عدَّة جهات:
منها: عدم المجامعة بعد انقضاء تلك العدَّة، لاحتمال صحَّة الطلاق، وصيرورتهما أجنبيين عن بعضهما.
ومنها: أنْ لا يتزوَّج من أُختها، لاحتمال بطلان طلاقها، وبقائها على الزوجيَّة، ولا يجوز الجمع بين الأُختين شرعاً.
ومنها: أنْ لا تتزوَّج من غيره بعد انقضاء العِدَّة، لاحتمال بطلان الطلاق، وبقائها على زوجيَّته.
إلى غيرها من جهات الاحتياط التي لا يمكن للغالبيَّة العظمى من العوامِّ أنْ يلتفتوا إليها، فلا يقدروا على الامتثال فيها إلَّا من خلال التقليد.
وهناك صور أُخرى للاحتياط تخفى على كثيرٍ من المكلَّفين، بل حتَّى على طلبة البحث الخارج، فيحتاجون في بيانها إلى الفقيه.
الاحتياط عامٌّ وخاصٌّ:
والاحتياط الممكن ينقسم إلى: عامٍّ، وخاصٍّ.
أمَّا العامُّ فهو الاحتياط في جميع المسائل الخلافيَّة.
وهذا القسم يختصُّ بمن له إحاطة بجميع المسائل الخلافيَّة، وله القدرة على تشخيص تلك المسائل، وهو أمر في غاية الصعوبة حتَّى على طلبة المراحل المتوسِّطة في الحوزة العلميَّة، بل من فوقهم، فما بالك بغير طلبة الحوزة؟!
ولذا فلا مجال لغير الفقيه أنْ يدَّعي القدرة على هذا القسم من الاحتياط، إلَّا أنْ يكون في عقله لوثة، وبحثنا هذا معقود للعقلاء فحسب، فانحصر الاحتياط الممكن لغير الفقيه في الاحتياط الخاصِّ ببعض المسائل.
وأمَّا الخاصُّ فهو الاحتياط في بعض المسائل دون بعض.
وهذا القسم هو في متناول جميع المكلَّفين من حيث المبدأ، وإنْ كانوا يختلفون من حيث عدد المسائل التي يتمكَّنون من الاحتياط فيها، فبعضٌ ربَّما يستطيع أنْ يحتاط في عشر مسائل مثلاً، وبعضٌ في عشرين، وبعضٌ في أقلِّ من ذلك، أو أكثر، وتبقى غالبيَّة المسائل الخلافيَّة خارجةً عن استطاعة العوامِّ، فيحتاجون فيها إلى التقليد، ولا بديل لهم عنه البتَّة.
الاحتياط حقيقيٌّ ونسبيٌّ:
وينقسم الاحتياط بتقسيم آخر إلى: حقيقيٍّ، ونسبيٍّ.
أمَّا الاحتياط الحقيقيُّ فبأنْ يحتاط المكلَّف في كلِّ مسألة شرعيَّة يوجد في حكمها احتمالات متعدِّدة، بما في ذلك الاحتمالات التي لم يذكرها الفقهاء، سواء كانت ممَّا يحتمله العقل، أو التي وردت في روايات لم يعمل بها الفقهاء بسبب تقدُّم غيرها عليها من الناحية العلميَّة.
وهذا يعني أنَّ الاحتياط الحقيقيَّ يتوقَّف على اطِّلاع المكلَّف على آراء جميع الفقهاء من أوَّل الإسلام إلى يومنا هذا، وعلى جميع النصوص الفقهيَّة من الآيات، والرِّوايات الفقهيَّة.
وهذا كالاحتياط العامِّ ليس في مقدور أحد من العوامِّ أنْ يدَّعي القدرة عليه، إلَّا إذا كان في عقله لوثة كما قلنا، بل هو أصعب من الاحتياط العامِّ بكثير، بحيث لو قيل بصعوبته حتَّى بلحاظ الفقهاء لم يكن فيه مبالغة، فما بالك بالعوامِّ؟!
وأمَّا الاحتياط النسبيُّ فبأنْ يحتاط المكلَّف بالنسبة إلى آراء الفقهاء فقط، من دون ملاحظة الاحتمالات الأُخرى الناشئة من العقل، أو النصوص.
أو بالنسبة إلى آراء الفقهاء المعاصرين فقط دون آراء الماضين منهم.
أو بالنسبة إلى آراء الفقهاء الذين تدور الأعلميَّة بينهم في عصره، دون آراء غيرهم من الفقهاء الخارجين عن دائرة الأعلميَّة.
وهذا القسم - كما هو واضح - على مستويات مختلفة، وتختلف قدرات المكلَّفين فيها، وأكثر العوامِّ تنحصر قدرتهم في المستوى الأخير، أعني الاحتياط بالنسبة إلى فتاوى من تدور الأعلميَّة بينهم، وأمَّا ما عدا ذلك من المسائل الخلافيَّة فلا طريق لهم غالباً سوى التقليد.
هذا آخر ما أردنا بيانه في هذا التمهيد، ولنشرع في بيان أدلَّة مشروعيَّة التقليد.

* * *
الفصل الأوَّل: في أدلَّة مشروعيَّة التقليد في الأحكام الفقهيَّة

لمَّا كان التقليد ضرورةً حياتيًّة لم تكن مشروعيَّته بحاجة إلى دليل أصلاً، ولكنّا مضطرُّون لذكر بعض النصوص التي تدلُّ بها على المشروعيَّة رعاية لحال الغافلين، والمغفَّلين الذين انطلت عليهم شُبُهات المضلِّين.
الدليل الأوَّل:
قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
ولا بُدَّ من بيان عدَّة نقاط ترتبط بالآية الشريفة:
١ - ظاهر الآية الكريمة أنَّ المقصود من النَّفْر هو ذهاب المؤمنين في صدر الإسلام إلى المدينة المنوَّرة لأخذ تعاليم الإسلام من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والتفقُّه في الدِّين على يديه، كما يذهب اليوم جملة من المؤمنين إلى الحوزة العلميَّة لتحصيل علوم الشرع على أيدي علمائها وأساتذتها، ليصبحوا بعد ذلك إمَّا فقهاء، أو مبلِّغين عن الفقهاء في أوساط المجتمع.
٢ - ذكرت الآية الكريمة أنَّ ذهاب جميع المؤمنين لأجل التفقُّه في الدِّين ليس ممكناً من الناحية العمليَّة، وبالتالي فلا يكون واجباً على جميعهم، بل يكون على نحو الوجوب الكفائي - ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ - ولو كان واجباً على الجميع لتعطَّلت الحياة العامَّة للمجتمع، حيث يلزم على الجميع ترك شؤون حياتهم، وأعمالهم، ووظائفهم، وكسبهم، فيترك المزارع مزرعته، والصَّانع مصنعه، والخيّاط خياطته، والنجّار نجارته، والحدَّاد حِدادته، والعسكريُّ ثُكنته، والشرطيُّ دوريَّته، والطبيب مشفاه وعيادته، والمعلِّم مدرسته، والسائق سيّارته أو دابَّته، وصاحب الدُّكان دُكّانه، والتاجر تجارته، وهكذا.
٣ - أنَّ التفقُّه يعني التَّفَهُّم، لأنَّه مأخوذ من الفقه، وهو يعني الفَهْم، وليس المقصود مجرَّد استماع آيات الكتاب العزيز وأحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من دون فهمٍ لما هو المقصود منها لله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل الفقه أنْ يفهموا ما اشتملت عليه تلك الآيات والأحاديث، من بيانٍ للعقائد، وتمييز الحقَّة منها عن الفاسدة، وشرح ما انطوت عليه من الأخلاق الحميدة، والآداب الرفيعة، في مقابل الذميمة والوضيعة، وتفصيل الأحكام الفرعيَّة المتعلِّقة بأفعالهم وتروكهم، والتأمُّل في الأهداف من وراء مواعظه، وقَصصه، وأمثَالِهِ، وغير ذلك من التعاليم المودعة في خزائن الكتاب الكريم، والسُّنَّة المطهَّرة.
كما ويتعلَّمون منه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ما هو عامٌّ من تلك النصوص، وما هو خاصٌّ، وما هو مطلق، وما هو مقيَّد، وتمييز محكمه من متشابهه، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، وغير ذلك من مختصَّات نصوص هذه الشريعة الغرَّاء التي طفحت بها الروايات الناهية عن التفسير من دون معرفتها، وسيأتي ذكر بعضها خلال البحث، وقد أنكرت أشدَّ الإنكار على من تصدَّى لذلك من دون إحاطة بهذه القواعد الدخيلة في تفسير الكتاب العزيز، وشرح السُّنَّة المطهَّرة.
ومن هنا قال تعالى مخاطباً نبيَّه الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أوَّل مفسِّرٍ لكتاب الله تعالى، إذ كان يُفسِّر لهم ما يتلو عليهم من آياته، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ...﴾ (الجمعة: ٢)، فكان (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يُعلِّمهم ما اشتملت عليه آيات الكتاب من الأحكام، والعقائد، وغيرها من التعاليم السَّماويَّة.
فلو كان بإمكان كلِّ مسلم عربيٍّ أنْ يستخرج كلَّ تلك التعاليم من الكتاب بمفرده - بحجَّة أنَّ القرآن نزل بلغته - لما احتاج إلى تعليم النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولكن الآيتين الكريمتين صريحتان في حاجة المسلم إلى تعليمه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حتَّى وإنْ كان المسلم عربيًّا، فضلاً عمَّا لو كان أعجميًّا.
وهذا يعني أنَّ المعارف التي يحصل عليها المتفقِّه على يدي النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هي معارف لا يستطيع المسلم أنْ يتعرَّف عليها بنفسه وبمعزلٍ عن تفسيره (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، كما هو الحال عندنا في الحوزة العلميَّة حينما يريد الفقيه أنْ يستنبط حكماً شرعيًّا من إحدى الآيات الكريمة، فإنَّه لا يجرؤ على استنباط ذلك الحكم منها من دون مراجعة روايات المعصومين (عليهم السلام)، لينظر ما إذا كان قد ورد في الأخبار ما يُخصِّص عموم تلك الآية، أو يُقيِّد إطلاقها، أو يُبيِّن مجملها، أو ما إذا كانت منسوخة بآيةٍ أُخرى ليجب عليه العمل بالناسخة دون المنسوخة.
٤ - لو كانت وظيفة النافرين إلى المدينة مجرَّد الاستماع إلى النصوص القرآنيَّة والنبويَّة لما قالت الآية: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، بل لقالت - على سبيل المثال -: ليستمعوا إلى آياته، وأحاديث رسوله، لينقلوها كما هي إلى من وراءهم.
٥ - أنَّ إنذار المتفقِّه لقومه لا يتحقَّق بمجرَّد تلاوته للآيات والرِّوايات على مسامعهم كيفما كان، بل لا بُدَّ أنْ يكون ممَّن يُحسِن اختيار النصِّ المناسب للمورد المناسب، وهذا يتوقَّف على الفقه والمعرفة.
مثاله: ما لو سُئِلَ أحدهم مسألةً شرعيَّة ينطبق عليها جملةٌ من الآيات والرِّوايات المشتملة على أحكام مختلفة - كآيات الطلاق، أو عِدَّته، ورواياتهما، وآيات الصوم، ورواياته، وروايات الحجِّ التي يعجز طلبة العلم عن الإحاطة بها، وروايات باب الميراث الكثيرة من جهة، والمعقَّدة من جهة أُخرى - فكيف يصنع المسؤول إذا كانت وظيفته مجرَّد التلاوة للنصوص الشرعيَّة.
ولو كانت وظيفته نقل ما فهمه من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فكيف يثق الآخرون بفهمه مع وجود احتمال أنَّه قد اشتبه في الفهم؟
إنَّ الآية الشريفة حينما أمرتهم بالإنذار رتَّبت عليه حصول الحذر من قومهم - ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ -، وهذا يعني مشروعيَّة الأخذ منهم، وعدم الالتفات إلى احتمال اشتباههم في النقل، أو في الفهم.
ومن المعلوم أنَّه لو لم يكن التقليد مشروعاً لما بقيت أيَّةُ ثمرةٍ من إنذار المتفقِّهين لهم، بل يكون أمر الله تعالى لهم بالإنذار لغواً، وحاشا لله تعالى من اللَّغو، وإلَّا فما معنى أنْ يقول المشرِّع لزيدٍ من الناس: (اذهب إلى سعدٍ وأنذره بكذا)، ثم يقول لسعدٍ: (لا يجوز لك الأخذ بقول زيدٍ)؟! إنَّه لغوٌ محضٌ يتنزَّه عنه كلُّ مخلوق عاقلٍ، فما بالك بالخالق الحكيم؟!
والنتيجة من كلِّ ذلك: أنَّ الآية الشريفة تدلُّ من جهة على وجوب التفقُّه كفائيًّا، ومن جهة أُخرى على مشروعيَّة رجوع غير المتفقِّهين إلى المتفقِّهين لأخذ تعاليم الدِّين منهم، بل تدلُّ على الوجوب، لا مجرَّد المشروعيَّة والجواز.
تفسير آخر للآية:
وهناك تفسير آخر للآية ذكره جملة من المفسِّرين، لكن الاستدلال بها على مشروعيَّة التقليد لا يتغيَّر، وتبقى النتيجة كما هي.
وحاصله: أنَّ المقصود من النفر في فقرة: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ هو النفر إلى الجهاد، وليس النفر إلى المدينة لأجل التَّفقُّه، والمقصود من النفر في فقرة: ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ هو النفر للتفقُّه.
وهذا التفسير مخالف لبعض ما جاء عن أئمَّتنا، أعني ما رواه عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ قوماً يَرْوُونَ أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «اختلافُ أُمَّتي رحمةٌ»، فقال: «صدقوا»، فقلت: إنْ كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال: «ليس حيث تذهب وذهبوا، إنَّما أراد قولَ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فأمرهم أنْ ينفروا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فيتعلَّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيُعلِّموهم، إنَّما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله، إنَّما الدِّين واحد، إنَّما الدِّين واحد»(٧).
فها أنت ترى أنَّ الرِواية صريحة في تفسير النفر في الفقرة الأُولى بالنفر إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو متطابق مع تفسيرنا للآية تماماً، ولكن لو غضضنا النظر عن تفسيرنا للآية على طبق هذه الرواية، وأخذنا بذلك التفسير المخالف لها فسيكون معنى الآية: لا يجوز أو لا ينبغي للمؤمنين أنْ ينفروا كلُّهم إلى الجهاد ويتركوا التفقُّه في الدِّين بأجمعهم، فيجب أو ينبغي على مجموعة منهم أنْ تنفر إلى التفقُّه في الدِّين.
ومن الواضح أنَّ النتيجة الفقهيَّة لا تتغيَّر حتَّى لو أخذنا بهذا التفسير، لدلالته على أنَّ التفقُّه في الدِّين مطلوب كِفائيًّا، ما يعني أنَّ وظيفة النافرين إلى الجهاد هي الرجوع في أخذ الأحكام إلى النافرين إلى التفقَّه.
هذا، وسيأتي مزيد توضيح لدلالة الآية الكريمة على مشروعيَّة التقليد في الفصل الثالث عند الإجابة على بعض الإشكالات.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣).
وقد يُستَدلُّ بالآية على وجوب التقليد للعامِّي من ثلاثة وجوه:
الوجه الأوَّل: وهو مركَّب من خمس نقاط:
١ - أنَّ المقصود من أهل الذكر - على رأي العامَّة أو أكثرهم - هم أهل الكتاب، والآية أمرت كُفَّار قريش أنْ يرجعوا إليهم ويسألوهم عن حال الرُّسُل الذين أُرسلوا قبل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): هل كانوا بشراً أو ملائكةً، لأنَّهم كانوا يُنكِرون أنْ يبعث الله رُسُلاً من البشر.
٢ - أنَّ أهل الكتاب صنفان: علماءٌ يعلمون حال الأنبياء، وعوامٌّ يجهلون حالهم من هذه الناحية سوى موسى وعيسى (عليه السلام)، ولا معنى للسؤال والرجوع إلى عوامِّهم، فيختصُّ السؤال بعلمائهم.
٣ - أنَّ علماء أهل الكتاب فريقان: فريقٌ آمن بنبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأسلم، وفريقٌ كفر وأنكر نبوَّته، ولا معنى للرجوع إلى الذين كفروا به (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنَّهم سوف لن يشهدوا لصالح نبوَّته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل لو استشهد بهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فربَّما كذبوا على قريش وقالوا بأنَّ الأنبياء لم يكونوا من البشر، لكي لا يؤمنوا بنبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولذلك يختصُّ الرجوع بالذين آمنوا من علمائهم.
٤ - أنَّ غرض القرآن من الأمر بالسؤال هو أنْ يأخذ الكُفَّار بجواب المؤمنين من علماء أهل الكتاب ويعملوا به، لا مجرَّد السؤال من دون الأخذ بقولهم والعمل به.
٥ - أنَّ القرآن لم يأمر بالأخذ من كُتُبهم مباشرةً، بل أمر بالأخذ من علمائهم العارفين بكُتُبهم، وإلَّا لقال: فارجعوا إلى التوراة والإنجيل، وهذا يعني أنَّ الأخذ بقولهم إنَّما يكون اعتماداً على كونهم من العلماء، أي من دون مطالبتهم بالدليل على ما يقولون.
وهذا هو عين التقليد الذي نقول به، فلو كان حراماً لما أمر الله (عزَّ وجلَّ) به في محكم كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إشكال وجواب:
قد يُشكَل: بأنَّ الآية واردة في مسألة ترتبط بنبوَّة نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، والنبوَّة من المسائل العقدية، بل من أُصولها، وقد اعترفتَ بأنَّ التقليد لا يجوز فيها.
والجواب: أنَّ الآية جاءت لتدفع دعوى باطلة لكُفَّار قريش، حيث أنكروا أنْ يبعث الله أنبياء من البشر، ولم يُنكِروا أصل النبوَّة، ولذا قالت الآية: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ...﴾، والرجال بشرٌ، وليسوا ملائكة.
وممَّا يُؤكِّد ذلك ما جاء في سورة الأنبياء، حيث ذُكِرَت هذه الآية هناك أيضاً، وجاء بعدها ما يُؤكِّد بشريَّة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧ و٨)، أي: لم نخلق الأنبياء أجساداً لا تأكل الطعام ويبقون خالدين، بل خلقناهم أجساداً تأكل الطعام ويموتون ولا يبقون خالدين، كسائر البشر، ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كبقيَّة الأنبياء من هذه الناحية.
هذا حاصل الوجه الأوَّل من الاستدلال، مع الجواب على الإشكال الذي يمكن أنْ يُورَد عليه.
الوجه الثاني: وهو مركَّب من أربع نقاط:
١ - أنَّ المقصود من أهل الذكر هم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما دلَّ على ذلك عدَّة روايات نقلها الكليني (رحمه الله)(٨).
٢ - أنَّ المقصود من ﴿الذِّكْرِ﴾ إمَّا هو القرآن، فيكون معنى أهل الذكر هو أهل القرآن، وإمَّا أنْ يكون المقصود من ﴿الذِّكْرِ﴾ هو النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فيكون معنى أهل الذكر هم أهل النبيِّ (عليهم السلام).
٣ - أنَّ أهل القرآن عندنا - نحن الإماميَّة - تبعاً للرِّوايات هم أئمَّتنا (عليهم السلام)، لا عموم المسلمين، فسواء كان المقصود من ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ في الآية: هم أهل القرآن، أم المقصود أهل النبيِّ (عليهم السلام)، فالآية تدلُّ على لزوم الرجوع في أخذ معالم الدِّين إلى أهل البيت (عليهم السلام)، رغم أنَّ أكثر المسلمين في صدر الإسلام هم من العرب الأقحاح، ولغتهم هي لغة الكتاب والسُّنَّة، وهذا يعني أنَّ مجرَّد معرفتهم بلغة القرآن والحديث لا يكفي ما لم يكونوا عارفين بعلوم أُخرى لا يعلمها إلَّا أهل الذكر، الذين هم أهل البيت (عليهم السلام)، كمعرفتهم بعموم الكتاب والحديث وخصوصهما، ومطلقهما ومقيَّدهما، ومجملهما ومبيَّنهما، ومحكمهما ومتشابههما، وناسخهما ومنسوخهما(٩)، وغير ذلك من المعارف التي يتوقَّف عليها فهم المراد من آيات الكتاب العزيز وأحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهذا ما أشارت إليه مولاتنا الزهراء (عليها السلام) في خطبتها عند الاحتجاج على غاصبي حقِّها، إذ قالت: «أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمِّي؟»، ومقصودها (عليها السلام) أنَّ آيات الميراث في الكتاب العزيز عامَّةٌ وشاملة لكلِّ أحد، فتكون شاملة للنبيِّ وابنته (صلوات الله عليهما) أيضاً، فلا بُدَّ أنْ ترث فاطمة (عليها السلام) من أبيها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كما ترث كلُّ ابنة من أبيها إذا مات، ولا يوجد دليل يستثنيها (عليها السلام) من ذلك العموم، لا في الكتاب العزيز، ولا في السُّنَّة المطهَّرة، فيكون ما نُسِبَ إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنَّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نُورِّث ما تركناه صدقة» كذباً وافتراءً عليه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
٤ - لو جاز للعوامِّ اليوم الرجوع بأنفسهم إلى الكتاب وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) من دون رجوع إلى الفقهاء لجاز للمسلمين في الصدر الأوَّل أنْ يرجعوا إلى الكتاب والسُّنَّة بأنفسهم من دون الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) من باب أولى، لأنَّهم أعرف منَّا بلغة وأُسلوب ومفردات وتراكيب ألفاظ القرآن وأحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإذا لم يجز لهم ذلك لم يجز لنا بالأولويَّة القطعيَّة.
إشكال وجواب:
لعلَّك تقول: إنَّ الله أمرهم أنْ يرجعوا في أخذ معالم الدِّين وأحكامه إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) مباشرةً لا بواسطة الفقهاء، وهذا ما يدَّعيه منكرو التقليد من عدم الحاجة إلى الفقهاء، فيجوز لنا أيضاً كما جاز لهم أنْ نرجع بأنفسنا إلى أحاديثهم (عليهم السلام) من دون تقليدٍ لأحد.
وجوابه: أنَّ حالنا تجاه أحاديثهم (عليهم السلام) كحال المسلمين تجاه آيات الكتاب وأحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فكما أنَّهم كانوا بحاجة إلى شرح أهل البيت (عليهم السلام) لنصوص الكتاب والسُّنَّة كذلك أهل هذا الزمان بحاجة إلى شرح الفقهاء لآيات وروايات الأحكام، وذلك لاختلاف لغتنا عن لغتهم، واختلاف أساليبنا في الحوار عن أساليبهم، وتفاوت تراكيب كلامنا عن تراكيب كلامهم، مضافاً إلى جهلنا بمعاني كثير من مفرداتهم، وإلَّا فلماذا وُضِعَت علوم العربيَّة من قواميس اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والآدب بنظمه ونثره، وكذا العلوم الأُخرى، كعلم المنطق، وعلم الأُصول، وعلم الكلام، وجملة من علوم الحديث، وغيرها من العلوم التي يتوقَّف عليها تفسير القرآن الكريم وفهمه؟!
والشاهد على ما ذكرنا أنَّ مطالعة عاجلة لأحاديث المعصومين (عليهم السلام) كفيلة بإقناع كلِّ منصفٍ بأنَّ التعاطي معها من دون تحصيل تلك العلوم لا يمكن في كثير منها، لاسيّما الأحاديث الفقهيَّة.
وسوف نجري - إنْ شاء الله تعالى - اختباراً للإخوة المنكرين للتقليد في محلٍّ مناسب، ليحصل لهم ولغيرهم اليقين بأنَّهم عاجزون عن استنباط أيِّ حكم فرعيٍّ من أحاديثهم (عليهم السلام) من دون دراسةٍ معمَّقةٍ لتلك العلوم.
الوجه الثالث: وهو مركَّب من نقطتين:
١ - بقطع النظر عن المقصود بأهل الذكر - سواء كان المقصود بهم علماء أهل الكتاب، أم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) - فإنَّ الآية جعلت وجوب الرجوع إليهم مقيَّداً بحالة عدم العلم، إذ قالت: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فيكون معنى الآية: إنْ كنتم لا تعلمون فاسألوا أهل الذكر لكي تعلموا، وهذا يقتضي كون الخطاب في الآية مختصًّا بالجاهلين فحسب، ولا يَعُمُّ العالمين.
٢ - أنَّ كلَّ عاقل يفهم من التقييد في هذه الآية حكماً عامًّا يشمل جميع ميادين العلم، ولا يختصُّ بمورد الآية(١٠)، بل يأتي هذا الحكم في كلِّ مورد فيه أمر معلوم لشخص ومجهول لآخر، فعلى الجاهل بذلك الأمر مراجعةُ العالم به.
ولذا فمن لا خبرة له بالخياطة لو تورَّط في فصال قماش أو خياطته مثلاً فإنَّه يُلام من قِبَل العقلاء، ويقال له: إذا أردت أنْ تعرف الخياطة فارجع إلى أهل الخبرة في هذا المجال.
وكذا من لا معرفة له بالطبِّ لو كان مريضاً وتناول الدواء الخطأ، فإنَّه يُلام ويقال له مثل ذلك، وهكذا في بقيَّة الميادين.
والحاصل: أنَّ الآية لا تختصُّ بموردها، بل تعمُّ جميع الموارد المتَّحدة معه في العِلَّة، فالآية وإنْ كانت واردة في القضيَّة التي ذكرناها إلَّا أنَّ القرآن - كما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) - يجري في الموارد المشابهة لمورد النزول، وأنَّه لو اختصَّ بمورده لمات القرآن بموت تلك الموارد وزوالها، وهذا ما يُعبَّر عنه في علم الأُصول في مقولتهم المشهورة: (خصوص المورد لا يُخصِّص الوارد)(١١).
وعليه: فالآية تنطبق على كلِّ مسلم لا معرفة له بمعالم الدِّين، ومنها الأحكام الشرعيَّة، وفي جميع الأزمنة، فإنَّها تأمر بالرجوع إلى أهل الخبرة في هذا المجال، وهم خصوص الفقهاء الجامعين لشرائط الفتوى، وهو معنى التقليد.
والمتحصِّلُ من كلِّ ما تقدَّم: أنَّه قد يُستَدلُّ بأحد الوجوه الثلاثة في الآية الكريمة على مشروعيَّة تقليد من لا خبرة له لأهل الخبرة في جميع المجالات التي ينقسم فيها الناس إلى فريقين: فريق ذي خبرةٍ، وفريق غير ذي خبرةٍ، فتشمل تقليد من لا خبرة له بالأحكام الفرعيَّة لمن له الخبرة فيها، وهم خصوص الفقهاء.
فإنْ قلتم: إنَّ بعض العلماء من الأُصوليِّين أو الأخباريِّين يرى أنَّ هذه الآية لا تصلح دليلاً على وجوب التقليد.
قلنا: إنْ أخذكم برأي هذا البعض لا ينفعكم، لأنَّ الأخذ بقوله تقليدٌ له، والتقليد عندكم لا يجوز.
وأمَّا نحن المقلِّدون فلا يضرُّنا رأي هذا البعض، وذلك لوجود أدلَّة أُخرى على مشروعيَّة التقليد.
وقد يُشكَل: بأنَّ هذه الآية مختصَّة بالأئمَّة (عليهم السلام) حسبما دلَّت عليه بعض الرِّوايات، فتكون مختصَّةً بهم (عليهم السلام) ولا تشمل الفقهاء، فلا يصحُّ الاستدلال بها على وجوب الرجوع إلى الفقهاء.
وجوابه: أنَّ اللازم من حصر الآية بالأئمَّة (عليهم السلام) أنَّه يجب على كافَّة الشيعة في زمن الأئمَّة (عليهم السلام) أنْ يرجعوا إليهم (عليهم السلام)، ولا يجوز لهم الرجوع إلى الفقهاء.
وهذا يُكذِّبه أمران:
١ - آية النفر - ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ - بالبيان المتقدِّم.
٢ - الواقع الخارجي، فإنَّ كثيراً من الشيعة لم يكن بإمكانهم الرجوع إلى الإمام (عليه السلام) إلَّا من كان يعيش معه في بلده، كالمدينة المنوَّرة مثلاً، أو قريباً من بلده، كالذين كانوا يعيشون في الأطراف خارج المدينة.
وأمَّا مثل شيعة مكَّة واليمن والكوفة والبصرة وغيرها من الحواضر الإسلاميَّة فلم يكن بإمكانهم الرجوع إلى المعصوم (عليه السلام) في أخذ جميع الأحكام، فانحصر الأمر بالرجوع فيها إلى فقهاء أصحابهم (عليهم السلام)، بل كان الواقع التاريخي والنصوص المعصوميَّة تنصُّ على ذلك، كما سوف نُثبِت ذلك وبالأرقام في الفصل الثاني الذي خصَّصناه للبحث في تاريخ المرجعيَّة إنْ شاء الله تعالى.
وقد تقول: إنَّما جاز لأُولئك الرجوع إلى الفقهاء في تلك العصور لعدم تمكُّنهم من الرجوع إلى الأئمَّة (عليهم السلام) مباشرةً، وأمَّا اليوم فالرجوع إليهم (عليهم السلام) ممكنٌ، وذلك لأنَّ الهدف من الرجوع إلى الإمام (عليه السلام) هو الأخذ بأقواله، لا لملاقاة شخصه، وحيث إنَّ تحصيل أقوالهم في زمن الغيبة ممكن من خلال الرجوع إلى أحاديثهم فوجب الرجوع إليها، لا إلى الفقهاء.
وجوابه: من وجهين:
أحدهما: إنَّ هذا كلام من ليس له أدنى اطِّلاع على جوامعنا الحديثيَّة، وإلَّا فمن يطالعها يحصل له اليقين بأنَّه ليس بمقدور العوامِّ استخراج الأحكام الاستنباطيَّة منها مهما كانت ألفاظها واضحة، ولو سلَّمنا قدرته على استخراج بعضها فيبقى القدر الأكبر منها لا قدرة له على استخراجها من الأحاديث.
٢ - هناك فرق كبير بين أنْ تأخذ الرواية مشافهةً من الإمام (عليه السلام) وأنْ تأخذها من كُتُب الحديث، وذلك لأنَّ الفقيه اليوم ورغم خبرته لا يستطيع أنْ يستفيد أيَّ حكم من أيَّة رواية إلَّا بعد أنْ يدرسها من عدَّة جهات يعجز العوامُّ عن مثلها.
فمنها: أنْ يدرس حال كلِّ راوٍ ورد ذكره في سند تلك الرواية، لأنَّ الأحاديث التي في كُتُبنا ليست هي نفس أحاديث المعصومين (عليهم السلام)، بل هي حكايةٌ لأحاديثهم، فكلُّ راوٍ ينقل ما سمعه من الذي قبله، أو قرأه في كتابه.
توضيحه: أنَّ الكلينيَّ مثلاً حينما يقول: حدَّثني عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال كذا وكذا، إنَّما ينقل لنا قول عليِّ بن إبراهيم، لا قول الصادق (عليه السلام) مباشرةً، وعليٌّ ينقل قول أبيه، وأبوه - وهو إبراهيم بن هاشم - ينقل قول محمّد بن أبي عمير، وابن أبي عمير ينقل قول عمر بن أُذينة، وابن أُذينة ينقل قول الصادق (عليه السلام)، وهذا يعني أنَّه لو ثبت كذب واحد من هؤلاء الرُّواة لم يثبت أنَّ الحديث حديث الصادق (عليه السلام)، ولذا لو وجد الفقيه أنَّ رواة السَّند كلَّهم من الثقات الذين يتحرَّجون من الكذب فآنذاك يأخذ بتلك الرواية، وكأنَّه سمعها بنفسه من الإمام (عليه السلام).
وأمَّا لو وجدهم أو وجد بعضهم من الضعفاء لم يأخذ بها، لاحتمال أنَّ ذلك الضعيف قد كذب في نقله لتلك الرِّواية.
وربَّما يجد فيهم من هو ضعيف ورغم ذلك يعمل بالرِّواية، لأجل قيام دليل من خارج الرِّواية على أنَّها صادرة من الإمام (عليه السلام) بالفعل.
ومعرفة ذلك كلِّه بدقائقه وتعقيداته يتوقَّف على دراسة جملة من علوم الحديث، وعلى رأسها: علم الدِّراية، وعلم الرجال، ومن يطَّلع على مسائل هذه العلوم سيجد الكثير من العوائق والعقبات التي تعترض طريق الفقيه عند بحثه وتحقيقه في أحوال الرُّواة، لتمييز الثقة منهم عن غيره، وليس بمقدور العامّيِّ الإحاطة بأدنى مسألة من تلك المسائل، فكيف بعد هذا يستطيع التمييز بين الأحاديث المعتبرة من جهة رواتها، والأحاديث الضعيفة من هذه الجهة؟!
ومنها: أنْ يدرس متن الرواية، أعني الكلام المنسوب إلى المعصوم (عليه السلام)، ليرى ماذا يمكن استفادته من الأحكام الشرعيَّة، وهو أمر يتوقَّف على دراسة علوم عديدة، كعلم اللُّغة، وعلم النحو، وعلم الصرف، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم الأُصول، وعلم المنطق، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم الدخيلة في كيفيَّة استفادة الأحكام الشرعيَّة.
ومنها: مراجعة بقيَّة الرِّوايات التي تتناول نفس موضوع الرِّواية، لئلَّا يكون فيها ما يعارض تلك الرِّواية، فكثيراً ما يجد الفقيه تعارضاً بين الأحاديث، فرُبَّ رواية تُجوِّز فعلاً، ورواية أُخرى تُحرِّم نفس ذلك الفعل، وفي مثل هذه الحالة يقع الفقهاء في خلاف شديد في كيفيَّة معالجة ذلك التعارض، ودفع الإشكالات التي تصادفهم في معالجته.
وفي حال لم يجد الفقيه أيَّ حلٍّ للتعارض فلا بُدَّ أنْ يُحدِّد ما هي الوظيفة الشرعيَّة التي يأخذ بها في تلك الحالة.
ولا أحد يستطيع علاج تلك الحالة وتحديد الوظيفة الشرعيَّة إلَّا الفقهاء، فكيف يكون حال العامّيِّ مع تلك الظاهرة وهي كثيرة جدًّا، ولا يكاد يخلو منها باب من أبواب الفقه؟!
ومنها: ما لو فتحنا بابه لما كان لأيِّ شيعيٍّ إماميٍّ إلَّا أنْ يُسلِّم ويعترف بعجز العوامِّ عن الرجوع بأنفسهم إلى الرِّوايات مباشرةً لأخذ أحكامهم وتكاليفهم الشرعيَّة منها.
وذلك الباب هو ما يُسمَّى باختلاف نُسَخ كُتُب الحديث، والتصحيفات الواقعة فيها، والتي يتأثَّر تحديد الوظيفة الشرعيَّة بسببها.
وإليك بعض الأمثلة:
المثال الأوَّل: إنَّ الرَّاوي حينما ينقل الحديث عن غيره فإنَّه يُعبِّر ببعض التعابير الدَّالَّة على ذلك، كما لو قال: (حدَّثني فلان) أو (سمعت فلاناً) أو (عن فلان)، أو غيرها من التعابير المختلفة والمؤثِّرة في درجة النقل وقيمته(١٢).
وفي بعض الحالات يحصل لناسخ الكتاب اشتباهٌ في بعض هذه التعابير فيكتب كلمة (عن) بدلاً من الحرف (و) بسبب تقارب شكلهما في بعض أنواع الخطوط العربيَّة، وتارةً يكون الاشتباه بالعكس، فيكتب الحرف (و) بدلاً من كلمة (عن)، وهذا الاشتباه ربَّما يجعل الرواية الضعيفة صحيحةً في بعض الموارد، وربَّما يجعل الصحيحةَ ضعيفةً في موارد أُخرى.
وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنَّه ربَّما تسبَّب في تحليل محرَّم، أو تحريم محلَّل، أو إسقاط وجوب ما هو واجب.
فلو جاء في السَّند مثلاً: (عليُّ بن إبراهيم، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد... الخ) فكثير من الفقهاء يحكمون بضعف الحديث، لأنَّ (سهل بن زياد) الواقع بين (عليِّ بن إبراهيم) و(أحمد بن محمّد) ممَّن ضعَّفه علماء رجال، ورموه بالغلوِّ والكذب، ولكن لو ثبت بعد التحقيق وقوع اشتباه في كلمة (عن) الواقعة بين (سهل بن زياد) و(أحمد بن محمّد) وأنَّ الصحيح هو الواو هكذا: (عليُّ بن إبراهيم، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد)، أي أنَّ عليَّ بن إبراهيم لم ينقل الرِّواية عن سهلٍ وحده، وسهلٌ ينقلها عن أحمد، بل ينقلها عن سهل وأحمد معاً، بمعنى أنَّه سمعها من كلِّ واحدٍ منهما، أو نقلها من كتاب سهل، وكتاب أحمد، وعلى ذلك تكون الرواية صحيحة السند وليست ضعيفة، لأنَّ ضعف سهل لا يضرُّ بصحَّتها ما دام إلى جنبه أحمد الذي هو من أعلام الطَّائفة، ومن ثقات الرُّواة وأجلَّائهم.
فانظر ماذا يفعل الاختلاف بين نسختين لكتاب واحد في استفادة الأحكام الشرعيَّة والتأثير عليها.
وهذا ما لا يمكن لأيِّ أحدٍ أنْ يلتفت إليه إلَّا بعد عمرٍ طويل يقضيه في البحث والتحقيق بين ثنايا الكُتُب.
وإذا أحببت الوقوف على أمثلةٍ لما ذكرنا فدونك كتاب (معجم رجال الحديث) للسيِّد الخوئي (قدّس سرّه)، فطالع فيما كتبه (قدّس سرّه) تحت عنوان (اختلاف النُّسَخ) في مواضع كثيرة من معجمه، فإنَّها كفيلة بأنْ تجعلك تقف على حجم الخدمة العظيمة التي يُقدِّمها الفقهاء لأيتام آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بحيث لا يستكثر المنصفُ قولَه (عليه السلام) فيهم: «الفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ»(١٣)، أو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»(١٤)، أو قوله (عليه السلام): «إِذَا مَاتَ المُؤْمِنُ الفَقِيْهُ ثُلِمَ فِيْ الْإِسْلَامِ ثَلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ»(١٥)، وغيرها من أقوالهم (عليهم السلام) في حقِّ الفقهاء، والتي سنتعرَّض لذكرها في النصوص الآتية إنْ شاء الله تعالى.
المثال الثاني: ما لو اشتبهت كلمة (عن) بكلمة (بن) بسبب من الناسخ، أو الرطوبة، أو دودة الأَرَضَة، أو غيرها من الأسباب التي ابتُلِيَت بها كُتُب المسلمين وغيرهم، فلو كان اسم الرَّاوي مثلاً هو (محمّد بن أحمد) فيشتبه الناسخ ويكتبه: (محمّد عن أحمد)، فيتوهَّم القارئُ أنَّ الرَّاوي (محمّد) ينقل الرِّواية عن راوٍ آخر اسمه (أحمد)، والأمر ليس كذلك، بل هو راوٍ واحد اسمه (محمّد بن أحمد)، وليس راويين.
وحينما يرجع الفقيه إلى كُتُب الرجال ربَّما لا يجد راوياً باسم (محمّد) يروي عن آخر باسم (أحمد)، فيكون السند عنده مجهولاً، وبالتالي يحكم بضعف الرِّواية من جهة السَّند، لكنَّه بعد الفحص والتدقيق ربَّما يعثر على نسخة أُخرى من الكتاب ليس فيه ذلك الاشتباه، وأنَّ الرَّاوي واحد، وهو محمّد بن أحمد، وهو من الثقات، فيحكم بصحَّة الرواية من ناحية السَّند.
وأمَّا لو حصل للفقيه تردُّد وشكٌّ أيّ النسختين هي الصحيحة؟ فلا يمكنه الحكم بصحَّة الرِّواية آنذاك.
وبهذا يتَّضح أنَّ الصور في هكذا حالة ثلاثٌ، في صورتين منها يُحكَم بضعف الرواية، وفي صورة واحدة يُحكَم بصحَّتها.
وأذكر ذات مرَّةٍ في مجلس الدرس جاء في سند رواية هذه العبارة: (عليٌّ عَن الحَكَم)، وحينما راجع الشيخ الأُستاذ كُتُب الرجال لم يجد توثيقاً لهذين الرَّاويين، فصارا مجهولين من هذه الناحية، لكنَّه بعد التحقيق وجد أنَّ في العبارة اشتباهاً، وأنَّ الصحيح هو: (عليُّ بنُ الحَكَم)، وهو من رواتنا الثقات، فتكون الرِّواية صحيحة.
ولا أدري ما هو نصيب العامّيِّ من هذه العلوم الدقيقة والخطيرة، وكيف يستطيع أنْ يتحمَّل شخص مسؤوليَّة نفسه شرعاً من هذه الناحية، فضلاً عن تحمُّل مسؤوليَّة الملايين من عوامِّ المؤمنين.
وأمثال هذا كثير في الرِّوايات لا يلتفت إليها إلَّا من عُجِنَت طينته بعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، ونظر عمراً طويلاً في الطُّرُق والأسانيد التي يُتوصَّل بها إلى أخبار العترة الطاهرة، والتي تستغرق من الفقيه أكثر من نصف عمره، ثمّ يأتيك بعد هذا من يقول بلا عقل ولا تدبُّرٍ: (للفقيه عقلٌ ولي عقلٌ، فلماذا أُقَلِّدُهُ؟!)، لكنَّه حينما يمرض يسارع بالذِّهاب إلى الطبيب بلا تردُّد، ومن دون أنْ يُردِّد عبارةً كتلك العبارة المضحكة: (للطبيب عقلٌ ولي عقلٌ، فلماذا أُرَاجِعُهُ؟!).
الدليل الثالث:
ما عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): الفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوْا فِيْ الدُّنْيَا. قيل: يا رسول الله؛ وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتِّبَاعُ السُّلْطَانِ، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ فَاحْذَرُوْهُمْ عَلَى دِيْنِكُمْ»(١٦).
وهنا عدَّة نقاط:
١ - أنَّ هذا المقام الذي أُعطي للفقهاء مقام شريف وعظيم كما هو واضح، فيكون في الحديث من المدح للفقهاء ما يجعلهم أقرب شريحة إلى الأنبياء بعد الأئمَّة (عليهم السلام).
٢ - أنَّ هذا المقام خاصٌّ بالفقهاء، لأنَّ ثبوته لغيرهم يحتاج إلى دليل، ولم يقم أيُّ دليل على ذلك في غير الفقهاء.
٣ - أنَّ هذا المقام مشروطٌ بعدم اتِّباع الفقهاء للسُّلطان، ولذا يُشتَرط في مرجع التقليد عندنا أنْ يكون عادلاً، ولا يجوز تقليد مجهول الحال فضلاً عن الفاسق، ومن مصاديق الفاسق أنْ يكون من أتباع السلطان، وأمَّا الابتعاد عن أبواب السلاطين فهو - بحمد الله - من مختصَّات مراجع الشيعة على طول التاريخ كما اعترف لهم بذلك مخالفوهم.
٤ - أنَّ استحقاق الفقهاء لعنوان (أُمَنَاءُ الرُّسُل) لا بُدَّ أنْ يكون له سببٌ، والقدر المتيقَّن من ذلك السَّبب هو نشرهم لتعاليم الرُّسُل التي أُرسلوا بها إلى الناس، والتي من بينها الأحكام الشرعيَّة التي هي محلُّ بحثنا.
وهذا يقتضي جواز رجوع المسلمين إلى الفقهاء العدول لأخذ معالم الدِّين منهم بعنوان أنَّهم الأمناء على ما أُرسِلَ به الأنبياءُ إلى الناس، ومنها الأحكام الفرعيَّة في مختلف أبواب الفقه.
والحاصل: أنَّ كون الفقهاء أُمناء الرُّسُل يقتضي أنْ يكونوا هم المرجع للناس في عصر الغيبة، حيث لا نبيَّ فيه ولا إماماً ظاهراً يرجعون إليه.
ولو أنكر منكرٌ وجوب الرجوع إلى الفقهاء فلا يمكنه أنْ يُنكِر جوازه ومشروعيَّته، وهذا لعمري كافٍ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ولكنَّنا بُلِينا بأُناسٍ لا يفقهون.
الدليل الرابع:
ما عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رِضَاً به، وإنَّه يستغفر لطالب العلم مَنْ في السماء ومَنْ في الأرض، حتَّى الحوتُ في البحر، وفضلُ العالِمِ على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلةَ البدر، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورَّثوا العلمَ، فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافرٍ»(١٧).
إنَّ في هذا الحديث عدَّة نقاط:
١ - أنَّه صريح في أنَّ مقام العالم بين الناس هو مقام وارث علم الأنبياء، وفي هذا من المدح والتفضيل لشريحة العلماء ما ليس لغيرهم من بقيَّة شرائح المسلمين بعد الأوصياء (عليهم السلام).
٢ - أنَّ الحديث صريح في أنَّ الذي ورثه العلماء من الأنبياء إنِّما هو العلم فحسب دون غيره ممَّا يُوَرِّثه الناس لورثتهم من الأموال وشبهها، والأنبياء بصفتهم كأنبياء لا يُورِّثون الأموال كسائر الناس، بل يُورِّثون العلم الإلهي، وأمَّا أموالهم التي كانت لهم في حياتهم فإنَّهم يُورِّثونها بصفتهم كآباء، أو أبناء، أو أزواج، أو إخوة، أو غير ذلك ممَّا يُذكَر في كتاب المواريث، فيُورِّثون أموالهم كما يُورِّث الناس أموالهم لأرحامهم بصفتهم كفلان وفلان، لا بصفتهم كأنبياء.
٣ - أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ هذا المقام الثابت للعلماء لا يشمل غيرهم، وإلَّا لصار العالِمُ وغيره في مرتبة واحدة، وهو قبيح عقلاً، ويكون معه الحديث لغواً، وحاشا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من اللَّغو.
٤ - أنَّ لفظ (الأنبياء) عامٌّ، فيشمل نبيَّنا (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فيدلُّ الحديث على أنَّ علماءنا ورثةٌ لخاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
٥ - أنَّ الحديث لا يشمل صنفين من المسلمين:
أحدهما: الأئمَّة (عليهم السلام)، لأنَّهم فوق شريحة العلماء بمراتب لا تقاس.
والوجه في عدم شمول هذا الحديث لهم (عليهم السلام) رغم إطلاق صفة العلماء عليهم في بعض الروايات: أنَّ هذه الرِّواية واردةٌ في الحثِّ على طلب العلم، ومدحت طالب العلم، والأئمَّة (عليهم السلام) لا يُطلَق عليهم عنوان طالب العلم، ومن أطلقه عليهم فقد أساء إليهم أيَّما إساءةٍ، وذلك لأنَّ علمهم (عليهم السلام) في عقيدة الإماميَّة هو من عند الله تعالى، بحيث يكون معهم منذ اللحظة الأُولى التي يأتون فيها إلى هذه الدنيا، كما لا يخفى على من راجع مناقبهم (صلوات الله عليهم).
ثانيهما: أئمَّة الضلالة ممَّن خالف النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وانحرف عن الأئمَّة (عليهم السلام)، وكذلك فسقة العلماء، وأعوان الظلمة والطواغيت، والمتَّخذين من علمهم وسيلةً يستطيلون بها على الناس، وأشباه هؤلاء ممَّن حصلوا على بعض علوم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أو أهل بيته (عليهم السلام)، ولكنَّهم خالفوه متعمِّدين طمعاً في حطام الدنيا.
وبهذا وذاك يتَّضح أنَّ عنوان (وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) منحصرٌ بالعلماء العدول من الطائفة الحقَّة فحسب.
وربَّما يشكل: بأنَّ المراد من العلماء في هذا الحديث هم الأئمَّة (عليهم السلام) دون غيرهم، فلا يشمل الفقهاء.
وجوابه: أنَّ عنوان (العُلَمَاءُ) في الرِّوايات جاء على عدَّة معانٍ:
فمنها: خصوص المعصومين (عليهم السلام).
ومنها: خصوص العلماء من شيعتهم.
ومنها: عموم العلماء بالمعنى الشامل لهم (عليهم السلام) ولعلماء شيعتهم.
ومنها: خصوص المذمومين من العلماء.
أمَّا المعنى الأوَّل فقد جاء في عدَّة روايات، كالمروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يغدو الناسُ على ثلاثة أصناف: عالم، ومتعلِّم، وغثاء. فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلِّمون، وسائر الناس غُثاء»(١٨).
وأمَّا المعنى الثاني فقد جاء في عدَّة روايات أيضاً، كرواية أبي حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «اُغْدُ عالماً، أو مُتَعلِّماً، أو أَحِبَّ أهل العلم، ولا تكن رابعاً فتهلك ببغضهم»(١٩).
ومن الواضح أنَّه ليس المقصود أنْ يصير أبو حمزة عالماً بالمعنى المختصِّ بالأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
ومن هذا القبيل ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضاً، قال: «اطلبوا العلم، وتزيَّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تُعلِّمونه العلمَ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلمَ، ولا تكونوا علماءَ جبَّارين، فيذهب باطلكم بحقِّكم»(٢٠).
وواضح أنَّ خطابه (عليه السلام) كان مع أصحابه، حيث أمرهم بأنْ يطلبوا العلم، وأنْ يتزيَّنوا معه بالحلم والوقار مع تزيُّنهم بالعلم، وأنْ لا يكونوا علماء جبَّارين متكبِّرين بعيدين عن الحلم والوقار، وهذا يفهم منه أنَّه (عليه السلام) يريد منهم أنْ يكونوا علماء حلماء متواضعين ذوي وقار.
وهذا يعني أنَّ لفظ العلماء هنا جاء بالمعنى الذي ينطبق على صنفين: علماء متواضعين، وعلماء جبَّارين، والإمام (عليه السلام) أراد لأصحابه أنْ يكونوا من الصنف الأوَّل دون الثاني.
وأمَّا المعنى الثالث - الشامل لهم (عليهم السلام) ولعلماء شيعتهم - فقد ورد في عدَّة أخبار، كالمرويِّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، قال: «يعني بالعلماء من صَدَّقَ فِعلُهُ قولَهُ، ومن لم يُصدِّق فعلُهُ قولَه فليس بعالم»(٢١).
ومن المعلوم أنَّ عنوان (من صَدَّقَ فعلُه قولَهُ) كما يشمل الأئمَّة (عليهم السلام) كذلك يشمل العلماء العاملين الورعين الأتقياء بلا شكٍّ.
وأمَّا المعنى الرابع فقد جاء في عدَّة روايات أيضاً، كما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزلُّ المطرُ عن الصَّفا»(٢٢).
وهذا مختصٌّ بالعلماء الذين لا يعملون بعلمهم، وهو لا ينطبق على العلماء العاملين، فضلاً عن المعصومين (عليهم السلام).
ولهذا وذاك ترى فقهاءنا لا يكتفون في مرجع التقليد بأنْ يكون فقيهاً ما لم يكن عادلاً، ويفتون بعدم جواز تقليد غير العادل ولو كان أعلم الفقهاء من الأحياء والأموات.
الدليل الخامس: الأخبار الخاصَّة:
ما تقدَّم من الأدلَّة على مشروعيَّة التقليد هي أدلَّة عامَّةٌ في هذا المجال، وهناك نصوص وردت في موارد خاصَّة، وقد دلَّت على مشروعيَّة التقليد في تلك الموارد، وهي الرِّوايات الواردة في حقِّ بعض الفقهاء من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام)، وتصدِّيهم للمرجعيَّة في حياتهم (عليهم السلام)، وهي نصوص عديدة سنذكرها تفصيلاً في الفصل الثاني الذي أعددناه للحديث عن تاريخ المرجعيَّة، وإثبات قِدَم تقليد الشيعة للفقهاء حتَّى في زمن الأئمَّة (عليهم السلام)، بل وفي زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
وأمَّا هنا فنكتفي - تجنُّباً للتكرار - بذكر كيفيَّة الاستدلال بها، فنقول:
لقد دلَّت جملة من النصوص على أنَّ تقليد عوامِّ الشيعة لفقهائهم كان موجوداً ومُتعارَفاً في زمان الأئمَّة (عليهم السلام)، حتَّى مع إمكان الرجوع إليهم (عليهم السلام) وأخذ الحكم منهم مباشرةً، بل دلَّ بعضها على أنَّ ذلك كان بإذنٍ من الأئمَّة (عليهم السلام) أنفسهم.
فمنها: ما ذكره النجاشيُّ (رحمه الله) في ترجمة أبان بن تغلب، ونحن نقتطف من ترجمته بعض الفقرات التي تلقي الضوء على مرجعيَّته صريحاً وظاهراً:
١ - وقال له أبو جعفر (عليه السلام): «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناسَ، فإنّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلُك».
٢ - (وكان قارئاً من وجوه القُرَّاء، فقيهاً، لغويًّا).
٣ - (وكان أبان (رحمه الله) مُقدَّماً في كلِّ فنٍّ من العلم في القرآن، والفقه، والحديث، والأدب، واللُّغة، والنحو).
٤ - (وكان أبان إذا قَدِمَ المدينة تقوَّضت إليه الحَلَق، وأُخلِيَت له ساريةُ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم))(٢٣).
ومن الواضح والجلي أنَّ الإفتاء شيءٌ ورواية الروايات للناس شيءٌ آخر، وأمر الإمام الباقر (عليه السلام) لأبان بالتصدِّي للإفتاء يستلزم جواز رجوع عوامِّ الشيعة إليه رغم وجود باقر علوم الأوَّلين والآخرين (صلوات الله عليه)، ورغم تمكُّن شيعة أهل المدينة من مراجعة إمامهم المعصوم.
إلى غير ذلك من النصوص العديدة وبمضامين مختلفة ستأتي إنْ شاء الله تعالى في الفصل الثاني، فانتظر.
والنتيجة التي يخرج بها كلُّ عاقل من هذه الفقرات ومن النصوص التي ستأتي هي: أنَّ تقليد الفقهاء إذا كان جائزاً في الزمان الذي يمكن فيه أخذ الحكم من المعصوم (عليه السلام) فيجوز في الزمان الذي لا يمكن فيه ذلك بالأولويَّة القطعيَّة.
ولك أنْ تُسمّي هذا الدليل بدليل الأولويَّة القطعيَّة أيضاً.
الدليل السادس: سيرة العقلاء الممضاة:
إنَّ من الأدلَّة التي يستند إليها الفقهاء في بعض المسائل إذا لم يرد فيها نصٌّ من آيةٍ أو روايةٍ هو سيرة العقلاء، أي عادتهم التي يجرون عليها.
ولكنَّ الاستدلال بها يتوقَّف على شروط ثلاثة:
١ - أنْ تكون السيرة جارية في زمان المعصوم.
٢ - أنْ يسكت المعصوم عن تلك السيرة، ولا ينهى عنها.
٣ - أنْ يكون سكوته عنها دالًّا على رضاه بها، وإلَّا فلو كان سكوته في ظرف التقيَّة مثلاً فلا يكون دالًّا على رضاه بها، لاحتمال أنَّه لم يكن يرتضيها، ولكن منعته التقيَّة من النهي عنها.
فإذا اجتمعت الشرائط المذكورة في سيرةٍ من سِيَرِ العقلاء كانت حُجَّةً، ويمكن للفقيه أنْ يستكشف المشروعيَّة منها.
وسكوت المعصوم (عليه السلام) عن السيرة يُعبَّر عنه تارةً بـ(عدم الردع)، وتارةً بـ(الإمضاء)، فيقال: هذه سيرةٌ لم يُردَع عنها، أو سيرةٌ مُمضاة، وهو يدلُّ على جوازها شرعاً.
مثال تعليميٌّ: لو جرت سيرة العقلاء في زمن المعصوم على أكل السمك نَيِّئاً من دون شِواءٍ أو طبخٍ، فلو سكت المعصوم ولم يردَع عن أكله نيِّئاً ففي مثله إذا أحرز الفقيه اجتماع تلك الشروط فسوف يحكم بجواز أكل السمك نَيِّئاً، استناداً إلى إمضاء المعصوم (عليه السلام) لتلك السيرة العقلائيَّة.
إذا اتَّضح لك هذا فنقول: لقد جرت سيرة العقلاء بما هم عقلاء على رجوع غير المُختصِّين في مجالٍ معيَّنٍ إلى المختصِّ في ذلك المجال، كما في الطبِّ، والهندسة، والصناعة، والزراعة، وغيرها.
وهذا من أوضح الواضحات التي لا يناقش فيها إلَّا جاهلٌ، أو مغرضٌ، أو معاندٌ، أو مختلُّ العقل.
وهذه السيرة قديمة بقِدَم البشريَّة، فهي سابقة على الإسلام بقرون، ولو كانت مرفوضة شرعاً في مجال أخذ الأحكام الشرعيَّة لوجب الردع عنها، وحيث لم يصدر أيُّ ردعٍ عنها من المعصومين (عليهم السلام) ابتداءً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وانتهاءً بالحسن العسكريِّ (عليه السلام) فتكون سيرة ممضاةً، وبإمضائها يثبت أنَّ تقليد الفقهاء العدول أمر جائز بلا أدنى شكٍّ، ومن شكَّ في ذلك فهو وسواسيٌّ، والوسواسيُّ لا يُعتنى بوسوسته وشكِّه.
بل هناك روايات - كالتي ستأتي في الفصل الثاني - حثَّت على هذه السيرة، لا أنَّها لم تردَع عنها فقط.
بل إنَّ الدليل الأوَّل المتقدِّم - أعني قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) - ما هو إلَّا دليل إرشاديٌّ إلى تلك السيرة، أي إنَّ نفس الآية الكريمة تُرشِدنا وتُنبِّهنا إلى طريقة العقلاء في أمثال ذلك، فإنَّ العقلاء في ميدان تحصيل العلوم التخصُّصيَّة - في أيِّ مجالٍ كان - يحكمون بأنَّه لا يمكن لجميع أفراد المجتمع أنْ يتفرَّغوا لتحصيل ذلك الاختصاص، كما في الطبِّ والهندسة مثلاً، بل الصحيح عقلائيًّا هو أنَّ يتفرَّغ لكلِّ تخصُّصٍ بعض الأفراد ممَّن تكون بهم الكفاية، وينصرف الآخرون إلى شؤون حياتهم الأُخرى، وعند الحاجة يرجع الناس إلى أُولئك المتخصِّصين.
ولَعَمري إنَّ هذا لمن أوضح الواضحات، لكنَّ الذي ألجأَنا إلى الكلام فيه ما هو إلَّا إنقاذ المخدوعين من المؤمنين الطيِّبين.
الدليل السابع: سيرة المتشرِّعة:
إنَّ من أبرز أدلَّة مشروعيَّة التقليد وأوضحها من الناحية العمليَّة هو جريان سيرة المتشرِّعة على تقليد العوامِّ للمجتهدين في الأحكام الاجتهاديَّة.
ببيان: أنَّ المتشرِّعة من المسلمين - أي المتديِّنين منهم - ومنذ الصدر الأوَّل للإسلام إلى يومنا هذا كانوا يرجعون إلى الفقهاء لأخذ الأحكام الشرعيَّة منهم، بقطع النظر عمَّا كان يحتاج إليه الفقهاء في ذلك الزمان للوصول إلى رتبة الفقاهة، وهذا بنفسه يدلُّ دلالة واضحة على جواز الرجوع إلى الفقهاء العدول لأخذ الأحكام الشرعيَّة منهم.
والوجه في دلالتها على المشروعيَّة هو أنَّ المقصود من المتشرِّعة خصوص المؤمنين الملتزمين بأخذ الأحكام الشرعيَّة من المعصوم (عليه السلام)، وحيث إنَّهم كانوا يرجعون إلى الفقهاء في زمان الأئمَّة (عليهم السلام) لأخذ الأحكام الشرعيَّة ويُقلِّدونهم فيها، فيكشف ذلك عن أخذهم جواز التقليد من المعصوم (عليه السلام) لا من بنات أفكارهم، وإلَّا لم يكونوا متشرِّعة ومتديِّنين.
ومنه يتَّضح أنَّ سيرة المتشرِّعة تختلف عن سيرة العقلاء، فهي لا تحتاج إلى إمضاء من المعصوم (عليه السلام)، لأنَّ مصدر سيرة العقلاء نفس العقلاء، فكانت بحاجة إلى إمضاء من السَّماء، وأمَّا سيرة المتشرِّعة فمصدرها نفس المعصوم (عليه السلام)، بمعنى أنَّنا من خلال سيرة الملتزمين بخطِّ الأئمَّة (عليهم السلام) نستكشف حكمهم، فتكون سيرة المتشرِّعة أحد الطُّرُق لاستكشاف الأحكام الشرعيَّة.
ولو تنزَّلنا جدلاً وقلنا: إنَّ هذه السيرة بحاجة إلى إمضائهم (عليهم السلام) كسيرة العقلاء فإنَّ الإمضاء موجود أيضاً، إذ لم ينقل لنا التاريخ ولا في واقعةٍ واحدةٍ أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قد نهوا عنها، بل الوقائع التاريخيَّة تدلُّ على العكس، أعني الإمضاء، فهناك عدَّة روايات تدلُّ على حَثِّ الأئمَّة (عليهم السلام) شيعتهم على الرجوع إلى فقهاء أصحابهم العدول من أمثال زرارة، وأبي بصير، ومحمّد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وغيرهم ممَّن وعدنا بذكرهم في الفصل الثاني الذي عقدناه لإثبات قِدَم مرجعيَّة الفقهاء، ومعاصرتها لزمن الأئمَّة (عليهم السلام).
وهذا يدلُّ دلالة واضحة على صواب فعل أُولئك المتديِّنين من المؤمنين، إذ من المحال أنْ يكونوا بأجمعهم ضالِّين في جميع تلك القرون من دون أنْ ينتشلهم من ضلالتهم واحد من المعصومين (عليهم السلام)، وهم الذين جعلهم الله هداةً للناس، لاسيّما في أخذ الأحكام الشرعيَّة.
وقد تقول: هناك روايات وردت عنهم (عليهم السلام) تذمُّ التقليد، فكيف ادَّعيت عدم صدور ردعٍ عنه؟
وجوابه: أنَّ تلك الرِّوايات نقلها الشيخ الكليني (رحمه الله) في كتابه (الكافي) تحت عنوانٍ خاصٍّ بذلك، لكنَّها أجنبيَّة عن تقليد الفقهاء العدول من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام)، ومختصَّة بتقليد غيرهم ممَّن حلَّلوا الحرام وحرَّموا الحلال، والذين كانوا كمثل الأحبار والرهبان في ديانتي اليهود والنصارى.
لكنَّ كلامنا ليس في أمثال هؤلاء، بل كلامنا في الفقهاء العدول الذين أفنوا أعمارهم في خدمة شريعة سيِّد المرسَلين، وأحنوا ظهورهم وأتعبوا أبصارهم لاستخراج الكنوز من روايات أهل بيته الطاهرين، ممَّن سمَّتهم الروايات في نفس كتاب الكافي بـ(أُمناء الرُّسُل) تارةً، و(ورثة الأنبياء) أُخرى، و(حصون الإسلام) ثالثةً، وغير ذلك من الأوصاف ذات المضامين العالية، وإلَّا فجميعنا متَّفِقٌ على حرمة تقليد المنحرفين من الفقهاء، ولذا ترى فقهاءنا يشترطون في مرجع التقليد أنْ يكون عادلاً، ولا يكفي كونه مجتهداً.
وسيأتي إنْ شاء الله تعالى مزيد تفصيل في جواب هذا الإشكال(٢٤)، وسيأتي أيضاً ما يدلُّ من النصوص المعصوميَّة على مشروعيَّة تقليد فقهائنا بالخصوص(٢٥).
الدليل الثامن: البداهة:
إنَّ مشروعيَّة تقليد العامِّي للفقيه قضيَّة بديهيَّة لا تحتاج إلى إقامة دليل.
إنْ قلتَ: لو كانت مشروعيَّته قضيَّة بديهيَّة - كما تدَّعي - فلِمَ كلُّ هذه الاستدلالات إذن؟!
قلتُ: إنَّ الإنسان يغفل أحياناً عن بعض البديهيَّات لسببٍ من الأسباب، فيتخيَّل أنَّها ليست بديهيَّةً، وتفصيل ذلك سيأتي بعد قليل، فانتظر.
ومن المعلوم أنَّ القضايا البديهيَّة لا تحتاج إلى إقامة دليل عليها، بخلاف القضايا غير البديهيَّة، وهي المسمَّاة بالقضايا الكسبيَّة، أي التي يكتسبها العقل من خلال البحث والفكر والاستدلال.
ومن أمثلة القضايا البديهيَّة قولنا: (الكلُّ أكبر من جزئه)، فمن قال: (إنَّ الإصبع جزء من اليد) لا بدَّ أنْ يقول: (إنَّ اليد أكبر من إصبعها).
وهذا أمر لا يحتاج إثباته إلى تفكير، فإنَّنا بمجرَّد أنْ نتصوَّر معنى الكلِّ ومعنى الجزء سوف نُذعِنُ ونُسلِّم بلا تأمُّل ولا تفكير بأنَّ الأوَّل أكبر من الثاني.
ومن أمثلة القضايا الكسبيَّة قولنا: (زيد مجتهد)، لأنَّ ثبوت الاجتهاد لأيِّ شخصٍ يحتاج إلى دليل، ولا يكفي أنْ يدَّعِيَهُ هو لنفسه، أو يدَّعِيَهُ له من لم يكن من أهل الخبرة في هذا المجال، كالذين يُطبِّلون لبعض من يدَّعون المرجعيَّة لأنفسهم في زماننا هذا، والحال أنَّه لم يشهد باجتهادهم أحدٌ من ثقات أهل الخبرة، بل نفاها عنهم أهلها بشكلٍ قطعيٍّ.
ولعلَّك تقول: لو لم تكن القضايا البديهيَّة بحاجة إلى دليل كما ادَّعيتَ فلماذا نجد بعض الناس يُشكِّك في بعض البديهيَّات، كما هو حال الملحدين الذين يُنكِرون الخالق (عزَّ وجلَّ)، ويدَّعون أنَّ الكون وُجِدَ صُدفةً، مع أنَّهم يعترفون بأنَّ الكون حادثٌ، وبذلك يكونون قد أنكروا بديهيَّةً من البديهيَّات، وهي القضيَّة القائلة: (إنَّ لكلِّ حادثٍ سبباً)؟
فجوابه: أنَّ إنكار البديهيِّ له عدَّة أسبابٍ:
فمنها: وجود ضعفٍ في عقل المنكِر في أصل الخِلقة، كالبُلَهَاء.
ومنها: الغفلة عن القضيَّة، فإنَّ الغفلة تجعل الواضح غامضاً أحياناً، والغافل لا يحتاج إلى أكثر من التنبيه، وكم مرَّةٍ صادفنا وصادفتم أُناساً تمرُّ بهم بعض الحالات ينسون فيها حتَّى أسمائهم، وأسماء أبنائهم، وما إلى ذلك.
ومنها: أنْ يكون لإنكاره هدفٌ وغرضٌ يسعى لتحقيقه، كبعض المنكِرين لوجود الخالق (عزَّ وجلَّ)، مع أنَّهم يعتقدون بوجوده في قرارة أنفسهم، وإنَّما يُنكِرونه بألسنتهم فقط، لكي يُقوِّضوا تعاليم الدِّين والأحكام الإلهيَّة، لأنَّهم يريدون العيش بحُرّيَّة مطلقة، متحلِّلين من قيود الأحكام الشرعيَّة، ليفعلوا في هذه الدنيا كلَّ ما يرغبون في فعله، من الشهوات، والفواحش، والجرائم الأخلاقيَّة، وغير ذلك من الأفعال التي يقف الشرع في وجهها، ويُحرِّمها عليهم.
ولذا ترى أنَّ الطُّغاة والجائرين من الحُكَّام وأعوانهم في صدارة الذين يقفون في وجه الأنبياء والرُّسُل والمصلحين، رغم أنَّهم يعتقدون في قرارة أنفسهم بصدقهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤).
ومن هنا يتَّضح الجواب على الإشكال السابق في أوَّل الحديث، فإنَّ ما قدَّمناه من أدلَّة هي في الواقع من قبيل المنبِّهات، وليست أدلَّة، لأنَّ مشروعيَّة التقليد أمر واضح، بل هي من أوضح الواضحات، لكن وكما قيل: (توضيح الواضحات من أشكل المشكلات).
ولو لم تكن مشروعيَّة التقليد من البديهيَّات فلا أقلَّ هي قريبةٌ منها، لأنَّ من نظر في المقدّمات التي قدَّمناها في أوَّل الكتاب لا بُدَّ أنْ يحصل له القطع بالمشروعيَّة، وملخَّصها:
١ - أنَّ أكثر الأحكام يتوقَّف العلم بها على عمليَّة الاستنباط.
٢ - أنَّ العوامَّ ليس لهم القدرة على استنباطها.
٣ - أنَّ امتثال العوامِّ للأحكام ينحصر بطريقين، إمَّا أنْ يحتاطوا فيها، أو يُقلِّدوا من له القدرة على استنباطها، أعني المجتهد، ولا طريق ثالث أمامهم.
٤ - أنَّ الاحتياط مُتعسِّرٌ غالباً على العوامِّ، بل ومستحيلٌ أحياناً.
هذه مقدّمات أربع كلُّها من المسلَّمات والواضحات، وما من عاقل يلتفت إليها إلَّا و يحكم بعدها بلزوم التقليد على العامّيِّ.
وأمَّا الغافل عنها أو عن بعضها فهو بحاجة إلى تنبيهٍ وإلفات نظرٍ ليس أكثر، وبعد تنبيهك له سيحكم بنفسه بوجوب التقليد، ولم يُقلِّدك في ذلك.
وما كان طرحنا لهذا البحث إلَّا لتنبيه الغافلين عن هذه البديهيَّة، وهي أنَّ امتثال العوامِّ للأحكام الاستنباطيَّة منحصر بالتقليد.
ويتَّضح من هذا كلِّه: أنَّ تقليد العامّيِّ في الأحكام الاستنباطيَّة ليس أمراً مشروعاً فحسب، بل هو واجب قطعاً، وبلا أدنى تردُّد، وأنَّ من يُشكِّكُ في وجوبه فهو إمَّا فاسدُ العقل، أو غافلٌ، أو معاندُ، أو مغرضٌ، أو مكابرٌ، فإنَّ كثيراً من الناس حينما يخطئون الطريق ثمَّ يكتشفون أنَّه الطريق الخطأ لا يكون من السهل عليهم أنْ يعترفوا بخطأهم، ولذا تراهم يكابرون، وتأخذهم العزَّة بالإثمِّ، ولا عجب بعد ذلك أنْ يُنكِروا الواضحات، ويناقشوا في البديهيَّات.
ونحن بدورنا نسأل الله تعالى أنْ لا يصل بعض المنكِرين للتقليد إلى هذه النقطة، فربَّما كانت نقطة اللَّاعودة والعياذ بالله، وعليهم أنْ يتذكَّروا قول سيِّد الشهداء (عليه السلام): «العَارُ أَوْلَى مِنْ دُخُوْلِ النَّارِ»(٢٦)، فلئن يُعيَّرَ أحدنا في الدنيا بعد توبته ويقال له: (قد كنت على خطأ) أولى له من أنْ يُصِرَّ على الخطأ، فيستحقُّ بذلك العقوبة يوم القيامة.
الدليل التاسع: واقع الحال:
يدَّعي منكرو التقليد أنَّ العامّيَّ بإمكانه الرجوع إلى الرِّوايات وأخذ الأحكام الشرعيَّة منها بنفسه، بلا حاجة إلى مراجعة الفقيه.
وهذا الادِّعاء يبتني على خيالٍ يزول بمجرَّد الاصطدام بالواقع، فإنَّهم تخيَّلوا أنَّ تحصيل الأحكام من الرِّوايات أمرٌ متيسِّرٌ لكلِّ أحد، وأنَّ من أراد التعرُّف على وظيفته الشرعيَّة في أيِّ مسألةٍ فما عليه إلَّا أنْ ينظر في الرِّوايات، وسوف يجد الحكم ماثلاً أمام عينيه بشكل واضح، ولكن الواقع بخلاف ذلك تماماً، وذلك من جهتين:
الجهة الأُولى: أنَّ كثيراً من الأحكام غيرُ مصرَّحٍ بها في الرِّوايات، وإنَّما يتوصَّل إليها الفقيه بعد عدَّة خطوات يجريها، كما سنُوضِّحه بعد قليل.
الجهة الثانية: أنَّ كثيراً من الرِّوايات يصعب على العوامُّ فهمها من الأساس، لاشتمالها على مفردات وتراكيب جُمَلٍ كانت متداولة في تلك الأزمنة، وقد هجرها العرب في العصور اللاحقة، كما سنُوضِّح إنْ شاء الله تعالى.
توضيح الجهة الأُولى:
لو أراد الفقيه البحث عن حكم من الأحكام الشرعيَّة كحكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة مثلاً من جهة وجوب التصدِّي لإقامتها أو عدم وجوبه.
وفي هذا المثال لا بُدَّ له من إجراء عدَّة خُطوات للوصول إلى حكمها:
الخطوة الأُولى: أنْ يرجع إلى الكتاب العزيز وروايات المعصومين (عليهم السلام) أو غيرهما من مصادر التشريع، كالإجماع وغيره.
وربَّما يتبادر إلى الذهن أنَّ حكم التصدِّي لإقامتها هو الوجوب، وأنَّ الدليل عليه هو قوله تعالى: ﴿يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩).
إلَّا أنَّ جملة من الفقهاء يرون أنَّ ظاهر الآية: أنَّه متى ما نُودي لصلاة الجمعة فآنذاك يجب على المسلمين السعي لأدائها، وأمَّا إذا لم يُنادَ لها فلا دلالة للآية على وجوب التصدِّي لإقامتها، ثمّ النداء في المسلمين لأجل ذلك.
فإنْ كان الأمر كما يقولون فلا بُدَّ أنْ يطلب الفقيه الحكم من دليل آخر، وهو الرِّوايات، أو الإجماع إنْ كان هناك إجماعٌ على الوجوب، أو عدمه.
وفي هذه المرحلة يحتاج الفقيه إلى عدَّة خطوات ترتبط بعالم الرِّوايات، أو عالم الإجماع، وسنشير إليها لاحقاً إشارة عابرة.
الخطوة الثانية: أنْ يثبت في مرحلة سابقة أنْ خطابات القرآن لا تختصُّ بزمان نزوله، بل تعمُّ جميع الأزمنة، بما في ذلك زمان الغيبة.
وهذه الخطوة تُبحَث في علم الأُصول لدفع شبهة الاختصاص بزمان نزوله، وهو مبحث لا يرقى إلى مستواه أذهان العوامِّ.
الخطوة الثالثة: أنْ يثبت في مرحلة سابقة أيضاً أنَّ ظواهر القرآن حجَّةٌ، فيجوز لنا العمل بها، خلافاً لمن يدَّعي أنَّ ظواهره مختصَّة بالمعصومين (عليهم السلام)، وأنَّه لا يجوز لنا التعامل معها بشكل مباشر، وأنَّه يجب الرجوع إلى الرِّوايات الشارحة لتلك الظواهر، وأنَّها إنْ لم توجد لم يجز لنا العمل بالآية الكريمة.
وما لم يُبطِل الفقيه هذا القول ويُثبِت حجّيَّة ظواهره بالنسبة إلينا فلا يمكنه الاستدلال بظاهر الآية على الحكم المذكور.
الخطوة الرابعة: أنْ يراجع الرِّوايات الواردة في صلاة الجمعة لينظر هل فيها تقييد بزمان الأئمَّة (عليهم السلام)، أو تعمُّ زمان الغيبة أيضاً، لأنَّ المستفاد من بعض الرِّوايات أنَّها مختصَّة بالمعصوم (عليه السلام)، فلا يجوز لغيره إقامتها إلَّا بإذنه.
فإنْ ثبت اختصاصها بالمعصوم (عليه السلام) حكم الفقيه بعدم وجوبها في زمن الغيبة، كما ذهب إلى ذلك بعضهم، بل وأفتى بعضهم بحرمتها.
وإنْ ثبت عمومها لجميع الأزمنة أفتى بوجوبها في زمن الغيبة.
الخطوة الخامسة: أنْ ينظر في جميع روايات صلاة الجمعة هل يوجد بينها تعارضٌ أو لا ؟ ولو وُجِدَ فكيف يحلُّه ويرفعه؟
وهذه الخطوة من أخطر فنون علم الأُصول وأصعبها، ومنها ومن أمثالها من البحوث العالية يمكن لأهل الخبرة أنْ يُميِّزوا بين المجتهد وغير المجتهد، وبين الأعلم وغير الأعلم.
الخطوة السادسة: لو ثبت لدى الفقيه جواز إقامتها في زمن الغيبة فعليه أنْ يبحث هل أنَّ وجوبها تعيينيٌّ، بمعنى أنَّ الواجب في ظهر يوم الجمعة هو صلاة الجمعة لا صلاة الظهر، أو أنَّنا مخيَّرون بينها وبين صلاة الظهر؟
الخطوة السابعة: أنْ يراجع كلمات الفقهاء الذين سبقوه، لينظر هل هناك إجماع منهم أو شهرة على خلاف النتيجة التي توصَّل إليها، أو لا يوجد شيءٌ من ذلك؟
والوجه في ذلك: أنَّ آراء الفقهاء السابقين لها تأثير كبير على الرأي الذي يتبنَّاه الفقيه، لأنَّهم لو أجمعوا على حكم يخالف ما توصَّل إليه فهو يدلُّ على وجود خللٍ إمَّا في استدلاله أو في استدلالهم.
ولذا تجد الفقهاء يُقدِّمون البحث في هذه الخطوة قبل غيرها من الخطوات السابقة، وكأنَّ معرفة آراء المتقدِّمين تُوجِّه بوصلة البحث نحو الاتِّجاه الصحيح.
وهذه الخطوة تتطلَّب مراجعة المصادر الفقهيَّة بالتفصيل، وهو عمل مُجهدٌ ومتعبٌ عقليًّا وعضليًّا، وليس بالأمر السهل كما قد يتوهَّم بعض الناس.
الخطوة الثامنة: مرحلة الإفتاء بما استقرَّ عليه دليله، وهي مرحلة دقيقة وحسَّاسة جدًّا، وذلك لأنَّ الأحكام التي يتوصَّل إليها الفقيه ليست على نحوٍ واحد، فمنها ما لا يمكن له التصريح بها ولو إلى أمدٍ محدود، أو ظرفٍ معيَّن، لأنَّ فقهاءنا وفي جميع العصور قد ابتلُوا بمثل ما ابتُلِيَ به الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) من الموانع التي تمنعهم من البوح ببعض الأحكام الشرعيَّة، بل ربَّما أوجبت بعض العناوين التقيَّة عليهم في ذلك.
وإذا كان الإمام (عليه السلام) الذي لا شكَّ في حرصه على هداية الناس ولا في شجاعته يلجأ إلى التقيَّة في بيان الحكم أحياناً فما بالك بالفقيه؟
وقد روى لنا التاريخ القديم والمعاصر عدَّة مواقف لعدد من الفقهاء اضطرتهم التقيَّة إلى كتم بعض الأحكام الشرعيَّة أُسوةً بالأئمَّة الأطهار (عليهم السلام).
وتشخيص ذلك يحتاج إلى معرفة دقيقة بالزمان وأهله، ومعرفة كيفيَّة التعامل مع أعداء أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، من حُكَّام الجور، والنواصب، وغيرهم، كلُّ ذلك بحسب ما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين، حتَّى إنَّ الفقيه ربَّما يدفع لأجل ذلك ثمناً باهضاً من سمعته، بسبب اتِّهام الجَهَلَة له بشتَّى أنواع التُّهم والافتراءات، ولكنَّه يصبر عليها كما صبر أئمَّته (عليهم السلام).
هذه بعض الخطوات التي يلزم على الفقيه أنْ يسلكها لأجل الوصول إلى الحكم الشرعيِّ.
وهناك خطوات أُخرى أعرضنا عن ذكرها لئلَّا يطول بذكرها الكلام، وهي ترتبط بعدَّة علوم، كالعلوم الأدبيَّة، أعني اللغة والمفردات، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، فإنَّ لهذه العلوم مدخليَّة كبيرة في فهم آيات الأحكام، والروايات المعصوميَّة.
وكعلم الدراية، وعلم الرجال، وكذا ما يرتبط باختلاف نُسَخ كُتُب الحديث، فإنَّ لهذه العلوم مدخليَّة في تشخيص الرِّوايات المعتبرة من غير المعتبرة، ومعرفة اختلاف نُسَخ الكُتُب الحديثيَّة وكيفيَّة التعامل معها.
وكعلم الفقه المقارن، حيث يُمكِّن الفقيه من الاطِّلاع على فقه المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، لتشخيص الرِّوايات الموافقة لمذاهبهم والرِّوايات المخالفة لها، فبذلك يتميَّز ما صدر من الرِّوايات لأجل التقيَّة عمَّا صدر لبيان الحكم الواقعي، لتُطرَحَ الموافقة لهم، ويُؤخَذ بالمخالفة عند تعارضهما، عملاً منهم بما أمرهم به أهل البيت (عليهم السلام) كعلاج لهذا النوع من التعارض، حيث أمروا (عليهم السلام) بالأخذ بما خالف العامَّة من الرِّوايات، وطرح ما وافقهم منها.
إلى غير ذلك من البحوث ممَّا يستهلك سنوات طوال من عمر الفقيه، لأجل تحصيل ملكة الاجتهاد، وبلوغ درجةٍ من الفقاهة تُمكِّنه من الوصول إلى الأحكام التي يتوقَّف الوصول إليها على عمليَّة الاستنباط.
توضيح الجهة الثانية:
ولتوضيح هذه الجهة نستعرض جملة من الأمثلة الواقعيَّة، ليتَّضح بها المقصود من هذا الدليل، والذي أسميناه بواقع الحال، وتلك الأمثلة على نحوين:
١ - جملة من المسائل الابتلائيَّة المودَعة في الروايات.
٢ - جملة من المسائل المستحدثة.
ويتوجَّب على منكري التقليد أنْ يُجيبوا عليها، مع ذكر الدليل على كلِّ جواب من دون أنْ يستعينوا بكُتُب الاستدلال الفقهي لعلمائنا، ولا برسائلهم العمليَّة، وليعتمدوا على عقولهم فقط، لننظر هل أنَّ الأمر كما يدَّعون أو لا؟
النحو الأوَّل: جملة من المسائل الابتلائيَّة المودَعة في الروايات:
وقد اخترنا لهم من المسائل المشار إليها خمسة أمثلة:
المثال الأوَّل: روى الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): الماء يطهر ولا يطهر»(٢٧).
وهنا عدَّة مسائل ترتبط بالرواية الشريفة نقتصر على بعضها:
١ - كيف تُقرَأ جملة: (يطهر ولا يطهر) والتي وردت هكذا بلا تحريك؟ وما هو الدليل على صحَّة قراءتك؟
٢ - ما هو الحكم الشرعيُّ الذي يُستفاد من هذه الرواية؟
٣ - كيف نعالج الرِّوايات المعارضة لهذه الرِّواية؟
المثال الثاني: روى الكلينيُّ أيضاً بسنده عن معاوية بن عمَّار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذا كان الماءُ قدرَ كُرٍّ لم يُنجِّسه شيءٌ»(٢٨).
وهنا عدَّة مسائل نذكر بعضها:
١ - ما المقصود من الكُرِّ؟
٢ - ما حكم الماء الذي لم يبلغ كُرًّا، هل يُنجِّسُهُ كلُّ نجاسة تصيبه، أو بعض النجاسات دون بعض؟
٣ - لو نقص الكرُّ قطرةً واحدةً، ثمَّ أصابته نجاسةٌ، فهل يتنجَّس بها أو أنَّ القطرة والقطرتين ممَّا يتسامح الشرع فيها، ويبقى حكم الكُرِّ سارياً؟
٤ - لو كان لدينا حوضان؛ في أحدهما نصف كُرٍّ، وفي الآخر نصف كُرٍّ أيضاً، وقمنا بالتوصيل بينهما بأُنبوب رفيع، فهل يصيرانِ كُرًّا حقيقةً، أو يصيرانِ بحكم الكُرِّ، أو لا يصيرانِ كُرًّا ولا بحكمه؟
٥ - ما الفرق من ناحية الأحكام الأُخرى المرتبطة بعنوان الكُرِّ بين الكُرِّ الحقيقيِّ وما كان بحكمه؟
٦ - من النجاسات ما لا يتحلَّل في الماء كعظم الكلب، ومنها ما يتحلَّل فيه كلعابه، فهل تشمل الرِّوايةُ كلا القسمين، أو تختصُّ بما لا يتحلَّل منهما؟
٧ - هل الماء الموجود في الأنابيب في زماننا هذا من مصاديق الكُرِّ، أو هو بحكم الكُرِّ، أو ليس منه ولا بحكمه؟
٨ - لو كان لدينا نصفُ كُرٍّ في حوضٍ، ونصفُ كُرٍّ في الخزَّان العلوي، وأخذ الماء ينصبُّ من الخزَّان العلوي على الماء الذي في الحوض، وفي حال الاتِّصال وقعت نجاسة في الخزَّان العلويّ، فهل يتنجَّس ما في الخزَّان وما في الحوض، أو يتنجَّس ما في الخزَّان فقط، أو ما في الحوض فقط، أو يكونان بحكم الكُرٍّ فلا يتنجس أيٌّ منهما؟
٩ - نفس المسألة السابقة، ولكن نفترض وقوع النجاسة في الحوض لا في الخزَّان، فهل الحكم في هذه الحالة نفس الحكم في الحالة السابقة، أو يختلف عنه؟
المثال الثالث: روى الكليني جملةً من الرِّوايات عن الأئمَّة (عليهم السلام) في تحديد الماء الكُرِّ، فجاءت الأجوبة بتحديداتٍ مختلفةٍ في عدِّة روايات:
فمنها: أنَّه ثلاثةُ أشبار ونصف عُمقُهُ، في ثلاثة أشبار ونصف عُرضُهُ.
ومنها: أنَّه ثلاثةُ أشبار ونصف، في ثلاثة أشبار ونصف في عمقه.
ومنها: أنَّ الكُرَّ ثلاثة أشبار، في ثلاثة أشبار.
ومنها: أنَّه ألفٌ ومِائَتا رِطْلٍ.
ومنها: أنَّه أكثر من راوية.
ومنها: أنَّه بمقدار حِبٍّ من الحِباب التي كانت في المدينة في زمنهم (عليهم السلام)(٢٩).
هذه ستَّة تحديدات للكرِّ جاءت في رواياتهم (عليهم السلام)، حُدِّد في ثلاثٍ منها بالمساحة أعني الحجم، وفي الرابعة بالوزن، وفي الخامسة والسادسة بالمثال.
ولا يخفى أنَّ تحديد الكُرِّ قضيَّة في غاية الأهمّيَّة، لأنَّها ترتبط بطهارة الماء ونجاسته، ويتوقَّف على معرفته الحكم بصحَّة الصلاة وغيرها من العبادات والأفعال المشروطة بالطهارة.
ومن هنا نتقدَّم إلى منكري التقليد بمسألةٍ واحدة ليس أكثر، ليتفضَّلوا بالإجابة عليها، فنقول: ما هو حدُّ الكرِّ شرعاً حسب هذه الروايات المختلفة؟
المثال الرابع: روى الكلينيُّ جملة من الرِّوايات في أحكام الشكِّ في ركعات الصلاة، ونقتصر على ذكر ثلاث روايات:
١ - عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يُصلِّي ولا يدري واحدةً صلَّى أم ثنتين؟ قال: «يستقبل حتَّى يستيقن أنَّه قد أتمَّ، وفي الجمعة، وفي المغرب، وفي الصلاة في السفر»(٣٠).
٢ - عن أبي بصير، قال: سألته عن رجل صلَّى فلم يدرِ أفي الثالثة هو أم في الرابعة، قال: «فما ذهب وهمه إليه، إنْ رأى أنَّه في الثالثة وفي قلبه من الرابعة شيءٌ سلَّم بينه وبين نفسه، ثمَّ يُصلِّي ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب»(٣١).
٣ - عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: قلت له: من لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟ قال: «يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب، ويتشهَّد، ولا شيء عليه، وإذا لم يدرِ في ثلاثٍ هو أو في أربعٍ وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أُخرى، ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقينَ بالشكِّ، ولا يُدخِل الشكَّ في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنَّه ينقض الشكَّ باليقينِ، ويُتمَّ على اليقين فيبني عليه، ولا يعتدَّ بالشكِّ في حال من الحالات»(٣٢).
المثال الخامس: وهو مختصٌّ ببعض أحكام صلاة المسافر، ونقتصر على ذكر ثلاث روايات أيضاً:
١ - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «بينا نحن جلوسٌ وأبي عند والٍ لبني أُميَّة على المدينة، إذ جاء أبي فجلس، فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير، فقال قائل منهم: في ثلاثٍ، وقال قائل منهم: يوم وليلة، وقال قائل منهم: روحة، فسألني فقلت له: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لمَّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): في كم ذاك؟ فقال: في بريدٍ، قال: وأيُّ شيءٍ البريد؟ قال: ما بين عَيْرٍ إلى فَيْءِ وَعِيْرٍ، قال: ثمّ عبرنا زماناً، ثمّ رُأيَ(٣٣) بنو أُميَّة يعملون أعلاماً على الطريق، وأنَّهم ذكروا ما تكلَّم به أبو جعفر (عليه السلام) فذرعوا ما بين ظلِّ عَيْرٍ إلى فَيْءِ وَعِيْرٍ، ثمّ جَزَّوهُ إلى اثني عشر ميلاً، فكان ثلاثةَ آلافٍ وخمسمائةَ ذراعٍ كلُّ ميلٍ، فوضعوا الأعلامَ، فلمَّا ظهر بنو هاشم غيَّروا أمر بني أُميَّة غِيَرَةً، لأنَّ الحديث هاشميٌّ، فوضعوا إلى جنب كلِّ عَلَم عَلَماً»(٣٤).
٢ - عن بشير النبَّال، قال: خرجت مع أبي عبد الله (عليه السلام) حتَّى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا نبَّال»، قلت: لبَّيك، قال: «إنَّه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أنْ يُصلّي أربعاً غيري وغيرك، وذلك أنَّه دخل وقت الصلاة قبل أنْ نخرج»(٣٥).
٣ - عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة، قال: «يُصلِّي ركعتين، فإذا خرج إلى سفر وقد دخل وقت الصلاة فليُصلِّ أربعاً»(٣٦).
هذه خمسة أمثلة لمسائل ابتلائيَّة يتفرَّع منها مسائل أُخرى، وعلى منكري التقليد أنْ يُجيبوا عليها بالشرط المتقدِّم.
النحو الثاني: جملة من المسائل المستحدثة:
وقبل سرد أمثلة هذا النحو يجدر الالتفات إلى أنَّ من أهمِّ وظائف الفقيه في عصر الغيبة تحديد الحكم الشرعيِّ بلحاظ المسائل التي حدثت في زمن الغيبة الكبرى، حيث لا يمكن الوصول إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) لأخذ أحكامها منه كما كانت تُؤخَذ أحكام الحوادث من آبائه (عليهم السلام).
ومنه يتَّضح حجم المسؤوليَّة الشرعيَّة الملقاة على عاتق فقهائنا (أعلى الله مقامهم) في هذه الأزمنة.
ونحن بدورنا نطالب منكري التقليد أنْ يستخرجوا أحكامها من الكتاب العزيز، أو الرِّوايات المعصوميَّة، من غير استعانة بكُتُب فقهائنا الاستدلاليَّة، أو رسائلهم العمليَّة، وإلَّا كانوا مقلِّدين لهم.
ولنجعل المسائل تحت عناوين عامَّة كالتالي:
١ - مسائل طبيَّة.
٢ - مسائل اقتصاديَّة.
٣ - مسائل اجتماعيَّة.
٤ - مسائل سياسيَّة.
٥ - مسائل عسكريَّة.
٦ - مسائل علميَّة.
٧ - مسائل متفرِّقة.
وسوف نقتصر على ذكر عشر مسائل لكلِّ قسمٍ ممَّا هو محلٌّ للابتلاءِ وموردٌ لسؤال المؤمنين (أعزَّهم الله)، وبالترتيب المذكور.
مسائل طبّيَّة:
١ - هل يجوز تلقيح بويضة الزوجة بنطفة زوجها خارج الرحم، ثمّ زرعها بعد التلقيح في رحمها؟
٢ - إذا جاز التلقيح بنطفة الزوج فهل يجوز تلقيحها بنطفة أجنبيٍّ خارج رحمها، ثمّ زرعها في رحمها؟
٣ - إذا تمَّ تلقيحها بنطفة الأجنبيِّ وزُرعت في رحمها فهل ينتسب الولد إلى الزوجين، أو إلى الزوجة والأجنبيِّ، أو إلى الزوجة فقط، أو إلى الأجنبيِّ فقط؟
٤ - إذا تمَّ تلقيحها بنطفة زوجها فهل يجوز زرعها في رحم امرأةٍ أجنبيَّةٍ؟
٥ - إذا تمَّ زرعها في رحم امرأةٍ أجنبيَّة فهل ينتسب الولد إلى صاحبة البويضة، أو إلى الأجنبيَّة التي حملتها؟
٦ - هل يجوز للزوجة شرب دواءٍ يمنع من الحمل؟
٧ - هل يجوز للزوجة أنْ ترفع المبيض كي لا تحبل مدى الحياة؟
٨ - إذا جاز رفع المبيض فهل يجوز لها رفع الرحم بكامله؟
٩ - هل يجوز للزوجة وضع اللَّولب بجميع أنواعه، أو يختصُّ الجواز بنوعٍ خاصٍّ منه، أو لا يجوز مطلقاً؟
١٠ - إذا توقَّف وضع اللَّولب على كشف عورتها فهل يجوز لها ذلك مطلقاً، سواء كان الكشف أمام طبيب أو طبيبة، أو يختصُّ الجواز بالطبيبة، أو لا يجوز مطلقاً؟
هذا غيضٌ من فيضٍ من المسائل الطبّيَّة التي تحتاج إلى بيان أحكامها الشرعيَّة، فهل يمكن لعامِّيٍّ أنْ يستخرج تلك الأحكام من الكتاب، أو السُّنَّة، ولو بعد خمسين سنة من دون دراسة حوزويَّة؟
مسائل اقتصاديَّة:
١ - السُّلفة المتعارفة اليوم بين المؤمنين ما هي حقيقتها حسب روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فهل هي إباحة مشروطة، أو هبة مشروطة، أو قرضٌ، أو هي عقد خاصٌّ لا يدخل تحت العناوين المذكورة؟
٢ - السُّلفة التي تُقدِّمها الدوائر الحكوميَّة لموظَّفيها مع فرضها لمقدارٍ من الربح عليها: هل هي قرضٌ ربويٌّ محرَّم، أو قرضٌ ربويٌّ جائز، أو خدمة تُقدِّمها الدائرة في مقابل مقدارٍ من الربح، فتكون معاملة خاصَّة، ولو كانت قرضاً ربويًّا فهل هناك طريقة شرعيَّة للتخلُّص بها من الرِّبا؟
٣ - هل يجوز الاقتراض من البنك الحكومي، أو الأهلي، أو المشترك، أو يُفصَّل بين البنوك الإسلاميَّة وغيرها، أو لا يجوز مطلقاً؟
٤ - هل يجوز العمل في البنوك الربويَّة في وظيفةٍ جائزةٍ في حدِّ نفسها، كمحاسبٍ، أو حارسٍ، أو سائقٍ، أو منظِّفٍ، أو غير ذلك؟
٥ - هل يجوز التسوُّق الإلكتروني؟ ولو جاز فهل أحكامه كأحكام التسوُّق المتعارف، أو له أحكامه الخاصَّة به؟
٦ - هل هناك إشكال شرعيٌّ في الحوالات المصرفيَّة، أو يختصُّ الإشكال بالمصارف الحكوميَّة، أو الأهليَّة، أو المشتركة؟
٧ - هل يجوز شراء أسهم الشركات، وما هي شروط الجواز؟
٨ - هل يترتَّب على المال المقبوض من مكاتب البطاقة الذكيَّة بدلاً عن المرتَّب الشهري أحكامُ المرتَّب نفسه، أو هو شيء آخر له أحكام أُخرى؟
٩ - هل يجوز العمل فيما يساعد على انهيار العملة في بلدٍ حكومته تعادي المسلمين إذا كان في البلد مسلمون يتضرَّرون من ذلك، أو أنَّه لا يجوز، أو أنَّ في المسألة تفصيلاً؟
مسائل اجتماعيَّة:
١ - هل يصحُّ عقد الزواج عبر الإنترنت؟
٢ - هل تجوز الدردشة بين الأجنبي والأجنبيَّة من دون صورة، ولا صوت، ومن دون معرفة أحدهما للآخر؟
٣ - إذا جازت الدردشة بينهما فهل تجوز مطلقاً حتَّى في مثل القضايا الجنسيَّة إذا لم تكن مثيرة للشهوة؟
٤ - هل تجوز الموافقة على الصداقة بين الجنسين في مواقع التواصل كالفيس بوك وغيره من دون دردشة؟
٥ - هل يجوز تنزيل الصور من صفحة خاصَّة من دون الاستيذان من صاحبها؟
٦ - هل يجوز النشر على صفحة شخص من دون الاستئذان منه؟
٧ - هل يجوز للمكلَّف أنْ يشارك منشوراً متداولاً بين الصفحات يحتمل أنَّه يتسبَّب في مشكلة بين طرفين؟
٨ - هل يجب النهي عن المنشورات غير الجائزة شرعاً بحيث إذا لم يُعلِّق المكلَّف عليها كان آثماً؟
٩ - هل يجوز للمكلَّف أنْ يخرج مع خطيبته لشراء جهاز العرس إذا كان الخروج المذكور متعارفاً في المجتمع، وكان بإذن أهلها؟
١٠ - هل يجوز للنساء حضور حفلات الزفاف في القاعات المعدَّة بعد أنْ صار ذلك متعارفاً في بعض البلدان في هذا العصر؟
مسائل سياسيَّة:
١ - هل يجوز لبلد مسلم إقامة علاقة مع بلد معادٍ لبلدٍ مسلم آخر، أو يختصُّ الجواز بدرجة خاصَّة من العلاقات الدبلوماسيَّة، أو لا يجوز مطلقاً؟
٢ - هل يجوز شرعاً الكذب وخلف الوعد وما شاكل ذلك في عالم السياسة مطلقاً، أو يختصُّ جواز ذلك مع الكُفَّار دون المسلمين، أو مع المعادين من الكُفَّار دون المعاهدين منهم، أو لا يجوز مطلقاً؟
٣ - ما حكم الاتِّفاقيَّة الأمنيَّة مع دولة أُخرى بتسليم كلٍّ من الدولتين المعارضين السياسيين للدَّولة الأُخرى؟
٤ - هل يجوز للدولة المسلمة الانضمام إلى المنظَّمات العالميَّة كالأُمَم المتَّحدة، ومجلس الأمن الدولي وغيرهما مع ما تساهم فيه هذه المؤسَّسات من ظلمٍ عالميٍّ، أو بشرط عدم الإسهام في الظلم؟
٥ - هل يجوز للدول المسلمة أنْ تشارك الأُمَم المتَّحدة أو مجلس الأمن في التدخُّل في الشؤون الداخليَّة لبلدٍ حكومته ظالمة، أو يختصُّ الجواز بما إذا كانت تلك الدولة كافرة، أو يلاحظ الحكم الشرعيُّ المتناسب مع المواثيق التي بينها وبين تلك الدولة، أو لا يجوز مطلقاً؟
٦ - هل يجوز تغيير الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلاميَّة من خلال الانقلابات العسكريَّة، أو الثورات الشعبيَّة، أو يجب الصبرُ عليها؟
٧ - ما حكم الاشتراك في حكومة الظالم بهدف مساعدة المؤمنين من داخل الحكومة مهما أمكن، وهل يصحُّ قياس ذلك على أمثال عليِّ بن يقطين، أو يندرج تحت القياس الذي نهى عنه أهل البيت (عليهم السلام)؟
٨ - هل يجوز تشكيل حزب سياسي لتحكيم شرع الإسلام بعد الوصول إلى الحكم، أو أنَّ ذلك يندرج تحت عنوان (الغاية لا تُبرِّر الوسيلة)؟
٩ - لو جاز تشكيل حزبٍ سياسيٍّ فما حكم الالتزام بأوامر رئيس الحزب فيما لو احتمل العضو مخالفتها للشرع من دون أنْ يقطع بذلك؟
١٠ - هل يجوز الكذب والافتراء على الأحزاب المنافسة للحزب الذي يعتقد المكلَّف بصلاحه بهدف فوزه في الانتخابات، أو حصوله على المناصب العليا في البلد، كمنصب رئيس الوزراء، ليتمكَّن الحزب من خدمة شعبه؟
مسائل عسكريَّة:
ونقتصر فيها على عشر مسائل أيضاً:
١ - هل تجوز صناعة الأسلحة النوويَّة والكيمياويَّة مطلقاً، أو يختصُّ الجواز بالثانية دون الأُولى، أو لا يجوز مطلقاً، أو أنَّ الحكم يدور مدار تهديد الأمن العالميِّ؟
٢ - لو هجم العدوُّ بصورة مباغتة وكانت الأوامر تقضي بعدم فتح النار باتِّجاه العدوِّ مهما كانت الظروف فهل يجوز للمقاتل فتح النار باتِّجاهه ومخالفة الأوامر، أو أنَّ في المسألة تفصيلاً؟
٣ - ما حكم الدخول في سباق التسلُّح إذا تسابق الكُفَّار فيه، أو يجب العمل على إنهائه مهما أمكن، أو أنَّ هناك تفصيلاً في المسألة؟
٤ - هل تجوز الاستفادة من أقمار المراقبة الجوّيَّة، وطائرات التجسُّس، لتحديد مواقع الأعداء مع ما يلزم من الاطِّلاع على بيوت المسلمين؟
٥ - هل يجوز الدخول مع بلد آخر في حلف عسكريٍّ، كالأحلاف العسكريَّة المعروفة اليوم بحلف الناتو والحلف الأطلسي، أو فيه تفصيلٌ؟
٦ - ما حكم بيع تقنيَّة السلاح للعدوِّ في حال السلم والهدنة معه؟
٧ - هل يجوز لجيش المسلمين أنْ يتدرَّب في بلدان الكافرين، أو استخدام مدرِّبين من الكُفَّار في بلد المسلمين؟
٨ - إذا توقَّف تحقيق السلم وإنهاء الحرب على تدمير بلدة صغيرة آهلةٍ بالسُّكان المدنيِّين مع احتمال أنَّهم متعاونون مع العدوِّ، هل يجوز ذلك أم لا؟
٩ - هل يجوز للعسكريِّ حلقُ لحيته إذا ألزمته وحدته بحلقها وكان مرجع تقليده يُحرِّم حلقها؟
١٠ - هل يجوز للمكلَّف التخلُّف عن الخدمة العسكريَّة الإلزاميَّة، أو يختصُّ الجواز بما إذا كان نظام الحكم ظالماً، أو لا يجوز مطلقاً؟
مسائل علميَّة:
واخترنا منها كما في السابقة عشر مسائل:
١ - ما حكم تحصيل الشهادات من خلال الدراسة عبر الإنترنت؟
٢ - لو أثبت العلم الحديث وجود فائدة عظيمة في لبس الرجال للذهب أو الحرير فهل يجوز الإفتاء بالجواز، وتأويل النصوص الدَّالَّة على الحرمة؟ وكذا لو ثبت وبشكل قطعي عدم حدوث أيِّ تغيُّر على الإنسان حينما يُجنِب فهل يسقط عنه وجوب الغُسل من الجنابة، وتأويل النصوص الدَّالَّة على وجوبه؟ وكذا لو ثبت وجود ضرر كبير في بعض المستحبَّات الشرعيَّة، فهل يجوز الإفتاء بانتفاء الاستحباب، وتأويل النصوص الدَّالَّة على استحبابها؟
٣ - هل يجوز للمؤلِّف الاستفادة من أفكار الآخرين من دون تنبيهٍ على أنَّها من أفكارهم؟
٤ - لوثبت أنَّ مسلماً سرق إنجازاً علميًّا لغيره في حقلٍ من حقول العلم فهل يجوز فضحه مطلقاً، أو فيما إذا كان المسروق منه مسلماً مثله، أو فيما إذا كان مؤمناً غير مخالف، أو لا يجوز مطلقاً؟
٥ - هل تجوز دراسة كُتُب الإلحاد لمجرَّد الاطِّلاع على أراء الملحدين وليس لأجل الردِّ عليها، أو لا تجوز، أو فيها تفصيلٌ؟
٦ - هل يجوز للعالم المسلم تقديم خدماته العلميَّة لبلد غير مسلم، أو يختصُّ الجواز بحالة عدم اهتمام بلدان المسلمين به، أو لا يجوز مطلقاً؟
٧ - هل يجوز نشر الأبحاث العلميَّة الجديدة التي تتنافى مع ظاهر القرآن الكريم، إذا كان النشر بهدف البحث العلميِّ البحت، لا للتشكيك في عقيدة المسلمين، وكذا العكس، أعني نشر الأبحاث العلميَّة المتوافقة مع ظاهر القرآن الكريم، لإثبات أنَّ العلم يُؤيِّد ما جاء في القرآن الكريم، مع احتمال انكشاف خطأ الكشف العلمي؟
٨ - لو كان المكلَّف ممَّن يحقُّ له قانوناً إكمال الدراسات العليا، لكن الحقَّ مُنِحَ لغيره ممَّن لم يكن أهلاً لذلك فهل يجوز له رفع شكوى إلى المحاكم، مع علمه بأنَّها سوف تتسبَّب في أذى كبيرٍ للمانح والممنوح له؟
٩ - هل يجوز العمل لدى الشركات الصِّناعيَّة الكبرى بهدف سرقة التكنولوجيا التي توصَّلت إليها، لتوظيفها في صالح بلدان المسلمين؟
١٠ - هل يجب الاعتراض على المناهج الدراسيَّة في مدارس المسلمين لو كانت تشتمل على تعاليم مخالفة لتعاليم الإسلام، أو لا يجب، أو فيه تفصيلٌ بين ما لو كان الحاكم عادلاً فيجب الاعتراض، وما لو كان جائراً فلا يجب؟
مسائل متفرِّقة:
١ - إذا علم سائق السيّارة أنَّه لن يتسبَّب في أيِّ حادث لو خالف الإشارة المروريَّة رغم الزِّحام فهل يجوز له مخالفتها، أو يختصُّ الجواز بما إذا كان الشارع خالياً بحيث لا توجد فائدة من توقُّفه، أو لا يجوز مطلقاً حتَّى لو كان لوحده في الشارع؟
٢ - هل يجب ردُّ السلام الواصل إلى المكلَّف عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أو يختصُّ الوجوب بالتواصل الفوري دون القديم الذي مضت عليه مدَّة، أو يختصُ وجوب الرَّدِّ بالسلام الصوتي ولا يشمل السلام بالكتابة، أو يختصُّ بالسلام الصوتي المباشر فقط دون الصوتي المسجَّل، أو لا يجب الردُّ على السلام في تلك الصفحات مطلقاً؟
٣ - إذا أنجبت الزوجة في المستشفى وشكَّت في تبديل طفلها بطفل آخر، فتقدَّمت بشكوى إلى القضاء، وبعد إجراء الفحص من خلال تحليل الحمض النووي تبيَّن أنَّ الطفل الذي عندها ليس طفلها، فحكم القاضي بأنَّه ليس ابنها من الناحية القانونيَّة، فهل يجوز من الناحية الشرعيَّة اعتماد هذه الطريقة في نفي الطفل عنها وعن زوجها، بحيث لا يُلحَق بهما من جهة النسب، ولا في الميراث، ويحلُّ لابنتهما الزواج منه، أو يكون المرجع في ذلك قاعدة أُخرى؟
٤ - إذا شرَّعت الحكومة قانوناً مخالفاً للشرع وكانت مخالفة ذلك القانون موجبةً للإخلال بالنظام العامِّ للبلد، فهل تبقى تلك الحرمة الشرعيَّة على حالها فتجب مخالفة القانون، أو ترتفع الحرمة ويجب تطبيق القانون؟
٥ - إذا كان قانون الأحوال الشخصيَّة يقتضي توزيع الميراث بين الورثة بشكل مخالف للشرع فهل يجوز للورثة أنْ يحتالوا على القانون بطريقة أو أُخرى لكي يُوزَّع الميراث على طبق الشرع؟
٦ - إذا كان في قوانين المحاكمات الجزائيَّة ثغرات قانونيَّة يستطيع المحامي من خلالها تبرئة موكِّله المتَّهم، ولم يكن له علم ببراءة موكِّله واقعاً، بل كان يحتمل البراءة، ويحتمل عدمها أيضاً، فهل يجوز له الترافع عنه من خلال استغلال تلك الثغرات لإثبات براءته، أو يختصُّ الجواز بما إذا تيقَّن براءته؟
٧ - هل يجوز للمسلم تولِّي مهنة القضاء، أو فيه تفصيل؟
٨ - هل يجوز دفع رشوة لمسؤولٍ في الدولة إذا كان في دفعها نجاة لمؤمن من السجن ظلماً، أو يختصُّ الجواز بما إذا كان في تحمُّل السجن مشقَّةٌ؟
٩ - هل يُعتَبر كارت الدفع المسبق لشركات الاتِّصال بحكم الأموال النقديَّة بحيث يترتَّب عليه أحكامها، أو هو شيء آخر مختلف عنها، ولو كان مختلفاً فما هي حقيقته شرعاً؟
١٠ - إذا قلنا بأنَّ الكارت ليس بحكم الأموال النقديَّة، وتمَّ تفعيل الرقم السرّي الذي فيه، وأصبح للمكلَّف رصيد لدى شركة الاتِّصال، فهل يكون الرصيد بحكم الأموال النقديَّة من حيث وجوب الخُمُس فيه، ومن حيث انطباق عنوان الغنيِّ على مالكه فلا يستحقُّ الصدقة مثلاً؟
هذه جملة مسائل ترتبط بعناوين مستحدثة لا بدَّ من تحديد الوظيفة الشرعيَّة تجاهها استناداً إلى مصادر التشريع من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع، وهو أمر يتطلَّب تضلُّعاً في الفقه، ونحن بدورنا نمنح العوامَّ سنة كاملة، بل عشر سنين، بل عشرين سنة، بل ثلاثين، بل خمسين، ليأتونا بأجوبة هذه المسائل، مع ذكر أدلَّتها من الكتاب العزيز، أو الرِّوايات المعصوميَّة، أو الإجماع.
ولن يأتونا بشيءٍ ولو منحناهم الفرصة لمدى الحياة ما لم ينخرطوا في الدراسات الحوزيَّة لسنوات طوال.
وبهذا نكون قد فرغنا من الفصل الأوَّل من الكتاب، والذي عقدناه لبيان أدلَّة مشروعيَّة التقليد في الأحكام الفرعيَّة الاستنباطيَّة.
وقد ثبت بما لا يقبل الشكَّ والترديد مشروعيَّته، بل وجوبه، ولا أقلَّ في زمن الغيبة الكبرى، والحمد لله وحده.

* * *
الفصل الثاني: تاريخ المرجعيَّة وقِدَمها، ومكانتها

بعد أنْ فرغنا - بحمد الله تعالى - من الاستدلال على مشروعيَّة التقليد في الأحكام الفرعيَّة نتعرَّض في هذا الفصل لإثبات قِدَم مرجعيَّة الفقهاء تاريخيًّا، ومعاصرتها لمرجعيَّة الأئمَّة (عليهم السلام)، وببيان ذلك تتبيَّن مكانتها.
ويقع البحث في توطئة، ومقامين:
أمَّا التوطئة ففي تسليط الضوء على ذلك بشكل مجمل.
وأمَّا المقام الأوَّل ففي إثبات قِدَم المرجعيَّة حسب روايات الأئمَّة (عليهم السلام).
وأمَّا المقام الثاني ففي إثبات قِدَم المرجعيَّة حسب كلمات علماء الرِّجال.
التوطئة:
إنَّ المرجعيَّة تاريخيًّا ترجع في أقلِّ التقادير إلى عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إنْ لم نقل في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، إذ لا شكَّ أنَّ بعض التابعين كانوا يتولَّون منصب القضاء، كشريحٍ القاضي، وهو أمرٌ قد تواتر ثبوته، ولا كلام في أنَّ القضاء ورفع الخصومة على ضوء الكتاب والسُّنَّة يتوقَّف على الفقاهة والقدرة على الاستنباط(٣٧).
ولو تمَّ التشكيك في ذلك فلا مجال للتشكيك في وجود فقهاء بين أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) يرجع الناس إليهم، لاسيّما في عهد الإمامين الهُمامين أبي جعفر الباقر وولده أبي عبد الله الصَّادق (عليهما السلام).
نعم، نحن لا نُنكِر أنَّ مقدِّمات الاستنباط يومذاك لم تكن بالصعوبة التي عليها اليوم، لأنَّ المتفقِّه في ذاك العصر لم يكن بحاجة إلى سندٍ بينه وبين المعصوم، فهو مُستغنٍ عن علم الرجال من الأساس، وهو علم يأخذ اليوم من الفقيه شطراً كبيراً من عمره، وتحصيله ودراسته.
كما لا يحتاج إلى أنْ يدرس مباحث الألفاظ برمَّتها، والتي تُبحَث في علم الأُصول في هذه العصور، وتأخذ سنوات عديدة من عمر فقهاء اليوم، وتُشغِل حيِّزاً كبيراً من تفكيرهم من لدن بواكير دراستهم حتَّى آخر لحظة من حياتهم.
ناهيك عن علوم العربيَّة، من علم اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، واستغناء أكثر الرواة عن دراستها يومذاك، بينما تأخذ شطراً وافراً من سني عمر الفقيه اليوم، وتُشغِل حيِّزاً كبيراً من تفكيره.
إلى غير ذلك ممَّا لم يكن الصحابة بحاجة إليه، ممَّا أحوجنا إليه اليومَ غيابُ المعصوم (عليه السلام) من جهة، وبُعدنا عن تلك الأزمنة من جهة أُخرى، وما فقدناه من القرائن التي كانت النصوص تُفهَم في ضوئها من جهة ثالثة.
والحاصل: أنَّ المرجعيَّة لم تكن يوم ذاك بحاجة إلى كثيرٍ ممَّا تحتاج إليه اليوم من دراسةٍ معمَّقةٍ، وتحصيلٍ علميٍّ لسنوات طويلة، لكن هذا لا يُشكِّل فارقاً في حقيقة المرجعيَّة، بل هو فارق في متطلَّباتها، كما سيتبيَّن لاحقاً إنْ شاء الله تعالى، في التطوُّر من حيث سعة التحصيل العلمي، والدِّقَّة في النظر، والقدرة على الاستنباط، أكثر فأكثر، شأنها في ذلك شأن أصحاب الفنون والعلوم الأُخرى التي لا خلاف بين عاقلَينِ من جهة كونها في تطوُّر دائم واتِّساع وارتقاء إلى مراتب لم تكن قد وصلتها في أوائل عهدها وبواكير تدوينها.
وأصدق شاهد على ذلك ما وقع في زمن الإمامين الباقرَين (عليهما السلام)، إذ كان الأمر من هذه الجهة أكثر وضوحاً وأجلى صورةً، حيث أخذا في تأسيس أوَّل حوزة علميَّة للمسلمين لا للشيعة فقط، حيث تربَّى فيها العشرات، بل المئات، بل الألوف من المسلمين على يديهما في مختلف علوم الدِّين، لتكون جماعة منهم مراجعَ للمسلمين في أمصارهم ونواحيهم وقصباتهم، والتي ليس بمقدور أهلها بحسب العادة أنْ يأتوا إلى بلد المعصوم (عليه السلام) ليسألوه عن مختلف مسائل الدِّين، سواء في مجال العقيدة أم في مجال الأحكام، وفي كلِّ صغيرة وكبيرة.
ولذا كان بعضهم - كما سننقله - قد صرَّح لبعض الأئمَّة (عليهم السلام) بأنَّه لا يقدر أنْ يلقاه كلَّما عرضت له مسألة، فسأله عمَّا إذا كان يجوز له أنْ يرجع إلى فلان من أصحابه (عليه السلام) ليأخذ منه معالم دينه، فأجاز له الإمام (عليه السلام) ذلك.
وفي بعض النصوص ما يدلُّ صريحاً على أنَّ المرجعيَّة كانت موجودة إلى جنب الإمامة، فهذا أبان بن تغلب - كما نقلنا في الدليل الخامس - يأمره الإمام الباقر (عليه السلام) بأنْ يجلس في مسجد المدينة ويُفتي الناس، بل أخبره بأنَّه يُحِبُّ أنْ يرى الناس في شيعته مثله.
كما جاء في بعض النصوص أنَّ أبا حنيفة كان إذا استعصت عليه مسألة واستغلقت بعث من يستفتي محمّد بن مسلم الطائفي الذي هو من أصحاب الباقرَين (عليهما السلام)، ليأتيه منه بجواب المسألة، من دون أنْ يُعلِمه المستفتي بأنَّه مبعوث من قِبَل أبي حنيفة، وهذا يعني أنَّ محمّداً كان متصدِّياً للفتوى في حياتهم (عليهم السلام).
وكذا ما ورد في ترجمة معاذ بن مسلم، من تصدِّيه للإفتاء في زمانهم (عليهم السلام)، وقد أقرَّه الصادق (عليه السلام) على ذلك.
ويُؤيِّده: ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّما علينا أنْ نُلقي إليكم الأُصول، وعليكم أنْ تُفرِّعوا»(٣٨).
ومثله ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام)، قال: «علينا إلقاءُ الأُصول، وعليكم التفريع»(٣٩).
إذ من المعلوم أنَّ القدرة على التفريع تتوقَّف على وجود الفقاهة ومَلَكة الاستنباط، ولو في بعض مراتبها المناسبة مع تلك العصور.
ثمَّ صار الأمر أكثر وضوحاً في زمن الرضا (عليه السلام)، حيث كانت مدرسة قم عامرة برجالات الطائفة وفقهائها ومراجعها، أمثال أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري الذي جاء في ترجمته أنَّه كان الرئيس الذي يلقى السلطان، أي الفقيه الذي يلقاه سلطان ذلك الزمان كرئيسٍ للشيعة، كما نشاهد اليوم ذلك من مسؤولي الدولة، بل المسؤولين الدوليِّين حينما يلتقون المرجعيَّة العليا للطائفة كممثِّلٍ شرعيٍّ عنها، ولا يخفى أنَّ مثل هذا العنوان لا ينطبق إلَّا على من كان مرجعاً للطائفة، أو أحد مراجعها وفق مصطلحنا اليوم.
هذا ما أردنا تسليط الضوء عليه في هذا التمهيد، ولنشرع في المقام الأوَّل الذي عقدناه لنقل نصوص المعصومين (عليهم السلام) الدَّالَّة على قِدَم مرجعيَّة الفقهاء، ومعاصرتها لزمان ظهورهم (عليهم السلام)، ثمّ نُتبِعه بالكلام في المقام الثاني المخصَّص لنقل كلمات الأعلام التي تدلُّ على قِدَمها، ومن الله تعالى نستمدُّ العون والتوفيق.
المقام الأوَّل: قِدَم المرجعيَّة حسب نصوص المعصومين (عليهم السلام):
نقل صاحب الوسائل (رحمه الله) روايات كثيرة يحصل بملاحظة مجموعها القطعُ بقِدَم مرجعيَّة الفقهاء تاريخيًّا، ومعاصرتهم للمعصومين (عليهم السلام).
ولكي لا يطول الكلام بذكر الرِّوايات نكتفي بذكر بعضها، مع حذف أسانيدها، لعدم الحاجة إلى النظر فيها بعد حصول التواتر في إثبات المطلوب:
١ - ما رواه شعيبُ العَقرقُوفيُّ، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربَّما احتجنا أنْ نسأل عن الشيء، فمن نسأل؟ قال: «عليك بالأسدي»(٤٠)، يعني أبا بصير.
فلو لم يكن بين الرُّواة الثقات فرق يستوجب تخصيص الرجوع إلى بعضهم دون بعض لقال (عليه السلام): عليك بالثقات من الرَّاوين عنِّي، ولم يخصَّ الإرجاع بالأسدي، لاسيّما وأنَّ نفس السائل - العقرقوفي - هو من الرُّواة أيضاً، فلماذا يُرجِعه إلى راوٍ مثله ما داما يرويان معاً عنه (عليه السلام)؟
هذا، مضافاً إلى أنَّ المقصود من الشيءِ المسؤول عنه ليس هو الرِّوايات، بل المعارف الدِّينيَّة، ومنها الأحكام، وهذا يحتاج إلى فقاهة وقدرة على تطبيق الرِّوايات على مورد السُّؤال، وإلَّا فها هي الكُتُب الحديثيَّة بين أيدينا، فهل يمكن لعامِّيٍّ أنْ يرجع إليها ليُطبِّق حديثاً منها على ما يعرض له من مسائل ابتلائيَّة؟
٢ - ما رواه المُفَضَّلُ بن عمر، من أنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال للفيض بن المختار في حديث: «فإذا أَرَدتَ حديثنا فعليك بهذا الجالس»، وأَوْمَأَ إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه، فقالوا: زرارة بن أعين(٤١).
وفيه دلالة على أنَّ الرُّواة الذين هم حجَّةٌ علينا في بيان مقاصد النصوص هم خصوص الفقهاء منهم، كزرارة، ومحمّد بن مسلم، وأبي بصير، وأمثالهم، وإلَّا فإنَّ الرُّواة عن الصادق (عليه السلام) وحده - كما قلنا آنفاً - يزيدون على أربعة آلاف راوٍ، والثقات منهم كثيرون جدًّا، فلِمَ خصَّ (عليه السلام) إرجاع الفيض بزرارة مع وجود رُواةٍ كثيرين غيره؟
ومن البعيد جدًّا أنْ لا يوجد أيُّ راوٍ ثقةٍ يمكن للفيض أنْ يرجع إليه غير زرارة، وفي حديث سليمان بن خالد الآتي دلالةٌ على هذا أظهر من دلالة رواية المفضَّل هذه.
٣ - ما رواه سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما أَجِدُ أَحَدَاً أحيى ذكرنا وأحاديثَ أبي إلَّا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحدٌ يستنبط هذا، هؤلاء حُفَّاظ الدِّين، وأُمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السَّابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة»(٤٢).
فلو كان إحياء أحاديثهم (عليهم السلام) بمجرَّد روايتها عنهم لم تكن للمذكورين أيَّةُ خصوصيَّةٍ من هذه الجهة، بل لكان غيرهم ممَّن هو أكثر منهم روايةً أجدرَ منهم بذلك التوصيف.
وأنت إذا تأمَّلت ما وصفهم به - خصوصاً قوله (عليه السلام): «ما كان أحدٌ يستنبط هذا» - تيقَّنت أنَّ المقصود من الرُّواة الذين هم حجَّةٌ على العباد خصوص من كان منهم فقيهاً له القدرة على استنباط مقاصد الأئمَّة (عليهم السلام)، واستخراج الفروع من الأُصول، وإلَّا فهل يستحقُّ الرَّاوي مقام حفظ الدِّين والأمانة على حلال الله وحرامه وكونه من السابقين إليهم (عليهم السلام) في الدنيا والآخرة بمجرَّد روايته لأحاديثهم، ومن دون حملها على محاملها المقصودة لهم (عليهم السلام)؟
وقريب من هذا المضمون الحديثان (٢٢) و(٢٦) من الباب، فراجع.
٤ - ما رواه عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّه ليس كلَّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيءُ الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كلَّ ما يسألني عنه، فقال: «ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؟ فإنَّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً»(٤٣).
ومن الواضح أنَّه لو كان المقصود مجرَّد الوصول إلى أحاديثهم (عليهم السلام) لكفى الرجوع إلى أيِّ ثقة من ثقات الرُّواة، ولا وجه لتخصيص الرجوع بابن مسلم (رضوان الله تعالى عليه)، كما لا يتوقَّف ذلك على كون الرَّاوي وجيهاً عندهم (عليهم السلام) وبهذا يظهر أنَّ وصف ابن مسلم بذلك دليل على أنَّ سبب وجاهته لم يكن لمجرَّد صدقه ووثاقته، بل هو أمر فوق ذلك، وما هو إلَّا الفقاهة، وإلَّا كان جميع الثقات وجهاء عند أهل البيت (عليهم السلام)، ولم تكن لابن مسلم وأمثاله خصوصيَّة مطلقاً.
ويُؤكِّد ذلك قول ابن أبي يعفور: (ويجيءُ الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كلَّ ما يسألني عنه)، فإنَّ الناس إنَّما يسألون عن مثل الأحكام الشرعيَّة، لا عن الرِّوايات، وما لم يكن للرَّاوي القدرة على إرجاع المورد المسؤول عنه إلى هذه الرِّواية أو تلك لم يكن بينه وبين السَّائل فرق، إذ يمكن له الرُّجوع إلى كُتُب الحديث بنفسه، ولا حاجة به للرُّجوع إلى ابن مسلم.
٥ - ما رواه يونس بن يعقوب، قال: كنَّا عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «أمَا لكم من مَفزعٍ؟ أمَا لكم من مُستَرَاحٍ تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث ابن المغيرة النصري؟»(٤٤).
ودلالته على ما قلنا واضحة، إذ من البعيد جدًّا أنْ لا يوجد أيُّ راوٍ ثقةٍ غير النصري في ناحية المخاطَبين وبلدتهم، ما يعني أنَّ للنصريِّ خصوصيةً بها استحقَّ اسم المفزَع والمستَرَاح، وإلَّا فالرَّاوي مهما كان ثقةً لا يصدق في حقِّه العنوانان المذكوران - المفزع و المستراح - إذا لم يكن قادراً على بيان مقاصد المعصومين (عليهم السلام) للناس، واستنباط أحكام ووظائف من يفزعون ويستريحون إليه ممَّا يرويه عنهم (عليهم السلام).
هذا مضافاً إلى أنَّ من جملة من خاطبهم الإمام (عليه السلام) بذلك هو راوي هذا الحديث، أعني يونس بن يعقوب، وهو من الرُّواة الثقات أيضاً، بل وكان من أجلَّاء أصحاب الصادق والكاظم والرِّضا (صلوات الله عليهم)، فلِمَ لم يأمرهم بالرجوع إليه مع النَّصريِّ، ولِمَ شمله بالخطاب معهم إذا كان الرُّواة الثقات متساوين في جواز رجوع الناس إليهم لأخذ معالم الدِّين منهم؟
٦ - ما رواه جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - أنَّه ذمَّ رجلاً، فقال: «لا قدَّس الله روحه، ولا قدَّس مثله، إنَّه ذكر أقواماً كان أبي ائتمنهم على حلال الله وحرامه، وكانوا عَيْبَةَ علمه، وكذلك اليوم هم عندي مُستودَعُ سرِّي، وأصحابُ أبي حقًّا، إذا أراد الله بأهل الأرض سوءاً صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي أحياءً وأمواتاً، هم الذين أحيَوا ذكر أبي، بهم يكشف الله كلَّ بدعة، ينفون عن هذا الدِّين انتحال المبطلين، وتأويل الغالين»، ثمّ بكى، فقلت: من هم؟ فقال: «من عليهم صلوات الله وعليهم رحمته أحياء وأمواتاً، بريد العجلي، وأبو بصير، وزرارة، ومحمّد بن مسلم»(٤٥).
والكلام فيه كالكلام في النصِّ السابق، ولكنَّا نزيد هنا أنَّ كشف البِدَع ونفي انتحال المنتحلين ليس بالأمر السهل والمتيسِّر لكلِّ راوٍ، إلَّا إذا كان له من الفقاهة ما يكفي في ذلك، كما هو أوضح من أنْ يُوضَّح.
وقد دلَّ على الفرق بين الرَّاوي الفقيه والرَّاوي غير الفقيه ما رواه داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقهُ الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنَّ الكلمة لتنصرف على وجوهٍ، فلو شاء إنسانٌ لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب»، وما رواه بريد الرزَّاز عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يا بُنيَّ، اعرف منازلَ الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإنَّ المعرفة هي الدِّرايةُ للرِّوايةِ، وبالدِّرايات للرِّوايات يعلو المؤمنُ إلى أقصى درجات الإيمان، إنّي نظرت في كتابٍ لعليٍّ (عليه السلام)، فوجدتُ في الكتاب أنَّ قيمةَ كُلِّ امرئٍ وقدرَهُ معرفتُهُ، إنَّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا»، وما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «حديث تدريه خيرٌ من ألف حديثٍ ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتَّى يعرف معاريض كلامنا، وإنَّ الكلمة من كلامنا لتنصرفُ على سبعين وجهاً، لنا من جميعها المخرج»(٤٦)، وما رواه ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نَضَّرَ اللهُ عبداً سَمِعَ مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلَّغها من لم يسمعها، فَرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه»(٤٧).
ومن هنا يظهر الفرق بين الرُّجوع إلى الرَّاوي الفقيه والرُّجوع إلى الرَّاوي غير الفقيه، فلو سألتهما عن مسألة شرعيَّة ما حكمها فالأوَّل له القدرة على تحديد الرِّواية التي ينبغي أخذ حكم المسألة منها، دون الثاني، لأنَّ إرجاع المسألة إلى هذه الرِّواية أو تلك يحتاج إلى فقاهة كما قلنا آنفاً، ولا يكفي مجرَّد حفظ الرِّوايات عن ظهر قلب كما هو حال الخوارج والنواصب لاسيّما الوهّابيَّة اليوم، كما لا يكفي حفظها في كتاب ما لم يكن الرَّاوي عارفاً بانطباق هذه الرِّواية دون تلك على مورد السؤال.
٧ - ما رواه عليُّ بن المسيَّب الهمداني، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شُقَّتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلِّ وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريا ابن آدم القُمِّي المأمون على الدِّين والدنيا»، قال عليُّ بن المسيَّب: فلمَّا انصرفتُ قَدِمنا على زكريا بن آدم، فسألته عمَّا احتجت إليه(٤٨).
ومن البعيد جدًّا صدق العنوان المذكور - المأمون على الدِّين والدنيا - على من لا يُحسِن إلَّا حفظ الرِّوايات عن ظهر قلبٍ، أو في أصلٍ، أو في كتابٍ ممَّا يتمكَّن منه كثيرٌ من الثقات الموجودين يومذاك، وإلَّا فهل يُعَدُّ من حفظ الدِّين تفسير الرِّوايات بغير المقصود منها والذي تحتاج معرفته إلى إحاطةٍ ودرايةٍ وفقهٍ لجملةٍ مُعتَدٍّ بها من رواياتهم (عليهم السلام)؟!
كلَّا، بل لا بدَّ في تحقُّق العنوان المذكور من الاتِّصاف بما ذكرنا ممَّا له مدخليَّة في الفقاهة، والفهم بالمقدار المعتدِّ به.
وممَّا يُؤكِّد هذا المعنى قول عليِّ بن المسيَّب: (فلمَّا انصرفتُ قَدِمنا على زكريا ابن آدم، فسألته عمَّا احتجت إليه)، إذ من الواضح أنَّه لم يكن يسأله عن الرِّوايات، بل عمَّا يحتاج إليه من الأحكام وغيرها، وكان زكريا بن آدم يُجيبه على طبق الرِّوايات، وهذا يحتاج إلى فقه كما أوضحناه مكرَّراً.
وإلى هذا المعنى يشير حديث الإمام الصادق (عليه السلام) الآتي: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسِنون من رواياتهم عنَّا، فإِنَّا لا نَعُدُّ الفقيهَ منهم فقيهاً حتَّى يكون مُحَدَّثاً»، فقيل له: أَوَ يكون المؤمن محدَّثاً؟ قال (عليه السلام): «يكون مُفَهَّماً، والمُفَهَّمُ المحدَّث»(٤٩)، وسيأتي كيف تدلُّ هذه الرِّواية على الفرق بين الرَّاوي الفقيه وغيره.
٨ - ما رواه عبدُ العزيز بن المهتدي والحسنُ بن عليِّ بن يقطين جميعاً، عن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت: لا أكادُ أصل إليك أسألُك عن كلِّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أَفَيُونُسُ بنُ عبد الرحمن ثقةٌ آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال: «نعم»(٥٠).
وها أنت تلاحظ أنَّ الرَّاوي لم يسأل عن أخذ نصوص الرِّوايات ومجرَّد ألفاظها من يونس كما هي، بل سأل عن أخذ معالم الدِّين منه، والمعالم: جمعُ مَعْلَم، وهو الأمر البارز، كمعالم الطريق، وهي علاماته، وكمعالم المدينة، وهي أبنيتها المرتفعة وما كان بارزاً منها، وكمعالم التاريخ، وهي أحداثه المهمَّة والبارزة، وعلى هذا لا بدَّ أنْ يكون المراد من معالم الدِّين كُلُّ ما كان مهمًّا من مسائله، لا خصوص الأحكام الفرعيَّة، وهذا ما لا يمكن لغير الفقيه استخراجه من الرِّوايات.
وعلى منواله الحديثان (٣٤) و(٣٥) من نفس الباب، فلاحظ.
٩ - ما رواه معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «بَلَغَنِي أنَّك تقعد في الجامع فتفتي الناس»، قلت: نعم، وأردتُ أنْ أسألك عن ذلك قبل أنْ أخرج، إنِّي أقعد في المسجد فيجيءُ الرجلُ فيسألني عن الشيءِ، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيءُ الرجلُ أعرفه بمودَّتكم وحُبِّكم، فأُخبره بما جاء عنكم، ويجيءُ الرجلُ لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخِلُ قولَكم فيما بين ذلك، فقال لي: «اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع»(٥١).
وكيف أمكن لمعاذٍ أنْ يعرف حكم أهل البيت (عليهم السلام) الذي يريدونه مع وجود اختلاف وتعارض في رواياتهم (عليهم السلام)، حيث إنَّ بعضها صدر للتقيَّة؟!
إنَّه أمر لا يمكن لغير الفقيه معرفته والخوض فيه، وإقرار الإمام له على ذلك دليلٌ على أنَّ معاذاً كان من الرُّواة الذين بلغوا رتبة الفقاهة، بحيث يجوز له التصدِّي للإفتاء.
١٠ - ما رواه محمّد بن أحمد بن حمَّاد المَرْوَزِيُّ المحموديُّ يرفعه، قال: قال الصادق (عليه السلام): «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسِنون من رواياتهم عنَّا، فإنَّا لا نَعُدُّ الفقيه منهم فقيهاً حتَّى يكون مُحَدَّثاً»، فقيل له: أَوَ يكون المؤمن محدَّثاً؟ قال: «يكون مُفَهَّماً، والمُفَهَّمُ المُحدَّث»(٥٢).
ودلالة هذا الحديث على ما ذكرنا آنفاً أوضح من أنْ تحتاج إلى توضيح، فلو لاحظت قوله (عليه السلام): «بقدر ما يُحسِنون من روايتهم عنَّا» لَقَطَعتَ أنَّ القول ما قلنا، حيث لم يقل (عليه السلام): بقدر ما يَروُون، بل قال: «بقدر ما يُحسِنون»، فإنَّ الرِّوايةَ شيءٌ، وحسنَ الرِّوايةِ شيءٌ آخر، فما كلُّ من يروي يُحسِن أنْ يروي، وهذا أمر واضح لدى من عاش عالم الرِّوايات.
وكذلك لو لاحظت تفسيره (عليه السلام) لعنوان المحدَّث بالمُفهَّم، وليس كلُّ من يروي يفهم ما يروي، كما دلَّ عليه بشكل صريح وواضح ما تقدَّم من رواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نَضَّرَ اللهُ عبداً سَمِعَ مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلَّغها من لم يسمعها، فَرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه»(٥٣).
وممَّا يُؤكِّد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: «اعقلوا الخبرَ إذا سمعتموه عقل درايةٍ لا عقل روايةٍ، فإنَّ رواة العلم كثيرٌ، ورُعاته قليل»(٥٤).
وهو يُؤكِّد أيضاً ما ذكرنا في مثل ابن مسلم، وأنَّ إرجاع الإمام (عليه السلام) إليه لا بُدَّ أنْ يكون لوجود خصوصيَّة فيه، وهي الدِّراية لما يروي، لا مجرَّد الرِّواية له.
١١ - ما رواه هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّما علينا أنْ نُلقي إليكم الأُصول، وعليكم أنْ تُفرِّعوا»(٥٥)، ومثله ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام)، قال: «علينا إلقاءُ الأُصول، وعليكم التفريع»(٥٦).
فمن المعلوم أنَّ نقل أحاديثهم (عليهم السلام) المشتملة على الأُصول شيءٌ، وتفريعُ الفروع على تلك الأُصول شيءٌ آخر، فإنَّ القدرة على التفريع هي عين القدرة على الاستنباط، وليست شيئاً آخر، وهي المسمَّاة عندنا بالفقاهة والاجتهاد.
١٢ - ما تقدَّم في التمهيد ممَّا رواه النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب، من قول أبي جعفر (عليه السلام) له: «اِجلس في مسجد المدينة وأَفتِ الناسَ، فإنِّي أُحِبُّ أنْ يُرَى في شيعتي مِثلُك»(٥٧).
وأترك لك التعليق على هذا الحديث الباقريِّ الشريف، فإنَّه أوضح من أنْ يحتاج إلى بيان، ومن طبع الله على قلبه لا ينفع معه ألف حديث.
إنَّ هذه النصوص التي ذكرناها وغيرها ممَّا لم نذكره دالَّة بمجموعها وبشكل قطعيٍّ على قِدَمَ مرجعيَّة الفقهاء، ومعاصرتهم للأئمَّة (عليهم السلام)، لا يرتاب بعد الاطِّلاع عليها عاقلٌ.
ولذا نكتفي بهذا القدر من النصوص المعصوميَّة لإثبات ذلك.
المقام الثاني: قِدَمُ المرجعيَّة حسب كلمات الأعلام:
في هذا المقام نتعرَّض لما قاله علماء الرِّجال في حقِّ جماعة من فقهاء الرُّواة، ممَّا يدلُّ على أنَّهم كانوا مراجع للشيعة في عصور الأئمَّة (عليهم السلام).
وننقل من كلامهم ما يُغني ذكره عن ذكر ما سواه طلباً للاختصار:
١ - ما ذكره الكشّي تحت عنوان (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام))، حيث قال: (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوَّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقهُ الأوَّلين سِتَّةٌ: زرارةُ، ومعروف بن خرَّبوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم الطائفي. قالوا: وأفقه السِّتَّةِ زرارةُ، وقال بعضهم مكانَ أبي بصيرٍ الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري)(٥٨).
٢ - ما ذكره تحت عنوان (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)) حيث قال: (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحُّ عن هؤلاء، وتصديقهم لما يقولون، وأقرُّوا لهم بالفقه، من دون أُولئك الستَّة الذين عدَّدناهم وسمَّيناهم، ستَّةُ نفرٍ: جميلُ بن درَّاج، وعبد الله بن مُسكان، وعبد الله بن بكير، وحمَّاد بن عيسى، وحمَّاد بن عثمان، وأبان بن عثمان. قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه - يعني ثعلبة بن ميمون - أنَّ أفقه هؤلاء جميل بن درَّاج، وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم))(٥٩).
٣ - ما ذكره تحت عنوان (تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليهما السلام)) حيث قال: (أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحُّ عن هؤلاء، وتصديقهم، وأقرُّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستَّةُ نَفَرٍ أُخَرُ دون الستَّة نفرٍ الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بيَّاع السَّابريِّ، ومحمّد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر. وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن عليِّ بن فضَّال، وفُضالة بن أيُّوب. وقال بعضهم مكان ابن فضَّال: عثمان بن عيسى. وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى)(٦٠).
ومن المعلوم أنَّ هؤلاء المذكورين في العبارات الثلاث لو لم يكونوا مراجع تفزع الشيعة إليهم في زمن الأئمَّة (عليهم السلام) فلا معنى لقول المجمعين بأنَّ الأصحاب انقادوا لهم في الفقه وأقرُّوا لهم بالعلم، إذ لو كان العلم والفقه لا يُؤخَذان إلَّا من الأئمَّة (عليهم السلام) مباشرةً لما كان أيُّ معنى لانقياد الأصحاب إليهم في ذلك، فإنَّ معنى الانقياد هو التسليم لما يفهمونه من روايات المعصومين (عليهم السلام)، فما يفهمه مثل زرارة ومحمّد بن مسلم منها لو تعارض مع ما يفهمه راوٍ آخر فإنَّ فهمهما مقدَّمٌ على فهم ذلك الرَّاوي، وهذا لا يُعقَل ولا يُتَصوَّر لو كانت روايات الأئمَّة (عليهم السلام) من حيث الدلالة واضحةً لجميع من يطَّلع عليها بنفس المستوى من الوضوح، ولَكَانَ الجميع متساوين في الاستنباط، ولَكَانَ ما يستنبطه مثل زرارة هو نفس ما يستنبطه غيره، بل لا يبقى معنى لكون هؤلاء الثمانيةَ عشر أفقهَ أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) على الإطلاق، كما لا يبقى معنى لكون زرارة أفقهَ الستَّة الأُولى، وجميل أفقه الستَّة الثانية، ويونس أفقه الستَّة الثالثة.
ولو لم يجز الرجوع إلى الفقهاء لما كان لفتاوى هؤلاء قيمة شرعاً ولا عقلاً، وبالتالي لم تكن حجَّة على الذين يستفتونهم، ولو لم تكن حجةً عليهم فكيف يأذن لهم الأئمَّة (عليهم السلام) في الإفتاء.
٥ - ما تقدَّمت الإشارة إليه في التوطئة من هذا الفصل بحقِّ أحمد بن محمّد بن عيسى، حيث جاء في ترجمته: (شيخ القمِّيِّين، ووجههم، وفقيههم غيرُ مُدافَعٍ، وكان أيضاً الرئيسَ الذي يلقى السُّلطانَ بها، ولقي الرضا (عليه السلام))(٦١).
فلو لم يجز الرجوع إلى الفقهاء فما هو الفرق بين كون أحمد شيخَ القمِّيِّين وفقيههم وعدم كونه كذلك؟
وهل تبقى قيمة لفقاهته إذا كان معاصراً للرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) إذا لم يجز رجوع الشيعة إليه لأخذ الأحكام منه، لاسيّما بالنسبة إلى البعيدين عن موطن المعصومين (عليهم السلام)؟!
وقد تقدَّم نظيره في حقِّ معاذ بن مسلم النحوي، فلاحظه، وتدبَّر فيه.
٦ - ما قاله النجاشي في ترجمة سعد بن عبد الله الأشعري القمِّي: (شيخ هذه الطائفة، وفقيهها، ووجهها)(٦٢).
أقول: وكان سعد بن عبد الله معاصراً لإمامنا أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، فلو لم يجز الرجوع إلى الفقهاء فما قيمة أنْ يكون سعدٌ شيخ القمِّيِّين وفقيههم، وما قيمة فقهه إذا كان الواجب هو الرجوع إلى الإمام العسكري (عليه السلام) فقط؟
٧ - ما قاله في ترجمة ثعلبة بن ميمون: (كان وجهاً في أصحابنا، قارئاً، فقيهاً، نحويًّا، لغويًّا، راويةً)(٦٣).
فما قيمة كونه فقيهاً وهو معاصر للإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، ويروي عنهما إذا لم يجز الرجوع إليه؟
٨ - ما ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (العُدَّة) في معرض استدلاله على مشروعيَّة التقليد، وهو صريح في أنَّ مرجعيَّة الفقهاء كانت موجودة في زمان الأئمَّة (عليهم السلام)، حيث قال ما نصُّه: (يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامَّةَ الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويُسوِّغون لهم العمل بما يفتونهم به، وما سمعنا أحداً منهم قال لمُستَفْتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء، ولا العمل به، بل ينبغي أنْ تنظر كما نظرتُ، وتعلم كما عَلِمتُ، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان الخَلقُ العظيمُ عاصروا الأئمَّة (عليهم السلام)، ولم يُحْكَ عن واحدٍ من الأئمَّة النكير على أحد من هؤلاء، ولا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يُصَوِّبونهم في ذلك، فمن خالفه في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه)(٦٤).
ولعمري إنَّ الأمر لا يحتاج إلى مزيد توضيح، وبه نختم الكلام حول تاريخ المرجعيَّة، وقِدَمها، ومكانتها، وفي هذا كفاية لطالبي الحقِّ.

* * *
الفصل الثالث: في أجوبة الشُّبُهات والإشكالات

قد احتجَّ منكرو التقليد بجملة من الشُّبُهات، وألبسوها لباس الأدلَّة، بل كان بعضها محض أكاذيب، ومنها ما هو مفضوح، ومنها ما يخفى على العوامِّ الذين غرَّروا بهم.
وقد خصَّصنا هذا الفصل لكشف زيفها، والجواب عليها تفصيلاً بما يُعرِّيها أمام المغرَّر بهم، بل وغيرهم.
وعند نشر هذه البحوث جاءتنا تعليقات من بعض المتابعين، بعضها في صيغة تساؤلات وإشكالات، وبعضها شُبُهات كشُبُهات منكري التقليد.
ولذا فقد ارتأينا أنْ نجمع إشكالاتهم مع شُبُهات منكري التقليد في هذا الفصل، مع تخصيص كلٍّ منهما بمبحث خاصٍّ به، فيقع الكلام في مقصدين:
١ - أجوبة شُبُهات منكري التقليد.
٢ - أجوبة إشكالات المعلِّقين.
المقصد الأوَّل: في أجوبة شُبُهات منكري التقليد:
لقد تداول بين المؤمنين (أعزَّهم الله) منذ مدَّة عدد من المنشورات مشتملةً على نصوص زعم ناقلها أنَّها تدلُّ على حرمة الاجتهاد والتقليد.
وكانت تلك النصوص ما بين رواياتٍ عن أهل البيت (عليهم السلام)، وكلماتٍ لبعض أعلام الطائفة الحقَّة.
ويمكن تصنيف تلك النصوص إلى خمسة أصناف:
١ - ما دلَّ على حرمة العمل بالاجتهاد، والرأي، والقياس، والاستحسان.
٢ - ما دلَّ على حرمة التقليد.
٣ - ما دلَّ على أنَّ الفقيه إذا أخطأ فقد كفر، وحكم بحكم الجاهليَّة.
٤ - ما دلَّ على أنَّ الفقهاء ومقلِّديهم أعداء للدِّين وللإمام القائم (عجَّل الله فرجه).
٥ - ما دلَّ على حرمة العمل بالظنِّ.
وفيما يلي نستعرض النصوص بحسب هذا التصنيف، مع بيان كيفيَّة الاستدلال بها على مُدَّعاهم، ثمّ نجيب عليها تفصيلاً، ومن الله التوفيق.
الصنف الأوَّل: ما دلَّ على حرمة العمل بالاجتهاد، والرَّأي، والقياس، والاستحسان:
احتجَّ منكرو التقليد على حرمة المذكورات بروايات عن الأئمَّة (عليهم السلام)، وبكلمات بعض أعلام الطائفة، فالكلام يقع في محطَّتين:
١ - في احتجاجهم بالرِّوايات.
٢ - في احتجاجهم بكلمات بعض الأعلام.
المحطَّة الأُولى: في الاحتجاج بالرِّوايات:
وقد احتجُّوا بعدَّة روايات:
الرواية الأُولى: ما رواه أبو بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تَرِدُ علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنَّته، فننظرُ فيها؟ قال: «لا، أَمَا إِنَّك إنْ أصبتَ لم تُؤجَر، وإنْ أخطأتَ كذبتَ على الله»(٦٥).
فأبو بصير يسأل عن القضايا التي لا يجدون لأحكامها ذكراً في الكتاب العزيز ولا في السُّنَّة المطهَّرة هل يجوز لهم أنْ يرجعوا إلى ما يُؤدِّي إليه نظرهم في تلك القضايا، أو لا يجوز؟
والمقصود من النظر هو النظر العقلي، وهو مرادف في المعنى للرَّأي، لأنَّ المقصود من الرَّأي هي الرؤية العقليَّة، فكما أنَّ النظر البصري يرادفه الرؤية البصريَّة كذلك النظر العقلي يرادفه الرؤية العقليَّة، فتكون الرواية من الروايات الناهية عن العمل بالرَّأي.
ومنكرو التقليد يستدلُّون بهذه الرواية على حرمة تقليد الفقهاء من خلال إثبات حرمة فتاواهم، بدعوى أنَّ الفقهاء يفتون بحسب آرائهم، والإفتاء بحسب الآراء محرَّمٌ كما دلَّت عليه هذه الرِّواية، وحيث إنَّ تقليد العوامِّ للفقهاء هو عبارة عن العمل بفتاواهم المحرَّمة فيكون تقليدهم فيها محرَّماً أيضاً، لأنَّ العمل بالمحرَّمِ محرَّمٌ، وهذا أمر بديهيٌّ.
هذا أفضل ما يمكن لهم أنْ يُقرِّبوا به الاستدلال بهذه الرواية، وما كان بنفس مضمونها بالشكل الذي يرومونه.
وجوابه: أنَّ الاحتجاج علينا بهذه الرواية وغيرها من روايات هذا الصنف لهو من أعجب العجائب، ذلك لأنَّ العمل بالرَّأي هو من معالم مذاهب المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، بينما حرمة العمل به هو من معالم أتباعهم (عليهم السلام)، وحرمته ممَّا أجمع عليها فقهاء الإماميَّة في جميع العصور تبعاً لأئمَّتهم (عليهم السلام)، حتَّى باتت حرمة العمل به من ضروريَّات فقه المذهب.
والأعجب من ذلك جهلُ هؤلاء بأنَّ على رأس المجمعين على حرمته هم فقهاء الطائفة أنفسهم، فإنَّهم هم الذين نقلوا لنا تلك الروايات التي حرَّمت العمل بالرَّأي، وهم الذين نقلوا الإجماع على حرمته من لدن الصدر الأوَّل للإسلام إلى يوم الناس هذا، فكيف بعد هذا يخطر إلى ذهن عاقل أنْ يعمل الفقهاء بما أجمعوا على حرمته تبعاً لما نقلوه بأنفسهم عن أئمَّتهم (عليهم السلام)؟!
إنَّه لأمرٌ عجيب حقًّا.
ومن هنا يتَّضح لك: أنَّ المستدلِّين بهذه الرواية وشبهها على حرمة التقليد لا يخلو حالهم من أحد احتمالات ثلاثة:
فإمَّا أنْ يكونوا من جهلة الشيعة الذين لا يفقهون من الروايات شيئاً، وإلَّا كيف فاتهم أنَّ الرواية تتحدَّث عمَّا هو من مَعَالم المذهب البارزة وضروريَّاته وواضحاته، وأنَّها تنهى عمَّا هو من معالم المخالفين؟!
وإمَّا أنْ يكونوا دخلاء على المذهب لا يعرفون كثيراً من معالمه وقضاياه، وإلَّا كيف جهلوا هذا الأمر الذي هو من ضروريّاته؟!
وإمَّا أنْ يكونوا عارفين بذلك، ولكنَّهم يبتغون من وراء ذلك تشتيت أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وتفريق جمعهم، وإضعافهم، من خلال إسقاط مرجعيَّة الفقهاء، لتكون الأُمَّة بعد ذلك لقمة سائغةً أمام الحركات المنحرفة التي لا يستطيع الوقوف بوجهها إلَّا العلماء الفقهاء، وقد انطلت هذه الخدعة على كثير من العوامِّ، لاسيّما مرضى القلوب الذين لهم مواقف مسبقة من الفقهاء عامَّةً، ومن المراجع منهم خاصَّةً، خصوصاً بعد النجاح الباهر لفتوى الدفاع المقدَّس.
والعجيب في الأمر: أنَّ الرِّواية نفسها قد فرض فيها السائل أنَّ النظر كان في مقابل الكتاب والسُّنَّة، لأنَّ من الواضح أنَّ ما لا يوجدونه في الكتاب والسُّنَّة لا يمكن أنْ يكون منهما، وهذا ما لا يخفى على عاقل، وبالتالي يكون المقصود من الرِّواية: أنَّ الفقيه إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السُّنَّة لا يجوز له أنْ يحكم بحسب رأيه هو، بل يجب عليه العمل بالوظيفة الشرعيَّة التي رسمتها الشريعة له في مثل تلك الحالات.
مثاله: ما لو سُئِلَ الفقيه عن حكم التدخين مثلاً - وهو من المسائل الحادثة في زمن الغيبة - فعليه الرجوع إلى عمومات الكتاب وأخبار المعصومين (عليهم السلام) لينظر هل يوجد فيها ما يشمل التدخين، أو لا يوجد؟
فإنْ لم يجد ما يدلُّ على الحرمة رجع إلى القواعد التي رسمتها له الشريعة وأوجبت عليه العمل بها في مثل هذه الحالة، كقاعدة الحِلِّيَّة المشرَّعة لكلِّ ما يُشَكُّ في حِلِّيَّته وحرمته، كما في حديث إمامنا الصادق (عليه السلام): «كلُّ شيءٍ هو لك حلال حتَّى تعلم أنَّه حرام بعينه...»(٦٦)، وحيث لا علم للفقيه - مهما بحث وفحص - بحرمة التدخين بعينه في الكتاب ولا في السُّنَّة فيُفتي آنذاك بجوازه بحسب قاعدة الحلّيَّة المستفادة من هذا الحديث الشريف، لا بحسب رأيه هو.
وبالتالي فليست فتوى الفقيه شيئاً جاء به من بنات أفكاره وبحسب نظره وآرائه ومشتهياته كما يُصوِّره منكرو التقليد لعوامِّ الشيعة.
مثالٌ آخر: ما لو سُئِلَ الفقيه عن شيءٍ مشتبهٍ بين الطاهر والنجس، فإنَّه يرجع إلى قاعدة الطهارة التي شرَّعها المعصوم (عليه السلام) لكلِّ ما يُشَكُّ في طهارته ونجاسته، كما في حديث آخر للصادق (عليه السلام): «كلُّ شيءٍ نظيفٌ حتَّى تعلم أنَّه قذر...»(٦٧)، فإنَّ الفقيه حينما يُفتي بطهارة شيءٍ مشكوك الطهارة إنَّما يُفتي استناداً إلى هذه القاعدة المعصوميَّة، لا إلى رأيه ونظره هو.
وممَّا ذكرنا يتَّضح لك: أنَّ الاستدلال بهذه الرواية وشبهها هو استدلال من لا علم له بمذهب الإماميَّة الذين أجمعوا تبعاً لروايات أئمَّتهم (عليهم السلام) على حرمة العمل بالرَّأي.
كما يتَّضح لك: أنَّ استدلالهم بها هو استدلال من لا يفقه من روايات أهل البيت (عليهم السلام) شيئاً، وليس له أدنى اطِّلاع على كُتُب الاستدلال لفقهائنا أصلاً.
والنتيجة: هناك فرق كبير بين من يرجع إلى عقله الناقص وفكره القاصر وآرائه الشخصيَّة لتشريع حكم من عند نفسه - كما يصنع مخالفونا في كثير من فتاواهم المستندة إلى الرأي، أو القياس، أو الاستحسان -، وبين من يرجع إلى ما استقاه من الكتاب والسُّنَّة وسجَّله في مصنَّفاته وكُتُبه، ليستنبط به ومنه ما تضمَّنته نصوص الكتاب والسُّنَّة من أحكام شرعيَّة، فأين نهج فقهائنا الذي استقوه من الكتاب والسُّنَّة من نهج المخالفين المتَّبعين لنهج غاصبي الخلافة؟!
الرواية الثانية: ما رواه مسعدة بن صدقة، قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادَّ الله حيث أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم»(٦٨).
وهذه الرواية صريحة في حرمة الإفتاء بالرَّأي، فهي كالرواية الأُولى من حيث المضمون، وكلتاهما من جملة الروايات الواردة في النهي عن طريقة المخالفين لنهج أهل البيت (عليهم السلام)، كالأحناف، والمالكيَّة، وشبههم ممَّن يعتمدون في تحديد الوظائف الشرعيَّة على قواعد وطُرُق باطلة، كالقياس، والاستحسان، وما يُسَمُّونه من بِدَعهم بسَدِّ الذرائع، والمصالح المرسَلة، واجتهاد الرَّأي، وهي طُرُق تواتر عن الأئمَّة (عليهم السلام) تحريمها، وأجمع فقهاؤنا على حرمتها تبعاً للأئمَّة (عليهم السلام)، فكيف بعد هذا يُتَّهمون بأنَّهم يعملون بالرَّأي؟! إنَّه لَلْعَجَبُ العُجَاب.
وهذا يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ المستدلِّين بهذه الرواية وأشباهها في تحريم تقليد فقهائنا لا يفهمون شيئاً من هذه الروايات، ولا معرفة لهم بشيءٍ من طريقة الفقهاء في عملية الاستنباط، وهم الذين أفنوا أعمارهم الشريفة وبذلوا كلَّ ما لديهم من جهد علمِيٍّ وراحةِ جسدٍ وبالٍ وتحمَّلوا مخاطرَ الطريق في ضلِّ حكومات جائرة وحُكّامٍ ظلمة يقتلون على الظنَّة، كلُّ ذلك في سبيل استخراج كنوز الكتاب الكريم، وتحصيل جواهر روايات المعصومين (عليهم السلام)، لهداية الأُمَّة على ضوء هداية الثقلين، كتاب الله، وعترة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
وبالإجابة على هذه الرواية وسابقتها تستطيع أنْ تُجيب على استدلالهم ببقيَّة الروايات الدَّالَّة على حرمة الإفتاء بالرأي بأنَّ المقصود منها هو حرمة ما جرى عليه المخالفون لنهج أهل البيت (عليهم السلام)، من العمل بمثل القياس، والرأي، والاستحسان، وغير ذلك من القواعد الباطلة.
وأمَّا فقهاء الشيعة فقد منَّ الله تعالى عليهم باثني عشر إماماً بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد استطاعت أحاديثهم (عليهم السلام) أنْ تُغطّي مختلف مناحي الحياة وموارد الابتلاء، ولم يتركوا شيعتهم بلا دليل يرجعون إليه في زمن الغيبة الصغرى، ولا الكبرى، ومن اعتقد أنَّهم (عليهم السلام) تركونا بلا دليل فقد اتَّهمهم حاشاهم بالتقصير في واجبهم الإلهي تجاه عباد الله، وهم الذين نصبهم الله لهداية الناس أجمعين، لاسيّما شيعتهم الموالين لهم إلى يوم القيامة، فقد بيَّنوا لفقهاء الشيعة جملة كبيرة من القواعد والأُصول ليرجعوا إليها في المسائل التي لا يجدون حكمها في الكتاب الكريم، ولا في الروايات الشريفة.
وإلى هذا المعنى يشير ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّما علينا أنْ نُلقي إليكم الأُصول، وعليكم أنْ تُفرِّعوا»(٦٩)، وما روي عن الرضا (عليه السلام): «علينا إلقاء الأُصول، وعليكم التفريع»(٧٠)، فإنَّ وظيفة فقهائنا هي التفريع من تلك الأُصول للموارد التي لم يرد فيها نصٌّ خاصٌّ، كما مثَّلنا فيما سبق بمسألة التدخين.
الرواية الثالثة: ما نسبه منكرو التقليد في منشورهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنَّه قال: «نحن إنَّما ننفي القول بالاجتهاد لأنَّ الحقَّ عندنا فيما قدَّمنا ذكره من الأُمور التي نصبها الله تعالى والدلائل التي أقامها لنا كالكتاب، والسُّنَّة، والإمام الحجَّة، ولن يخلو الخلق من هذه الوجوه التي ذكرناها، وما خالفها فهو باطل».
قال منكرو التقليد: ثمّ ذكر (عليه السلام) كلاماً طويلاً في الرَّدِّ على من قال بالاجتهاد(٧١).
هكذا نقلوا الرواية كدليل على بطلان الاجتهاد، وبالتالي بطلان تقليد العوامِّ للمجتهدين.
والجواب: أنَّ هذه الرواية هي مقطع من رواية بتروها من الطرفين لتحقيق غايتهم، كفعل إخوانهم من الوهّابيَّة ونظرائهم من النواصب.
وإنَّما يجوز تقطيع الرواية فيما إذا لم يُؤثِّر تقطيعها على معناها تأثيراً سلبيًّا، وإلَّا كان ذلك تدليساً، أو غفلةً على أحسن التقادير.
أمَّا أنَّها مبتورةٌ من الأوَّل فلأنَّ هذا المقطع هو جزء صغير من رواية طويلة جدًّا نقلها صاحب الوسائل في ستِّ صفحات تقريباً، وهذه الرواية الطويلة اقتطعها صاحب الوسائل من رواية أطول منها بكثير وكثير من رسالة (المحكم والمتشابه) للسيِّد المرتضى (رحمه الله)، والسيِّد نقلها بدوره من تفسير النعماني محمّد بن إبراهيم المعروف بأبي زينب تلميذ الشيخ الكليني (رحمه الله)، وهو بدوره نقل كلاماً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، لكنَّه خلطه بكلامه، ولم يُميِّزه عن كلام الإمام (عليه السلام) على طريقة القدماء، كالشيخ الصدوق في بعض كُتُبه، فتوهَّم صاحب الوسائل أنَّ الكلام بطوله لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وليس هو كذلك.
وكان الكلام في أوَّل قسم منه يتحدَّث عن بعض علوم القرآن، وفي قسم آخر عن عقائدنا في مقابل عقائد المخالفين، وفي قسم ثالث عن فقهنا في مقابل فقههم، وصاحب الوسائل نقل من القسم الثالث فقط، فيكون الكلام من أوَّله إلى آخره يتحدَّث عن طريقة أهل البيت (عليهم السلام) من تلك الجهات في مقابل طريقة المذاهب المنحرفة، ولكن المنكرين للتقليد اقتطعوا ما يُحقِّق غرضهم، فتعالوا لننظر فيما نقله صاحب الوسائل، لننظر من أين اقتطعوا ذلك المقطع.
وحيث إنَّ ما نقله صاحب الوسائل رواية طويلة فسنقتصر على النظر في أوَّلها، ثمّ وسطها، ثمَّ آخرها.
١ - أمَّا أوَّلها فقوله: «وأمَّا الرَّدُّ على من قال بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد...» إلخ(٧٢).
ومن هنا بدأ صاحب الوسائل في نقل الحديث، وهو مبدوء بواو العطف، لأنَّه معطوف على كلام قبله ممَّا نقله النعماني في تفسيره، ولم ينقله صاحب الوسائل، لعدم حاجته إليه في المعنى الذي أورد الرواية لأجله.
وها أنت ترى أنَّ الاجتهاد الوارد هنا مقرونٌ إلى بعض طُرُق المخالفين في تعيين الوظائف الشرعيَّة عندهم، وهي الرأي، والقياس، والاستحسان، ما يعني أنَّ الاجتهاد المقصود في هذا الكلام هو الاجتهاد الذي عند المخالفين، والذي يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الذي عندنا اختلافاً جوهريًّا، وإنَّما نهت روايات أهل البيت (عليهم السلام) عن طُرُق المخالفين لأنَّهم لمَّا انحرفوا عن ورثة الكتاب والسُّنَّة أعوزتهم الأدلَّة على كثير من الأحكام الشَّرعيَّة، فلجأوا إلى تلك الطُّرُق الباطلة، والتي منها الاجتهاد بالمعنى الذي عندهم، ومنه ما نُسمِّيه بالاجتهاد في مقابل النصِّ، ومنه ما يُسمَّى باجتهاد الرَّأي، وكلاهما منهيٌّ عنه في رواياتنا، وأجمع فقهاؤنا على بطلانهما تبعاً لأئمَّتنا (عليهم السلام).
وأمَّا الاجتهاد بالمعنى الذي عندنا نحن الإماميَّة فهو عبارة عن بذل الفقيه لجهده من أجل الوصول إلى حكم الله تعالى من الكتاب، وروايات العترة الطاهرة، لا بالرأي، أو القياس، أو الاستحسان، أو غيرها من القواعد الباطلة.
٢ - وأمَّا وسطها فقوله: «وأمَّا الرَّدُّ على من قال بالاجتهاد فإنَّهم يزعمون أنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ...» إلخ(٧٣).
وهذا أيضاً مختصٌّ بالمخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، لأنَّ من المعلوم حتَّى للنواصب أنَّ الإماميَّة لا يقولون بأنَّ كلَّ مجتهد مصيب، بل يقولون: إنَّ الفقيه عليه أنْ يبذل قصارى جهده في سبيل تحصيل الحكم الشرعيِّ من الكتاب العزيز، أو روايات المعصومين (عليهم السلام)، فإنْ أصاب فبها، وإنْ أخطأ كان معذوراً، ولذلك فهم يُصرِّحون بأنَّ المجتهد يُخطئ ويُصيب، ولا يقولون بأنَّ المجتهد مصيب على كلِّ حالٍ، ولذا سُمِّيَ الإماميَّةُ بالمُخَطِّئة، في مقابل من ذكرتهم الرواية، والذين يُسمَّونَ بالمصوِّبة، وهم غير الإماميَّة.
٣ - وأمَّا آخرها فهو المقطع الذي دلَّسوا به على أيتام آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو قوله: «ونحن إنَّما ننفي القول بالاجتهاد لأنَّ الحقَّ عندنا فيما قدَّمنا ذكره من الأُمور التي نصبها الله تعالى والدلائل التي أقامها لنا، كالكتاب، والسُّنَّة، والإمام الحجَّة، ولن يخلو الخلق من هذه الوجوه التي ذكرناها، وما خالفها فهو باطل»(٧٤).
وهذا صريح فيما ذكرنا من أنَّ المقصود من الاجتهاد في هذه الرواية هو المعمول به عند المخالفين الذين يعملون بمثل الرأي، والقياس، والاستحسان، في مقابل العمل بالكتاب، وروايات المعصومين (عليهم السلام)، بدليل قوله: «لأنَّ الحقَّ عندنا فيما قدَّمنا ذكره من الأُمور»، يعني: أنَّ الحقَّ منحصر فيما قدَّم ذكره من الأُمور، وهي الكتاب، والسُّنَّة، والإمام الحجَّة، وليس الحقُّ في الرَّأي وأشباهه، ثمَّ وصف تلك الأُمور التي هي المرجع لأخذ الأحكام بقوله: «التي نصبها الله تعالى، والدلائل التي أقامها لنا»، ثمَّ بيَّنها بقوله: «كالكتاب، والسُّنَّة، والإمام الحجَّة»، وهذه الثلاثة هي التي يرجع إليها فقهاء الإماميَّة، في مقابل ما يرجع إليه المخالفون من القياس، وشبهه.
والفقيه إذا بذل قصارى جهده في البحث عن الأحكام في الآيات والرِّوايات فسيجد أنَّهما تُغطِّيان جميع مناحي الحياة، وإلى هذا أشار قوله: «ولن يَخلُوَ الخلقُ من هذه الوجوه التي ذكرناها»، يعني: الكتاب، والسُّنَّة، والإمام الحجَّة، فلا يجوز الرجوع إلى غيرها، كالرأي، أو القياس، أو الاستحسان، أو غيرها من طُرُق المخالفين التي منها الاجتهاد بالمعنى الذي عندهم.
هذا مضافاً إلى أنَّ قوله: «والإمام الحجَّة» يُقصَد به أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم حجَّةٌ على المسلمين عامَّةً، وعلى الشيعة خاصَّةً، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الكلام لابن أبي زينب النعماني، وليس لأمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنَّ عنوان الإمام الحجَّة ينطبق عليه، وبالتالي يكون (عليه السلام) من الدلائل التي أقامها الله تعالى لنا.
والمنكرون للتقليد اقتصروا على المقطع الأخير وبتروه عمَّا قبله وعمَّا بعده، لكي يُوهموا المتلقِّي أنَّه ينهى عن الاجتهاد حتَّى بالمعنى الذي هو عند الإماميَّة (أعزَّهم الله)، ولأجل التمويه على البتر من أوَّل الرواية حذفوا واو العطف من قوله: «ونحن»، وجعلوا بداية المنقول هكذا: «نحن» بلا واو، لكي لا يلتفت أيتام آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذين لا خبرة لهم في مجال دراية الحديث إلى البتر المذكور.
وأمَّا بترها من آخرها فقد وقفوا عند عبارة: (ثمّ ذكر (عليه السلام) كلاماً طويلاً في الرَّدِّ على من قال بالاجتهاد).
ولو رجعنا إلى الوسائل لوجدنا العبارة كالتالي: (ثمّ ذكر (عليه السلام) كلاماً طويلاً في الرَّدِّ على من قال بالاجتهاد في القبلة، وحاصله الرجوع فيها إلى العلامات الشرعيَّة).
وها أنت ترى أنَّ المستدلَّ وقف عند عبارة (بالاجتهاد) لكي يوهم العوامَّ بأنَّ الإمام (عليه السلام) كان يتحدَّث عن الاجتهاد بالمعنى الذي عندنا، مع أنَّ الكلام في هذه العبارة عن الاجتهاد في مسألة القبلة، وترك العلامات التي نصبها المشرِّع ليرجع إليها المسلمون في تحديد جهتها، لكنَّ منكري التقليد أرادوا - كما يصنع الوهّابيَّة - أنْ يجعلوا العبارة الأخيرة من النصوص التي تنهى عن العمل بالاجتهاد، فحذفوا عبارة: (في القبلة) وما بعدها، لكي تبدو للناظر أنَّها نصٌّ في النهي عن الاجتهاد بجميع معانيه، حتَّى بالمعنى الذي عند الإماميَّة.
ولو قالوا: إذا ثبت النهي عن الاجتهاد في مسألة تحديد القبلة فيثبت النهي عنه في جميع المسائل الفقهيَّة.
فجوابه من وجهين:
١ - أنَّ هذا من أوضح مصاديق القياس التي نهت عنه الروايات، فإنَّ النهي عن الاجتهاد في مسألةٍ لا يستلزم النهي عنه في كلِّ المسائل، لاحتمال وجود سبب مانعٍ من الرجوع إلى الاجتهاد في تلك المسألة كما سيتَّضح من الوجه الثاني.
٢ - أنَّ النهي عن الاجتهاد في القبلة مختصٌّ بحالة وجود العلامات التي نصبتها الشريعة لمعرفة جهتها، كالنجم الشمالي المسمَّى بالجدي الوارد ذكره كعلامة في رواية محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن القبلة، فقال: «ضع الجدي في قفاك وصلِّ»(٧٥).
ومحمّد بن مسلم من أهل العراق، فتكون العلامة المذكورة علامةً لأهل العراق، أو لا أقلَّ تكون علامة لأهل الكوفة التي منها محمّد بن مسلم.
وأمَّا لو فقد المكلَّف جميع العلامات لسبب أو آخر - كما لو تاه في صحراء في ليلٍ غائم لا يعرف فيه شمالاً من جنوب وشرقاً من غرب - فقد وردت روايات أُخرى عنهم (عليهم السلام) صريحة في جواز الاجتهاد في القبلة، بل في وجوبه.
منها: رواية سماعة، قال: سألته - يعني الإمام الصادق (عليه السلام) - عن الصلاة باللَّيل والنهار إذا لم يرَ الشمس، ولا القمر، ولا النجوم، قال: «اجتهد رأيكَ، وتعمَّد القبلةَ جُهدَكَ»(٧٦).
ومنها: رواية سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في قفرٍ من الأرض في يوم غيمٍ، فيُصلِّي لغير القبلة، ثمَّ يصحى فيعلم أنَّه صلَّى لغير القبلة، كيف يصنع؟ قال: «إنْ كان في وقتٍ فليُعِد صلاته، وإنْ كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده»(٧٧)، يعني: يُجزيه اجتهاده في معرفة جهة القبلة حتَّى لو تبيَّن أنَّه كان مخطئاً في اجتهاده.
وغير ذلك من الرِّوايات الدَّالَّة على جواز الاجتهاد في تحديد القبلة في صورة فقد علاماتها الشرعيَّة، بل وتدلُّ على إجزاء اجتهاده حتَّى لو تبيَّن خطأه.
والنتيجة من كلِّ هذا: أنَّ منكري التقليد ارتكبوا التدليس مرَّتين؛ مرَّة في بتر الكلام من أوَّله، ومرَّة في بتره من آخره، وهدفهم من ذلك أنْ يبدو الكلام وكأنَّه وارد في النهي عن الاجتهاد بجميع معانيه حتَّى بالمعنى الذي هو عند الإماميَّة، وهو بذل الجهد لأجل استنباط الحكم الفقهي من مصادره الشرعيَّة، أعني: الكتاب، وروايات المعصومين (عليهم السلام).
المقطع المذكور ليس من كلام عليٍّ (عليه السلام):
هذا كلُّه لو ثبت أنَّ المقطع المذكور لعليٍّ (عليه السلام) بالفعل، وليس من كلام النعماني، أو السيِّد المرتضى، كما توهَّم صاحب الوسائل (رحمه الله)، لكنَّه ليس كذلك.
والوجه في ذلك: أنَّ المقطع المذكور متطابق تمام التطابق مع لغة العلماء، ولا يخفى على أهل الحديث الفرق بين لغتهم ولغة المعصومين (عليهم السلام)، وإنَّما يحصل الاشتباه حينما يخلط الرَّاوي كلاماً قليلاً منه مع كلام المعصوم (عليه السلام)، كما حصل ذلك مع الصدوق (رحمه الله) في مواضع من كتاب (من لا يحضره الفقيه).
وتحقيق هذا الأمر يحتاج إلى تخصُّصٍ من جهةٍ، وكلامٍ طويل من جهة أُخرى، وكلٌّ منهما يحتاج إلى بحثٍ مستقلٍّ لا يتناسب مع بحثنا هذا.
ولكن لو تنزَّلنا وفرضنا أنَّه من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد عرفت الجواب، وأنَّ الكلام في هذا المقطع كان بصدد النهي عن الاجتهاد بالمعنى الذي عند المخالفين، لا عن مطلق الاجتهاد.
وإنْ شئتَ قلتَ: إنَّ الاجتهاد في المسائل الشرعيَّة على ثلاثة أنواع:
النوع الأوَّل: الاجتهاد في مقابل النصِّ، كاجتهادات عمر بن الخطَّاب العديدة في مقابل نصِّ الكتاب أو السُّنَّة، كما في تحريمه لمتعة النساء، ومتعة الحجِّ.
النوع الثاني: الاجتهاد في الرَّأي، بمعنى أنْ يرجع الفقيه إلى رأيه الشخصيِّ في تحديد الوظيفة الشرعيَّة، من دون استنادٍ إلى مصادر التشريع الإسلامي، كما مرَّ عليك في بعض الروايات المتقدِّمة.
النوع الثالث: الاجتهاد في الوصول إلى مراد الشريعة من خلال قواعد وضوابط ثبتت صحَّتها بالدليل، ليستعين بها الفقيه في عمليَّة استنباط الحكم من مصادر التشريع الإسلامي، أعني الكتاب العزيز، وروايات المعصومين (عليهم السلام)، والإجماع، والقطع العقلي.
والاجتهاد المنهي عنه في روايتنا ما كان من قبيل الأوَّل والثاني، دون الثالث، لأنَّه من دون الاجتهاد بالمعنى الثالث لا يمكن لأحد أنْ يستخرج الأحكام الشرعيَّة من مصادر التشريع.
بل حتَّى المنكرون لمشروعيَّة الاجتهاد - أعني بعض الأخباريِّين - هم يمارسون الاجتهاد بالمعنى الثالث على مستوى العمل رغم إنكارهم له على مستوى القول، نظير موقف المخالفين لنا في مشروعيَّة التقيَّة حينما يُنكِرونها ويُحرِّمونها على مستوى القول، ولكنَّهم يمارسونها مع الظلمة من حُكَّام المسلمين على مستوى العمل، ولا يوجد أخباريٌّ واحد إلَّا وهو يعمل بمثل (قاعدة الطهارة) و(قاعدة التجاوز) و(قاعدة الفراغ) و(قاعدة اليد) و(قاعدة سوق المسلمين) وغيرها من القواعد الفقهيَّة التي يستدلُّ بها الفقيه في تحديد الوظيفة الشرعيَّة لنفسه ولمقلِّديه.
وما من أخباريٍّ إلَّا وهو يراعي ما يقتضيه مثل قانون (الإطلاق والتقييد) و(العموم والخصوص) و(الناسخ والمنسوخ) و(المجمل والمبيَّن) و(حجّيَّة ظواهر السُّنَّة) و(حجّيَّة خبر الثقة) و(حجّيَّة الإجماع الكاشف عن حكم المعصوم (عليه السلام))، وجريان الأُصول التي شرَّعها الأئمَّة (عليهم السلام) للمكلَّفين في حالات الشكِّ، من قبيل (أصالة الاستصحاب) و(أصالة البراءة) و(أصالة الاحتياط)، وغير ذلك من القواعد اللفظيَّة، أو الأُصوليَّة التي تتوقَّف عليها عملية الاستنباط في جميع مسائل الفقه الاجتهاديَّة.
وليس الاجتهاد إلَّا عبارة عن استعانة الفقهاء بهذه القواعد وشبهها في مجال تحديد الوظائف الشرعيَّة لأنفسهم ولمقلِّديهم، وذلك بعد أنْ أثبتوا في مرحلة سابقة وفي عدِّة علوم - كعلم الكلام، وعلم أُصول الفقه - شرعيَّة تلك القواعد، بل وأثبتوا عدم جواز نسبة أيِّ حكم - حتَّى مثل استحباب تقليم الأظفار - إلى الله تعالى، أو إلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أو إلى واحد من الأئمَّة (عليهم السلام) من دون مراعاةٍ لتلك القواعد والضوابط.
كما أثبتوا بالأدلَّة الواضحة بطلان قواعد أُخرى وحرَّموا العمل بها تبعاً للأئمَّة (عليهم السلام)، كالقياس، والرأي، والاستحسان، والاجتهاد بالمعنيين الأوَّلين السابقين، وكقاعدتي سدِّ الذرائع، والمصالح المرسَلة، وغير ذلك من القواعد التي اعتمدها المخالفون لأهل البيت (عليهم السلام).
هذا تمام الكلام في الرواية الثالثة.
وخلاصته: أنَّها ليست رواية عن المعصومين (عليهم السلام)، وأنَّ نسبتها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) توهُّمٌ من صاحب الوسائل، وهو معذور في ذلك، كما أنَّه لم يرتكب التدليس كما فعل منكرو التقليد عندما بتروها من أوَّلها وآخرها.
وعلى تقدير أنَّها من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فهي بصدد النهي عن نحوين من الاجتهاد:
١ - الاجتهاد بالمعنى الذي هو عند المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، لا بالمعنى الذي عندنا نحن الإماميَّة.
٢ - الاجتهاد في تحديد القبلة في حال وجود العلامات المجعولة من الشَّرع لتحديدها، دون الاجتهاد في حال فقد تلك العلامات، فإنَّه جائزٌ، بل واجبٌ.
الرواية الرابعة: ما نسبه منكرو التقليد في منشورهم إلى إمامنا الصادق (عليه السلام)، حيث جاء ما نصُّه: قال الصادق (عليه السلام) - وهو يعني الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بما قاله -: «أعداء الدِّين مقلِّدة الفقهاء أهل الاجتهاد ولم يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمَّتُهم...»، ثمَّ يواصل الكلام بعد ذلك إلى أنْ يقول: «إذا خرج فليس له عدوٌّ مبين إلَّا الفقهاء خاصَّة، وهو والسيف أخوانِ».
هكذا نقلوا في منشوراتهم التي وزَّعوها على الناس على ما فيه من تلاعب من جهة، وأخطاء من جهة أُخرى.
وقد ذكروا لهذا الحديث المزعوم مصدرين: كتاب (إلزام الناصب)، وكتاب (ينابيع المودَّة)، كما ذكروا في بعض مواقعهم المشبوهة على الإنترنت مصادر أُخرى من بينها كتاب (بشارة الإسلام).
وهذا الكلام المنسوب إلى إمامنا الصادق (عليه السلام) يشتمل على مقطعين:
أوَّلهما: «أعداء الدِّين مقلِّدة الفقهاء أهل الاجتهاد ولم يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمَّتُهم».
ثانيهما: «إذا خرج فليس له عدوٌّ مبين إلَّا الفقهاء خاصَّة، وهو والسيف أخوانِ».
والجواب عليه من ثلاثة وجوه:
١ - أنَّ الحديث بمقطعيه مكذوبٌ على الإمام الصادق (عليه السلام)، فإنَّ كلا المقطعين لابن عربي الصوفي المعروف ذكرهما في كتاب (الفتوحات).
أمَّا الأوَّل فقد ذكره ضمن كلامٍ له طويل جاء في أوَّله: (اعلم - أيَّدنا الله - أنَّ لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً).
إلى أنْ قال بعد كلام له طويل فيما يقوم به الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): (يرفع المذاهب من الأرض، فلا يبقى إلَّا الدِّين الخالص).
ثمّ ذكر المقطع الأوَّل قائلاً: (أَعداؤُهُ مقلِّدَةُ العُلماءِ أَهلِ الاجتهاد، لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمَّتُهم).
ثمّ قال: (فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبةً فيما لديه، يفرح به عامَّةُ المسلمين أكثرُ من خواصِّهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهودٍ وكشفٍ بتعريفٍ إلهي...) إلى آخر كلامه(٧٨).
وأمَّا المقطع الثاني فقد ذكره أيضاً ضمن كلام طويل انتقد فيه فقهاء المذاهب الأُخرى، ومدح الصوفيَّة والعرفاء ممَّن كانوا على مسلكه، وقال: (وإذا خرج هذا الإمام المهدي فليس له عدوٌّ مبينٌ إلَّا الفقهاء خاصَّةً...).
إلى أنْ قال: (ولولا أنَّ السيف بيد المهدي لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يُظهِره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، فيقبلون حكمه من غير إيمانٍ، بل يضمرون خلافه كما يفعل الحنفيُّون والشَّافعيُّون فيما اختلفوا فيه...).
إلى أنْ قال في وصفهم: (فمثل هؤلاء لولا قهر الإمام المهدي بالسيف ما سمعوا له، ولا أطاعوه بظواهرهم، كما أنَّهم لا يطيعونه بقلوبهم، بل يعتقدون فيه أنَّه إذا حكم فيهم بغير مذهبهم أنَّه على ضلالةٍ في ذلك الحكم، لأنَّهم يعتقدون أنَّ زمان أهل الاجتهاد قد انقطع، وما بقي مجتهدٌ في العالم، وأنَّ الله لا يُوجِد بعد أئمَّتهم أحداً له درجة الاجتهاد...) إلى آخر كلامه(٧٩).
والحاصل: أنَّ الكلام بمقطعيه لابن عربي، وليس لإمامنا الصادق (عليه السلام).
٢ - قد اتَّضح لك من كلامه الأخير الذي لم ينقله منكرو التقليد للتدليس على المؤمنين أنَّ المقصود بالمقلِّدين لأهل الاجتهاد هم عوامُّ أهل السُّنَّة المقلِّدين لأحد الأربعة: (مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي، وابن حنبل) الذين هم أهل الاجتهاد الذين يعتقد مقلِّدوهم بأنَّ الاجتهاد قد خُتِمَ بهم، وأنَّ الله تعالى لن يخلق مجتهداً بعدهم.
٣ - أنَّ من المقطوع به والبديهي أنَّ الأحكام التي يأتي بها الإمام المهديُّ (عجَّل الله فرجه) ستكون على طبق أحكام آبائه (عليهم السلام) المودوع أكثرُها في كُتُبنا الحديثيَّة، وهي أحكامٌ مخالفة لأحكام المخالفين التي هي اجتهادات أئمَّتهم الأربعة، ولذا حينما يأتي بأحكام آبائه (عليهم السلام) سوف يعاديه أتباع تلك المذاهب، لأنَّهم يرون أنَّ أحكامه (عجَّل الله فرجه) مخالفةٌ لأحكام أئمَّتهم الأربعة، كما علَّل بذلك ابن عربي في قوله: (لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمَّتهم).
والنتيجة: قد اتَّضح أنَّ الحديث المذكور هو من كلام ابن عربيٍّ في حقِّ المخالفين، وقد نسبه منكرو التقليد إلى إمامنا الصادق (عليه السلام) افتراءً عليه، وتدليساً على المؤمنين، فليتبوَّأ الكاذب مقعده من النار، وكذلك من علم به منهم وسكت عنه ولم يردعهم، بل ساعده في نشر هذه الأُكذوبة ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج: ٢٠).
الرواية الخامسة: ما نقله منكرو التقليد في منشوراتهم عن كتاب (إلزام الناصب) من قوله: ذكر الصادق (عليه السلام) يوماً أهل الفتوى وهو مغضب: «إذا خرج القائم ينتقم من أهل الفتوى بما لا يعلمون، فتعساً لهم ولأتباعهم».
وفي الطبعة التي عندي هكذا: «وينتقم من أهل الفتوى في الدِّين لما لا يعلمون، فتعساً لهم ولأتباعهم»(٨٠).
وجوابه في نقاط:
١ - أنَّ هذه الرواية قطعة من خطبة البيان المنسوبة إلى عليٍّ (عليه السلام)، وليست من كلام الصادق (عليه السلام)، كما أنَّها خالية من فقرة: (ذكر أهل الفتوى يوماً وهو مغضب)، فيكونون قد كذبوا على الصادق (عليه السلام) في هذه الرواية أيضاً، كما كذبوا عليه في الرواية السابقة، ومن يكذب على الإمام متعمِّداً مرَّةً يمكن أنْ يكذب عليه ألف مرَّة.
٢ - أنَّ سند الخطبة ضعيفٌ جدًّا، لانحصاره بسند واحد رواته كُلُّهم من المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، ولم يروها أعلامنا من أمثال الكليني، والصدوق، والمفيد، والمرتضى، والطوسي، ولا غيرهم ممَّن تأخر عنهم، كالشيخ محمّد تقي المجلسي، بل صرَّح ولده العلَّامة محمّد باقر المجلسي في كتابه (مرآة العقول) بكذبها، وكذب أمثالها، وجعلها من روايات الغُلاة وأشباههم(٨١)، ولذا فقد حكم بضعف سندها جملة من الأعلام المحقِّقين قديماً وحديثاً، فكيف يجوز بعد هذا كلِّه لمن يدَّعي التشيُّع أنْ ينسب إلى إمامه رواية ساقطة عن الاعتبار بالمرَّة؟!
وما الفرق بين من يكذب على المعصوم (عليه السلام) متعمِّداً ومن يسند إليه حديثاً لم يكن سنده في غاية الضعف فحسب، بل توجد في نفس الخطبة قرائن - كما يأتي بيان بعضها - تدلُّ على عدم صدورها عنه (عليه السلام)، ولا عن واحد من أولاده (عليهم السلام).
٣ - أنَّ في كثيرٍ من فقرات الخطبة ركاكة واضحة يجلُّ عن مثلها أمير البلاغة والبيان، والذي ما سَنَّ الفصاحة لقريش إلَّا هو.
٤ - أنَّ كثيراً من مضامينها باطلة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
ولو قال قائل: ألم يرد بعض مضامينها في رواياتنا؟
فجوابه: أنَّ بعض المنحرفين حينما يريدون أنْ يدسُّوا أُموراً باطلة في روايات المعصومين (عليهم السلام) فإنَّهم يعمدون إلى روايات صحيحة فيدسُّون فيها ما يريدون دسَّه، كما كان يصنع المغيرة بن سعيد وأبو الخطَّاب (لعنة الله عليهما)، حيث كان الأوَّل يدسُّ في أحاديث إمامنا الباقر (عليه السلام)، والثاني يدسُّ في أحاديث الصادق (عليه السلام).
ولو قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا ينقل علماؤنا هذه الروايات عن المخالفين في كُتُبنا؟
فجوابه واضح: فإنَّ نقل أمثالها عنهم إنَّما هو من باب إلزامهم بما ينقلون، كما صنع الشيخ الحائري في كتابه (إلزام الناصب)، ليفحم بما نقلوه من أنكر منهم وجود المهدي (عجَّل الله فرجه) من النواصب وغيرهم، ولذا سَمَّى كتابه (إلزام الناصب)، وهو ما نصنعه نحن اليوم حينما نحتجُّ عليهم بمثل كتاب البخاري، وكتاب مسلم، وأمثالهما، ونستدلُّ عليهم بما نقله رواتهم، كأبي هريرة، وأضرابه ممَّن عُرفوا عندنا بالكذب، وذلك من باب إلزامهم بما نقلوه في كُتُبهم.
٥ - ذكر المؤلِّف أنَّ للخطبة نُسَخاً مختلفةً(٨٢)، ونقل ثلاث نُسَخ منها، والمقطع المذكور ورد في واحدة منها فقط، ولا مثبت أنَّها هي الصادرة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل يحتمل أنَّها موضوعة من قِبَل بعض الرُّواة الذين هم من المخالفين، لاسيّما وأنَّ بعضهم من الصوفيَّة الذين لا يخفى على المتابع عداؤهم للفقهاء، وهذا الإشكال يرد أيضاً على رواية ابن عربي - الرواية الرابعة المتقدِّمة -، فإنَّه كان من أشدِّ الناس عداوةً للفقهاء، ولئن قصد فقهاء مذاهبهم فلا شأن لنا بهم، لأنَّ فقهائنا (أُمناء الرُّسُل) و(ورثة الأنبياء) كما ورد في الأحاديث السابقة.
٦ - لو غضضنا النظر عن كلِّ ما تقدَّم فقد اتَّفقت روايات أئمَّتنا (عليهم السلام) وفتاوى فقهائنا على حرمة الإفتاء بغير علم، حتَّى بات هذا الحكم من ضروريَّات الدِّين لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، وغاية ما تدلُّ عليه هذه الرواية هو أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) سينتقم ممَّن يُفتون بغير علم، لا من جميع أهل الفتوى بمن فيهم الذين يفتون بعلم، لأنَّ الخطبة قيَّدت الانتقام بذلك في جملة: «بما لا يعلمون».
ولا أدري ما علاقة هذا بمراجعنا الذين بلغوا من العلم في الأحكام الشرعيَّة أعلى رتبة فيه، وهي رتبة الاجتهاد والفقاهة؟!
٧ - لو لاحظنا تكملة المقطع لوجدنا فيها مقاطع تتحدَّث عن أهل الفتوى من المخالفين، كبعض الصحابة وأمثالهم من الذين خالفوا عليًّا (عليه السلام).
ومن تلك المقاطع قوله: «أكان الدِّين ناقصاً فتمَّمُوه، أم كان به عِوَجٌ فقَوَّموه...» إلى أنْ قال: «فكم من وليٍّ جحدوه، وكم وصيٍّ ضيَّعوه، وحقٍّ أنكروه، ومؤمنٍ شرَّدوه، وكم من حديثٍ باطلٍ عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأهل بيته نقلوه، وكم من قبيحٍ منَّا جوَّزوه، وخبرٍ عن رأيهم تأوَّلوه...» إلى أنْ قال: «ألَا إنَّ في قائمنا أهل البيت كفاية للمستبصرين، وعبرة للمعتبرين، ومحنة للمتكبِّرين، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ﴾ (إبراهيم: ٤٤)، هو ظهور قائمنا المُغيَّب، لأنَّه عذابٌ على الكافرين، وشفاء ورحمة للمؤمنين...» إلخ.
فانظر أيُّها الشيعيُّ بعين فطرتك العلويَّة وعقيدتك الصادقيَّة هل تجد هذا منطبقاً على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم الفقهاء الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، وحافظوا على تراثهم، ونقلوه لأتباعهم في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، واستنبطوا مقاصدهم، وبيَّنوا للناس أحكامهم؟!
والخلاصة: أنَّ خطبة البيان ضعيفة سنداً، ومتناً، ودلالةً، فهي ساقطة عن الاعتبار جدًّا، وغاية ما تدلُّ عليه الفقرة المقتطعة منها هو حرمة الإفتاء بغير علم، وهو ممَّا اتَّفقت عليه النصوص والفتاوى من كلا الفريقين، ولم يأتِ منكرو التقليد بشيءٍ جديدٍ، ولا ربط له بحرمة تقليد مراجعنا من قريب ولا من بعيد.
الرواية السادسة: ما روي عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ أصحاب المقائيس طلبوا العلم بالمقائيس، فلم تزدهم المقائيس من الحقِّ إلَّا بُعداً، وإنَّ دين الله لا يُصاب بالمقائيس»(٨٣).
إن الرِّواية تدلُّ على أنَّ الدِّين - ومنه الأحكام الشرعيَّة - لا يمكن التوصُّل إليه بالقياس، وأنَّ من طلبه بالقياس فسوف يزداد عن الحقِّ بُعداً.
وهناك روايات أُخرى دلَّت على حرمة العمل بالقياس، وسوف نكتفي بهذه الرواية، لدلالة جميع الروايات على معنى واحد، وهو النهي عن العمل بالقياس في المسائل الدِّينيَّة، ومنها الأحكام الشرعيَّة.
وقد استدلَّ منكرو التقليد بهذه الروايات على عدم مشروعيَّة تقليد فقهائنا، بزعم أنَّهم يعملون بالقياس في استنباط كثير من الأحكام الشرعيَّة، ولازمه أنَّ تقليد العوامِّ للفقهاء في تلك الأحكام محرَّمٌ وباطل.
وجوابه: أنَّ علماء المسلمين كافَّةً - بل حتَّى الخوارج والنواصب - يعلمون أنَّ من أبجديَّات مذهب الإماميَّة وضروريَّاته تحريمهم للعمل بالقياس، فكيف بعد هذا يفترون - وبكلِّ جرأةٍ - ويدَّعون أنَّ فقهاء الإماميَّة يعملون بالقياس؟!
وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ فإنَّما يدلُّ على أنَّ الذين يقفون وراء الدعوة إلى ترك تقليد الفقهاء هم أُناس أجنبيُّون عن الإسلام والمسلمين، أو لا أقلَّ هم أجنبيُّون عن مذهب الإماميَّة، وإلَّا كيف يقع المروِّجون لهم من بسطاء الشيعة في هكذا خطأ فضيع لا تقوم لهم بعده قائمة؟!
إنَّ هذه الدعوى أشبه بما لو ادُّعي أنَّ الإماميَّة الاثني عشريَّة لا يعتقدون بإمامة الصادق (عليه السلام) مثلاً.
والمضحك المبكي أنَّهم نقلوا عباراتٍ لأعلام الطائفة صريحةٍ في حرمة العمل بالقياس كما سوف يأتي إنْ شاء الله تعالى.
والحاصل: أنَّ العمل بالقياس ممَّا أجمع فقهاء الطائفة على حرمته تبعاً لأئمَّة الهدى (عليهم السلام)، فكيف بعد هذا يتَّهمونهم بالعمل به؟!
شبهة وجواب:
ربَّما قرأ بعض في كُتُبنا أو سمع أنَّ فقهاءنا يعملون ببعض أنواع القياس، فتخيَّل أنَّهم يعملون بما نهت الروايات عنه.
وجواب هذه الشبهة: أنَّ القياس يأتي على عدَّة معانٍ، والذي نهت عنه الروايات هو القياس بأحد معانيه لا بجميعها، وهي عديدة نذكر بعضها:
(فمنها): القياس المُستَنبَط العلَّة.
(ومنها): قياس الأولويَّة.
(ومنها): قياس المساواة.
(ومنها): القياس على كتاب الله تعالى.
والمنهي عنه في الرِّوايات هو الأوَّل دون البقيَّة.
توضيح ذلك:
أمَّا القياس المستنبط العلَّة فهو: أنْ يرد نصٌّ من الشرع لبيان حكمٍ في مورد معيَّنٍ، ويحاول الفقيه أنْ يستفيد منه في مورد آخر لم يرد فيه نصٌّ، وحجَّته في ذلك وجود شبهٍ بين المورد المنصوص عليه والمورد الخالي من النصِّ، ويسمُّون المنصوص عليه: (الأصل)، وغير المنصوص عليه: (الفرع)، ثمّ ينقل الفقيه الحكم من الأصل إلى الفرع لأجل الشبه الذي بينهما.
ولتقريب الفكرة نُمثِّل بمثال تعليمي لا واقعي، رعايةً لعموم القارئين، فنقول: قد نصَّ الكتاب الكريم على أنَّ عدَّة المتوفَّى زوجُها أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيّامٍ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة: ٢٣٤)، فلو أراد الفقيه التعرُّف على عدَّة المفقود زوجها مثلاً بعد أنْ يُطلِّقها الحاكم فإنْ لم يجد نصًّا لبيان عدَّتها فربَّما قاسها على المتوفَّى زوجها وأفتى بأنَّ عدَّتها عدَّة وفاةٍ، لا عدَّة طلاق، والتي هي ثلاثة قروءٍ، أو ثلاثة أشهرٍ.
واستفادة هذا الحكم من القياس ممَّا أجمع فقهاؤنا على حرمته تبعاً لما تواتر عن أئمَّتنا (عليهم السلام)، ولو جاءت به السُّنَّة كان مقبولاً، لأنَّ السُّنَّة حجَّةٌ.
ومنه يتَّضح: أنَّ اتِّهام فقهائنا بذلك لهو أقوى دليل على أنَّ المسوِّقين لهذه التهمة إمَّا أنْ يكونوا من الجهلة، وإمَّا أنْ لا يكونوا من الشيعة أصلاً.
وأمَّا قياس الأولويَّة فهو: أنْ يرد نصٌّ من الشرع لبيان حكمٍ في موردٍ معيَّنٍ، وكانت علَّة الحكم مقطوعاً بها، فإذا وجد الفقيه تلك العلَّة في موردٍ آخر وبدرجةٍ أقوى وأشدَّ فيحكم بنفس ذلك الحكم بلا إشكال.
ومن هنا سُمِّيَ بقياس الأولويَّة، لأنَّ الحكم إذا كان ثابتاً في المورد الأوَّل لعلَّةٍ معيَّنةٍ فبالأولى أنْ يثبت في مورد تكون تلك العلَّة فيه أقوى.
ومثاله التعليمي: لو لم يرد نصٌّ يُحرِّم شتم الوالدين مثلاً فيمكن للفقيه استفادة الحرمة من مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (الإسراء: ٢٣)، الذي يدلُّ على حرمة قول كلمة: (أُفٍّ) للوالدين، والتي هي مجرَّد إبرازٍ للتضجُّر منهما، فما بالك لو شتمهما؟
ولذا يحتجُّ المستدلُّ ويقول: إذا كانت الآية تدلُّ على حرمة كلمة: (أُفٍّ) في حقِّ الوالدين فهي تدلُّ على حرمة شتمهما بالأولويَّة القطعيَّة، حتَّى لو لم يرد نصٌّ خاصٌّ في تحريم شتمهما.
ومن هذا يتَّضح لك: أنَّ قياس الأولويَّة لا يتحقَّق إلَّا بعد تحقُّق شرطين قد أشرنا إليهما:
١ - أنْ يقطع الفقيه بعلَّة الحكم في المورد المنصوص عليه، كما هو الحال في الآية الشريفة، فإنَّ كلَّ عاقل يقطع بأنَّ علَّة تحريم كلمة (أُفٍّ) هي إيذاء الوالدين، والله تعالى حرَّم إيذاءهما حتَّى بهذا المقدار القليل.
٢ - أنْ يقطع الفقيه أيضاً بأنَّ هذه العلَّة الموجودة في هذه الكلمة موجودة في كلمات أُخرى مؤذية للوالدين بشكل أكبر وأشدَّ، كإطلاق الكلمات البذيئة في حقِّهما وتعييرهما بصفةٍ ما، كالفقر، أو الجهل، أو غير ذلك من الكلام الجارح لقلبيهما، فإذا قطع الفقيه من هاتين الجهتين خرج بهذه النتيجة: إذا كان يحرم على الولد أنْ يقول لوالديه: (أُفٍّ) فقطعاً وبكلِّ تأكيد يحرم عليه أنْ يقول لهما ما هو أشدُّ عليهما من هذه الكلمة، وأكثر إيذاءً لهما منها.
ومن دون تحقُّق هذين القطعين للفقيه لا يجوز له أنْ ينقل حكم المورد المنصوص عليه إلى المورد الذي لا نصَّ فيه، حتَّى لو حصل له ظنٌّ بذلك، لأنَّه سيكون آنذاك من مصاديق القياس المستنبط العلَّة المنهي عنه.
وبهذا يتَّضح الفرق بين القياس المستنبط العلَّة وقياس الأولويَّة، فالمستنبط العلَّة يعتمد على الظنِّ، وهو ممَّا لا دليل على حجِّيته، بل قام الدليل كتاباً وسُنَّةً متواترةً على بطلانه، وأمَّا قياس الأولويَّة فيعتمد على القطع واليقين الذي هو حجَّة الحُجَج.
وأمَّا قياس المساواة فهو: أنْ يرد نصٌّ من الشرع لبيان حكمٍ في مورد معيَّنٍ، ويحاول الفقيه أنْ يستفيد منه في مورد آخر لم يرد فيه نصٌّ، وحجَّته في ذلك عدم وجود أيَّة خصوصيَّة للمورد المنصوص عليه، بل يجد بينهما مساواةً تامَّة من ناحية ذلك الحكم.
ومن أمثلته: ما لو حكم الشرع بوجوب تطهير الثوب من البول مثلاً، فإنَّ العُرف المخاطَب بهذا الحكم يفهم عدم وجود أيَّة خصوصيَّة للثوب في الحكم المذكور، فيتعدَّون بالحكم إلى مثل العباءة، والسِّروال، والعمامة، والشَّال، والخِمار، والجَورَب، وما شابه ذلك ممَّا يرتديه الإنسان، ممَّا صُنِعَ من الأقمشة.
بل ويتعدَّون بالحكم المذكور إلى مثل السَّجَّادة، والستائر، والأغطية، وغيرها، حتَّى لو لم يرد نصٌّ في هذه المذكورات.
ولكن يُشتَرط في جواز العمل بهذا القياس: أنْ يقطع الفقيه بعدم وجود خصوصيَّة لمورد النصِّ، فلو احتمل وجود الخصوصيَّة لمورده لم يجز له تعدية الحكم إلى الموارد غير المنصوص عليها.
وهنا تأتي مقالة الأُصوليِّين المعروفة: (إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال)، لأنَّ شرط حجّيَّة هذا القياس حصول القطع بشمول الحكم لغير مورد النصِّ.
وهناك تعبيرات أُخرى للفقهاء عن هذا القياس صارت مصطلحات في علم الفقه، كمصطلح (تنقيح المناط) و(طرح - أو نزع - الخصوصيَّة) و(وحدة الملاك) و(الحمل على المثاليَّة)، أو غيرها.
والمقصود من الأخير: أنَّ العُرف يفهم من كلام الشرع أنَّ الثوب ذُكِرَ على سبيل المثال لا الحصر، ولأجل ذلك تراه يتعدَّى إلى العباءة، والجورب، وغيرها من المذكورات.
وأمثلته في الفقه كثيرة، كما هو الحال في موارد وجوب التيمُّم فيما إذا قيَّده الشرع بحالة فقدان الماء، فإنَّ العرف يفهم منه: أنَّ شرط الانتقال إلى وظيفة التيمُّم هو وجود مانع من استعمال الماء حتَّى لو لم يكن الماء مفقوداً، كما لو كان استعماله يضرُّ بالمكلَّف، أو يوقعه في الحرج، وقد حكمت الشريعة بارتفاع الأحكام التي تتسبَّب في ضرر المكلَّف، أو الحرج، كما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا ضرر ولا ضرار»(٨٤)، وقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحجّ: ٧٨).
وأمَّا القياس على كتاب الله فهو أنْ يأتي الخبر عن المعصوم (عليه السلام) وكان رواته من الثقات لكن مضمونه مشكل، كما لو كان فيه شبهة المخالفة للكتاب الكريم، فيقع الفقيه في حيرة، فمن جهة ينبغي عليه أنْ يأخذ به لأجل صحَّة سنده، ومن جهة ينبغي له التثبُّت والتريُّث في العمل به لوجود شبهة مخالفته لكتاب الله، ولأجل هذا وأمثاله توجَّهت عدَّة أسئلةٍ إلى الأئمَّة (عليهم السلام) من أصحابهم، وأنَّه ماذا نصنع في مثل هذا الحال؟
فجاءت تعليماتهم (عليهم السلام) تنصُّ على أنَّ ما جاء مخالفاً لقول الله تعالى فلم يقولوه(٨٥)، وفي رواية أُخرى أنَّه زخرف(٨٦)، أي باطل، وما شابه هذا المضمون(٨٧).
وممَّا جاء في هذا المجال هو لزوم قياس الخبر على الكتاب الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) المقطوع بصدورها عنهم، وهو ما رواه الحسن بن جهم عن الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: قلت للرضا (عليه السلام): تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، قال: «ما جاءك عنَّا فقسه على كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وأحاديثنا، فإنْ كان يشبههما فهو منَّا، وإنْ لم يشبههما فليس منّا...» إلى آخر الرواية(٨٨).
وهذه الرواية وأمثالها يُعبَّر عنها في علم الأُصول بروايات العرض على الكتاب والسُّنَّة القطعيَّة، ومفادها: أنَّ الخبر الذي لا يشبه مضمونُهُ مضامين الكتاب العزيز والسُّنَّة القطعيَّة ليس بحجَّة، وما كان يشبههما فهو حجَّة.
ومن الآثار المهمَّة لهذه القاعدة الرَّضويَّة: أنَّ الخبر الضعيف سنداً إذا كان متطابقاً مع مضامين الكتاب والسُّنَّة القطعيَّة فلا ينبغي طرحه، لاحتمال صدوره من المعصومين (عليهم السلام) ولم يصل إلينا إلَّا من الطريق الضعيف، وقد يُستفاد منه في بعض الموارد، وفي المقابل يجب طرح الحديث المخالف في مضمونه للكتاب والسُّنَّة حتَّى لو كان سنده صحيحاً.
ومن الواضح أنَّ العمل بهذا القياس ليس محرَّماً، بل جائزٌ، بل واجبٌ.
والخلاصة: أنَّ القياس على أنواع، والمنهي عنه هو القياس المستنبط العلَّة، لأنَّه يعتمد الظنَّ، وقد نهى الشرع عن اتِّباع الظنِّ إلَّا ما خرج بالدليل، والقياس المستنبط العلَّة لم يخرج بدليل، بل تواتر عن أهل البيت (عليهم السلام) النهي عن اتِّباعه.
وأمَّا بقيَّة الأقيسة - قياس الأولويَّة، وقياس المساواة، وقياس الخبر على الكتاب والسُّنَّة القطعيَّة - فهي خارجة عن باب الظنِّ من الأساس، لأنَّها تعتمد على القطع، فهي قطوع وليست ظنوناً، ولم يرد من الشرع نهيٌ عنها، فتكون حجَّة بلا إشكال، بل الأخير منها قد ورد الأمر به كما عرفت.
ولئن سمعت بفقيه من الشيعة يعمل بالقياس فالمقصود هو القياس بأحد المعاني الجائزة، أعني الثلاثة الأخيرة.
ولو بلغهم أنَّ فقيهاً عمل بالقياس المنهي عنه حملوا عليه حملة واحدةً زيادةً في الحرص على اجتنابه، وحملاً للآخرين على تحرِّي الدِّقَّة من هذه الناحية.
ولهذا الذي ذكرناه أخيراً أفتى فقهاؤنا بجواز الانتقاص من المؤمن إذا صدرت منه مقالة باطلة يخاف على المؤمنين منها، كالانتقاص بقلَّة التدبُّر، أو بقصر النظر، أو ما شابه ذلك من العبائر التي تستلزم الانتقاص من المقول فيه، وما ذلك إلَّا للحرص على أحكام الشرع من الاستدلالات المنهيِّ عنها، من باب التزاحم بين حفظ الشرع، وحفظ حرمة ذلك المستدلِّ بها.
ثمَّ بعد هذا كلِّه يأتي الغريب عن أجواء فقهائنا ومدرستهم - إمَّا لأنَّه ليس من الفقهاء، وإمَّا لأنَّه من أتباع مذهب آخر - فينسب إليهم العمل بالقياس الباطل، فإنْ لم يكن ملتفتاً إلى ما ذكرناه فهو جاهل، وإنْ كان ملتفتاً فهو كاذب ومدلِّس يريد تضليل عوامِّ الشيعة وفصلهم عن مراجعهم، كما يسعى لذلك أكثر من طرف في هذه الأيَّام، لاسيّما بعد هزيمة (داعش) بفضل فتوى المرجعيَّة بوجوب الدفاع الكفائي، وإفشالها لمُخطَّطات الأعداء.
هذا كلُّه في القياس، وقد عرفنا أنَّ المنهيَّ عنه لا يعمل به الإماميَّة، وما يعملون به ليس منهيًّا عنه.
وأمَّا الاستحسان فهو عبارة أُخرى عن العمل بالرأي، وليس شيئاً آخر يختلف عنه، فالفقيه حينما يُفتي بحكم غير مستند إلى دليل نقليٍّ ولا عقليٍّ فقد يستند إلى ما يراه مناسباً من وجهة نظره هو، أي إنَّه يُفتي بما يراه حَسَناً بحسب نظره، فقولك: (فلان استحسن كذا) يعني: أنَّه وجده حسناً من وجهة نظره.
ومن ضروريَّات مذهب الإماميَّة حرمة العمل بالاستحسان، كحرمة العمل بالقياس المستنبط العلَّة، ولا يتسامحون فيه فيما لو وقع من أحدٍ منهم ولو عن غفلةٍ، لئلَّا يحصل منه تهاونٌ من هذه الجهة.
وبهذا نختم الكلام على المحطَّة الأُولى التي خصَّصناها للرَّدِّ على احتجاج منكري التقليد بالروايات الدَّالَّة على حرمة العمل بالاجتهاد، والرأي، والقياس، والاستحسان، ويقع الكلام الآن في المحطَّة الثانية.
المحطَّة الثانية: في الاحتجاج بكلمات بعض الأعلام:
لقد نسب منكرو التقليد في منشورهم إلى جملة من أعلامنا القدماء أنَّهم يقولون بحرمة القياس، والاستحسان، والرَّأي، والاجتهاد، والتقليد.
وجوابه: في نقاط ثلاث:
١ - أمَّا تحريم العمل بالقياس والاستحسان والرَّأي فقد ذكرنا سابقاً أنَّه ممَّا أجمع عليه الإماميَّة قاطبةً تبعاً لأئمَّة الهدى (عليهم السلام)، حتَّى صار تحريمها من معالم مذهبنا، ولا يوجد فقيه منَّا يقول بمشروعيَّة شيءٍ من الثلاثة، كي يحتجَّ منكرو التقليد علينا بتحريم الأعلام لها.
٢ - وأمَّا مقصود الأعلام من الاجتهاد الذي حرَّموه فهو الاجتهاد بالمعنى الذي حرَّمته الرِّوايات، وهو مغاير تماماً للاجتهاد الذي يقول الإماميَّة بمشروعيَّته، كما أوضحناه في المحطَّة الأُولى بشكل تفصيلي، فما حرَّمته الرِّوايات نحن نقول بتحريمه أيضاً تبعاً لأئمَّتنا (عليهم السلام)، وما نقول بمشروعيَّته لم تُحرِّمه الرِّوايات مطلقاً.
٣ - وأمَّا التقليد فله معنيان:
أحدهما: ما هو المقصود منه في الرِّوايات التي حرَّمته، وهو ما سوف يأتي الجواب عنه في الصِّنف الثاني من الرِّوايات، فانتظر.
ثانيهما: ما هو المقصود في بحثنا هذا، والذي يقول الإماميَّة بمشروعيَّته.
والتقليد الذي يُحرِّمه الأعلام هو ما كان بالمعنى الذي حرَّمته الرِّوايات، وأمَّا التقليد بالمعنى الذي نقول بمشروعيَّته فلم يُحرِّموه، بل صرَّحوا بمشروعيَّته، فما نسبه إليهم منكرو التقليد من التحريم إمَّا أْن يكون عن جهل مطبق، أو عن جُرأةٍ على الله تعالى عظيمة، كما سيتَّضح ذلك بعد نقل كلمات الأعلام الذين نسبوا إليهم القول بحرمة التقليد، والجواب عليها.
والأعلام المنسوب إليهم تحريمه خمسة، ونحن ننقل هنا كلام ثلاثةٍ منهم، وهم المفيد، والطوسي، والمحقِّق الحلّيِّ (قدَّس الله أسراهم)، وأمَّا كلام السيِّد الخوئيِّ والحُرِّ العامليِّ (قدّس سرّهما) فسيأتي الجواب عليهما ضمن الأجوبة على شُبُهات المعلِّقين إنْ شاء الله تعالى(٨٩).
كلمة الشيخ المفيد:
قال الشيخ المفيد (رحمه الله) - حسب منشور منكري التقليد -: قال الصادق (عليه السلام): «إيَّاكم والتقليد، فإنَّه من قلَّد في دينه هلك، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾، فلا والله ما صلُّوا لهم وما صاموا، ولكنَّهم أحلُّوا لهم حراماً وحرَّموا عليهم حلالاً، فقلَّدوهم في ذلك، فعبدوهم وهم لا يشعرون».
وقال (عليه السلام): «من أجاب ناطقاً فقد عبده، فإنْ كان الناطق عن الله تعالى فقد عبد الله، وإنْ كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان».
وقال الناشر: ثمَّ علَّق الشيخ المفيد قائلاً: فصلٌ: ولو كان التقليد صحيحاً والنظرُ باطلاً لم يكن التقليد لطائفةٍ أولى من التقليد لأُخرى، وكان كلُّ ضالٍّ بالتقليد معذوراً، وكلُّ مقلِّدٍ لمُبدعٍ غيرَ موزورٍ، وهذا ما لا يقوله أحد، فعُلِمَ بما ذكرناه أنَّ النظر هو الحقُّ، والمناظرة بالحقِّ صحيحةٌ(٩٠).
هذا ما نقله منكرو التقليد في منشوراتهم عن الشيخ المفيد (رحمه الله).
وجوابه: في أربع نقاط:
١ - أنَّ الشيخ المفيد (رحمه الله) ذكر هذا الكلام في كتابه (تصحيح اعتقادات الإماميَّة) الذي ألَّفه للردِّ على الشيخ الصدوق (رحمه الله) في بعض ما ذهب إليه في كتابه (اعتقادات في دين الإماميَّة)، ومن ذلك تحريمه الجدال في الله تعالى، فردَّ عليه المفيد بأنَّ المنهيَّ عنه هو الجدال بالباطل فقط، وأمَّا الجدال بالحقِّ فهو مأمور به، واستدلَّ على ذلك بعدَّة نصوص، منها الحديثان اللذان اقتصر على نقلهما منكرو التقليد، ولا علاقة للكتابين ولا لكلام الشيخين بباب الأحكام الفرعيَّة أصلاً!
٢ - أنَّ الناشر قال: (ثمَّ علَّق الشيخ المفيد قائلاً: فصل...)، وهذا دليل على جهله، لأنَّ كلمة (فصل) تُستَعمل في الكُتُب - لاسيّما القديمة منها - للفصل بين كلام وآخر مختلفٍ عنه، والمفيد (رحمه الله) بعد أنْ تمسَّك بالدليل النقلي ختم المبحث بدليل عقليٍّ، وفصله عن النصوص ليكون دليلاً مستقلّاً برأسه.
وقد بيَّن في هذا الدليل: أنَّ التقليد لو جاز لطائفةٍ لجاز لطائفةٍ أُخرى، فلو حرَّمنا على المسلم - مثلاً - الجدال في الله وجوَّزنا له تقليد آباءه في دين الإسلام للزم أنْ نُجوِّز للملحد أنْ يُقلِّد آباءه في الإلحاد أيضاً، وحيث إنَّ هذا قبيح عقلاً فيلزم أنْ يكون الاعتقاد من خلال الفكر والاستدلال، لا من خلال التقليد.
هذا هو مقصوده من التقليد المحرَّم، وهو ما كان في أُصول الاعتقاد، وأين هذا من التقليد في الأحكام الفرعيَّة؟!
٣ - أنَّ المفيد (رحمه الله) قال بعد ذلك: (فعُلِمَ بما ذكرناه أنَّ النظر هو الحقُّ، والمناظرة بالحقِّ صحيحةٌ)، ثمَّ عطف عليه قوله: (وأنَّ الأخبار التي رواها أبو جعفر (رحمه الله) وُجُوهُها (وفي نسخة: جَوَابُها) ما ذكرناه، وليس الأمر في معانيها على ما تخيَّله فيها)(٩١).
يعني: أنَّ ما ذكره هو من جواز الجدال بالحقِّ هو الصحيح، وأنَّ الأخبار التي نقلها الصدوق (رحمه الله) قد تخيَّل أنَّها تدلُّ على حرمة الجدال في الله مطلقاً حتَّى لو كان جدالاً بالحقِّ، والحال أنَّها ناظرة إلى الجدال بالباطل فقط.
هذا ما أراد بيانه الشيخ المفيد، ولكن الناشر حذف هذه الجملة من المقطع بجهلٍ أو تدليس منه، حيث إنَّها تُؤكِّد أنَّ الكلام من أوَّله إلى آخره كان في باب الاعتقادات، ولا تعرُّض فيه لباب التقليد في الأحكام الفقهيَّة أصلاً!
٤ - أنَّ الشيخ المفيد (رحمه الله) هو ممَّن يقول بمشروعيَّة التقليد في الفروع قطعاً، فإنَّه من مشاهير المفتين في تاريخ المسلمين، وله في ذلك عدَّة مؤلَّفات، منها كتابه الشهير المسمَّى بـ(المقنعة) وهو رسالته العمليَّة، وله رسائل عديدة في أجوبة الاستفتاءات لمقلِّديه.
كلام الشيخ الطوسي:
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) - حسب نقل الناشر -: (التقليد إنْ أُريد به قبول قول الغير من غير حجَّة وهو حقيقة التقليد فذلك قبيح في العقول، لأنَّ فيه إقداماً على ما لا يأمنُ كونَ ما يعتقده عند التقليد جهلاً، لِتعَرِّيه من الدليل، والإقدامُ على ذلك قبيحٌ في العقول، ولأنَّه ليس في العقول تقليدُ الموحِّدِ أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر والبحث عن أوهامنا، ولا يجوز أنْ يتساوى الحقُّ والباطل)(٩٢).
وجوابه: من وجوه ثلاثة:
١ - أنَّ الشيخ (رحمه الله) قال ذلك في كتابه (الاقتصاد) وهو قسمان: أوَّلهما: في الأُصول الاعتقاديَّة، وثانيهما: في العبادات الشرعيَّة، والمقطع المذكور منقول من القسم الأوَّل، فهو ناظر إلى التقليد في العقائد، حيث إنَّه بعد حصره العلم بالله بطريق الاستدلال ذكر إشكالاً هذا نصُّه: (فإنْ قيل: أين أنتم عن تقليد الآباء والمتقدِّمين؟)، وأجاب عليه بما نصُّه: (قلنا: التقليد إنْ أُريد به قبول قول الغير من غير حجَّة وهو حقيقة التقليد فذلك قبيح في العقول...) إلى آخر عبارته التي نقلها منكرو التقليد، والتي هي واردة في باب العقائد، كما هو صريح الاستدلال في قوله: (ولأنَّه ليس في العقول تقليدُ الموحِّدِ أولى من تقليد الملحد).
ولو تأمَّلتم قليلاً فهو عين الدليل العقلي الذي ذكره أُستاذه الشيخ المفيد آنفاً، ولكنَّه صاغه بصياغة أُخرى حاصلها: أنَّه لو جوَّزنا لشخصٍ أنْ يُقلِّد أهله الموحِّدين في عقيدة التوحيد لوجب أنْ نُجوِّز لشخص آخر أنْ يُقلِّد أهله الملحدين في الإلحاد، وهو قبيح عقلاً.
٢ - أنَّ الطوسي (رحمه الله) من مشاهير المفتين عند جميع المسلمين، وله كُتُب فتوائيَّة عديدة ألَّفها لرجوع المؤمنين إليها، ومن بينها الكتاب المذكور في قسمه الثاني، وكتاب (المبسوط)، وكتاب (النهاية)، وغيرها.
٣ - أنَّ الطوسي (رحمه الله) يُصرِّح بمشروعيَّة التقليد في كتابه (العُدَّة)، حيث قال: (والذي نذهب إليه أنَّه يجوز للعامِّيِّ الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليد العالِم).
ثمَّ استدلَّ على الجواز بما نصُّه: (يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامَّةَ الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويُسوِّغون لهم العمل بما يفتونهم به، وما سمعنا أحداً منهم قال لمُستَفْتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء، ولا العمل به، بل ينبغي أنْ تنظر كما نظرتُ، وتعلم كما عَلِمتُ، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان الخَلقُ العظيمُ عاصروا الأئمَّة (عليهم السلام)، ولم يُحكَ عن واحدٍ من الأئمَّة النكير على أحد من هؤلاء، ولا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يُصَوِّبونهم في ذلك، فمن خالفه في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه)(٩٣).
وها أنت ترى كيف جعل (رحمه الله) المخالف للجواز مخالفاً لما هو المعلوم من جواز التقليد، وكلامه ظاهر في أنَّه يستند في الجواز إلى الإجماع العملي بين الإماميَّة على جوازه.
كلام المحقِّق الحلِّي:
قال المحقِّق الحلِّي (رحمه الله): (التقليد قبول قول الغير من غير حجَّة، فيكون جزماً في غير موضعه، وهو قبيح عقلاً)(٩٤).
وجوابه: من وجهين:
١ - أنَّ المحقِّق (رحمه الله) إنَّما ذكر ذلك في القسم المخصَّص لأُصول العقائد من كتابه (المعارج)، حيث قال في موضع منه: (المسألة الثانية: لا يجوز تقليد العلماء في أُصول العقائد)(٩٥)، ثم استدلَّ على عدم الجواز بعدَّة وجوه، منها قوله: (الثاني: أنَّ التقليد: قبولُ قولِ الغير من غير حُجَّةٍ، فيكون جزماً في غير موضعه، وهو قبيح عقلاً)(٩٦).
وهذه هي العبارة التي دلَّس بها منكرو التقليد على المؤمنين، حيث لم ينقلوا عبارته الأُخرى التي ذكرها في موضع آخر من نفس الكتاب، وهي صريحة في جواز التقليد في الفروع، حيث قال ما نصُّه: (المسألة الأُولى: يجوز للعامِّيِّ العمل بفتوى العالم في الأحكام الشرعيَّة).
ثمَّ استدلَّ (رحمه الله) على الجواز - بعد أنْ نقل قول المخالفين كالمعتزلة - وقال ما نصُّه: (لنا: اتِّفاق علماء الأعصار على الإذن للعوامِّ في العمل بفتوى العلماء من غير نكير).
وكان هذا دليله الأوَّل، ثمَّ استدلَّ بدليل ثانٍ وقال: (الثاني: لو وَجَبَ على العامِّي النظر في أدلَّة الفقه لكان ذلك إمَّا قبل وقوع الحادثة أو عندها، والقسمان باطلان، أمَّا قبلها فمنفيٌّ بالإجماع، ولأنَّه يُؤدِّي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك، فيُؤدِّي إلى الضَّرر بأمر المعاش المضطرِّ إليه، وأمَّا بعد نزول الحادثة فذلك متعذِّر، لاستحالة اتِّصاف كلِّ عامِّيٍّ عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين)(٩٧).
ولا يخفى على من يتأمَّل في دليله الثاني أنَّه يدلُّ على وجوب التقليد على العوامِّ، لا مجرَّد جوازه.
كما أنَّ فيه إشارة إلى ما ذكرناه عند الاستدلال بآية النفر ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...﴾، من أنَّ الآية تدلُّ على وجوب النفر بنحو الكفاية، لأنَّ نفر الجميع يوجب اختلال نظام المعاش.
٢ - أنَّ المحقِّق الحلِّي هو من أكابر المفتين بين علماء المسلمين، وله جملة رسائل في أجوبة الاستفتاءات، ناهيك عن رسالته العمليَّة الشهيرة باسم (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) التي ألَّفها ليعمل بها العوامُّ، ولهذا الكتاب شهرة واسعة حتَّى عند علماء المخالفين، فكيف يقول بعد كلِّ هذا بتحريم التقليد؟!
والنتيجة: قد اتَّضح من كلِّ ذلك أنَّ ما نُسِبَ إلى هؤلاء الأعلام من تحريمهم للتقليد كذبٌ فاضح، أو جهل مطبق.
الصنف الثاني: ما دلَّ على حرمة التقليد:
وقد استدلُّوا بروايات زعموا دلالتها على حرمة التقليد، فلا بدَّ من استعراضها، ثمَّ الجواب على استدلالهم بها.
الرواية الأُولى: قالوا: (كتب الحُرُّ العاملي صاحب وسائل الشيعة باباً كاملاً تحت عنوان (باب: عدم جواز تقليد غير المعصوم (عليه السلام)...) ذكر فيه عدداً كبيراً من الروايات التي جاءت تنهى عن تقليد غير المعصوم).
ثمَّ نقلوا هذه الرواية وقالوا ما نصُّه: عن محمّد بن خالد، عن أخيه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إيَّاك والرئاسة، فما طلبها أحد إلَّا هلك»، فقلت: قد هلكنا إذاً، ليس أحد منّا إلَّا وهو يُحِبُّ أنْ يُذكَرَ، ويُقصَدُ، ويُؤخَذَ عنه، فقال: «ليس حيث تذهب، إنَّما ذلك أنْ تنصب رجلاً دون الحجَّة، فتُصدِّقه في كلِّ ما قال، وتدعو الناس إلى قوله»(٩٨).
والجواب من وجهين:
١ - أنَّهم لو أكملوا عنوان الباب المذكور لانكشف تدليسهم، وهذا تمام العنوان: (باب: عدم جواز تقليد غير المعصوم (عليه السلام) فيما يقول برأيه، وفيما لا يعمل فيه بنصٍّ عنهم (عليهم السلام))(٩٩).
فإنْ عرفت ما حذفوه عرفت ما أخفوه، فقد أخفوا عبارة: (فيما يقول برأيه، وفيما لا يعمل فيه بنصٍّ عنهم (عليهم السلام)).
وهذا يعني: عدم جواز تقليد شخص غير معصوم في فتاوى يستند فيها إلى رأيه هو، لا إلى الكتاب ولا إلى أحاديث المعصومين (عليهم السلام)، وكذلك يُقلِّده فيما يترك فيه نصَّ المعصوم (عليه السلام) ولا يعمل به.
ولا أدري ما علاقة هذا العنوان بفقهائنا الذين أجمعوا على حرمة العمل بالرَّأي تبعاً لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) كما أوضحناه في الحلقات السابقة؟!
وأين هذا من قومٍ أجمعوا على وجوب العمل بنصوص المعصومين (عليهم السلام) وحرمة مخالفتها؟!
ونحن عوامُّ الشيعة أيضاً نرفض تقليد كلِّ من يعمل برأيه تاركاً العمل بالكتاب وأحاديث أهل العصمة (عليهم السلام)، كما نرفض تقليد كلِّ من يترك العمل بنصِّ المعصوم (عليه السلام).
٢ - أنَّ الرِّواية لا علاقة لها بفقهاء الشيعة ومقلِّديهم لا من قريب ولا من بعيد، اللَّهُمَّ إلَّا إذا تركنا عقولنا جانباً وقرأناها بعقول منكري التقليد التي تقرأ الرِّوايات بعقول منكوسة.
توضيح ذلك: أنَّ الإمام (عليه السلام) قال: «أنْ تنصب رجلاً دون الحُجَّة فتُصدِّقه في كلِّ ما قال، وتدعو الناس إلى قوله»، فذكر (عليه السلام) ثلاثة عناصر:
العنصر الأوَّل: أنْ ينصب المكلَّف من عند نفسه رجلاً ويتَّخذه مرجعاً في كلِّ ما يقول، ولا يتَّخذ من نصبه الله تعالى، أو رسولُهُ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أو الإمامُ (عليه السلام).
ومن البديهيَّات والواضحات أنَّ هذا المعنى مرفوضٌ عند المقلِّدين من عوامِّ الشيعة، فكيف طبَّقوا الحديث عليهم؟!
العنصر الثاني: أنَّ المنصوب في الرِّواية من كان دون الحجَّة، أي ليس هو معصوماً، ولا منصوباً من قِبَل الله تعالى أو المعصوم (عليه السلام).
وهذا لا ينطبق على عوامِّ الشيعة في رجوعهم إلى الفقهاء، لأنَّ الرجوع إليهم ممَّا قام الدليل الشرعي عليه كما أثبتناه في مباحث سابقة، ومن الواضح أنَّ كلَّ من قام الدليل على جواز تقليده فقوله حُجَّة، وكان اتِّباع المقلِّد له داخلاً في باب الأخذ ممَّن هو حُجَّة، وأين هذا من مدلول الرواية الشريفة؟!
العنصر الثالث: أنَّ المتفرِّع على كون الرجل المنصوب حجَّةً هو تصديقه في كلِّ ما يقول، وهذا يعني أنْ يكون المقصود: نصبَ رجلٍ بمثابة الإمام، كأبي حنيفة وأشباهه، بحيث يُصدِّقه أتباعه في كلِّ ما يقول ويُفتي به.
ومن المعلوم أنَّ حالنا - نحن العوامِّ - مع فقهائنا ليس كذلك، لأنَّ الفقيه تارةً يكون في مقام الرِّواية عن المعصوم (عليه السلام)، وفي هذه الحال إنَّما نأخذ عنه باعتباره راوياً ثقةً ينقل لنا الحكم عن إمامنا (عليه السلام)، كما كان يصنع زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبو بصير، وأمثالهم من رواتنا الثقات.
وتارةً يكون في مقام الفتوى وبيان ما فهمه من أحاديثهم (عليهم السلام)، وفي هذه الحال إنَّما نأخذ عنه باعتباره ممَّن أمرنا الأئمَّة (عليهم السلام) بالرجوع إليه في الفتاوى، فيكون رجوعنا إليه في باب الفتاوى امتثالاً لما أمرنا به أئمَّتنا (عليهم السلام).
مثال الحالتين: ما لو روى زرارة حديثاً عن الباقر (عليه السلام) فإنَّنا مأمورون من قِبَل الأئمَّة (عليهم السلام) بتصديقه، ووجوب أخذ الحديث عنه، لأنَّ ما نقله إلينا إنَّما هو كلامهم (عليهم السلام)، وليس كلامه هو، إذ ليس هو إلَّا مجرَّد ناقل.
ولو كان الحديث الذي نقله عن المعصوم (عليه السلام) يشتمل على حكم شرعيٍّ لا نتمكن من استنباطه من الحديث فعند ذلك نسأل من زرارة عن مقصود الإمام الباقر (عليه السلام)، فإنْ أوضحه لنا وجب علينا الأخذ بفهمه، لكونه من الفقهاء الذين أرجع أهل البيت (عليهم السلام) المؤمنين لأخذ الفتاوى عنه وعن أمثاله.
والنتيجة: أنَّ هذه الرواية ناظرة إلى مسلك المخالفين ومن سلك سبيلهم من جهلة الشيعة، كمن نسمع عنهم في هذه الأيّام ممَّن يهرولون وراء العناوين البرَّاقة، ومن دون أنْ يرجعوا إلى أهل الخبرة في ذلك.
الرواية الثانية: ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال: «أمَا والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوا، ولكن أحلُّوا لهم حراماً، وحرَّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون»(١٠٠).
ولم يذكر منكرو التقليد كيفيَّة الاستدلال بهذه الرواية على حرمة تقليدنا للفقهاء، ونحن نساعدهم في ذلك، فنقول:
إنَّ الاستدلال بالرِّواية على حرمة التقليد يتمُّ بتماميَّة مقدِّمتين:
المقدِّمة الأُولى: أنَّ ظاهر الرِّواية أنَّ أبا بصير سأل من الإمام (عليه السلام): كيف يتَّخذ أهلُ الكتاب علماءَهم - الأحبار والرُّهبان - أرباباً من دون الله، مع أنَّهم يعتقدون بأنَّ العلماء مخلوقون لله تعالى؟
فأجابه الإمام (عليه السلام): ليس المقصود أنَّهم يعبدونهم من دون الله كما يصنع عبدة الأوثان وأشباههم، بل المقصود أنَّهم أطاعوهم في فتاواهم المخالفة لأحكام الله تعالى، فإنَّهم قد أحلُّوا لهم الحرام، وحرَّموا عليهم الحلال، فأخذوا بتلك الفتاوى المخالفة لأحكامه (عزَّ وجلَّ)، والقرآن عبَّر عن هذه المتابعة فيما يخالف أحكامه تعالى باتِّخاذهم أرباباً من دون الله.
والمفهوم من ذلك: أنَّ متابعة عوامِّ أهل الكتاب لعلمائهم هي بمثابة اتِّخاذهم أرباباً من دون الله، وفي هذا دلالة على أنَّ هذه المتابعة محرَّمة حرمةً شديدةً ومغلَّظةً، لأنَّها بمنزلة الشرك بالله سبحانه.
المقدِّمة الثانية: أنَّ الفقيه يُخطئ ويُصيب في فتاواه، وهذا يعني أنَّه في حال الخطأ يكون قد أفتى بخلاف حكم الله، فلو أخذ العوامُّ بجميع فتاواه فذلك يعني أنَّهم قد أخذوا بتلك الفتاوى المخالفة لأحكام الله، ويكونون كأهل الكتاب الذين يأخذون من علمائهم ما يخالف حكم الله تعالى، ما يعني أنَّ تقليد العوامِّ للفقهاء في جميع فتاواهم محرَّم، وبمنزلة الشرك بالله (عزَّ وجلَّ).
والجواب على هذا الاستدلال من وجهين:
١ - أنَّ الرواية ظاهرة في أنَّ الأحبار والرهبان كانوا يتعمَّدون مخالفة أحكام الله (عزَّ وجلَّ)، والقرآن الكريم والتاريخ الصحيح يشهدان بذلك أيضاً، وهل هناك مخالفة متعمَّدةٌ أكبر من إنكارهم نبوَّة نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، مع علمهم اليقيني بأنَّه هو النبيُّ الذي يجدونه مذكوراً في التوراة والإنجيل؟
وأين هذا من مراجعنا الذين نشترط فيهم العدالة التي هي وبشرح مبسَّط (صفة راسخة في النفس تدعو إلى الاستقامة في جادَّة الشريعة، وعدم الميل عنها يمنةً أو يسرةً)، ومن كانت هذه صفته كيف يتعمَّد مخالفة أحكام الله تعالى؟!
٢ - قد روي عن الصادق (عليه السلام) حديثٌ شارحٌ لهذه الرِّواية، وهو يدلُّ دلالة صريحة على أنَّ عوامَّ أهل الكتاب كانوا يُقلِّدون علماءهم وهم يعلمون بفسقهم، ويعلمون بأنَّهم لا يتورَّعون عن الكذب، فقد نُقِلَ في الوسائل عن الطبرسي في كتاب (الاحتجاج)، عن أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، قال (عليه السلام): «هذه لقومٍ من اليهود...».
إلى أنْ قال: وقال رجل للصادق (عليه السلام): إذا كان هؤلاء العوامُّ من اليهود لا يعرفون الكتاب إلَّا بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمَّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم، وهل عوامُّ اليهود إلَّا كعوامِّنا يُقلِّدون علمائهم؟
إلى أنْ قال(١٠١): فقال (عليه السلام): «بين عوامِّنا وعوامِّ اليهود فرقٌ من جهة، وتسويةٌ من جهة. أمَّا من حيث الاستواء فإنَّ الله ذمَّ عوامَّنا بتقليد علمائهم كما ذمَّ عوامَّهم. وأمَّا من حيث افترقوا فإنَّ عوامَّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصُّراح، وأكل الحرام والرُّشاء، وتغيير الأحكام، واضطُرُّوا بقلوبهم إلى أنَّ من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أنْ يُصدَّق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمَّهم. وكذلك عوامُّنا إذا عرفوا من علمائهم الفسقَ الظاهر، والعصبيَّةَ الشَّديدة، والتكالبَ على الدنيا وحرامها، فمن قلَّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمَّهم الله بالتقليد لِفَسَقَةِ علمائهم، فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوامِّ أنْ يُقلِّدوه، وذلك لا يكون إلَّا بعض فقهاء الشيعة لا كلُّهم، فإنَّ من ركب من القبايح والفواحش مراكبَ علماء العامَّة فلا تقبلوا منهم عنَّا شيئاً ولا كرامة، وإنَّما كثر التخليط فيما يُتحمَّل عنَّا أهل البيت لذلك، لأنَّ الفَسَقَة يتحمَّلون عنَّا فيُحرِّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها، لقلَّة معرفتهم، وآخرون يتعمَّدون الكذب علينا»(١٠٢).
إنَّ هذا الحديث الطويل حجَّة دامغة على كلِّ من يقبل روايات الوسائل، ولا يناقش في أسانيدها.
وخلاصته: أنَّ التقليد المحرَّم هو تقليد العلماء المعروفين بالكذب، والفسق، والتَّكالُب على الدنيا، سواء كانوا من اليهود، أم النصارى، أم المسلمين، وأمَّا تقليد العلماء الصائنين لأنفسهم، الحافظين لدينهم، المخالفين لأهوائهم، المطيعين لأمر مولاهم، فهو خارج عن الآية المباركة.
ومن هذا الحديث يتَّضح أنَّ رواية (الكافي) تختصُّ بتقليد من يخالف أحكام الله تعالى عن علم وعمد، كعلماء السُّوء، ووُعَّاظ السلاطين الذين يكثر أمثالهم في أحبار اليهود، ورُهبان النَّصارى، وفقهاء العامَّة، والفُسَّاق من فقهاء الشيعة، كما صرَّح به الحديث المذكور في قوله: «وذلك لا يكون إلَّا بعض فقهاء الشيعة لا كلُّهم»، بخلاف فقهائنا الورعين الأتقياء، فإنَّهم خارجون عن حديث (الكافي).
الصنف الثالث: ما دلَّ على أنَّ الفقيه إذا أخطأ في حكمه فقد كفر، أو حكم بحكم الجاهليَّة:
ويشتمل هذا الصنف على روايتين:
الرواية الأُولى: قال أبو جعفر (عليه السلام): «من حكم في درهمين فأخطأ كفر»(١٠٣).
الرواية الثانية: قال الصادق (عليه السلام): «الحُكم حُكمان: حكم الله، وحكم الجاهليَّة، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهليَّة»(١٠٤).
والجواب من ثلاثة وجوه:
١ - أنَّ الرِّوايتين واردتان في باب القضاء، ولا ملازمة بينه وبين باب الإفتاء، وربَّما يلتزم فقيهٌ بحرمة القضاء إلَّا عند القطع بمطابقة حكمه لحكم الله، ولا يتصدَّى للحكم فيما إذا لم يحصل له يقين بحكم الله، وهذا لا يستلزم حرمة الإفتاء بالشكل الذي أمر به أهل البيت (عليهم السلام)، كما عرفت في البحوث السابقة.
٢ - قد تواتر أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن (عليهما السلام) قد نصبوا قضاةً، ومن المعلوم أنَّ القضاة يُخطئون ويُصيبون في أحكامهم، ولم ينقل تاريخ المسلمين ولا روايات الفقه عند الفريقين أنَّ المعصوم حكم بكفر قاضٍ أخطأ في حكمه بغير تعمُّد منه، فما يجيب به منكرو التقليد على هذا فهو جوابنا عليهم فيما لو أخطأ قاضٍ من قضاة الشيعة اليوم في حكمه لا عن تعمُّد.
٣ - أنَّ استدلالهم بهاتين الروايتين هو استدلال بالإطلاق، ومن المعلوم أنَّه لا يجوز الأخذ بالإطلاق إلَّا بعد اليأس من العثور على ما يُقيِّده، ولو رجعنا إلى روايات الباب لوجدناها تُقيِّد الروايتين بما إذا كان الحكم حكماً بغير ما أنزل الله تعالى، فالحكم بغير ما أنزل الله هو الكفر، وهو حكم الجاهليَّة.
فمنها: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهليَّة، وقد قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، واشهدوا على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليَّة»(١٠٥).
وهي واضحة في أنَّ زيد بن ثابت ترك حكم الله في باب المواريث عن عمد وحكم بغيره، فكان حكمه حكم الجاهليَّة.
وأين هذا من منهج فقهائنا في الفقه ومنه كتاب المواريث؟ فإنَّهم لا يُفتون فيه بشيءٍ ما لم يكن وارداً في كتاب الله، أو روايات المعصومين (عليهم السلام).
ومنها: ما رواه أبو بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وابنُ أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قالا: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله (عزَّ وجلَّ) ممَّن له سوط أو عصا فهو كافر بما أنزل الله (عزَّ وجلَّ) على محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)»(١٠٦).
ومنها: ما رواه أبو بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله فهو كافر بالله العظيم»(١٠٧).
ومنها: ما رواه عبد الله بن مسكان، رفعه، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «من حكم في درهمين بحكم جورٍ، ثمَّ جَبَرَ عليه كان من أهل هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]»، فقلت: وكيف يجبر عليه؟ فقال: «يكون له سوط وسجنٌ، فيحكم عليه، فإذا رضي بحكومته، وإلَّا ضربه بسوطه، وحبسه في سجنه»(١٠٨).
ومن الواضح لكلِّ عاقل أنَّ هذه الروايات الثلاث واردة في قضاة الجور والمعرضين عن أحكام الإسلام، فهي أجنبيَّة عن فقهائنا بالمرَّة.
وبعد كلِّ هذه المقيِّدات يدير المستدلُّ ظهره عنها بعمدٍ، أو جهلٍ، ويأخذ بإطلاق الروايتين المتقدِّمتين.
الصنف الرابع: ما دلَّ على أنَّ مقلِّدي الفقهاء أعداء للدِّين وللقائم (عجَّل الله فرجه):
نقلنا في روايات الصنف الأوَّل ما نسبوه إلى إمامنا الصادق (عليه السلام) من أنَّه ذكر المهدي (عجَّل الله فرجه) وقال: «أعداء الدِّين مقلِّدة الفقهاء أهل الاجتهاد ولم يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمَّتُهم...» إلخ.
ولأجل اشتمال الرواية على ذكر الفقهاء بعبارة (أهل الاجتهاد) فقد أدرجناها في الصنف الأوَّل الذي خصَّصناه للرِّوايات التي استدلُّوا بها على حرمة الاجتهاد، ولأجل اشتمالها على ذكر المقلِّدين بعبارة (مقلِّدة الفقهاء) فهي تندرج في روايات هذا الصنف أيضاً.
وقد أجبنا على هذه الرِّواية هناك مفصَّلاً بعدَّة أجوبة، وكان أهمُّها أنَّها مكذوبةٌ على إمامنا الصادق (عليه السلام)، وأثبتنا هناك وبالأرقام أنَّها من كلام ابن عربي الصوفي المعروف، وليس من كلام إمامنا الصادق (عليه السلام)(١٠٩).
الصنف الخامس: ما دلَّ على حرمة العمل بالظنِّ:
طالما سمعنا وما زلنا نسمع أنَّ الأحكام التي يُفتي بها الفقهاء ما هي إلَّا أحكام ظنّيَّة، وأنَّ أحكام المعصومين (عليهم السلام) ليست كذلك، بل هي قطعيَّةٌ.
وهذا الكلام ناشئٌ من الجهل بشريعة الإسلام وأحكامه بصورة عامَّة، وبما هو مقصود النصوص الناهية عن العمل بالظنِّ بصورة خاصَّة.
مضافاً إلى الجهل بمعنى ظنِّيَّة الأحكام وقطعيَّتها، كما سيتَّضح هذا كلُّه فيما يأتي إنْ شاء الله تعالى.
وممَّا استدلُّوا به لهذا الصِّنف ما نقلوه عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من شكَّ أو ظنَّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إنَّ حجَّة الله هي الحُجَّةٌ الواضحة»(١١٠).
ونحن بدورنا نتبرَّع لهم بما هو أقوى من الرِّواية المذكورة، أعني الآيات الكريمة الناهية عن اتِّباع الظنِّ، كقوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (النجم: ٢٨)، وقوله سبحانه: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: ٣٦)، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١١٦)، وقوله (عزَّ من قائل): ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: ٣٦).
ونحن نُجيب أوَّلاً على الاستدلال برواية المفضَّل، ثمّ على الاستدلال بالآيات الكريمة.
والجواب على الرِّواية من أربعة وجوه:
١ - أنَّها مرسَلة، فقد نقلها صاحب الوسائل عن الكافي، والكليني رواها عن المفضَّل من دون سند، قال (رحمه الله): (وفي وصيَّة المفضَّل، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:...) الحديث(١١١).
وهذا يعني أنَّ صدور الرِّواية من الإمام (عليه السلام) مشكوكٌ فيه، وعلى أفضل التقادير يكون مظنوناً، والظَّنِّيُّ ليس حجَّة عندهم، فلا يصحُّ الاستدلال بها على بطلان فتاوى الفقهاء الظنّيَّة.
٢ - لو تنزَّلنا وفرضنا القطع بصدورها فهو لا ينفع المستدلَّ بها على حرمة العمل بالظنِّ، لأنَّ الكليني (رحمه الله) أوردها في كتاب الكفر والإيمان في بابٍ عنونه بعنوان (الشَّكِّ)، وقد نقل في هذا الباب تسع روايات إحداها هذه الرِّواية، والثمانية الأُخرى كلُّها تتحدَّث عن الشَّكِّ والظنِّ المقابلين للإيمان واليقين، والموجبان للكفر.
وهذا يعني أنَّ الكلينيَّ (رحمه الله) فهم أنَّ المراد من الشَّكِّ والظنِّ في روايتنا هو عين المراد منهما في الرِّوايات الثمانية الأُخرى، ولا علاقة لهما بباب الأحكام الشرعيَّة أصلاً.
٣ - لو تنزَّلنا وفرضنا أنَّ ذكر الكليني لها في باب الكفر والإيمان لا يجعلها مختصَّةً بذلك الباب فهو لا ينفع المستدلَّ بها أيضاً، إذ لا أقلَّ من أنَّها تصبح مجملةً في دلالتها، لاحتمال أنَّها مختصَّة باب العقائد، ولا ظهور لها في العموم والشمول لباب الأحكام.
٤ - لو تنزَّلنا وفرضنا أنَّها شاملةٌ لباب الأحكام أيضاً فهي مختصَّةٌ بمن يبني على الشَّكِّ أو الظنِّ من دون أنْ يرجع إلى الوظيفة المجعولة من قِبَل الشرع للمكلَّف في حالة الشَّكِّ أو الظنِّ.
وأمَّا لو رجع إلى تلك الوظيفة فهو عامل بما أوجبه الشرعُ، وليس تخرُّصاً من عند نفسه واتِّباعاً لظنِّه الشَّخصيِّ.
والقرينة على أنَّ المقصود في الرِّواية هو من يبني عليهما قوله (عليه السلام): «فأقام على أحدهما»، بمعنى: إنْ بقي واستمرَّ على شكِّه أو ظنِّه، وهذا ينطبق على من لم يرجع إلى تلك الوظيفة، ولا ينطبق على فقهائنا، فإنَّهم لا يعملون في موارد الشَّكِّ والظنِّ إلَّا بما رسمه لهم الشرع من قواعد يرجعون إليها في حالتي الشَّكِّ والظنِّ.
مثاله: لو شكَّ الفقيه في حرمة فعل من الأفعال بعد أنْ بذل كلَّ ما بوسعه في مقام الفحص والبحث عن حكم ذلك الفعل في مصادر التشريع ولم يعثر على ما يدلُّ عليه، فآنذاك يرجع إلى ما تقتضيه القواعد والأُصول المجعولة شرعاً لحالة الشكِّ، كأصالة البراءة مثلاً، والتي دلَّ عليها حديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «رفع عن أُمَّتي تسع: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطُرُّوا إليه...» الحديث(١١٢).
فقد دلَّت كلُّ واحدة من الفقرات التسع على قاعدة عامَّة يرجع الفقهاء إلى كلِّ واحدة منها في مجالها، ومنها فقرة (ما لا يعلمون) التي تفيد أنَّ الحكم الذي لا يعلم المكلَّف بثبوته بعد أنْ بحث عنه بكلِّ جهده في ثنايا مصادر التشريع حتَّى يئس من العثور عليه فهو حكم مرفوع عنه، بمعنى أنَّ الله تعالى لا يُؤاخذه به لو كان موجوداً في الواقع، وعجز المكلَّف عن الوصول إليه من دون تقصير.
وكذلك أصالة الحلِّ التي دلَّ عليها حديث للصادق (عليه السلام): «كلُّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتَّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(١١٣).
وغير ذلك من النصوص التي تُحدِّد وظيفةَ المكلَّف في حالة الشَّكِّ في الحكم، أو الظنِّ به.
وهذا يعني أنَّ الفقيه حينما يُفتي بحكم في تلك الحالة إنَّما يحكم بما دلَّ عليه النصُّ، أو الأصل، لا أنَّه يحكم برأيه، أو يبني على شكِّه أو ظنِّه.
والنتيجة: أنَّ رواية المفضَّل أجنبيَّة عن فتاوى فقهائنا.
وأمَّا الجواب على الاستدلال بالآيات الثلاث الأُولى الناهية عن اتِّباع الظنِّ فحاصله: أنَّها واردة في باب العقيدة، وليس فيها أيَّة رائحة في جانب الأحكام الشرعيَّة.
أمَّا قوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ فهو في حقِّ الكفَّار، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى * وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً * فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ (النجم: ٢٧ - ٣٠)، فهو في مقام إبطال تسميتهم الملائكة باسم الأُنثى.
وأمَّا قوله سبحانه: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ فقد جاء ضمن مخاطبته للمشركين بقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ * وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (يونس: ٣٤ - ٣٨).
وأمَّا قوله (عزَّ من قائل): ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فقد كان بصدد الكلام على أعداء الأنبياء (عليهم السلام) وعموم الكافرين، حيث قال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام: ١١٢ - ١١٧).
فها أنت ترى أنَّ الآيات الكريمة ناظرة إلى اتِّباع الكُفَّار والمشركين للظنِّ والتخرُّص دون العلم واليقين في مسائل عقديَّة، وليست ناظرة إلى الأحكام الفرعيَّة لا من قريب ولا من بعيد.
ومن المعلوم للعدوِّ قبل الصديق أنَّ علماء الإماميَّة مجمعون - تبعاً للكتاب العزيز كهذه الآيات الثلاث، وأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، ودليل العقل القطعي - على عدم جواز بناء العقيدة على الظنِّ، بل لا بُدَّ فيها من تحصيل القطع واليقين.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: ٣٦)، فهو أفضل ما يمكن أنْ يستدلُّوا به على عدم جواز متابعة الظنِّ بشكل عامٍّ حتَّى في الأحكام الشرعيَّة، لأنَّ لفظ (ما) عامٌّ يشمل كلَّ شيءٍ يمكن أنْ يتعلَّق به العلم، وحيث إنَّ الظَّنَّ ليس علماً فلا تجوز متابعته.
ولكن يُجاب عليه من وجوه:
١ - أنَّ المفسِّرين اختلفوا في تفسير هذه الآية بما يُخرجها عن صلاحيَّة الاستدلال بها على حرمة متابعة الظَّنِّ في الأحكام الفرعيَّة، حيث فسَّر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ بمعنى: لا تقلْ، أي أنها ناهية عن الكذب في القول، وذلك في مجالات ثلاثة:
أحدها: أنْ يكذب في ادِّعاء السَّماع، بأنْ يقول: (سمعتُ كذا) وهو لم يسمعه.
ثانيها: أنْ يكذب في ادِّعاء الرؤية، بأنْ يقول: (رأيتُ كذا) وهو لم يَرَه.
ثالثها: أنْ يكذب في ادِّعاء العلم، بأنْ يقول: (علمتُ كذا) وهو لم يعلمه.
وجعلوا القرينة على هذا التفسير قوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.
وبناءً على هذا التفسير تكون الآية أجنبيَّةً عن المقام، ولا يجوز الاستدلال بها على حرمة اتِّباع الظَّنِّ في الأحكام الفرعيَّة.
٢ - لو لم نقطع بأنَّ هذا التفسير هو المقصود من الآية فلا أقلَّ من كونه معنىً محتملاً بدرجة وجيهة، فتعود الآية مجملةً من هذه الناحية، ولا يجوز الاستدلال بالمجمل كما هو واضح، لأنَّه استدلال بالأمر المشكوك لا المعلوم، والآية نفسها تنهى عن اتِّباع غير العلم.
٣ - لو قطعنا ببطلان هذا التفسير استناداً إلى ما جاء في بعض رواياتنا التي يُفهَم منها أنَّ فقرة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ منفصلة عن فقرة ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(١١٤)، فلا تصلح تلك الفقرة كقرينة على ذلك التفسير، وتبقى هذه الفقرة صالحة للاستدلال بها على حرمة اتِّباع غير العلم في جميع المجالات حتَّى الأحكام الشرعيَّة.
ولكن مع ذلك لا يجوز لمنكري التقليد الاستدلال بها على حرمة متابعة الظَّنِّ في الأحكام الفرعيَّة، لأنَّ دلالتها على ذلك هي دلالة ظنِّيَّة، وبالتالي فإنَّ استدلالهم بالآية يتوقَّف على حصول قطعين:
الأوَّل: القطع بأنَّ المقصود من النهي الوارد فيها هو الحرمة، فلو كان المقصود منه هو الكراهة أو كان النهي مجملاً فلا يصحُّ لهم الاستدلال بها.
الثاني: القطع بأنَّ الحرمة شاملة للأحكام الشرعيَّة أيضاً، ولا تختصَّ بالمسائل العقديَّة.
ولا يمكن حصول القطع بأيِّ واحدٍ من هذين الأمرين.
أمَّا عدم القطع بأنَّ المقصود هو الحرمة فلأنَّ غاية ما يُدَّعى هو أنَّ النهي ظاهر في التحريم، والظهور - كما سيجيء تفصيله إنْ شاء الله تعالى - لا يفيد القطع، بل أقصى ما يفيده هو الظنُّ.
وذلك لأنَّ النهي في النصوص يُستَعمل تارةً في الحرمة، وتارةً في الكراهة، فإذا قامت قرينة على الترخيص في الفعل المنهيِّ عنه كان النهي بقرينة الترخيص ظاهراً في الكراهة، وإنْ لم تقم قرينة على الترخيص كان ظاهراً في الحرمة، والظهور - كما قلنا - لا يفيد أزيد من الظَّنِّ.
وإذا لم تكن دلالة الآية على التحريم قطعيَّةً بل ظنّيَّة لم يجز لمنكري التقليد الاستدلال بها على مدَّعاهم، لأنَّه استدلال بما هو ظنِّيٌّ على حرمة الظَّنِّ.
وأمَّا عدم القطع بالثاني فلأنَّ المستند في شمول الآية للأحكام الشرعيَّة هو أنَّ لفظ (ما) الوارد في فقرة ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ظاهر في العموم والشمول، وقد تقدَّم أنَّ أقصى ما يفيده الظهور هو الظَّنُّ، لا القطع.
والنتيجة: لا يجوز لمن يُحرِّم الاستدلال بالأدلَّة الظنّيَّة أنْ يستدلَّ بهذه الآية على بطلان الاستدلال بالظنِّ، لأنَّها دليل ظنّيٌّ أيضاً.
هذه جملة من النصوص التي استدلَّ أو يمكن أنْ يستدلَّ بها المنكرون للتقليد لحرمة العمل بالظَّنِّ في الأحكام الشرعيَّة، وقد عرفت ضعفها جميعاً وعدم صمودها أمام النقد العلمي.
أقسام الكلام:
بعد إبطال استدلالهم على حرمة العمل بالظَّنِّ في الأحكام الشرعيَّة نعطف الكلام على ما وعدنا به من بيان الأقسام الأربعة للكلام، وهي:
١ - النصِّ.
٢ - الظاهر.
٣ - المؤوَّل.
٤ - المُجمل.
وبعد أنْ نفرغ من بيانها سوف نتعرَّض - إنْ شاء الله تعالى وبشكل مختصر يتناسب مع جميع المستويات - لبيان ما هو المقصود من الأدلَّة الظنِّيَّة التي يستدلُّ بها الفقهاء للأحكام الشرعيَّة، وبيان الوجه في جواز العمل بها، بل وجوبه وعدم جواز مخالفتها رغم كونها ظنِّيَّةً، أي على العكس ممَّا يقول به منكرو التقليد، فهم يقولون بحرمة العمل بها، ونحن نقول بوجوب العمل بها وحرمة مخالفتها.
وهناك صيغتان لبيان أقسام الكلام:
البيان بصيغته الأُولى:
ينقسم الكلام من حيث وضوح الدلالة على المعنى وعدم وضوحها إلى أربعة أقسام:
١ - ما كانت دلالته على المعنى واضحةً بدرجة يُقطَع معها بأنَّه هو المقصود من الكلام، بحيث تمنع من احتمال إرادة غيره من المعاني.
ويقال لهذه الدلالة دلالةٌ قطعيَّة.
ويُسمَّى الكلام الذي له هذه الدرجة من الوضوح بأنَّه صريح في المعنى المقصود للمتكلِّم.
ويُصطَلح عليه بـ(النَّص)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (النساء: ٤٨)، فإنَّه صريح في أنَّ من مات على الشرك بالله تعالى لن يغفر الله له يوم القيامة، ودلالته على ذلك قطعيَّةٌ.
٢ - ما كان دون النَّصِّ في دلالته، فهو وإنْ كان يدلُّ على المعنى بوضوح لكنَّه لا يبلغ درجة القطع بالمراد من الكلام، وبالتالي فهو لا يمنع من احتمال إرادة معنى آخر من كلامه.
ويقال لهذه الدلالة: دلالة ظنِّيَّة، لأنَّها لا تمنع من احتمال إرادة معنى آخر غير الذي ظهر فيه الكلام.
ويُصطَلح على الكلام الذي له هذه الدلالة بـ(الظاهر)، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ...﴾ (الإسراء: ٧٨)، فإنَّ لفظ (أقم) ظاهر في الوجوب، وليس نصًّا فيه، لأنَّ دلالته على الوجوب ظنّيَّةٌ وليست قطعيَّةً، وذلك لاحتمال إرادة معنى آخر ينسجم مع الاستحباب أيضاً، وهو: أنَّ الصلاة مطلوبة من المؤمن، وأمَّا أنَّ الطلب بنحو الوجوب أو الاستحباب فهذا أمر لم تتكفَّل ببيانه الآية الشريفة، فيطلب دليل الوجوب من آيةٍ أُخرى، أو روايةٍ، أو إجماعٍ.
٣ - ما يقابل الظاهر، وهو الكلام الذي يُحمَل على المعنى المقابل للمعنى الظاهر من الكلام، كحمل الآية المتقدِّمة على مجرَّد الطلب الذي ينسجم مع الوجوب والاستحباب، ولا يختصُّ بالوجوب.
ويُصطَلح على الكلام الذي يُحمَل على خلاف ظاهره بـ: (المُؤَوَّل).
ومن هنا يتَّضح:
أوَّلاً: أنَّ من حمل الآية على الوجوب فقد حملها على ظاهرها، ومن حملها على مجرَّد الثبوت في هذه الشريعة من دون حملها على الوجوب يكون قد أوَّلها وحملها على خلاف الظاهر.
وثانياً: أنَّ المؤوَّل يكون في مقابل الظاهر دائماً وأبداً.
وثالثاً: أنَّه ما من كلام ظاهر في معنى إلَّا وله معنى آخر تُحتَمل إرادته من الكلام احتمالاً ضعيفاً، ولا يجوز حمله عليه إلَّا بقرينة تقتضي حمل الكلام عليه.
٤ - ما لم يكن واضح الدلالة، بحيث لا يُعرَف مقصود المتكلِّم منه، لعدم إمكان حمله على معنى معيَّنٍ.
ويُصطَلح على هذا النوع من الكلام بـ: (المُجْمَل)، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، فإنَّ القُروء جمع القُرْءِ، ولفظ القُرْءُ من الأضداد، أي إنَّه مشترك بين معنيين متضادَّين، وهما: الحيض، والنقاء من الحيض، ولا يُدرى أيّ المعنيين هو المقصود في الآية الكريمة، والنتيجة الفقهيَّة تختلف باختلاف المقصود منها، فلا بدَّ من الرجوع إلى دليل آخر يُفسِّر لفظ القُرْءِ ويشرح المقصود منه، ويُصطَلح على ذلك الدليل بـ: (المبيِّن)، ومن مصاديقه (النَّصُّ) و(الظَّاهرُ)، وله مصاديق أُخرى، كفعل المعصوم (عليه السلام) مثلاً.
وللإجمال أسباب أُخرى غير الاشتراك اللفظي لا يهمُّنا التعرُّض لها هنا، بل المهمُّ أنْ نعرف أثره في باب الاستدلال على الأحكام الشرعيَّة، وهو عدم صحَّة الاستدلال عليها بما هو مجمل من الآيات والروايات، وذلك لعدم إمكان الوصول إلى الحكم الشرعيِّ من خلال كلامٍ ليس له دلالة واضحة عليه، فلو أفتى الفقيه ونسب ذلك الحكم إلى الشرع فيكون قد أفتى بغير علم، وبالتالي يكون ممَّن يتبوَّأ مقعده من النار.
وخلاصة الأقسام الأربعة:
١ - النصُّ، وهو: ما كانت دلالته على المعنى قطعيَّةً.
٢ - الظاهر، وهو: ما كانت دلالته على المعنى ظنِّيَّةً، مع احتمال إرادة معنى آخر للكلام.
وهذان القسمان يندرجان في مصطلح المبيَّن، فهما مقابلان للمجمل.
٣ - المؤَوَّل، وهو: ما يُحمَل على معنى مقابلٍ للمعنى الظاهر من الكلام، فالمؤوَّل يقابل الظاهر.
٤ - المُجمَل، وهو: ما لم تكن له دلالة واضحة في معنى معيَّن، فهو يقابل المبيَّن كما أشرنا آنفاً.
فائدة:
إنَّما سُمِّيَ الظاهر ظاهراً لأنَّ المعنى المقصود للمتكلِّم يظهر للسامع ويتبيَّن له من نفس كلامه من دون حاجة إلى ضمِّ قرينة إليه، بخلاف المجمل، حيث لا يتَّضح المراد منه إلَّا بعد ضمِّ قرينةٍ مفسِّرةٍ له كما تقدَّم توضيحه.
هذا بيان للأقسام الأربعة بصيغته الأُولى.
البيان بصيغته الثانية:
ينقسم الكلام من حيث وضوح دلالته على المعنى إلى أربعة أقسام، وقد اصطلح العلماء على كلِّ قسمٍ منها باصطلاحٍ خاصٍّ.
وقد تُستَعمل تلك الألفاظ في معانٍ أُخرى في اللغة والعرف، فلا بأس في بيانها وبيان موارد استعمالها، وتمييز المعنى المصطلح عن غيره.
والمصطلحات هي:
١ - النَّصُّ.
٢ - الظَّاهر.
٣ - المؤوَّل.
٤ - المُجْمَل.
وإليك التفصيل على هذا الترتيب:
النَّصُّ:
أمَّا النصُّ فإنَّه يُطلَق على عدَّة معانٍ:
المعنى الأوَّل: الكلام بشكل عامٍّ، سواء كان لله تعالى، أم لمعصومٍ، أم لفقيهٍ، أم لقانونيٍّ، أم لأديب، أم لغيرهم، وسواء كان واضح الدلالة أم لا، وسواء كان ذا قيمة علميَّة، أو قانونيَّة، أو أدبيَّة، أم لا.
ولفظ (النَّصِّ) بهذا المعنى هو المقصود من قول القائل: (هذا نصُّ الآية الكريمة) أو (نصُّ الرواية) أو (نصُّ الفتوى) أو (نصُّ القانون) أو (نصُّ القصيدة)، فيُقصَد بالنَّص نفس ألفاظ الآية، أو الرِّواية، أو الفتوى، أو القانون، أو القصيدة، وبقطع النظر عن دلالته من جهة الوضوح أو عدمه.
المعنى الثاني: الكلام المختصُّ بالشريعة، فيشمل كلام الله تعالى في القرآن الكريم، والأحاديث القدسيَّة، وكلام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، والأئمَّة (عليهم السلام)، والصدِّيقة الكبرى (عليها السلام)، سواء كان في الأحكام أم غيرها، وسواء كان واضحاً في المعنى بنحو النصِّ أو الظهور، أم كان مجملاً.
وهذا المعنى هو المقصود لعلماء المسلمين حينما ينسبون حكماً إلى الشرع ويقولون: (إنَّ الحكم الفلاني قد دلَّت عليه النصوص)، أو قولهم حينما يُنكِرون نسبته إلى الشرع: (إنَّ هذا الحكم لم يرد به نصٌّ).
ومن هنا يتَّضح: أنَّ معنى النَّصِّ هنا أخصُّ من المعنى الأوَّل.
المعنى الثالث: ما كان قطعيَّ الدلالة من الآيات والروايات بحيث تنحصر دلالته في معنى واحد، ولا يحتمل إرادة غيره، وقد تقدَّم مثاله في البيان بصيغته الأُولى.
وهذا المعنى أخصُّ من السابقين، وهو المقصود بالبحث هنا، والذي يقابل الأقسام الثلاثة المتقدِّمة: (الظاهر، والمؤوَّل، والمجمل).
الظاهر:
وأمَّا الظاهر فهو يُطلَق على عدَّة معانٍ أيضاً:
المعنى الأوَّل: ما يقابل الباطن، سواء في القضايا التكوينيَّة كظاهر الجسم في مقابل باطنه، أم التشريعيَّة كظاهر الشريعة في مقابل باطنها.
وفي هذا المعنى تفصيل لا يهمُّنا التعرُّض له، لعدم دخالته في الغرض من البحث الذي نحن بصدده.
المعنى الثاني: الغالب، سواء في الأُمور التكوينيَّة الخارجيَّة كغلبة إنسان على آخر بمعنى القاهر أو المنتصر، أم في الأُمور العلميَّة، كغلبة الظَّنِّ عند الباحث بأنَّ كذا هو كذا، أو ليس كذا، بقطع النظر عن سبب تلك الغلبة وما هو منشؤها.
وهذا المعنى يتداخل في بعض مصاديقه مع المعنى المبحوث عنه، أعني يشاركه في الأسباب التي تنشأ منها غلبة الظَّنِّ إذا كان الظَّنُّ متعلِّقاً بحكم شرعيٍّ، فإذا غلب على ظنِّ الفقيه وجوبُ فعلٍ بسبب مراجعته لمختلف الأدلَّة فإنَّه يستند إلى ذلك الظنِّ ويُفتي على وفقه، لما سيأتي في الاستدلال على حجّيَّة الظنِّ الذي يكون من هذا النوع.
المعنى الثالث: ما له دلالة ظنّيَّةٌ على شيءٍ، سواء كان أمراً تكوينيًّا كدلالة أكل الطعام على الجوع، أم شرعيًّا كدلالة أمر الشرع بفعلٍ على وجوبه.
وهذا المعنى من الظاهر أوسع دائرة من الظاهر المبحوث عنه، فهو يشمله ويشمل غيره، والذي نستغني عنه بالآتي.
المعنى الرابع: ما له دلالة ظنّيَّةٌ على خصوص الحكم الشرعيِّ، كما مثَّلنا له في البيان بصيغته الأُولى.
وهذا المعنى للظاهر هو المبحوث عنه هنا، وهو ممَّا أنكر حجّيَّته منكرو التقليد، وسيأتي بيان الدليل على حجّيَّته تفصيلاً إنْ شاء الله تعالى.
المؤوَّل:
وأمَّا المؤوَّل فهو الآخر يُطلَق على عدَّة معانٍ أيضاً:
المعنى الأوَّل: معنى يُنعَت به كلام الله تعالى في القرآن الكريم.
وهذا المعنى قد وقع خلاف بين المفسِّرين في كونه مرادفاً للمفسَّر، أو أنَّه مغايرٌ له، وهو مبحث لا دخالة له فيما نحن فيه.
المعنى الثاني: الشيء المُعلَّل، أي ما ذُكِرَت علَّته، ولعلَّ منه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (الكهف: ٨٢).
المعنى الثالث: ما يقابل المعنى الرابع من معاني الظاهر، أعني إذا كان الظاهر صفةً للكلام، فالمؤوَّل هو الكلام المحمول على معنى يحتمله احتمالاً ضعيفاً، ويُترَك المعنى الذي هو ظاهرٌ فيه، كما مثَّلنا له في البيان بصيغته الأُولى.
وهذا المعنى للمؤوَّل هو أحد الأقسام الأربعة المبحوث عنها هنا.
المجمل:
وأمَّا المجمل فيختصُّ بالكلام، ويُطلَق على أحد معنيين، أو أكثر:
المعنى الأوَّل: ما يقابل المفصَّل، أعني الكلام المختصر، فيقال: (فلانٌ أجمل في الكلام) إذا ذكره مختصراً من دون دخول في التفاصيل، سواء كان واضح الدلالة، أم لم يكن كذلك.
المعنى الثاني: ما يقابل المبيَّن الذي له دلالة واضحة، فالمجمل بهذا المعنى ما ليست له دلالة واضحة على المعنى، سواء كان مختصراً أم مطوَّلاً، كمن يتحدَّث بالألغاز، وكمن يستعمل الألفاظ المشتركة التي لها أكثر من معنى من دون أنْ ينصب قرينة على المعنى المقصود منها، كما لو قال قائل: (رأيت عيناً) ولم ينصب قرينة على المقصود، فإنَّ لفظ (العين) من الألفاظ المشتركة بين عِدَّة معانٍ متباينة، بخلاف ما لو قال: (رأيت عيناً تجري)، فإنَّه بقرينة لفظ (تجري) يكون ظاهراً في أنَّ المقصود من لفظ (العين) هو عين الماء. وكلفظ (القُرْءِ) في الآية السابقة.
وهذا المعنى للمجمل هو رابع الأقسام المبحوث عنها هنا.
وحاصل الأقسام الأربعة بهذه الصيغة الثانية من البيان:
١ - النَّصُّ، وهو: الكلام الذي له دلالة قطعيَّة على المعنى المقصود منه.
٢ - الظاهر، وهو: الكلام الذي له دلالة ظنّيَّة على المعنى المقصود منه.
٣ - المؤوَّل، وهو: الكلام المحمول على خلاف المعنى الظاهر منه.
٤ - المجمل، وهو: الكلام الذي ليست له دلالة واضحة على المعنى المقصود منه.
ما هو الحجَّة من هذه الأقسام؟
أمَّا النَّصُّ فلا كلام في حُجِّيَّته، لأنَّ دلالته قطعيَّة، والقطع كما يحتجُّ به العقل كذلك الشرع، بل من دونه لا يمكن إثبات أيَّةِ قضيَّةٍ شرعيَّةٍ، حكماً كانت أم غيره، حتَّى لو سمع المكلَّف الحديث من المعصوم (عليه السلام) بنفسه وبلا واسطة.
وأمَّا الظاهر فهو الذي عقدنا البحث لإثبات حُجِّيته رغم كونه دليلاً ظنّيًّا، ردًّا على منكري التقليد، كما سوف نُفصِّل البحث فيه إنْ شاء الله تعالى.
وأمَّا المؤوَّل فلا كلام في عدم حُجِّيَّته، فلا يجوز حمل الكلام عليه إلَّا مع قرينة توجب صرف الكلام إليه، وحينئذٍ يكون الدليل هو مجموع الكلام الذي له معنى ظاهر زائداً تلك القرينة الصارفة، وليس الكلام وحده هو الدليل عليه من دون تلك القرينة.
مثاله: ما لو جاء نهي من الشرع عن فعلٍ من الأفعال، كبيع الأكفان مثلاً، ثمّ جاء منه ترخيص في بيعه، فلو حصل للفقيه القطع بأنَّ الترخيص ليس ناسخاً للنَّهي فحينئذٍ يجتمع لديه دليلان: أحدهما ينهى، والآخر يُرخِّص، والجمع بين الدليلين يقتضي حمل النهي على الكراهة، ولا يُؤخَذ بظاهره الذي هو الحرمة بقرينة الترخيص، لوضوح أنَّه لا يجتمع مع الحرمة.
وأمَّا المجمل فعدم جواز العمل به من البديهيَّات، إذ لا ظهور له في معنى معيَّن حتَّى يُحمَل عليه، ولا بدَّ فيه من البحث عن دليل آخر يُبيِّنه ويُفسِّره، وحينئذٍ يكون الدليل هو المُبيِّن وحده، أو مجموع المجمل والمبيِّن، لا المجمل وحده.
هذا حاصل بيان الأقسام الأربعة لكلام الشرع بصيغتيه.
حُجِّيَّةُ الظَّنِّ:
وعدنا قبلاً ببيان الدليل على حجِّيَّة الظنِّ في مجال استنباط الأحكام الشرعيَّة، ولذا نقول بعد الاستعانة بالله تعالى:
اعلم أنَّنا لو أخذنا بشبهة منكري التقليد - وهي أنَّ أغلب أدلَّة الفقهاء ظنّيَّة، ولا يجوز الاستدلال بما هو ظنّيٌّ - فذلك يعني لزوم تعطيل الشريعة في معظم أحكامها، لأنَّ معظمها منحصر بالكتاب والسُّنَّة، ويُصطَلح عليهما بالدليل النقلي، في مقابل الدليل العقلي، ولا يمكن تحصيل القطع بأغلب الأحكام من خلال الدليل النقلي، حتَّى في زمان المعصومين (عليهم السلام)(١١٥).
ومن هنا يتَّضح: أنَّ الاستدلال الظنّيَّ ينطبق على الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة، لأنَّ دليلهما لا يكون في الأغلب إلَّا ظنّيًّا، ومن البديهيِّ أنَّ الاستدلال بالكتاب أو السُّنَّة على الأحكام الشرعيَّة التي لا تُعرَف إلَّا من خلالهما واجبٌ، فيكون حجَّةً، ولا بديل عنه.
وليس المقصود من الاستدلالات الظنّيَّة للفقهاء هي الاستدلالات بأيِّ ظنٍّ كان، ولو لم يكن حجَّة.
ولو قال منكرو التقليد: إنَّنا نُسلِّم بحجّيَّة الدليل الظنّيِّ إذا كان من الكتاب أو السُّنَّة فقد اعترفوا بما أنكروا من قبل، ولزمتهم الحجَّةُ، وبطل ما كانوا يشكلون به على فقهائنا.
توضيح ذلك: أنَّ أغلب الأحكام - كما قلنا آنفاً - ينحصر تحصيلها بالدليل النقلي، أعني الكتاب والسُّنَّة، وتحصيل القطع بأيِّ حكم شرعيٍّ من خلال الدليل النقلي يتوقَّف على شرطين لا ثالث لهما:
الشرط الأوَّل: أنْ يكون سند الدليل قطعيًّا، ويقال لمثله: (دليل قطعيُّ السند)، بمعنى وصول الدليل النقلي إلينا بطريق قطعيٍّ، كالرِّواية الواصلة إلينا بسند متواتر مثلاً.
الشرط الثاني: أنْ تكون دلالته على الحكم قطعيَّةً، ويقال له: (دليل قطعيُّ الدلالة)، فلا بدَّ أنْ تكون الآية أو الرِّواية نصًّا في الحكم، ولا يكفي كونها ظاهرةً فيه، لأنَّ الظهور - كما أشبعناه توضيحاً - لا يفيد أزيد من الظنِّ.
هذان شرطان في كون الدليل قطعيًّا، ولو تخلَّف أحدهما - كما لو كان الدليل ظنّيَّ السند أو الدلالة - فلا تكون النتيجة إلَّا ظنّيَّةً، فما بالك لو تخلَّف كلا الشرطين؟!
والغالبية العظمى للأدلَّة النقليَّة فاقدة لأحدهما أو لكليهما، ومن النادر وجود دليل نقليٍّ قطعيٍّ في سنده ودلالته معاً.
أمَّا آيات الكتاب العزيز فهي وإنْ كانت واجدة للشرط الأوَّل لوصولها إلينا بالتواتر إلَّا أنَّ أغلبها فاقد للشرط الثاني، لأنَّها ظاهرة في تلك الأحكام، وليست نصًّا فيها، وبالتالي لا يمكن أنْ تكون أحكاماً قطعيَّة من حيث النتيجة.
وأمَّا الرِّوايات - وهي الناقلة لمعظم الأحكام الشرعيَّة بما يزيد على أحكام الكتاب أضعافاً مضاعفةً - فأغلبها فاقد لأحد الشرطين، أو لكليهما، فهي ما بين قطعيِّ السند ظنّيِّ الدلالة، وبين قطعيِّ الدلالة ظنّيِّ السند، وبين ظنّيِّ السند والدلالة معاً، ومن النادر أنْ تجد روايةً قطعيَّةَ السند والدلالة معاً.
والخلاصة: أنَّ أغلب الأحكام الشرعيَّة منحصر تحصيلها في الدليل النقليِّ، وهو في الأغلب إمَّا ظنّيُّ السَّند، أو ظنّيُّ الدلالة، أو ظنّيُّ السند والدلالة معاً، ومن النادر أنْ يكون قطعيًّا من الجهتين، فلو حرم الأخذ بالأدلَّة الظنّيَّة في مجال الاستنباط - كما زعم منكرو التقليد - فلا بدَّ أنْ يلتزموا بتعطيل أغلب الأحكام الشرعيَّة، لأنَّ أدلَّتها ظنّيَّة حتَّى في زمانهم (عليهم السلام) كما سنُثبِته إنْ شاء الله تعالى.
هذا حاصل دليلٍ واحد من الأدلَّة التي نستدلُّ بها على حجّيَّة الدليل الظنِّي وبشكل مجمل.
وأمَّا بيانه بشكل مفصَّل ومدعوم بذكر بعض التطبيقات العمليَّة بما يزيل الشبهة فحاصله:
أنَّنا ذكرنا في بداية البحث الوجه في حاجة العوامِّ إلى الفقيه، وعدم استغنائهم عنه، وأثبتنا من خلاله وبشكل قطعيٍّ مشروعيَّة تقليدهم له.
وكان ذلك الوجه مركَّباً من عدَّة أُمور قطعيَّةٍ يتشكَّل من مجموعها دليلٌ قطعيٌّ على حجِّيَّة الدليل الظنّي، لأنَّها تدلُّ على أنَّه لا بديل عن الدليل الظنّي في الغالبيَّة الساحقة من الأحكام الشرعيَّة، بحيث لو أنكرنا حجّيَّته فلازمه أنْ نعتقد بسقوط غالبيَّة التكاليف عنَّا في زمن الغيبة، وهو أمر باطل كتاباً وسُنَّةً وإجماعاً، بحيث لو ادَّعى سقوطها شخصٌ كان خارجاً عن المذهب، بل عن الإسلام، لأنَّه يكون قد أنكر ضروريًّا من ضروريَّات الدِّين وبديهيّاته، وهو بقاء التكاليف وعدم سقوطها في أيِّ زمانٍ من الأزمنة.
أمَّا كيف يلزم من إنكار حجّيَّة الدليل الظَّنّي سقوط غالبيَّة التكاليف فذلك يتَّضح بعد بيان تلك الأُمور، فنقول وعلى الله التُّكلان:
إنَّ كلَّ مؤمنٍ يعتقد اعتقاداً جازماً بجملة أُمور:
١ - أنَّ في الإسلام تكاليفَ مختلفةً، من وجوبات وتحريمات وغيرهما، وربَّما بلغت الآلاف من الأحكام.
٢ - أنَّ الله تعالى لم يسقط عنَّا تلك التكاليف في زمن الغيبة، فلا بُدَّ من امتثالها في زماننا هذا كما كان المؤمنون يمتثلونها في زمن المعصومين (عليهم السلام)، وعدم جواز تركها بحجَّة غياب المعصوم (عجَّل الله فرجه).
٣ - أنَّ امتثال تلك التكاليف يتوقَّف على معرفتها أوَّلاً، ومعرفتها تتوقَّف على الرجوع إلى مصادرها.
وهذه الأُمور الثلاثة كلُّها بديهيَّة ويعرفها كلُّ مؤمن.
٤ - أنَّ مصادر التكاليف منحصرة في أربعة: الكتاب الكريم، وروايات المعصومين (عليهم السلام)، وإجماع الطائفة الحقَّة، والقطع العقلي.
٥ - أنَّ الغالبيَّة الساحقة من التكاليف ينحصر مصدرها بالكتاب والسُّنَّة، ما يعني أنَّ أدلَّتها منحصرةٌ بالآيات الكريمة، والروايات الشريفة، بحيث لو فرضنا - ومن باب المثال لتقريب الفكرة - أنَّ الأحكام الشرعيَّة ألف حكم فإنَّ تسعمائة وتسعين حكماً منها ينحصر مصدرها بالآيات والرِّوايات.
٦ - أنَّ الغالبيَّة الساحقة من آيات الأحكام ورواياتها تدلُّ على تلك الأحكام دلالةً ظنّيَّةً، ومن النادر أنْ تدلَّ على حكم بشكلٍ قطعيٍّ.
وهذه الثلاثة الأخيرة لا يعرفها غالبيَّة العوامِّ، فهي ليست من البديهيَّات عندهم، لكنَّها عند أهل العلم من أوضح الواضحات، بحيث لو ناقش فيها أحدهم صار محلًّا لسخرية الآخرين، ورموه بالجهل المطبق.
والنتيجة: أنَّ أدلَّة غالبيَّة الأحكام الشرعيَّة ظنّيَّةٌ، وليست قطعيَّة، فلو قلنا بعدم جواز الاستدلال بالأدلَّة الظنّيَّة في زمان الغيبة - كما يُروِّج منكرو التقليد - فيلزم أنْ نقول بسقوط غالبيَّة التكاليف في زماننا، ونخرج بذلك عن الملَّة.
وقد عرفنا كيف تكون دلالة الآية أو الرواية ظنّيَّةً، ولا بأس في أنْ نُذكِّر الإخوة الأعزّاء بذلك، فنقول:
إنَّ الدليل النقلي له عدَّة جهات يتوجَّب على الفقيه أنْ يلاحظها ليستخرج الحكم الشرعيَّ منها، ولا يجوز له الإفتاء به من دون ملاحظتها، وهي:
الجهة الأُولى: سند الدليل النقلي، أي الرُّواة الناقلين لذلك الدليل.
وذلك بأنْ يلاحظ الفقيه صفاتهم التي لها دخل في قبول رواياتهم، كالعدالة، والوثاقة، أو التي لها دخل في رفضها، كالضعف، وجهالة الحال.
الجهة الثانية: دلالة الدليل النقلي.
وذلك بأنْ يلاحظ هل له دلالة واضحة على الحكم، أو لا؟
ولو كانت له دلالة واضحة فهل هي بدرجة القطع والذي يُعبَّر عنه بالنصِّ، أو بدرجة الظنِّ والذي يُعبَّر عنه بالظهور؟
أو أنَّه لا دلالة له واضحة على الحكم والذي يُعبَّر عنه بالمجمل؟
وقد أوضحنا سابقاً معاني كلٍّ من النصِّ، والظاهر، والمجمل، فلا نعيد.
الجهة الثالثة: أنْ يلاحظ ما إذا كان الدليل صادراً لبيان الحكم الواقعي أو صادراً عن تقيَّةٍ، إذ من المعلوم أنَّ أئمَّتنا (عليهم السلام) كانوا يضطرُّون أحياناً إلى الحكم بما هو موافق لمذاهب حكَّام الجور الذين كانوا يتحيَّنون الفرصة للقضاء على أئمَّة الهدى (عليهم السلام) وشيعتهم، فكانت التقيَّة لحقن دمائهم (عليهم السلام) ودماء شيعتهم، كما دلَّ على ذلك ما تواتر عنهم (عليهم السلام)، كالمروي عن الصادق (عليه السلام)، حيث قال: «التقيَّة ديني ودين آبائي»(١١٦).
والفقيه بعد ملاحظة هذه الجهات الثلاث لا يحصل له أكثر من الظنِّ بالحكم الشرعيِّ مهما بحث عن قرائن تفيده القطع بالحكم.
أمَّا من جهة السَّند فغاية ما يقال في حقِّ الرَّاوي: إنَّه عدلٌ ثَبْتٌ ثِقَةٌ عَيْنٌ، وأقصى ما تضمنه لنا هذه الأوصاف هو أنَّ الموصوف بها لا يتعمَّد الكذب على المعصوم (عليه السلام)، لكنَّها لا تضمن عدم وقوعه في النسيان أو الاشتباه في النقل، وما دمنا نحتمل فيه النسيان أو الاشتباه فلا يحصل لنا أزيد من الظنِّ في مطابقة ما نقله لما صدر من المعصوم (عليه السلام).
وأمَّا من حيث الدلالة فلو تجاوزنا احتمال اشتباه الراوي ونسيانه وفرضنا أنَّه معصوم في نقل الأخبار إلَّا أنَّ دلالة الرِّواية تكون في الأعمِّ الأغلب ظاهرةً في المعنى، ولا تكون نصًّا فيه، وقد عرفت سابقاً أنَّ الظهور لا يفيد أكثر من الظنِّ، كما لو نقل عن المعصوم أنَّه أمر بفعل من الأفعال، فإنَّ غاية ما يفيده الأمر هو أنْ يكون ظاهراً في الوجوب، ولا يكون نصًّا فيه، بمعنى أنَّنا نبقى نحتمل أنَّ الفعل المأمور به هو من المستحبّات، وليس من الواجبات.
وأمَّا من الجهة الثالثة فهي تحتاج إلى معرفةٍ بتاريخ المسلمين في عصور الأئمَّة الأحد عشر (عليهم السلام)، مضافاً إلى الاطِّلاع الكافي على فقه المذاهب المخالفة لفقهنا، كي يستطيع الفقيه تشخيص موارد التقيَّة، فلا يعمل بالرِّوايات التي صدرت منهم (عليهم السلام) على سبيل الاتِّقاء من النواصب والسلاطين وأتباعهم، ومن الواضح أنَّ الإلمام بظروف صدور الرِّواية من هذا الجانب أمر صعب، وبالتالي فغاية ما يحصل للفقيه هو الظنُّ بأنَّ الرِّواية الفلانيَّة موافقة للتقيَّة، والأُخرى مخالفة لها، حتَّى وقع الخلاف بين الأعلام في تشخيص ذلك.
وفي حال كان للرِّواية ظهورٌ في المعنى وأحرز الفقيه عدم صدورها لأجل التقيَّة يتوجَّب عليه أنْ يراجع بقيَّة الرِّوايات والأدلَّة الأُخرى من الكتاب والإجماع وغيرهما، ليتعرَّف هل أنَّ الحكم الذي فهمه من تلك الرِّواية هو حكم نهائيٌّ، أو أنَّ هناك ما يُقيِّده، أو يُخصِّصه، أو يُبيِّن المراد الحقيقي منه، أو يُعارضه.
ولو وجد ما يعارضه لم يجز له العمل بتلك الرِّواية قبل أنْ يرفع التعارض بينها وبين معارضها، وهو ليس بالأمر السهل، حتَّى جعله بعض العلماء من بين العلوم التي يمكن التمييز من خلالها بين من بلغ رتبة الاجتهاد ومن لم يبلغها.
والحاصل: أنَّ الدليل غالباً يكون ظنّيًّا، إمَّا من جميع الجهات الثلاث المتقدِّمة، أو من بعضها.
وربَّما يقال: من النادر جدًّا أنْ يكون الدليل النقليُّ قطعيًّا من الجهات الثلاث كلِّها، ولكنّي لم أجد لهذا القطعيِّ مثالاً واحداً حتَّى هذه اللحظة، إلَّا إذا ضممنا له قرائن من الخارج تفيد القطع بعد انضمامها إليه.
وقد عرفت ممَّا تلونا عليك أنَّ الغالبيَّة الساحقة من الأحكام الشرعيَّة ينحصر مصدرها في الدليل النقلي، ولازم ذلك عدم وجود أيِّ طريق أمام الفقيه لاستنباط أغلب الأحكام الشرعيَّة غير الطريق الظنِّي، ولهذا ذكر الأُصوليُّون أنَّ الغاية النهائيَّة للفقيه هو تحصيل الظنِّ بالحكم الشرعيِّ، ومقصودهم هذا النوع من الظنِّ، والذي هو حجَّةٌ شرعاً، لا أيَّ ظنٍّ كان.
تنبيه:
إذا كان الدليل النقلي آيةً فالفقيه لا يحتاج إلى ملاحظة الجهة الأُولى، أعني جهة السند، لأنَّ القرآن من هذه الجهة متواتر عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فهو قطعيُّ الصدور.
كما لا يحتاج إلى ملاحظة الجهة الثالثة، أعني ملاحظة كون الصدور لأجل التقيَّة وعدمها، وذلك لعدم وجود تقيَّة في القرآن.
نعم هناك جهة خاصَّة بالقرآن يجب على الفقيه مراعاتها، وهي أنَّ القرآن كان قد اتَّبع أُسلوب التدرُّج في بيان الأحكام للمجتمع الجاهلي، فلا يجوز للفقيه أنْ يُفتي على طبق الآية ما لم يرجع إلى السُّنَّة، لأنَّها شارحة للكتاب العزيز، وقد قَرَنَ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) العترة بالكتاب، فلا يجوز العمل به من دون مراجعة رواياتهم (عليهم السلام) حتَّى لو كانت الآية قطعيَّة الدلالة، لاحتمال اختصاصها بتلك الفترة، وجاء ما ينسخها، أو يُقيِّدها، أو يُخصِّصها، أو يُبيِّن المراد الحقيقي منها.
ولمزيد من التوضيح نذكر بعض التطبيقات التي يثبت من خلالها بشكل قطعيٍّ أنَّ الدليل النقلي مهما كان واضحاً فهو لا يفيد أكثر من الظنِّ، والله وليُّ السداد والتوفيق.
تطبيقات للدليل الظنّي:
تيمُّناً بعدد أصحاب الكساء (عليهم السلام) اخترنا خمسة تطبيقات للدليل الظنّي الذي هو حجَّة، وفيها كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
التطبيق الأوَّل:
قال الشيخ الكلينيُّ (رحمه الله) في كتابه (الكافي): عِدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنَّ سَمُرَةَ بنَ جُنْدَبٍ كان له عذق في حائط(١١٧) لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان يمرُّ به إلى نخلته ولا يستأذن(١١٨)، فكلَّمه الأنصاري أنْ يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمَّا تأبَّى(١١٩) جاء الأنصاريُّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فشكا إليه، وخَبَّره الخبرَ، فأرسل إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وخَبَّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إنْ أردتَ الدخول فاستأذن، فأبى، فلمَّا أبى سَاوَمَهُ حتَّى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أنْ يبيع، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): لك بها عذقٌ يُمَدُّ لك في الجنَّة، فأبى أنْ يقبل(١٢٠)، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) للأنصاري: اذهب فاقلعها، وارم بها إليه، فإنَّه لا ضرر ولا ضرار»(١٢١).
إنَّ هذه الرِّواية قد نالت اهتماماً كبيراً من علماء المسلمين، لما تشتمل عليه من قاعدةٍ عامَّةٍ لها تأثير كبيرٌ على تقييد الأحكام الشرعيَّة في كافَّة أبواب الفقه، حتَّى إنَّ جملةً من الأعلام أفردها بالتأليف في كُتُب خاصَّة(١٢٢)، بل ذكر بعضهم أنَّ مدار الفقه كلَّه على قواعد معدودة، ومن جملتها قاعدة (لا ضرر) المستفادة من هذا الحديث الشريف، ولا يمكن أنْ يكون مدار آلاف الأحكام على قواعد معدودة إلَّا إذا كانت قواعد عامَّة تُغطّي جميع الأحكام.
وإذا أراد الفقيه أنْ يستخرج ما في هذه الرِّواية من أحكام فلا بدَّ من دراستها من الجهات الثلاث المتقدِّمة كما هو الحال في جميع روايات الأحكام:
الجهة الأُولى: سند الرِّواية:
أمَّا دراسة سندها فلا حاجة إليها إنْ كانت الرِّواية قطعيَّة الصدور، وإنْ لم تكن كذلك فلا بدَّ من دراسة سندها.
ويحصل القطع بأحد أُمور ثلاثة:
١ - أنْ تكون الرِّواية متواترة.
٢ - أنْ تكون محفوفة بقرائن تفيد القطع بصدورها.
٣ - أنْ يكون الفقيه ممَّن يعتقد بأنَّ روايات (الكافي) كلَّها قطعيَّة الصدور، كما يعتقد بذلك فئة من الأخباريِّين.
وأمَّا لو لم تكن متواترةً ولا محفوفة بقرائن قطعيَّة ولم يكن الفقيه ممَّن يعتقد بقطعيَّة روايات الكليني (رحمه الله) - كفقهاء الأُصوليِّين وبعض الأخباريِّين - فيلزم حينئذٍ دراسة حال الرُّواة واحداً بعد واحدٍ، فإنْ ثبتت وثاقتهم جميعاً كان الحديث حجَّةً، وأقصى ما يحصل من وثاقتهم هو الظنُّ بالصدور، فيكون الاستدلال بها استدلالاً بما هو ظنّيٌّ وليس قطعيًّا، وهذه هي الحالة السَّائدة في الغالبية الساحقة لروايات الأحكام.
كما على الفقيه أنْ يدرس ما هو المقصود من قول الكليني: (عِدَّةٌ من أصحابنا)، وفي ذلك آراء وكلام يطول، وقد أُلِّفت فيه بحوث عديدة.
الجهة الثانية: دلالة الرِّواية:
إنَّ الرِّواية تشتمل على قضيَّةٍ حكم فيها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بحكمٍ في حقِّ سمرة بن جندب الصَّحابي!
وقد اختلف العلماء في حكمه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بقلع النخلة أنَّه من أيِّ بابٍ كان؟
فبعضٌ فهم أنَّ الحكم كان حكماً ولائيًّا، بمعنى أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إنَّما أمر بذلك بما أنَّه وليُّ أمر المسلمين ورئيسهم، ومن واجبات وليِّ الأمر حفظُ حقوق رعاياه من التجاوز عليها، وأراد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بهذا الإجراء أنْ يحفظ حقَّ الأنصاري وأهلَ بيته من أذى سمرة بن جندب.
وبعض فهم أنَّه كان حكماً قضائيًّا، وأنَّ الأنصاري لمَّا رفع إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) شكوى ضدَّ سَمُرة قضى (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وحكم لصالح الأنصاري؟
وليس بمقدور أحد أنْ يجعل المختلِفَينِ في الفهم أنْ يقطعوا بأنَّ الحكم ولائيٌّ كما فهم الأوَّل، أو قضائيٌّ كما فهم الآخر، لأنَّ المتَّبع في ذلك هو ما يفهمه الفقيه من الرِّواية، فمن فهم منها الأوَّل لا يمكنك إقناعه بأنَّ المقصود هو الثاني، إلَّا بدليل مقنع، وهكذا العكس، ومع عدم الدليل يبقى الاختلاف في الفهم على حاله، وهذا أحد أسباب اختلاف الفقهاء في الفتاوى من عصر الأئمَّة (عليهم السلام) إلى هذا العصر، وعلى ذلك شواهد عديدة في روايتنا.
ولو سألتَ: ما الفرق بين الحكم الولائيِّ والحكم القضائي، وهل لهذا الفرق أهمّيَّة فقهيًّا؟
فجوابه: أنَّ الفرق كبير، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد أنْ حكم بقلع النخلة قال ما نصُّه: «فإنَّه لا ضرر ولا ضرار »، وهو تعبير يُفهَم منه أنَّ العلَّة والهدف من الحكم بالقلع هو منع إضرار سمرة بالأنصاري وأهل بيته.
فإنْ كان حكمه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بقلع النخلة من باب القضاء فهو نظير حكم القاضي بالسِّجن على شخص اعتدى على مواطن بريء وقال: (أدخلوه السجن، فإنَّه يُمنَع الاعتداء على المواطنين)، إذ يُفهَم منه أنَّ المنع من الاعتداء على المواطنين عبارة عن قانون، وهو سبب الحكم على المعتدي بالسِّجن.
فإنْ كان حكمه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من هذا القبيل فحينئذٍ يكون قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا ضرر ولا ضرار» مجرَّد بيانٍ لحرمة الإضرار بالآخرين، وتكون جملة «لا ضرار» توكيداً لجملة «لا ضرر» على طريقة العرب في التوكيد بمختلف الصيغ والأساليب.
وقد فهم بعض الأعلام هذا المعنى، وأفاد أنَّ الحديث ظاهر في تحريم الإضرار بالآخرين، وهو حكم دلَّت عليه عدَّة أدلَّة، ويكون الحديث مؤكِّداً ومذكِّراً بتلك الحرمة، لا أنَّه جاء بحكم جديد لا يعرفه الأنصاري، وسمرة، ومن بلغه الحديث من المسلمين.
وأمَّا إذا كان حكمه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من باب الولاية على المسلمين، من جهة أنَّه رأى عدم اندفاع المفسدة عن الأنصاري إلَّا بهذه الطريقة ففي هذه الحالة يكون هذا الحكم خاصًّا بتلك الحادثة، ولا يسري إلى زمان ما بعد وفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وابتداء ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو وليُّ الأمر من بعده، وإليه ترجع الأحكام الولائيَّة، فإنَّ الأحكام الولائيَّة - وتسمَّى الأحكام السُّلطانيَّة أيضاً - تختصُّ بزمان الوليِّ الذي أصدرها بحسب ما يرى من المصلحة، وإذا رأى الوليُّ اللاحق أنَّ المصلحة تقتضي تغيير تلك الأحكام فله ذلك، وإلَّا تركها سارية المفعول.
وبعض فهم أنَّ المقصود من الحديث هو بيان قاعدة عامَّة تفيد أنَّه لا يوجد في شريعة الإسلام أحكامٌ تستلزم وقوع المكلَّفين في الضرر.
وعلى هذا الفهم يمكن أنْ يكون المقصود من الحديث هو أنَّ الإسلام وإنْ كان يُجيز لسمرة - وهو مالك النخلة - أنْ يدخل البستان من أجل نخلته ولكن لو لزم من دخوله الإضرار بالأنصاري وأهل بيته فلا يجوز له الدخول بالشكل الذي يلزم منه الإضرار بغيره، كما كان يصنع سمرة، حيث كان يدخل من دون استئذان، وكان الأنصاري وأهل بيته يتأذَّون من ذلك.
وعلى هذا المعنى يمكن تطبيق الحديث على بقيَّة أبواب الفقه، كما في باب الوضوء مثلاً، إذ يُفهَم أنَّ المريض الذي يُؤذيه الوضوء ويزيد في مرضه لا يجب عليه الوضوء، لأنَّ وجوبه يستلزم وقوعه في الضرر، وليس في الأحكام ما يوجب الضرر بالمكلَّفين، فتنتقل وظيفته إلى التيمُّم، وهكذا يمكن تطبيق الحديث في باب الصوم، وغيره من أبواب الفقه، فيُستفاد من الحديث - بناءً على هذا الفهم - قاعدةٌ عامَّةٌ قام النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بتطبيقها على قضيَّة سمرة، والفقيه بدوره يستفيد منها أنَّ كلَّ حكم يلزم منه الضرر فهو ساقط عن المكلَّفين، تطبيقاً لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنَّ الأئمَّة عليهم إلقاء الأُصول وعلى الفقهاء أنْ يُفرِّعوا.
ومن الأعلام من فهم من الحديث معنىً رابعاً، لكنَّا لا نريد أنْ نطيل، لكفاية ما تقدَّم في إيصال المقصود، من أنَّ الأدلَّة النقليَّة لا تفيد أكثر من الظنِّ.
والنتيجة: أنَّ الحكم المستفاد من الحديث إمَّا هو حرمةُ الإضرار بالآخرين، أو حكمٌ ولائيٌّ، أو قاعدةٌ عامَّةٌ تنفي كلَّ حكمٍ يلزم منه الضَّرر على المكلَّف، أو شيءٌ رابع لم نذكره.
ودلالة الحديث على أيِّ معنى من هذه المعاني الأربعة إنَّما تكون بنحو الظهور، ولا يكون بنحو النصِّ، وكلُّ فريقٍ من الفقهاء يستظهر من الحديث غير الذي يستظهره الفريق الآخر، واستظهارُ كلِّ واحدٍ منهم عبارة عن حصول الظنِّ بالمعنى الذي فهمه، وهذا الظَّنُّ حجَّةٌ عليه وعلى مقلِّديه، لا على الآخر ومقلِّديه.
التطبيق الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ...﴾ (البقرة: ٢٢٢).
وفيه دلالة على حرمة مواقعة الزوجة في أيَّام حيضها، كما أنَّ فيه تحديد لنهاية تلك الحرمة، ولكن ما هي تلك النهاية؟
وهناك جملة من المسائل تختلف الأحكام فيها باختلاف ما يُفهَم من هذه الآية الكريمة، من قبيل: هل يجوز للزوج أنْ يجامع زوجته بعد انتهاء عادتها الشهريَّة قبل أنْ تغتسل غُسل الحيض، أو لا يجوز؟
ومحلُّ الابتلاء بهذه المسألة ما لو تركت الاغتسال لمانع - كالمرض، والبرد، والحرج الشديد - أو لكسل.
وإذا رجعنا إلى الآية الكريمة فهي تقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وهي ظاهرة في حرمة المجامعة قبل حصول الطهارة من الحيض، ولا تحصل الطهارة منه إلَّا بانقطاع الدم انقطاعاً نهائيًّا، وبعد انقطاعه يرتفع الحيض، ولكن يبقى أثره، وهو المسمَّى حَدَث الحيض، وهو لا يرتفع إلَّا بالاغتسال منه كغُسل الجنابة.
وبما أنَّ الآية جعلت نهاية الحرمة عند انقطاع الدم فذلك يعني جواز مجامعة الزوجة بعد انقطاعه حتَّى لو لم تغتسل من حَدَثِ الحيض.
ولكن الحكم بالجواز يواجه إشكالين:
الإشكال الأوَّل: أنَّ كلمة (يطهرن) ورد فيها قراءتان:
١ - أنَّها بالتخفيف، أي بسكون الطاء وضمِّ الهاء، وهي القراءة الموجودة في المصحف المُتدَاوَل اليوم.
وعلى هذه القراءة تكون الآية ظاهرةً في أنَّ حرمة المجامعة تنتهي بحصول الطهارة، أي بانقطاع الدم تماماً، فتجوز المجامعة بعد الانقطاع حتَّى لو لم تغتسل.
٢ - أنَّها بالتشديد، أي بفتح الطاء والهاء المشدَّدتين، وهي قراءة نقلتها الروايات.
وعلى هذه القراءة تكون الآية ظاهرةً في أنَّ الحرمة تنتهي بالاغتسال من حَدَثِ الحيض، ولا يكفي في ارتفاع الحرمة انقطاع الدَّم.
وتحديد الحكم في هذه المسألة الابتلائيَّة يتوقَّف على الاطِّلاع الكافي على علم القراءات، ولو في حدود ما يتسبَّب في اختلاف الأحكام الشرعيَّة.
الإشكال الثاني: أنَّ الآية قالت بعد ذلك: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، فجاء الفعل (تَطَهَّرْنَ) بالتشديد، أي إذا قامت النساء بالتطهير، وهو ظاهر في أنَّ الجواز يتوقَّف على الاغتسال، ما يعني حرمة المواقعة قبله، فيكون متوافقاً في الحكم مع القراءة الثانية للفعل السابق، أعني بالتشديد.
وهنا إمَّا أنْ نأخذ بظاهر الفعل الأوَّل - يَطْهُرْنَ بالتخفيف - فنحكم بالجواز، ولازمه أنْ نحمل الفعل الثاني - تَطَهَّرْنَ بالتشديد - على الاستحباب، أي استحباب تأخير المواقعة إلى ما بعد الاغتسال.
وإمَّا أنْ يكون الفعل الثاني - تَطَهَّرْنَ - قرينةً على أنَّ القراءة الصحيحة في الفعل الأوَّل هي القراءة الثانية، أعني يَطَّهَّرنَ بالتشديد، وليست القراءة الأُولى، أعني يَطْهُرْنَ بالتخفيف، فنحكم بالحرمة.
وحيث إنَّ الآية قابلة لكلا الوجهين - والقرآن حمَّالٌ ذو وجوه كما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) - فلا يمكن للفقيه أنْ يأخذ بأحدهما ويدع الآخر، فتكون الآية مجملةً ومردَّدةً من ناحية الحكم في مسألتنا المذكورة.
ولو ادَّعى فقيهٌ أنَّ الآية تدلُّ على الوجه الأوَّل فيحكم بالجواز، أو على الوجه الثاني فيحكم بالحرمة، فأقصى ما يمكن أنْ يدَّعيَهُ هو ظهور الآية فيما يدَّعيه، فتكون دلالةُ الآيةِ على رأيه دلالةً ظنّيَّةً ليس أكثر، ولا يمكنه أنْ يدَّعي الدلالة القطعيَّة، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكون جاهلاً متلبِّساً بلباس أهل العلم، أو يكون ذا جُرأةٍ على دين الله كبيرة.
ولو أراد الرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) في تحديد إحدى القراءتين فسوف يجد أنَّهم (عليهم السلام) أمروا شيعتهم أنْ يقرؤوا القرآن كما يقرأه سائر المسلمين، وحيث إنَّ المسلمين ينقلون في كُتُبهم كلتا القراءتين فعاد الإشكال من جديد.
ولو أراد أنْ يأخذ حكم المسألة من رواياتهم (عليهم السلام) بعد أنْ كانت الآية مجملةً فسوف يجد رواياتهم (عليهم السلام) مختلفةً في هذا الحكم، وهي على أصناف:
فمنها: ما دلَّ على الحرمة، كرواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن امرأة كانت طامثاً، فرأت الطُّهْرَ، أيقعُ عليها زوجها قبل أنْ تغتسل؟ قال: «لا، حتَّى تغتسل»، قال: وسألته عن امرأةٍ حاضت في السفر، ثمَّ طَهُرَت فلم تجد ماءً يوماً واثنين، أيحلُّ لزوجها أنْ يجامعها قبل أنْ تغتسل؟ قال: «لا يصلح حتَّى تغتسل»(١٢٣).
ومنها: ما دلَّ على الجواز، كرواية عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا انقطع الدَّم ولم تغتسل فليأتِها زوجها إنْ شاء»(١٢٤).
ومنها: ما دلَّ على الجواز في حالة الهيجان الجنسي للزَّوج فقط، كرواية محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المرأة ينقطع عنها الدَّمُ دمَ الحيض في آخر أيَّامها، قال: «إذا أصاب زوجها شَبَقٌ(١٢٥) فليأمرها فلتغسل فرجها، ثمَّ يمسَّها إنْ شاء قبل أنْ تغتسل»(١٢٦).
وقد اختلف بعض الأعلام في كيفيَّة التعامل مع هذا الاختلاف بين الروايات، فبعضٌ حمل الروايات الناهية على التقيَّة، بدعوى أنَّها موافقة لفتاوى المخالفين.
وبعضٌ حملها على الكراهة، لأنَّ النهي وإنْ كان ظاهراً في الحرمة إلَّا أنَّ الروايات المجوِّزة صريحة في الجواز، فتُحمَل الناهية على الكراهة.
وهناك روايات تُؤيِّد هذا الأخير.
وهذه الأُمور ممَّا لا يلتفت إليه غير الدارسين لعلمَي الفقه وأُصوله، والمطَّلعين على التاريخ وفتاوى المخالفين، بل وتخفى أحياناً حتَّى على بعض الدارسين الواصلين إلى مراتب متقدِّمة في الحوزة العلميَّة.
وعلى هذا الرأي الأخير تكون النتيجة بعد ضمِّ الآية إلى الروايات التي ذكرناها والتي لم نذكرها كالتالي:
١ - تحرم مجامعة الزوجة في أيّام حيضها.
٢ - لا تحرم الاستمتاعات الأُخرى غير المجامعة.
٣ - يجوز على كراهة مجامعتها بعد انتهاء مدَّة الحيض إذا لم تغتسل بعدُ.
ولا أدري هل ما زال منكرو التقليد يرون أنَّ هذا التفصيل في هذه الجنبة فقط والذي طرحناه بصورة مبسَّطة جدًّا ممَّا يلتفت إليه العوامُّ من أمثال أُمَّهاتهم، وأخواتهم، وزوجاتهم، وجدَّاتهم، وعمَّاتهم، وخالاتهم، ومن أمثال الفلّاحين، والكَسَبَة، والعساكر، والشرطة، والبالغين سنَّ التكليف في سنوات التكليف الأُولى، والأُمِّيِّين، والذين لا يُتقِنون اللغة العربيَّة، وغير هؤلاء؟!
فإنْ قالوا: إنَّ وظيفة هؤلاء هي الرجوع إلى من له اطِّلاع على ذلك.
قلنا لهم: هذا هو التقليد الذي أنكرتموه بعينه، غاية الأمر أنَّكم لا تشترطون الفقاهة في مرجع التقليد، وتكتفون بأنْ يكون صاحب اطِّلاعٍ.
والنتيجة: أنَّ جميع ما ذكرناه من استدلالات بالآية والرِّوايات لا يتجاوز عالم الظواهر والظُّنون، وحيث لا بديل عنها فهي حجَّة قهراً.
ولو أنَّ المنكرين لحجّيَّة الأدلَّة الظنّيَّة أسقطوا هذه الاستدلالات لم يبقَ لديهم أيُّ دليل على حكم هذه المسألة، ولا على غيرها من آلاف المسائل التي ينحصر دليلها في الأدلَّة الظنّيَّة، مع ملاحظة أنَّها كثيرة الابتلاء، ويريد المكلَّفون أنْ يعرفوا وظيفتهم الشرعيَّة فيها.
فإنْ قالوا: هناك طريق آخر لإثبات الحكم في مسألتنا بعد سقوط جميع الأدلَّة الظنّيَّة عن الاعتبار، وهو استصحاب الحرمة التي كانت ثابتة قبل انقطاع الدَّم.
قلنا لهم: وما هو الدليل القطعي على أنَّ الاستصحاب حجَّة في باب الأحكام الشرعيَّة؟
ولو سلَّمنا أنَّه حُجَّةٌ فيها فما هو الدليل على أنَّه يجري في مسألتنا هذه بالذَّات؟
هذان سؤالان لا يمكن لمنكري حجّيَّة الأدلَّة الظنّيَّة أنْ يجيبوا عليهما إلَّا إذا رجعوا إلينا ووافقونا في حجّيَّة الأدلَّة الظنّيَّة، لأنَّ الأدلَّة التي دلَّت على حجّيَّة الاستصحاب كلَّها ظنّيَّة، ولا يوجد بينها دليل قطعيٌّ واحد.
فلو لم يأخذوا بالأدلَّة الظنّيَّة الدالَّة على حجّيَّة الاستصحاب فقد عطَّلوا أحكام هذه المسألة والكثير من أمثالها.
وإنْ أخذوا بتلك الأدلَّة الظنِّيَّة الدَّالَّة على حجّيَّته فقد اعترفوا بما أنكروا، وثبت مطلوبنا، والحمد لله ربِّ العالمين.
التطبيق الثالث:
روى إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ، قال: «كُرٌّ»، قلت: وما الكُرُّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبارٍ»(١٢٧).
ومن شرائط صحَّة الغُسل أو الوضوء أنْ يكون الماء طاهراً، ومن هنا كان لزاماً على المكلَّف أنْ يعرف متى يكون الماء طاهراً، ومتى يكون نجساً.
وروايتنا هذه واردة في هذا الخصوص، حيث سأل الرَّاوي عن الماء الذي لا يُنجِّسُهُ شيءٌ، ليُميِّزه عن الذي يتنجَّس بملاقاة النجاسة، فأجاب (عليه السلام) بأنَّ الذي لا يُنجِّسه شيءٌ هو الكُرُّ، فلم يعرف الرَّاوي معنى الكُرِّ(١٢٨)، فأجاب (عليه السلام) بأنَّ الكُرَّ: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبارٍ»، وظاهره: أنَّ الماء إذا كان دون الكُرِّ فهو يتنجَّس بملاقاة النجاسة.
ولكنَّنا لو رجعنا إلى جميع روايات الباب لوجدناها على قسمين، ولوجدنا روايات كلِّ قسم متعارضةً فيما بينها، بحيث لا يمكن للفقيه أنْ يخرج بنتيجة قطعيَّة في تحديد الكُرِّ، وأقصى ما يمكن تحصيله هو الظنُّ، بل وقع الخلاف بين الفقهاء في تحديده، تبعاً لاختلافهم في فهم الرِّوايات.
القسم الأوَّل: الرِّوايات التي حدَّدت الكُرَّ بالمساحة، وهي:
١ - رواية إسماعيل المتقدِّمة: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ؟ قال: «كُرٌّ»، قلت: وما الكُرُّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبارٍ».
وظاهر هذه الرِّواية أنَّ الكُرَّ ما كانت مساحته تسعة أشبار، حاصل جمع ثلاثةٍ في ثلاثةٍ.
٢ - رواية أُخرى لإسماعيل، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ ؟ قال: «ذراعان عمقه، في ذراعٍ وشِبْرٍ سعته»(١٢٩).
والذراع يُطلَق على تقديرين:
أحدهما: من المرفق إلى أطراف الأصابع، وهو يساوي شبرين تقريباً.
على هذا التقدير يكون عمق الكُرِّ: أربعة أشبار، وسَعتُهُ: ثلاثة أشبار، فتكون مساحته اثني عشر شبراً.
ثانيهما: من المرفق إلى الرُّسغ، وهو يساوي شبراً تقريباً.
وعلى هذا التقدير يكون عمق الكُرِّ شبرين، وسعتُهُ شبرين، فتكون مساحته أربعة أشبار.
ولكن بقرينة عطف الشبر على الذراع في قوله (عليه السلام): «ذراع وشبر سعته» يتعيَّن إرادة المعنى الأوَّل وفاقاً لصاحب الوسائل (رحمه الله).
وهذا يعني أنَّ المراد من الكُرِّ مردَّدٌ بين تسعة أشبار كما هو ظاهر الرواية الأُولى، واثني عشر شبراً، كما هو ظاهر الرواية الثانية، ولكنَّهما مخالفان لمذهب الإماميَّة بالإجماع، ولذا كان لا بُدَّ من حملهما على بعض المحامل.
أمَّا الرواية الأُولى فيحتمل أنْ يكون المراد منها هو الشكل التكعيبي، فيكون الإمام (عليه السلام) قد ذكر بُعدَينِ فقط، وهما الطول والعرض، ولم يذكر العمق، ومن عدم ذكره يُفهَم أنَّه مساوٍ للبُعدينِ المذكورين، وهو ثلاثة أشبار أيضاً، فتكون الأبعاد: ثلاثةً في ثلاثةٍ في ثلاثةٍ، وتكون النتيجة سبعة وعشرين شبراً تقريباً، وإلى هذا القول ذهب فريق من الفقهاء.
وأمَّا الرواية الثانية فيحتمل أنْ يكون المراد منها هو الشكل الأُسطواني الذي يُلاحَظ فيه بُعدانِ فقط، وهما: العُمق، وقُطر الدائرة فقط، والرواية قد ذكرت العمق وأنَّه ذراعان، أي: أربعة أشبار، وأمَّا القطر فقد ذكرته بلفظ السعة، وأنَّه ذراع وشبر، أي: ثلاثة أشبار، وبعد إجراء العمليَّة الرياضيَّة الخاصَّة بالشكل الأُسطواني تكون النتيجة أنَّ الكُرَّ من حيث المساحة يساوي سبعة وعشرين شبراً تقريباً، فتكون هذه الرواية متوافقة في التحديد مع الرواية الأُولى.
وأمَّا لو قلنا: إنَّ المراد من السعة هو الطول والعرض كما فهمه صاحب الوسائل(١٣٠) فيكون المقصود: أربعة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار، فتكون النتيجة (٣٦) شبراً تقريباً، كما ذهب إليه فريق آخر من الفقهاء.
والحاصل: لو حملنا الرواية الأُولى على إرادة الشكل التكعيبي والرواية الثانية على إرادة الشكل الأُسطواني فتكون النتيجة سبعة وعشرين شبراً في كلتا الرِّوايتين، وبذلك يرتفع التعارض بينهما.
ولكنَّه إنَّما يرتفع بلحاظ هاتين الروايتين فحسب، ولا يرتفع بلحاظ الروايتين الآتيتين.
٣ - رواية الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا كان الماء في الرَّكيِّ(١٣١) كُرًّا لم يُنَجِّسه شيءٌ»، قلت: وكم الكُرُّ؟ قال: «ثلاثةُ أشبارٍ ونصفٌ عمقها، في ثلاثة أشبارٍ ونصفٍ عُرضُها»(١٣٢).
وظاهرها أنَّ الكرَّ اثنا عشر شبراً ونصفُ الشبر، وهو مخالف لمذهب الإماميَّة بالإجماع، فلا بُدَّ من حملها على اكتفاء الإمام (عليه السلام) بذكر بُعدَينِ عن ذكر البُعد الثالث لمساواته لهما، ثمّ حملها على إرادة الشكل التكعيبي، أو الشكل الأُسطواني، ولكن الحمل على أيٍّ من الشكلين لا يرفع التعارض بينها وبين سابقتيها، كما سيتَّضح عند بيان الرواية الآتية.
٤ - رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكُرِّ من الماء: كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثةُ أشبارٍ ونصفٌ، في مثله ثلاثةُ أشبارٍ ونصفٌ، في عمقه في الأرض فذلك هو الكرُّ من الماء»(١٣٣).
وظاهرها تثليث الأبعاد، وأنَّ البُعد الثالث مساوٍ للبُعدين الأوَّلين، فدلالتها على ذلك ظنّيَّةٌ، وليست قطعيَّة، لأنَّ الدَّال فيها على البُعد الثالث هو السكوت عن مقداره، حيث قال (عليه السلام): «في عمقه في الأرض»، ولم يُبيِّن كم هو مقدار هذا العمق، لكنَّ الفقيه يستظهر أنَّه مساوٍ لما ذُكِرَ في البعدين الآخرين.
ولو أمكن الجمع بينها وبين الرواية الثالثة فلا يمكن الجمع بينهما وبين الروايتين الأُوليين، ويبقى التعارض على حاله، لأنَّ حاصل ضرب ثلاثة ونصف في مثلها في مثلها يزيد على اثنين وأربعين شبراً، وأين هذا التحديد من التحديد بسبعة وعشرين شبراً؟!
وقد عرفت أنَّ الفقيه مهما بذل من وسعٍ وجهد لاستنباط المراد من هذه الأخبار فلن يصل إلى القطع به، وليس هنا سوى الظنِّ، فلو أردنا مجاراة المنكرين لحجّيَّة الدليل الظنِّي فيلزم أنْ نطرح روايات تحديد الكرِّ بأكملها، ولو طرحناها فلازمه أنْ يكون صدورها من الأئمَّة (عليهم السلام) لغواً حاشاهم.
القسم الثاني: الروايات التي حدَّدت الكُرَّ بالوزن، وهي ثلاث روايات:
١ - رواية ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «الكُرُّ من الماء ألفٌ ومائتا رِطْلٍ»(١٣٤).
٢ - رواية أُخرى لابن أبي عمير، قال: روي لي عن عبد الله بن المغيرة، يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام): «أنَّ الكُرَّ ستُّمائة رطل»(١٣٥).
٣ - رواية محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديثٍ - قال: «والكُرُّ ستُّمائةِ رِطلٍ»(١٣٦).
وفي هذه الروايات عدَّة أُمور:
الأمر الأوَّل: ذكر بعض أئمَّة اللغة أنَّ الرِّطل يساوي تسعين مثقالاً، وكلام اللغوي لا يفيد أكثر من الظنِّ، فحتَّى لو توصَّل الفقيه إلى مقدار الكرِّ من خلال ضمِّ الروايات إلى كلام اللغويين فلا يرقى دليله إلى أزيد من الظنِّ.
وأمَّا العوامُّ فلا يمكن لهم بأيِّ حالٍ من الأحوال أنْ يصلوا إلى القطع بمقدار الكرِّ من هذه الروايات، بل لا يمكنهم تحصيل حتَّى الظنِّ به.
الأمر الثاني: هناك إشكال في الروايتين الأُولى والثانية، فإنَّ الرَّاوي لهما هو ابن أبي عمير، وهما مختلفتان في تحديد وزن الكرِّ، فالأُولى حدَّدته بألف ومائتي رطل، والثانية حدَّدته بستّمائة رطل، وهذا تعارض واضح، ولا مخرج منه إلَّا بأنْ يُحمَل الرِّطل في الرواية الأُولى على رِطل بلدٍ من البلدان، وفي الرواية الثانية على رِطل بلدٍ آخر، وهكذا صنع الفقهاء، حيث حملوا الرِّطل في الأُولى على الرِّطل العراقي، وفي الثانية والثالثة على الرِّطل المكِّي، وعلَّلوا ذلك بأنَّ الرِّطل المكّي ضِعفُ الرِّطل العراقي، وبهذه الطريقة يكون التعارض قد ارتفع من بين الروايتين.
ولكن هل يمكن تحصيل القطع بأنَّ المكّيَّ ضعف العراقي؟ كلَّا، إذ غاية ما يمكن تحصيله هو الظنُّ ليس إلَّا، فلو لم يكن الظنُّ حجَّة في مثل هذه الموارد لما استطاع فقيه رفع التعارض بين الروايات المذكورة.
النقطة الثالثة: إنَّ روايات هذا القسم تتعارض مع بعض روايات القسم الأوَّل، وبذلك تتعدَّد أطراف التعارض، ومهما حاول الفقيه أنْ يجمع بين القسمين بحيث يخرج بنتيجة قطعيَّة ترفع التعارض بينهما لم يمكنه ذلك.
وهناك روايات أُخرى لتحديد الكرِّ خارجة عن القسمين، إذ لم تُحدِّده بالمساحة، ولا بالوزن، بل بالوصف والتشبيه، من قبيل:
١ - رواية عبد الله بن المغيرة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «الكرُّ من الماء نحو حِبِّي هذا»، وأشار إلى حِبٍّ من تلك الحِبابِ التي تكون بالمدينة(١٣٧).
ونترك لمنكري التقليد ومنكري حجّيَّة الأدلَّة الظنّيَّة أنْ يُجيبونا عن هذه الرواية، وكيفيَّة معرفة مقدار الكرِّ منها، والحال أنَّه لا يوجد في زماننا هذا حِبابٌ مشابهة لحِباب المدينة التي كانت في عصر إمامنا الصادق (عليه السلام).
٢ - رواية أُخرى لابن المغيرة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا كان الماء قدرَ قُلَّتينِ لم يُنَجِّسُهُ شيءٌ، والقُلَّتان: جرَّتان»(١٣٨).
وبخصوص هذه الرِّواية يواجهنا إشكالان:
أحدهما: أنَّ عبارة «والقُلَّتان جرَّتان» هل هي من كلام المعصوم (عليه السلام)، أو من كلام الرَّاوي؟
وهذا بحثٌ طويلٌ وطريقه وَعِرٌ، ولا يمكن للعوامِّ أنْ يُبدوا رأيهم فيه، كما لا يمكن للفقيه تحصيل نتيجة قطعيَّة مهما صنع، وما هو إلَّا الظنُّ.
ثانيهما: لو تجاوزنا الإشكال الأوَّل وقلنا: إنَّ العبارة للمعصوم (عليه السلام) فيبقى إشكال تحديد حجم الجرَّة في زمانه (عليه السلام)، وهل هو بحجم الجرَّة في زماننا هذا، مع أنَّ الجِرار ليس لها حجمٌ واحدٌ، بل لها أحجام مختلفة، فأيُّ الأحجام قصده الإمام (عليه السلام)؟
وهنا أيضاً نقول: إنَّ الفقيه مهما خرج بنتيجة في جواب هذا الإشكال فلا يزيد على الظنِّ.
وللوقوف على وعورة الطريق راجع الجزء الأوَّل من وسائل الشيعة(١٣٩)، لكي تقف على ذلك بنفسك بعيداً عن المكابرة والعناد.
التطبيق الرابع:
روى فضيل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: «البَيِّعانِ بالخِيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خِيار بعد الرضا منهما»(١٤٠).
لقد تناول فقهاؤنا (أعلى الله مقامهم) موضوع البيع وأحكامه بالتفصيل، مستندين في ذلك إلى جملة من نصوص الكتاب الكريم، وروايات المعصومين (عليهم السلام)، وكان من بينها أحاديث تفيد أنَّ البائع والمشتري بعد أنْ يجريا عقد البيع يحقُّ لكلٍّ منهما فسخ العقد ما داما باقيين في مكان العقد، وقبل أنْ يفترقا، فإن افترقا سقط خيارهما، ولا يصحُّ الفسخ بعد ذلك.
ولكن هناك جملة من المسائل تعترض الفقيه في هذا المجال، وتحتاج إلى أجوبة عليها من الشرع، وفي هذا المجال نذكر بعض تلك المسائل:
١ - ما هو مقدار الافتراق الذي يسقط معه الخيار، فهل يكفي الافتراق بمقدار خطوةٍ، أو أزيد، أو أقلَّ؟
٢ - هل يكفي أنْ يتحرَّك أحدهما ويبقى الآخر في مكانه، أو لا بُدَّ من مفارقتهما لمكان العقد معاً؟
٣ - هل يتحقَّق الافتراق لو خرجا من المكان معاً متصاحبينِ، أو لا بُدَّ من حصول الفرقة بين شخصيهما، ولا تكفي مفارقة المكان؟
٤ - إذا لم يكن بإمكانهما الافتراق لسببٍ أو آخر - كما لو كانا مسجونين في غرفة واحدة - فهل يبقى الخيار مستمرًّا بينهما مهما بقيا مسجونين في تلك الغرفة، أو أنَّ هذا الخيار لا يشمل مثلهما؟
٥ - يُفهَم من الحديث المتقدِّم أنَّ الافتراق لا يكفي لوحده في سقوط الخيار، بل لا بُدَّ من تحقُّق الرِّضا بالعقد، حيث صرَّح (عليه السلام) بقوله: «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»، وهنا نواجه السؤال التالي: من أين يَعلم كلٌّ منهما بحصول الرِّضا لدى الآخر؟
فلو خرج أحدهما من المكان وبقي الآخر فيه، ثمَّ رجع الأوَّل إليه وادَّعى أنَّه لم يحصل له رضاً بالبيع فهل نأخذ بدعواه، أو نقول: إنَّ خروجه دليلٌ على الرِّضا بالعقد، وبالتالي لا يُقبَل ادِّعاؤه؟
٦ - روى غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «قال عليٌّ (عليه السلام): إذا صَفَقَ الرجلُ على البيع فقد وجب وإنْ لم يفترقا»(١٤١).
ومعنى «صَفَقَ»: أنْ يضرب أحدُ المتبايِعَينِ على يد الآخر عند العقد، ولذا تُسمّي العربُ البيعَ صفقةً، فيقولون مثلاً: (هذه صفقة مربحة) و(بارك الله في صفقتك).
وهنا يواجهنا إشكال مهمٌّ، وحاصله: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بحسب هذه الرواية يكون قد حكم بوجوب البيع، أي بلزومه وعدم ثبوت الخيار حتَّى لو لم يفترقا، وهذا يتعارض مع الحديث المتقدِّم، فما هو الموقف الذي يجب أن نتَّخذه تجاه الحديثين؟
وهل يمكن حمل أحدهما على التقيَّة فيُطرَح، أو لا يمكن؟
وإذا أمكن ذلك فأيُّ الحديثين هو الموافق للتقيَّة؟
٧ - لو كان البائع وكيلاً عن المالك في إجراء صيغة البيع، وكان المالك حاضراً في مكان البيع، فخرج الوكيل عن المكان وفارق المشتري، وبقي المالك لم يفارقه، فهل يبقى الخيار بين المالك والمشتري، أو يسقط بخروج الوكيل، أو أنَّ الأحاديث مختصَّة ببيع الأصيلين، ولا تشمل ما إذا كان أحدهما أصيلاً والآخر وكيلاً؟
٨ - هل تشمل الأحاديث البيع الذي يتمُّ من خلال الهاتف أو عبر الإنترنت، بحيث يكون الخيار موجوداً بينهما إلى أنْ ينقطع الاتِّصال بينهما، أو أنَّها خاصَّة بالبيع الذي يحضر فيه المتعاقدان في مكانٍ واحدٍ؟
ولو شملت البيعَ عبر الهاتف والإنترنت وانقطع الاتِّصال بسبب خارج عن إرادة المتبايعين كانقطاع التيّار الكهربائي، أو لحصول عطل في هاتف أحدهما، أو عطل من جهة مزوِّد الشبكة فهل يسقط الخيار، أو لا؟
٩ - لو كان البائع راكباً سيَّارةً، وبعد أنْ تمَّ العقد تحرَّكت السَّيَّارة فحصل افتراق، فهل يبقى الخيار، أو يرتفع، أو يختلف الحكم بينما إذا تحرَّكت السيَّارة بإرادة البائع فيسقط خياره، وما إذا تحرَّكت بغير قصد فلا يسقط خياره؟
وبكلمة أُخرى: إنَّ الحديث جعل المدار في سقوط الخيار على الافتراق، فهل المقصود هو الافتراق الاختياري، أو يشمل القهريَّ أيضاً؟
١٠ - لو أكره الظالمُ المتبايعينِ على الافتراق، فافترقا عن خوف لا عن رغبةٍ، فهل يشملهما حديث «رُفِعَ عن أُمَّتي تسعة أشياء» التي منها «ما أُكرهوا عليه» فيبقى خيارهما، أو أنَّ حديث الرفع مختصٌّ بالأحكام التكليفيَّة كالحرمة والوجوب، ولا يشمل أحكام المعاملات، كالصحَّة، والبطلان، وغيرها، والتي منها الخيار؟
١١ - لو خرج أحد المتعاقدين من المكان سهواً، أي نسي موضوع الخيار، فهل يسقط خياره، أو يكون مشمولاً بالحديث الرَّفع المتقدِّم، فإنَّ النسيان واحدٌ من الأشياء التسعة المرفوعة؟
١٢ - لو اضطُرَّ أحدهما أنْ يفارق الآخر، كما لو احتاج إلى شرب دواء بشكل عاجل، فذهب ليتناوله ثمّ يعود، فهل يسقط خياره، أو يكون مشمولاً بحديث الرَّفع، حيث ذُكِرَ الاضطرار ضمن التسعة المرفوعة؟
إنَّ هذه المسائل وغيرها كثير لا يجد الفقيه عليها أجوبة إلَّا من خلال الرجوع إلى نفس هذه الأحاديث، من خلال التمسُّك بعمومها، أو إطلاقها، أو ببعض الإشارات الواردة فيها، أو لوجوه أُخرى، وهو ممَّا لا يلتفت إليها غير الفقيه، ليُجيب عن كلِّ تلك المسائل، والعموم والإطلاق - وغيرهما من صفات الحديث - لا يفيدان الفقيه أزيد من الظنِّ، فلو لم يكن حجَّة في باب الأحكام الشرعيَّة لبقيت هذه المسائل وأمثالها بلا جواب، وبالتالي يلزم على منكري حجّيَّة الدليل الظنّي أنْ يعتقدوا بأنَّ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ناقصة وغير مكتملة، ولزمهم تكذيب الله تعالى في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣).
التطبيق الخامس والأخير:
روى الفريقان عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنَّه قال: «الولدُ للفراش، وللعاهر الحجر»(١٤٢).
وقد جاء هذا النصُّ النبويُّ الشريف في بعض الوقائع التي سُئِلَ المعصوم عن حكمها، فأجاب بذلك.
وقد فهم منها الفقهاء ما فهموا، ولم يكن لهم مستند في فهمهم سوى ظواهر النصوص، والظواهر كما قلنا مراراً ما هي إلَّا أدلَّة ظنّيَّة، فلو لم يكن الدليل الظنّي حجَّةً فذلك يعني تعطيل هذا الحديث الشريف الذي يُشكِّل قاعدة من أهمّ القواعد الفقهيَّة والتي تُعنى بباب الأنساب.
توضيح ذلك: أنَّ هناك العديد من حالات الإنجاب يقع فيها الشكُّ من جهة نسبة المولود إلى الزَّوج، بحيث يُشَكُّ في خيانة الزوجة لزوجها مثلاً، وهي مسألة في غاية الخطورة، وتُهدِّد العشَّ الزوجي بالخراب، وتُعرِّض الزوجة للفضيحة، وأمانها من القتل ثأراً للشرف.
وإليك بعض الفرضيات في هذا المجال:
١ - أنْ يكون الزوج قد دخل بزوجته بعد العقد، ثمّ أنجبت بعد أقلّ من ستَّة أشهر.
وفي هذه الفرضيَّة لا يمكن أنْ يكون المولود لزوجها، وذلك لما دلَّ عليه الدليل من أنَّ أقلَّ مدَّةٍ للحمل ستَّة أشهر.
٢ - امرأةٌ طلَّقها زوجها، فتزوَّجت من رجل آخر بعد انتهاء عدَّتها من الأوَّل مباشرةً، وبعد مضيِّ أكثر من ستَّة أشهر على دخول الزوج الثاني بها أنجبت مولوداً، وكان بين آخر وطءٍ لزوجها الأوَّل وبين الإنجاب أكثر من سنة، فهل يكون المولود للزوج الأوَّل أو للثاني؟
وفي هذه الفرضيَّة يحكم بكونه للثاني، وذلك لما دلَّ عليه الدليل من أنَّ أقصى مدَّةٍ للحمل هي سنة، فلا يمكن من الناحية الشرعيَّة أنْ يكون المولود للزوج الأوَّل.
٣ - كالفرضيَّة السابقة، ولكن المدَّة بين آخر وطءٍ للزوج الأوَّل والإنجاب كانت أقلَّ من سنة.
وفي هذه الفرضيَّة يمكن أنْ يكون المولود للزوج الأوَّل، كما يمكن أنْ يكون للثاني، فإلى من يُنسَب؟
وهل يجوز اللجوء إلى الفحوصات الطبّيَّة المختبريَّة لتحديد من هو الأب الحقيقي لهذا المولود؟
إنْ قلتَ: يجوز.
فجوابه: أوَّلاً: ما هو دليلك الشَّرعيُّ على الجواز؟
وثانياً: يلزمك أنْ تُجيزه في جميع حالات الشكِّ، وعندها لا يعلم إلَّا الله تعالى ما هي عواقب ذلك.
وإنْ قلتَ: لا يجوز، فما هو دليلك الشَّرعيُّ على عدم الجواز؟
وأمَّا الشرع فإنَّه يُرجِعنا في مثل هذه الحالات إلى العمل بالقرعة، فمن أصابت القرعة باسمه من الزوجين فالمولود يُنسَب إليه، وتترتَّب على ذلك جميع أحكام النسب، من التوارث بينهما، وحرمة تزوُّجه ببناته، وغير ذلك من الأحكام.
وكلُّ ذلك وفق أدلَّة ظنّيَّة، أعني ظواهر النصوص الشريفة ليس غير.
٤ - امرأة متزوِّجة مضى على الدخول بها أكثر من ستَّة أشهر، ثمّ شكَّ الزَّوج في أنَّها تخونه مع زيد، وجاءت بمولود يشبه زيداً تماماً، فإلى من يُنسَب؟
إنَّ الزوج في مثل هذه الفرضيَّة سوف يتبرَّأ من المولود وينسبه - بطبيعة الحال - إلى زيد المتَّهم، بل حتَّى أهل الزوجة يحكمون بذلك ولا يتستَّرون على ابنتهم من الفضيحة، فإنَّ هذا يكفي عندهم للحكم على ابنتهم بالزنا والخيانة، ويُرتِّبون الآثار على ذلك من قتلها وغيره من الآثار، كما ويُرتِّبون على المولود أحكام ابن زنا شرعاً، وعرفاً، وعشائريًّا.
وأمَّا الحديث المذكور - «الولد للفراش وللعاهر الحجر» - فإنَّه يحكم بأنَّه ابنٌ لزوجها، ما دام يُحتَمل - ولو احتمالاً ضعيفاً - أنَّه متولِّدٌ من الزوج.
ومن المؤسف أنَّ هذا الحكم هو واحد من بين أحكام كثيرة لا يتقبَّلها كثير ممَّن يُسَمُّون أنفسهم مسلمين إلى يومنا هذا!
٥ - إذا طلَّقها زوجها وهي حامل، فتزوَّجت برجل آخر بعد أنْ وضعت حملها، ثمَّ ولدت ولداً آخر بعد مضيِّ ستَّة أشهر على العقد الثاني، فكم هي الفروع الفقهيَّة لهذه الفرضيَّة، وما هو حكم كلِّ فرعٍ منها مدعوماً بالدليل الشَّرعيِّ؟
إنَّ الجواب على هذه الفرضيَّة نتركه كواجبٍ بيتيٍّ لمنكري التقليد، المنكرين لحجّيَّة الدليل الظنّي، مع دعواتنا لهم بالتوفيق للإجابة عليه بعد أربعين سنة، تزيد سنة، أو تقلُّ سنة.
هذه تطبيقات خمسة من تطبيقات الدليل الظنّي الذي لو أنكرنا حجّيَّته كما صنع منكرو التقليد لما بقى لدينا شريعة ولا أحكام فقهيَّة.
وبهذا نكون - بحمد الله - قد فرغنا من المقام الأوَّل الذي أعددناه للإجابة على شُبُهات منكري التقليد، لنشرع بعده - بعونه تعالى - في الإجابة على شُبُهات المعلِّقين على البحث.

* * *

المقصد الثاني: في أجوبة إشكالات المعلِّقين:
قد كان لبعض المعلِّقين الكرام على البحث في صفحتنا على الفيس بوك جملة من الإشكالات، وكنَّا قد وعدناهم بالإجابة عليها بعد الفراغ من البحث، وحيث اتَّضح الجواب على بعضها ضمن البحوث السابقة فنقتصر على ما لم يتَّضح جوابه بعد.
الإشكال الأوَّل:
ويشتمل على ثلاث نقاط:
الأُولى: أنَّ الكُتُب الجامعة لأحاديث الأئمَّة (عليهم السلام) تفي باقتفاء السُّنَّة، والالتزام بالشرع، فلا حاجة بنا إلى مراجعة الفقهاء في ذلك.
الثانية: أنَّ منكري التقليد لا يُقِرُّون بحكم العقل استناداً إلى ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك.
الثالثة: أنَّ علم الرجال، والدراية، والمنطق، والأُصول أُمور مستحدَثةٌ في الدِّين، ولا يُقِرُّها الأئمَّة (عليهم السلام).
جواب النقطة الأُولى: أنَّ الهدف من التقليد هو التعرُّف على الأحكام التي تتوقَّف على الاستنباط، وقد أثبتنا أنَّه ليس بمقدور العوامِّ استنباطُ الغالبيَّة العظمى منها من الكتاب الكريم، أو روايات المعصومين (عليهم السلام)، فكيف يتحقَّق اقتفاء السُّنَّة، والالتزام بالشرع؟!
جواب النقطة الثانية: من وجهين:
١ - أنَّ المقصود من حكم العقل خصوص ما يفيد القطع بالحكم الشرعي، كحكم العقل بوجوب ما يتوقَّف عليه الواجب، كتوقُّف الحجِّ على تحصيل جواز السفر مثلاً، وعلى تأشيرة الدخول - الفيزة - إلى الديار المقدَّسة، فإنَّ العقل يحكم آنذاك بوجوب تحصيلهما، لتوقُّف أداء الحجِّ على ذلك، ولا يمكن لعاقل يحترم عقله أنْ يدَّعي بأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يرفضون مثل هذا الحكم، وكيف يرفضونه والعقل إنَّما حكم به لأجل امتثال أمر الله (عزَّ وجلَّ)؟!
٢ - أنَّ النهي الوارد عنهم (عليهم السلام) مختصٌّ بما جرى عليه فقهاء المخالفين من العمل بما اخترعوه بعقولهم، كالعمل بالرأي، والقياس، والاستحسان، وسدِّ الذرائع، وما شابه ذلك من القواعد التي لم يقم دليل شرعيٌّ على حجِّيَّتها، وأمَّا حكم العقل القطعي فلم يرد أيُّ نصٍّ ينهى عن العمل به، بل لا يمكن النهي عنه، وقد فصَّلنا القول في ذلك ضمن بحوث سابقة، فراجع.
جواب النقطة الثالثة: من عدَّة وجوه:
١ - أنَّه لا دليل من عقل ولا نقل على حرمة كلِّ ما هو مُستَحدَث، وإلَّا لبطل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «من سنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أنْ ينقص من أُجورهم شيءٌ»(١٤٣)، لأنَّ معنى «سنَّ سُنَّةً» أنْ يجعل فعلاً من الأفعال طريقةً يتَّبعها الآخرون، ولم تكن تلك الطريقة موجودة من قبل، كما لو أسَّس صندوقاً للتبرُّعات بهدف تزويج الفقراء من الشَّباب مثلاً، فإنَّ إعانة الشباب على ذلك وإنْ كانت ثابتة في الشَّرع لكن الطريقة المذكورة أعني تأسيس صندوق لهذا الغرض لم يرد فيها أيُّ نصٍّ من الكتاب الكريم، أو السُّنَّة المطهَّرة، أو الإجماع، ومع ذلك فهو فعل جائز، لدخوله تحت الحديث المذكور، ويقطع كلُّ مسلم باستحبابه عند الله تعالى رغم أنَّه أمرٌ مستحدَث.
٢ - أنَّ المقصود من الأمر المستحدَث في الدِّين هو أنْ تُدخِل فيه ما ليس منه، وهو المسمَّى بالبدعة، نظير ما لو اخترع شخصٌ من عند نفسه صلاةً بكيفيَّة مخصوصةٍ، ثمَّ ينسب استحبابها إلى الشرع ويتقوَّل عليه بغير دليل.
وقد ورد التحذير الشديد من ذلك في الأحاديث الشريفة، ومنها ما جاء في رسالة إمامنا الصادق (عليه السلام) إلى جماعة الشيعة: «ألَا إنَّ اتِّباعَ الأهواءِ واتِّباعَ البِدَعِ بغير هُدى من الله ضلالٌ، وكُلُّ ضلالةٍ بِدعةٌ، وكلُّ بدعة في النار»(١٤٤).
وأمَّا المستحدَثات التي لا تُنسَب إلى الشرع، بل يُستعان بها على فهم الشرع فلا دليل على حرمة مثلها، كعلم الرجال الذي استحدثه علماء المسلمين لتنقية الأحاديث المعصوميَّة من الأحاديث المدسوسة والمكذوبة، وذلك بعد أنْ تفشَّى الكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بين المسلمين، فقد روى الكليني بسنده، عن سُليم ابن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حديث طويل أنَّه قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذرٍّ شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبيِّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيِّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أنَّ ذلك كلَّه باطل، أَفَتَرَى الناسَ يكذبون على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) متعمِّدين، ويُفسِّرون القرآن بآرائهم؟
قال: فأقبل عليَّ فقال: «قد سألت فافهم الجواب؛ إنَّ في أيدي الناس حقًّا وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامًّا وخاصًّا، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووَهماً، وقد كُذِبَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على عهده، حتَّى قام خطيباً فقال: أيُّها الناس قد كثرت عليَّ الكَذَّابة، فمن كَذَبَ عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعده من النار، ثمّ كُذِبَ عليه من بعده، وإنَّما أتاكم الحديثُ من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يُظهِر الإيمان، مُتَصَنِّعٌ بالإسلام، لا يتأثَّم ولا يتحرَّج أنْ يكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) متعمِّداً، فلو علم الناس أنَّه منافق كذَّاب لم يقبلوا منه، ولم يُصدِّقوه، ولكنَّهم قالوا: هذا قد صَحِبَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ورآه، وسمع منه، وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره، ووصفهم بما وصفهم، فقال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ثمّ بَقَوا بعده فتقرَّبوا إلى أئمَّة الضلالة والدُّعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فوَلَّوهم الأعمالَ، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنِّما الناس مع الملوك والدنيا إلَّا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة...» إلى آخر الحديث(١٤٥).
ولهذا مسَّت الحاجة لتأسيس علم يُعنى بدراسة أحوال الرُّواة، لتمييز الثقات منهم عن غيرهم، فهو علم دوَّنه العلماء خدمةً لروايات المعصومين (عليهم السلام) وتمييزها عن الروايات المكذوبة عليهم، أو التي لا مثبت لصدروها.
بل جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الحثُّ على ضبط الأسانيد، بحيث يمكن القول بأنَّه (عليه السلام) هو أوَّل من أشار إلى هذا العلم وحثَّ على تأسيسه، كما نُسِبَ إليه الإشارة إلى وضع علمي النحو والصرف، فقد روى الكليني بسنده، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا حَدَّثتُم بحديثٍ فأَسنِدُوه إلى الذي حَدَّثَكُم، فإنْ كان حقًّا فلكم، وإنْ كان كذباً فعليه»(١٤٦).
٣ - أنَّ هذا الإشكال خير شاهد ودليل على الجهل المطبق الذي يعيشه منكرو التقليد، لأنَّ هذه العلوم ليست مطلوبة لذاتها، وإنِّما هي آلات علميَّة يُوظِّفها الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعيَّة من مصادر التشريع (الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والعقل القطعي)، وليست هي مصادر لتشريع الأحكام الشرعيَّة، وذلك نظير استعانة أهل الصنائع بالأدوات الخاصَّة بكلِّ صنعة، كاستعانة الحدَّاد بالنار والمطرقة والسِّندان لصنع السيف مثلاً، وكاستعانة النَّجَّار بالمنشار والمطرقة والمسمار لصنع الكرسيِّ، وهكذا، والفقيه حينما يُدوِّن علماً باسم علم الدراية أو علم الرجال أو أُصول الفقه إنَّما يريد بذلك تسجيل القواعد التي دلَّ الدليل على اعتبارها، ليستعين بها في عمليَّة استنباط الأحكام الشرعيَّة من مصادر التشريع، وهي ما بين قواعد شرعيَّة مستفادة من الكتاب أو السُّنَّة، وقواعد لغويَّة وأدبيَّة يتوقَّف عليها فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمَّة (عليهم السلام)، وقواعد عقليَّة قطعيَّة، شأنه في ذلك شأن العلوم الأُخرى، حيث يقوم العلماء المختصُّون بها بتدوين قواعده لحفظه من جهة، ولسهولة الرجوع إليه عند الحاجة من جهة أُخرى، ولتدريسه لمن يريد تحصيل القدرة على الاستنباط كما هو المعمول به في الحوزات العلميَّة من جهة ثالثة.
٤ - أنَّ هذه العلوم لا بديل عنها في عملية استنباط الأحكام الاجتهاديَّة، فإنَّ تمييز الرِّوايات المعتبرة للأخذ بها دون غيرها لا يتمُّ إلَّا بعلمي الدراية والرجال، فلو أبطلناهما فإمَّا أنْ نأخذ بجميع الرِّوايات فيختلط المكذوب بغيره من جهة، ويلزم الجمع بين المتناقضات من جهة أُخرى، وإمَّا أنْ نأخذ ببعضها دون بعض من دون ضوابط، فنكون كالمخالفين الذين يعملون بالآراء والاستحسانات المنهي عنها من قِبَل أهل البيت (عليهم السلام)، وإمَّا أنْ نلتزم بتعطيل الأحكام في زمن الغيبة، وكلُّ هذه الخيارات باطلة بالبداهة.
الإشكال الثاني:
من الذي نصَّب الفقهاء مراجعَ للدِّين، وكيف نُثبِت الأعلم من بين الفقهاء؟
ويشتمل هذا الإشكال على نقطتين:
الأُولى: من الذي نصَّب الفقهاء مراجعَ للدِّين؟
الثانية: كيف نُثبِت الأعلم من بين الفقهاء؟
جواب النقطة الأُولى: من وجهين:
١ - أنَّ الفقيه العادل لا يحتاج إلى تنصيب كمرجع، وذلك لما أوضحناه في أوَّل البحث من أنَّ التقليد حاجة ضرورية للعوامِّ ولا بديل لهم عنه، وهذا يعني أنَّ تصدِّي الفقيه العادل لمنصب المرجعيَّة هو الآخر حاجة ضروريَّة لا بُدَّ منها ولا بديل عنها، كحاجة الناس في باب الطِّبِّ إلى وجود طبيب يداويهم من أمراضهم بلا فرق بين البابين، فإنْ كان في بلدتهم طبيب فسيكون بطبيعة الحال مرجعاً لهم في تشخيص الأمراض والعلاج المناسب لها، ولا يتوقَّف الأمر على وجود جهة رسميَّة تُصدِر قراراً بتنصيبه مرجعاً للناس في باب الطبابة.
وكذلك الحال بالنسبة إلى عوامِّ الناس في زمن الغيبة، فإنَّ حاجتهم الضروريَّة إلى معرفة وظائفهم الشرعيَّة تُحتِّم عليهم أنْ يراجعوا إلى الفقيه العادل لمعرفتها، باعتباره صاحب الاختصاص في باب استنباط الأحكام الشرعيَّة، وبسبب مراجعة المؤمنين له يصبح مرجعاً فعليًّا لهم وبشكلٍ طبيعيٍّ من دون حاجة إلى تعيين وتنصيب من أحد.
وفي حال وُجِدَ عددٌ من الفقهاء العدول الصالحين لأنْ يكونوا مراجع للمؤمنين يكون تصدّي واحد منهم كمرجع أعلى له ضوابط ليس هذا مجال بحثها.
٢ - لو غضضنا النظر عمَّا تقتضيه الحاجة الضروريَّة إلى مراجعة الفقيه العادل وأصرَّ السَّائل على أنَّ المرجعيَّة تحتاج إلى تنصيب فليعلم أنَّ التنصيب على نحوين:
النحو الأوَّل: التنصيب الخاصُّ.
وهو أنْ يُنَصِّب المعصوم فقيهاً مرجعاً للناس، كتنصيب الإمام الباقر (عليه السلام) لأبان بن تغلب، وأمره له بأنْ يتصدَّى للإفتاء في قوله (عليه السلام): «اجلس في مسجد المدينة وأَفتِ الناسَ، فإنّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلُك»(١٤٧).
وكذلك إرجاع باقي الأئمَّة (عليهم السلام) شيعتهم لأخذ معالم الدِّين من بعض أصحابهم، كما روى الشيخ الكليني (رحمه الله) جملة من الروايات في هذا الخصوص، وقد نقلنا جملة منها في مبحث تاريخ المرجعيَّة، من قبيل: ما رواه عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّه ليس كلَّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيءُ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلَّ ما يسألني عنه، فقال: «ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؟ فإنَّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً»(١٤٨)، ومن قبيل: ما رواه عليُّ بن المسيِّب الهمداني، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شُقَّتي بعيدة ولستُ أصل إليك في كلِّ وقت، فمِمَّن آخذُ معالم ديني؟ قال: «من زكريّا بن آدم القُمِّي المأمون على الدِّين والدنيا»، قال عليُّ بن المسيِّب: فلمَّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمَّا احتجت إليه(١٤٩).
النحو الثاني: التنصيب العامُّ.
وهو من قبيل أنْ يوجب الشرع على المسلمين بنحو الوجوب الكفائي أنْ تتفقَّه جماعة منهم في الدِّين ليكونوا مراجع للباقين، كما في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
ومن قبيل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «العلماء ورثة الأنبياء...» إلى آخر الحديث(١٥٠)، وقوله (عليه السلام): «الفقهاء أُمناء الرُّسُل»(١٥١)، وغيرها من النصوص التي ذكرناها في أدلَّة مشروعيَّة التقليد، وهي تدلُّ على مرجعيَّة العلماء الذين ذكرتهم بأوصافهم ومن دون تسميتهم بأشخاصهم، فمن توفَّرت فيه تلك الأوصاف - الشرائط - التي على رأسها الفقاهة والعدالة جاز له التصدّي للإفتاء، وجاز للعوامِّ الرجوع إليه.
جواب النقطة الثانية: أنَّ معرفة الفقيه الأعلم لها طُرُقها العلميَّة، وليست أمراً يتبع المزاج، أو العواطف، أو أيَّ شيءٍ آخر غير الطُّرُق العلميَّة.
وقول شخص في حقِّ نفسه: (إنّي فقيه) أو (إنّي الأعلم) لا يكون حجَّة على الناس ما لم يثبت لديهم ذلك بالطُّرُق العلميَّة.
والبحث في ذلك بشكل مفصَّلٍ إنَّما يأتي بعد إثبات مشروعيَّة التقليد، وبحثنا مختصٌّ بإثبات ذلك، ولا يبحث فيه عن مسألة الأعلميَّة، أو غيرها من المسائل المرتبطة بالمرجعيَّة المشروعة، ولذا نكتفي بهذا القدر من الجواب على هذه النقطة.
وهذا الكلام يأتي على النقطة الأُولى من الإشكال أيضاً، لأنَّ كلامنا كما قلنا هو في إثبات مشروعيَّة التقليد، وأمَّا من هو الذي نصَّب الفقهاء مراجعَ للدِّين، وكيف نعرف الأعلم من الفقهاء فتلك بحوث أُخرى تأتي بعد إثبات أصل المشروعيَّة، ولكنَّنا إنَّما أجبنا عليه تفصيلاً لكي لا يشتبه على القارئ أنَّنا إذا لم نُثبِت من الذي نصَّب الفقهاء كمراجع للدِّين فلا تثبت مشروعيَّة التقليد، فكان جوابنا لدفع هذه الشبهة.
الإشكال الثالث:
نتمنّى أنْ يكون البحث خالياً من أيِّ رواية غير معتبرة، أو آية لم يُفسِّرها المفسِّرون في التقليد، أو أُخرى لا تدلُّ عليه دلالة واضحة، كما في آية سورة التوبة.
ونتمنّى أيضاً أنْ تجيبوا على النقاط التالية:
الأُولى: آلية تنصيب المرجع.
الثانية: أسماء المشرفين على تنصيب آخر مرجع في النجف (حفظه الله).
الثالثة: دليل تقليد الأعلم، وآلية معرفته، ومتى بدأ الشيعة يُفتون بتقليد الأعلم.
الرابعة: أمثلة على فتاوى علمائنا الأوائل في التقليد، وهل تطوَّرت فتاوى التقليد.
الخامسة: آلية إدارة المرجعيَّة خصوصاً فيما يخصُّ المال، مقارنة عادلة بين الواقع والتنظير.
السادسة: هل عامَّة الناس مقلِّدون أم مجتهدون في العقائد؟
السابعة: عدم الخلط بين التعليم الدِّيني وخصوص المرجعيَّة والتقليد المعروفين لدينا اليوم، فلا يمكن الاستدلال بآية أو رواية تحثُّ على التفقُّه أو التعليم على وجوب التقليد.
الثامنة: سِرُّ إقصاء العراقيِّين عن المرجعيَّة في العراق.
هذا حاصل التعليق الذي تفضَّل به أحد المتابعين للبحث على صفحتنا في الفيس بوك.
ويمكن تبويب مطالب هذا التعليق إلى أربعة أبواب:
الباب الأوَّل: في حكم التقليد في العقائد كما في النقطة (رقم ٦).
وهذا أمر قد أوضحناه تفصيلاً في أوَّل البحث، فراجع.
الباب الثاني: في قضايا ترتبط بشؤون المرجعيَّة كما ورد في النقاط (١ و٢ و٣ و٥ و٨).
ومن الواضح أنَّ الكلام حول هذه النقاط يتوقَّف على التسليم بمشروعيَّة التقليد، وكلامنا هنا هو في إثبات تلك المشروعيَّة، لا فيما يترتَّب بعدها، فإنَّه خارج عن عهدة هذا البحث.
الباب الثالث: في رأي الفقهاء الأوائل في مسألة التقليد كما ورد في النقطة (رقم ٤).
الباب الرابع: في إلزامنا ببعض الشروط في البحث كما أُشير إليها في بداية الإشكال، وكما ذُكِرَ في النقطة (رقم ٧)، وسيأتي تفصيل تلك الشروط.
وبعد ما عرفت من حال البابين الأوَّلين وأنَّهما خارجان عن عهدة هذا البحث يختصُّ الجواب بالبابين الثالث والرابع.
جواب الباب الثالث: أنَّ اعتقاد قدماء الفقهاء بمشروعيَّة التقليد أمر لا مجال للتشكيك فيه، وذلك لوجهين:
١ - تصدّيهم بشكل فعليٍّ للإفتاء في جميع العصور، فلو لم يكن التقليد مشروعاً عندهم لما تصدَّوا لذلك، بل كان الواجب عليهم أنْ ينهوا العوامَّ عن تقليدهم، ولَأَمروهم بالبحث بأنفسهم لتشخيص تكليفهم.
ويكفي دليلاً قطعيًّا على تصدّيهم للمرجعيَّة تأليفهم لكُتُب الفتاوى ليرجع إليها العوامُّ، ككتابي (المقنع) و(الهداية)، وكلاهما للشيخ الصدوق المتوفَّى سنة (٣٨١هـ)، و(المقنعة) وغيرها من الرسائل الفتوائيَّة للشيخ المفيد المتوفَّى سنة (٤١٣هـ)، و(جُمَل العلم والعمل) وغيره للسيِّد المرتضى علم الهدى المتوفَّى سنة (٤٣٦هـ)، و(الكافي) لأبي الصلاح الحلبي المتوفَّى سنة (٤٤٧هـ)، و(النهاية) و(الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد) و(المبسوط) وغيرها من الكُتُب الفتوائيَّة للشيخ الطوسي المتوفَّى سنة (٤٦٠هـ)، وكتابه (المبسوط) هو أكبر كتاب فتوائيٍّ حتَّى يومنا هذا، و(المراسم) للشيخ حمزة بن عبد العزيز الدَّيلمي المتوفَّى سنة (٤٦٣هـ)، و(المهذَّب) و(جواهر الفقه) كلاهما للشيخ عبد العزيز بن البرَّاج المتوفَّى سنة (٤٨١هـ)، و(الوسيلة إلى نيل الفضيلة) للشيخ عماد الدِّين المعروف بابن حمزة الطوسي، و(إشارة السَّبق) للشيخ أبي المجد عليِّ بن الحسن الحلبي، و(إصباحُ الشيعة بمصباح الشريعة) للشيخ قطب الدِّين الكيدري، وهؤلاء المشايخ الثلاثة من أعلام القرن السَّادس الهجري، و(غُنية النزوع) لابن زهرة الحلبي، المتوفَّى سنة (٥٨٥هـ)، و(السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي) لابن إدريس المتوفَّى سنة (٥٩٨هـ)، و(شرائع الإسلام) و(المختصر النافع)، وكلاهما للمحقِّق الحلّي المتوفَّى سنة (٦٧٦هـ)، و(الجامع للشرايع) للشيخ يحيى بن سعيد الحلِّي المتوفَّى سنة (٦٩٠هـ)، و(تبصرة المتعلِّمين) و(القواعد) و(إرشاد الأذهان) و(نهاية الأحكام) وغيرها من الكُتُب الفتوائيَّة للعلَّامة الحلّي المتوفَّى (٧٢٦هـ)، و(الدروس الشرعيَّة) و(البيان) و(اللُّمعة) وغيرها للشيخ محمّد بن مكّي العاملي الملقَّب بالشهيد الأوَّل المتوفَّى سنة (٧٨٦هـ)، و(الموجز الحاوي لتحرير الفتاوي) للشيخ أحمد بن محمّد بن فهد الحلِّي المتوفَّى سنة (٨٤١هـ)، وغيرها من كُتُب المتأخرين ومتأخِّري المتأخِّرين، ناهيك عن المعاصرين.
٢ - أنَّ مسائل الاجتهاد والتقليد لم تكن تُذكَر في العصور السالفة في بداية الرسالة العمليَّة ولا في الكُتُب الاستدلاليَّة، لأنَّهم كانوا يكتفون بذكرها في نهاية مباحث علم الأُصول، فلاحظ المصادر الأُصوليَّة لبعض الأعلام المتقدِّم ذكرهم:
فمنها: كتاب (الذريعة) للسيِّد المرتضى (رحمه الله)، قال: (والذي يدُلُّ على حُسن تقليد العامّيِّ للمفتي أنَّه لا خلاف بين الأُمَّة قديماً وحديثاً في وجوب رجوع العامّيِّ إلى المفتي، وأنَّه يلزمه قبول قوله، لأنَّه غير متمكِّنٍ من العلم بأحكام الحوادث، ومن خالف في ذلك كان خارقاً للإجماع)(١٥٢).
ومنها: كتاب (العُدَّة) للشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: (والذي نذهب إليه أنَّه يجوز للعامّيِّ الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليدُ العالِم. يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامَّةَ الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويُسوِّغون لهم العمل بما يفتونهم به، وما سمعنا أحداً منهم قال لمُستَفتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء، ولا العمل به، بل ينبغي أنْ تنظر كما نظرتُ، وتعلم كما عَلِمْتُ، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان الخَلقُ العظيمُ عاصروا الأئمَّة (عليهم السلام)، ولم يُحْكَ عن واحدٍ من الأئمَّة النكير على أحد من هؤلاء، ولا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يُصَوِّبونهم في ذلك، فمن خالفه في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه)(١٥٣).
ومنها: كتاب (المعارج) للمحقِّق الحلّي (رحمه الله)، قال: (يجوز للعامّيِّ العمل بفتوى العالم بالأحكام الشرعيَّة)، وبعد أنْ نقل قول المخالفين كالمعتزلة قال مستدِلًّا على جواز التقليد: (لنا: اتِّفاق علماء الأعصار على الإذن للعوامِّ في العمل بفتوى العلماء من غير نكير)، وكان هذا دليله الأوَّل، إلى أنْ قال: (الثاني: لو وَجَبَ على العامّيِّ النظر في أدلَّة الفقه لكان ذلك إمَّا قبل وقوع الحادثة أو عندها، والقسمان باطلان، أمَّا قبلها فمنفيٌّ بالإجماع، ولأنَّه يُؤدِّي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك، فيُؤدِّي إلى الضَّرر بأمر المعاش المضطرِّ إليه، وأمَّا بعد نزول الحادثة فذلك متعذِّر، لاستحالة اتِّصاف كلِّ عامّيٍّ عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين)(١٥٤).
ومنها: كتاب (تهذيب الأُصول) للعلَّامة الحلّي (رحمه الله)، قال: (الحقُّ أنَّه يجوز للعامّيِّ أنْ يُقلِّد المجتهد في فروع الشرع، خلافاً لمعتزلة بغداد)(١٥٥)، وقال في موضع آخر من الكتاب: (العامّيُّ يجب عليه التقليد في الفروع إذا لم يتمكَّن من الاجتهاد، فإنْ تمكَّن من فعل الاجتهاد - بأن يسعى في تحصيل العلوم التي لا يتيسَّر الاجتهاد إلَّا بها - تخيَّر بينه وبين الاستفتاء، وكذا إنْ كان عالماً لم يبلغ رتبة الاجتهاد)(١٥٦).
هذه المصادر الأربعة ما هي إلَّا نماذج عن بقيَّة كُتُبنا الأُصوليَّة، اثنان منها للقدماء، واثنان للمتأخِّرين عنهم، وأمَّا كُتُب متأخِّري المتأخِّرين وكُتُب المعاصرين فحدِّث عنها ولا حرج، وفي هذا كفاية لطالبي الحقِّ.
جواب الباب الرابع: والذي يشتمل على أربع نقاط:
الأُولى: عدم الاستدلال بالروايات غير المعتبرة.
الثانية: عدم الاستدلال بالآيات التي لم يُفسِّرها المفسِّرون بالتقليد.
الثالثة: عدم الاستدلال بالآيات التي لا دلالة واضحة فيها على التقليد، كآية سورة التوبة، يعني قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...﴾ الآية.
الرابعة: عدم الاستدلال بما دلَّ على وجوب التعلُّم والتفقُّه والخلط بينه وبين دليل التقليد، كما هو مفاد النقطة (رقم ٧).
جواب النقطة الأُولى: من ثلاثة وجوه:
١ - أنَّ معرفة كون الروايات معتبرة أو غير معتبرة تتوقَّف على ضوابط خاصَّة، وليست أمراً تابعاً لمزاج الباحث، والمتكفِّل لتشخيص ذلك هو علم الدِّراية، وعلم الرِّجال، وهما علمان لا يؤمن بهما منكرو التقليد أصلاً، ويعتبرونهما من بِدَع المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام)، وبالتالي فهم يعتمدون مثل كتاب (الكافي)، ويأخذون بجميع رواياته من دون تصنيف لها بين معتبر وغير معتبر، ولذا فحينما نستدلُّ على مشروعيَّة التقليد ببعض الروايات لا نتعرَّض لبيان درجة الرواية من حيث الصحَّة أو غيرها.
٢ - لو أقرَّ منكرو التقليد بجواز العمل بهذين العلمين فسيكونون آنذاك من المقلِّدين لذوي الاختصاص فيهما، كالنجاشي، والطوسي، وغيرهما، فيقعون فيما فرَّوا منه وأنكروه على غيرهم.
٣ - أنَّ سند الروايات من حيث الاعتبار وعدمه إنَّما يُلاحَظ فيما إذا لم يحصل قطع إجماليٌّ بمضمونها، وهو ما يُعبَّر عنه بالتواتر الإجمالي، وهو عبارة أُخرى عن حصول القطع بصدور ولو رواية واحدة من تلك الروايات عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، وقد نقلنا في مبحث تاريخ المرجعيَّة بعضاً من تلك الروايات، وجملةٌ منها معتبرة سنداً، وقد دلَّت بشكل واضح على مرجعيَّة الفقهاء في زمن الأئمَّة (عليهم السلام) فضلاً عن زمان الغيبة، فراجع.
مضافاً إلى تأكيد مضامينها بإجماع الإماميَّة الذي نقله الشيخ الطوسي في كتاب العُدَّة في عبارته المتقدِّمة، والإجماع على ما يوافق مضمون الروايات يُعتَبر من القرائن التي تُفيد القطع بصحَّة ذلك المضمون.
جواب النقطة الثانية: من وجهين:
١ - أنَّ منكري التقليد لا يمكنهم أنْ يُلزمونا بقول المفسِّرين، لأنَّنا لو أخذنا به صرنا مقلِّدين للمفسِّرين، ومنكرو التقليد لا يُجوِّزون التقليد في الدِّين مطلقاً حتَّى في تفسير القرآن الكريم، لاسيّما آيات الأحكام.
٢ - أنَّنا لم نستدلَّ من القرآن إلَّا بآيتين؛ قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢)، وقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، وقد قرَّبنا دلالتهما على المطلوب بشكلٍ علميٍّ، لا تقليداً للمفسِّرين.
وهناك آية ثالثة يمكن الاستدلال بها على وجوب التقليد لم نذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس: ٣٥)، فإنَّها تتضمَّن جنبة مشتركة بين من نزلت الآية فيهم وبين أهل الاختصاص، لأنَّ الكلمة الأخيرة في كلِّ مجال تكون لصاحب الاختصاص في ذلك المجال، وأمَّا الجاهل به فلا قيمة لكلامه فيه إلَّا أنْ يكون قد أخذ كلامه من صاحب الاختصاص، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي عقلائيًّا للأخذ بكلامه ما دام قد أخذه من المختصِّ، بل الصحيح هو أنْ نأخذ بكلام نفس المختصِّ، بلا حاجة لتوسيط الجاهل فيما بيننا وبينه.
ولذا فمن غير المعقول - بل من المضحك - أنْ يركب العقلاء في سيّارة يتصدَّى لسياقتها شخص لا يعرف السياقة أصلاً، وحجَّته في ذلك أنَّه قد أجلس إلى جنبه سائقاً حقيقيًّا يُرشِده ماذا يفعل خطوة بخطوة!
إنَّ جواب العقلاء في هذه الحالة واضح، حيث سيقولون له: إنْ كان هذا سائقاً حقيقيًّا فقم عن مقعد القيادة ودعه يجلس مكانك ليقود السيّارة، فإنَّ الذي يُرشِد إلى كيفيَّة السياقة أحقُّ بها من الذي لا يُجيدها إلَّا بعد أنْ يُرشِده ذلك السائق. ثمَّ إنَّنا لسنا حقلاً لتجاربك، فاذهب وتعلَّم السياقة أوَّلاً.
ويكون المثال أوضح في هذه القضيَّة العقلائيَّة ما لو تصدَّى غير الجرَّاح لعمليَّة استئصال ورم من دماغ إنسان، بحجَّة أنَّ الطبيب الجرَّاح يقف إلى جنبه، وأنَّه هو من سيُعلِّمه كيفيَّة تشريح فروة الرأس، وكيفيَّة فتح الجمجمة، وكيفيَّة استئصال الورم من دماغ المريض، وكيفيَّة إنهاء تلك العمليَّة!
وهناك آيات أُخرى لا تخفى على أهل العلم والاختصاص، وفيما ذكرنا من آية التوبة كفاية.
جواب النقطة الثالثة: وقد اتَّضح جوابها قبل قليل، وأيضاً في أوائل البحث عند شرح الدليل الأوَّل من أدلَّة المشروعيَّة، حيث شرحنا هناك الآية الكريمة تفصيلاً، وسيأتي شرحها مختصراً في جواب النقطة الرابعة، فلاحظ.
جواب النقطة الرابعة: أنَّه طلب عجيب، لأنَّ ما دلَّ على وجوب التعلُّم والتفقُّه من أقوى أدلَّة مشروعيَّة التقليد، لأنَّ تعلُّم مسائل الدِّين - لاسيّما الأحكام - له طريقان:
أحدهما: التفرُّغ لطلب علوم الدِّين، كما هو حال الفقهاء وطلبة الحوزة العلميَّة.
ثانيهما: التعلُّم ممَّن تفرَّغ لطلب علوم الدِّين، أي التقليد في ذلك لأصحاب الطريق الأوَّل.
وآية التوبة قد أوجبت الطريق الأوَّل بنحو الوجوب الكفائي لا الوجوب العيني، بل وصرَّحت أنَّ القلَّة القليلة هي التي بمقدورها التفرُّغ لذلك، ولهذا قالت: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، والواقع الخارجي أصدق شاهد على ذلك، فإنَّ المؤمنين لو تفرَّغوا جميعاً لطلب علوم الدِّين لتعطَّلت الحياة تماماً، فلم يكن بديل عن الطريقة العقلائيَّة في مثل هذه المجالات، وهي أنْ يتصدَّى لذلك ثُلَّة كما قالت الآية: ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، ثمّ تأخذ هذه الثُّلَّة على عاتقها تعليم الآخرين كما أشارت الآية إلى ذلك بقولها: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وبذلك تكون الآية قد أعطت المشروعيَّة للطريق الثاني من التعلُّم والتفقُّه، وهو الأخذ ممَّن تفرَّغ لطلب العلم والفقه، وهو عين التقليد الذي نقول بمشروعيَّته، وليس شيئاً آخر.
الإشكال الرابع:
ما الدليل على قولك: (وأدوات الاستنباط هي العلوم التي يلزم إتقانها من خلال دراستها دراسة معمَّقة ودقيقة جدًّا)، أم يلزمنا تقليدك بقبول كلِّ ما تقول وأنت في مورد إثبات قضيَّة؟
وهل كلُّ الأحكام بحاجة إلى تلك العلوم التي وصفتها بأنَّها (لا يمكن إتقان تلك العلوم إلَّا بعد أنْ يصرف طالب العلم شطراً كبيراً من عمره قد يصل في المتوسّط إلى ما لا يقلُّ عن ثلاثين سنة من التحصيل والتفرُّغ للدراسة في الحوزة العلميَّة)؟
وهل كان العوامُّ من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) الذين أقرَّوا فهمهم لرواياتهم متقنين لهذه العلوم بهكذا وصف؟
ثمّ إنَّ مبدأ الرجوع للمتخصِّص، والنصوص القرآنيَّة والرِّوائيَّة التي تستدلُّون بها لا تفيد أكثر من مشروعيَّة التقليد، لكنَّها لا تفيد مشروعيَّة الرجوع إلى غير المعصوم، أو الرجوع إليه من غير دليل على فتواه، وهو ما تدَّعونه من الرجوع إلى غير الأئمَّة (عليهم السلام) والرُّواة عنهم.
ثمّ أليس الاشتغال بإثبات صدق التعريف على من تراهم لائقين بالتقليد خيراً من الإطناب في تعريف الاحتياط وأقسامه ممَّا لا فائدة من الإطناب فيه، مع أنَّه لا خلاف بيننا في تعذُّره أو تعسُّره؟
هذا حاصل الإشكال، وهو يشتمل على ثلاث نقاط:
الأُولى: ما هو الدليل على قولك: (وأدوات الاستنباط هي العلوم...)؟
الثانية: هل كان أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) بحاجة إلى ما ذكرت؟
الثالثة: كان عليك أنْ تشرح تعريف التقليد شرحاً وافياً، لتُثبِت أنَّ عنوان المتخصِّص ينطبق على الفقيه، ولا ينحصر بالمعصوم (عليه السلام) والرَّاوي عنه، وعدم الإطناب في تعريف الاحتياط ممَّا لا فائدة من الإطناب فيه، مع عدم الاختلاف بيننا في تعذُّره أو تعسُّره.
جواب النقطتين الأُولى والثانية: أنَّ تحصيل مقدِّمات الفقه في هذا العصر يختلف عنه في عصر أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام)، لعدم حاجتهم إلى تحصيل كثيرٍ منها، كمسائل علوم العربيَّة، أعني متن اللغة، والإعراب، والتصريف، والبيان، والمعاني، وكما أنَّهم كانوا في غنى عن البحث في كثيرٍ من قواعد أُصول الفقه، ومعظم قواعد علمي الدراية والرجال، لأنَّ أكثر مسائل هذه العلوم إمَّا أنْ يكونوا حاصلين عليها بالطبع والسليقة كمسائل علوم العربيَّة، وإمَّا أنْ يكونوا مستغنين عنها كمسائل علمي الدراية والرجال، فمثل أبان بن تغلب كان من العرب الأقحاح الفصحاء بطبعه وسليقته، أعني قبل أنْ تتغيَّر العربيَّة إلى ما هي عليه اليوم، وقبل أنْ تحتاج إلى دراسة وتدريس، بل كان أبان بن تغلب إماماً في علوم العربيَّة، وفي التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه حتَّى إنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) كان قد أمره أنْ يجلس في مسجد المدينة ويُفتي الناس، كما عرفتَ من النصِّ الذي نقلناه في الدليل الخامس من أدلَّة المشروعيَّة.
ومن الطبيعي أنْ لا يحتاج مثله إلى دراسة علوم العربيَّة بعد أنْ كانت قواعدها راسخة في طبعه وسليقته، بل هو ممَّن تُؤخَذ قواعد العربيَّة من كلامه كما تُؤخَذ من غيره من شعراء وأُدباء ذلك العصر.
وكذلك الكلام في قواعد علوم الحديث، فإنَّ مثل أبان كان في غنى عنها، كمعرفة رجال السند الواقعين بينه وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أو بينه وبين أمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام)، لأنَّ سنده إليهم (صلوات الله عليهم) إنَّما هو الإمامان السجَّاد والباقر (عليهما السلام)، إذ كان يأخذ الحديث عنهما مباشرةً وبلا واسطة، فأيُّ حاجة لمثله إلى تعلُّم قواعد الدراية أو الرجال؟
إنَّ تلك العلوم إنَّما دوَّنها العلماء للمتأخِّرين عن تلك الحقبة بعد أنْ اختلط اللسان العربي الأصيل بالدخيل، وبعد أنْ تعدَّدت الوسائط في الأسانيد التي بينهم وبين الأئمَّة (عليهم السلام)، وبعد أنْ تخلَّلها الكذَّابون والوضَّاعون والمدلِّسون أكثر ممَّا كان موجوداً في تلك الحقبة، وبعد اختلاف نُسَخ الكُتُب الناقلة للأحاديث، بسبب وقوع التصحيف فيها، أو الدَّسِّ والتحريف، أو الزيادة، أو النقصان، أو الضياع، وليس بإمكانهم استكشاف حقيقة الحال من خلال الرجوع إلى إمام زمانهم - الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) - كما كان المتقدِّمون من أصحابنا يصنعون ذلك بالرجوع إلى الأئمَّة (عليهم السلام).
وإنَّ مراجعة منصفةً لمتون هذه العلوم سوف تُوقِف العاقلَ على حقيقة ما نقول، وهو أنَّ الاستنباط في عصر الغيبة يتوقَّف على إتقان تلك العلوم دراسةً وتطبيقاً.
مثاله: ما لو قيل: إنَّ كلمة (الصعيد) في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (النساء: ٤٣)، تعني التراب، وهذا فقهيًّا يعني أنَّ التيمُّم بغير التراب لا يصحُّ، وعليه يكون فاقدُ الماء والتراب فاقداً للطَّهورَينِ، وحكم فاقد الطَّهورَينِ عدم وجوب الصلاة عليه إلى أنْ يتمكَّن من أحدهما.
وأمَّا لو قيل: إنَّها تعني مطلق وجه الأرض، من تراب، وحجر، ومدر، وحصى، ورمال، وكلُّ ما يُسمَّى أرضاً لاختلفت النتيجة الفقهيَّة، ولأفتى الفقيه بوجوب التيمُّم على واجد الحصى، أو الرمل، أو غيرهما.
ولا مرجع للفقيه في تحديد المعنى الحقيقي للصعيد وأنَّه الأوَّل أو الثاني سوى علم اللغة والأدب.
ولو اختلف علماء اللغة والأدب على قولين فبأيِّهما يأخذ الفقيه؟
إنَّ هذا يحتاج إلى خبرة وممارسة طويلة في مجال اللغة والأدب للوصول إلى الرأي الحقيقي للصعيد لغةً.
ثمّ بعد ذلك ينظر ما إذا كان المعنى الحقيقي هو المقصود في الآية أو غيره، وهذا من أهمِّ وظائف الفقيه التي يكثر ابتلاؤه به.
ولكي يبلغ المكلَّف هذه الرتبة فلا بُدَّ له من دراسة تلك العلوم دراسةً تمحيصيَّةً تقوم على الدليل، ولا يصحُّ فيها التقليد لعلماء تلك الفنون، وهذا بطبيعة الحال سوف يأخذ من عمره سنوات طوال.
وبعد الفراغ من مراحل التحصيل يشرع في ممارسة عمليَّة الاستنباط في كلِّ مسألة، وهي تمرُّ بجملة من الخطوات:
فمنها: النظر في نصوص المسألة من الآيات والرِّوايات، ليرى ما يمكن استفادته منها على ضوء ما تعلَّمه من قواعد عربيَّة، وأُصوليَّة، وغيرها.
ومنها: مراجعة بقيَّة النصوص، لئلَّا يكون هناك ما يُخصِّص نصوص المسألة، أو يُقيِّدها، أو يشرحها، أو ينسخها، أو يتعارض معها.
وإنْ كان هناك معارض فلا بُدَّ من بذل الجهد للوصول إلى كيفيَّة رفع التعارض، فإنْ لم يمكن رفعه وعلاجه فلا بُدَّ أنْ ينتقل إلى ما تقتضيه قواعد باب التعارض، وهو من أصعب ما يصادف الفقيه خلال عمليَّة الاستنباط.
ومنها: مراجعة كلمات الفقهاء السَّابقين، لئلَّا يكون قد غفل عمَّا التفت إليه غيره من الفقهاء، من وجود إشارةٍ ما في النصِّ تتغيَّر الفتوى بسبب ملاحظتها، ولئلَّا يكون قد اشتبه في إعراب كلمة، أو تصريفها، أو فهم معناها، ولئلَّا يكون هناك اتِّفاق بينهم أو بين أكثرهم في الفتوى، ليتجنَّب مخالفة ما هو متَّفق عليه بين الجميع أو الأكثر، وذلك لما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنَّ المرجع عند اختلاف الرِّوايات هو المجمع عليه بينهم، كما في رواية عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، في حديث طويل من بين أحاديث وردت لعلاج تعارض الروايات، حيث علَّل (عليه السلام) وجوب الأخذ بالمجمع عليه بقوله: «فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه»(١٥٧).
هذا، مضافاً إلى أنَّ الإماميَّة مجمعون على أنَّ الفقيه ليس بمعصوم وأنَّه يخطئُ ويُصيب، فيكون عرضة للخطأ، ولأجل تقليص مساحة الخطأ والاشتباه لا بُدَّ له من النظر في كلمات الأعلام المتقدِّمين عليه زماناً عملاً بما روي عن أمير الحكماء وحكيم الأُمراء عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): «من استبدَّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها»(١٥٨)، وفي حال لم يلاحظ كلماتهم لم يكن معذوراً لو أخطأ بسبب تركه لملاحظتها، ومن هنا يتَّضح أنَّ الفقاهة في هذه العصور باتت أكثر صعوبةً من ذي قبل.
ومنها: ملاحظة ما أوردوه وما قد يرد من إشكالات على الرَّأي الذي وصل إليه، وكيفيَّة دفعها.
إلى غير ذلك من الأُمور التي يتوقَّف الاستنباط الصحيح على مراعاتها.
جواب النقطة الثالثة: أنَّ عدم شرحنا لمعنى التقليد شرحاً وافياً لأنَّه من الأُمور الواضحة التي يعرفها حتَّى الأُمّيِّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وما ذكرناه في تعريفه إنَّما كان من قبيل التنبيه للغافلين والمغفَّلين ليس أكثر، وهو كافٍ لطالب الحقيقة.
ومنه يتَّضح أنَّ استدلال الفقهاء على مشروعيَّة التقليد بمبدأ الرجوع إلى المتخصِّص ليس استدلالاً في الحقيقة، بل هو مجرَّد تنبيهٍ إلى أمرٍ يُدرِكه كلُّ عاقل بمجرَّد الالتفات إليه، وحيث إنَّ الإنسان عرضةٌ للذهول والغفلة فيُنبَّهُ بما يزيل عنه غطاء الغفلة، وإلَّا فالذي يُنكِر أنَّ الفقيه من ذوي الاختصاص لا يختلف عمَّن يدَّعي أنَّ النَّحويِّين واللُّغَويِّين والفِيزياويِّين والفَلكيِّين ليسوا من ذوي الاختصاص في النحو واللغة والفيزياء والفلك!
وممَّا يضاف إلى مظلوميَّة أهل البيت (عليهم السلام) جعل عنوان المتخصِّص عنواناً مشتركاً بينهم (عليهم السلام) وبين الرُّواة عنهم، بل هو لهم (عليهم السلام) من ناحيتين:
الأُولى: جعلهم من ذوي الاختصاص، والحال أنَّ علمهم (عليهم السلام) هو بتعليم من الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وليس بطريق الدراسة والممارسة، بل ورد عنهم (عليهم السلام) أنَّ علمهم تبع لمشيئتهم، فمتى أرادوا أنْ يعلموا شيئاً علَّمهم الله ما أرادوا علمه، كما روى في هذا المعنى أبو الربيع الشَّامي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ الإمام إذا شاء أنْ يعلم علم»، وما رواه أبو عبيدة المدائني، عنه (عليه السلام): «إذا أراد الإمام أنْ يعلم شيئاً أعلمه الله ذلك»(١٥٩)، وقد جاءت الروايات العديدة تدلُّ على إحاطتهم بجميع علوم الأنبياء مع علوم نبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وعلوم الكُتُب السماويَّة المنزلة، وما يأتيهم به روح القدس الذي هو مَلَك أعظم من جبرئيل، وتحديث الملائكة لهم، والنقر في أسماعهم، والنقش في قلوبهم، والإلقاء في روعهم، وعلمهم بما كان وما هو كائن وما يكون إلى يوم القيامة، وعندهم الصحيفة الجامعة، وعلم ما يحدث في الساعة في أطراف الأرض أوَّلاً بأوَّل، وغير ذلك من العلوم التي روى فيها الشيخ الكليني العديد من الروايات في (الكافي) في الجزء الأوَّل منه، ومحمّد بن الحسن الصفَّار في كتابه (بصائر الدَّرجات)، والصدوق في كُتُبه، وغيرهم.
الثانية: جعلهم (عليهم السلام) مع رواتهم في بوتقة واحدة، والحال أنَّ مقامهم (عليهم السلام) فوق ذلك بما لا يعلمه إلَّا الله تعالى والمعصومون (عليهم السلام) أنفسهم، وقد ورد في جملة من المصادر قولهم (عليهم السلام): «نحن أهل البيت لا يُقاس بنا أحد»(١٦٠).
وأمَّا دعوى أنَّ الرُّواة هم أهل الاختصاص فكلام غير دقيق، لأنَّ الرَّاوي على صنفين: فقيه، وغير فقيه، والمرجع منهما هو خصوص الفقيه دون غيره، وإلى هذا المعنى أشار الحديث المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) خطب الناس في مسجد الخيف فقال: «نضَّرَ اللهُ عبداً سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلَّغها من لم يسمعها، فرُبَّ حامل فِقهٍ غيرُ فَقيهٍ، ورُبَّ حامل فِقهٍ إلى من هو أفقهُ منه»(١٦١)، فهو صريح في أنَّ من الرُّواة من ليس بفقيه أصلاً، ومنهم من هو أقلُّ فقهاً من غيره، فكيف يرجع الناس إلى غير الفقيه مع وجود الفقيه، أو الرجوع إلى الفقيه مع وجود الأفقه، لاسيّما عند الاختلاف بينهما.
وكلا الصنفين موجود في الرواة عن الأئمَّة (عليهم السلام)، فمن الفقهاء محمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وزرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن، وابن أبي عمير، وأمثالهم، ومن غير الفقهاء كثيرون، منهم أمثال حمَّاد بن عيسى، وهو من ثقات الرُّواة وله مكانة عند الأئمَّة (عليهم السلام)، فقد روى هو عن نفسه ما هو صريح في عدم فقاهته رغم حفظه للأحاديث، حيث قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يوماً: «يا حمَّاد؛ تُحسِنُ أنْ تُصلّي؟»، قال: فقلت: يا سيِّدي، أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، فقال: «لا عليك يا حمَّاد، قم فصلِّ»، قال: فقمتُ بين يديه متوجِّهاً إلى القبلة، فاستفتحتُ الصلاةَ، فركعتُ، وسجدتُ، فقال: «يا حمَّاد، لا تُحسِن أنْ تُصلّي، ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستُّون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدةً بحدودها تامَّةً»، قال حمَّاد: فأصابني في نفسي الذلُّ(١٦٢).
وأمَّا فقهاؤنا اليوم فإنَّهم جميعاً ممَّن ينطبق عليهم الحديث السابق، فإنَّ الرُّواة قد حملوا الحديث عن أهل البيت (عليهم السلام) إلى كافَّة شيعتهم في جميع العصور، وفيهم من هم أفقه من الرُّواة أنفسهم، فصار علماء الشيعة ثلاثة أصناف:
الأوَّل: الرُّواة الفقهاء، من قبيل أبان بن تغلب، ومحمّد بن مسلم، وزرارة، وأضرابهم.
الثاني: الرُّواة من غير الفقهاء، كحمَّاد بن عيسى وأشباهه.
الثالث: الفقهاء من غير الرُّواة، كفقهاء عصر الغيبة الذين تَلَقَّوا أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) من كُتُب أصحابهم وأُصولهم، وصرفوا أعمارهم في خدمتها وتنقيحها وتهذيبها، للوصول إلى مرادهم (عليهم السلام) من تلك الأحاديث، وهم المرجع للعوامِّ في عصر الغيبة، باعتبارهم ذوي الاختصاص في هذا المجال كما شرحناه مفصَّلاً فيما تقدَّم.
هذا كلُّه مع فرضيَّة أنَّ فقهاء الغيبة ليسوا من الرُّواة، وإلَّا فلو أردنا مناقشة صاحب الإشكال بشكل دقيق فإنَّهم في عِداد الرُّواة أيضاً، وإلَّا فلن يبقى له ولأمثاله من منكري مرجعيَّة الفقهاء أيُّ مرجع يرجعون إليه في زمن الغيبة، لا الكتاب الكريم، ولا كُتُب الحديث الناقلة لأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، ولا الإجماع، وبالتالي يلزمه إمَّا أنْ يرجع إلى الفقهاء ويعترف بوجوب تقليدهم، وإمَّا أنْ يقول بسقوط التكليف في هذا الزمان ليخرج بهذه المقالة عن الملَّة والدِّين.
والنتيجة نُلخِّصها في نقاط ثلاث:
١ - أنَّ جعل المعصومين (عليهم السلام) من ذوي الاختصاص منافٍ لعقيدتنا نحن الإماميَّة الاثني عشريَّة، لأنَّهم (عليهم السلام) فوق ذلك بما لا يعلمه إلَّا الله، ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، والأئمَّة أنفسهم (عليهم السلام).
٢ - أنَّ حصر ذوي الاختصاص بالرُّواة تُكذِّبه الأحاديث المعصوميَّة، والواقع الخارجي.
٣ - أنَّ إنكار كون الفقهاء من ذوي الاختصاص في الأحكام الشرعيَّة في عصر الغيبة إنكار للبديهي.
وأمَّا إطنابُنا في شرح معنى الاحتياط وأقسامه فلعلَّ قسماً من المؤمنين يتخيَّلون أنَّ بإمكانهم ترك التقليد والعمل بالاحتياط، ومن الصعب إقناعهم بتعسُّره أو تعذُّره ما لم يطَّلعوا على حقيقته وأقسامه تفصيلاً، وعند ذلك سيقطعون بأنَّه ما من طريق أمام العوامِّ لامتثال الأحكام الاجتهاديَّة إلَّا التقليد.
الإشكال الخامس:
أضاف صاحب الإشكال الرابع إشكالاً آخر هذا ملخَّصه:
قولك: (التقليد ضرورة حياتيَّة وإنَّ مشروعيَّته لا تحتاج إلى دليل) إنْ أردتَ بالتقليد أخذ العامّيِّ بفتوى المجتهد من دون مطالبته بالدليل فهو ليس ضرورة حياتيَّة، ولا أظنُّك تدَّعيه. وإنْ أردتَ به الرجوع للمتخصِّص في الدِّين كما في كلِّ جوانب الحياة فصحيح، ولكنَّه لا ينفعك، لأنَّ القدر المتيقَّن من المتخصِّص في الدِّين هو المعصوم والرَّاوي عنه فقط، وأمَّا غيرهما فصدق عنوان المتخصِّص في الدِّين عليه يحتاج إلى دليل. وعليه فالذي يُطالِبك بالدليل ليس من الغافلين أو المغفَّلين الذين انطلت عليهم بعض الشُّبُهات على حدِّ وصفك.
وأمَّا استدلالك بقوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...﴾ فليتك راجعت تفسير الأئمَّة (عليهم السلام) له قبل الاستدلال به وتفسيره بشكل قطعي بقولك: (المقصود من النَّفْر هو: ذهاب المؤمنين...)، ثمّ تتجرَّأ بالطعن على مدلول الآية، أو بتخطئة تفسيرهم (عليهم السلام) لها بقولك: (لو كانت وظيفة النافرين إلى المدينة مجرَّد الاستماع إلى النصوص القرآنيَّة والنبويَّة لما كان من المناسب أنْ تقول: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، وأيضاً ما كان من المناسب أنْ تقول: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾).
وبكلمة أُخرى: أنا لا أُريد بهذا كلِّه تخطئة ما اخترته من تفسير للآية، وذلك لإمكانيَّة استفادته من إطلاق الآية، ومن فحوى روايات أُخرى، ولكن أنْ تبني على هذا التفسير تخطئة التفسير الآخر فهو لا يحقُّ لك.
وأمَّا ما استنتجته بقولك: (ومن المعلوم أنَّه لو لم يكن التقليد واجباً على الآخرين...) إلخ، فلا يصحُّ أيضاً، ولذا فما ذكرته من وصف في حقِّ المنكرين لوجود دليل على مشروعيَّة التقليد بأنَّهم مُتَجَرِّؤون على الله تعالى أنت أولى به منهم.
هذا حاصل الإشكال.
وهو يشتمل على أربع نقاط:
الأُولى: إنكاره أنْ يكون التقليد ضرورةً حياتيَّةً، وزعم أنَّ مشروعيَّته ممَّا تحتاج إلى دليل، حيث ذكر أنَّ المراد من التقليد إمَّا هو أخذ العامّيِّ بفتوى المجتهد من دون مطالبته بالدليل عليه، أو المراد منه الرجوع للمتخصِّص في أمر الدِّين.
ثمّ أجاب بأنَّ التقليد بالمعنى الأوَّل ليس ضرورةً حياتيَّةً.
ثمّ اعترف بأنَّ التقليد بالمعنى الثاني صحيح، ولكن زعم أنَّه منحصر بالمعصوم (عليه السلام) والرَّاوي عنه، وعدم شموله للمجتهد الجامع لشرائط الفتوى.
والجواب: أمَّا التقليد بمعناه الأوَّل فلا يختلف عاقلان في أنَّه ضرورةٌ حياتيَّة، لأنَّه أمر لا يمكن لأيِّ عامّيٍّ أنْ يستغني عنه، لأنَّك تفترض سَلَفاً أنَّه عامّيٌّ لا يقدر على استنباط الأحكام التي تتوقَّف على عمليَّة الاستنباط، وحيث إنَّ هذه القدرة منحصرة بالفقيه فكان رجوع العامّيِّ إليه أمراً ضروريًّا ولا بُدَّ منه، كما هو الحال في الرجوع إلى أهل الخبرة في سائر التخصُّصات والمِهَن والحِرَف التي تحتاج إلى خبرة، كالزِّراعة، والنِّجارة، والحِدادة، والطِّبابة، وغيرها من الحِرَف والمِهَن، فما من عاقل على وجه الأرض يدَّعي أنَّها أُمور لا تحتاج إلى تعليم، وهذا أمر في غاية البداهة، ولذا فهو لا يحتاج إلى دليل، ولذا فكلُّ ما يُذكَر هنا إنَّما هو تنبيهات، وليست أدلَّة.
وأمَّا التقليد بمعناه الثاني - الرجوع للمتخصِّص - فهو لا يختلف عن المعنى الأوَّل، لأنَّ المتخصِّص الذي يرجع إليه العامّيُّ ليس هو إلَّا المجتهد الجامع لشرائط الفتوى، وليس هو المعصوم (عليه السلام)، لأنَّ مرتبته فوق مرتبة المتخصِّصين بما لا تُدرِكه عقولنا، كما أوضحناه تفصيلاً فيما سبق.
ولكنَّنا نضيف هنا: أنَّ المعصوم (عليه السلام) يُشكِّل مصدراً من مصادر التشريع إلى جانب الكتاب العزيز، ويرجع إليه الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعيَّة، لأنَّنا نحن الإماميَّة نعتقد أنَّ كلام المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره حجَّةٌ علينا، فوجب أخذ معالم الدِّين منه (عليه السلام) كما نأخذها من الكتاب العزيز، وحيث إنَّ كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأفعاله وتقريراته له دلالاتٌ لا تصل إلى أكثرها عقولُ العوامِّ فانحصر أخذها من الفقهاء دون غيرهم(١٦٣)، سواء كان الفقهاء من الرُّواة، أم ليسوا منهم.
النقطة الثانية: اعتراضه على ما فسَّرنا به آية النفر(١٦٤)، ومطالبته منَّا أنْ نرجع في تفسيرها إلى الروايات.
والجواب: أنَّ مذهب المستشكل هو عدم جواز التقليد، وفي نفس الوقت يريد منّي أنْ أُقلِّده في كيفيَّة تفسير الآية، حيث أَلزَمَني بأنْ أرجع إلى الروايات لفهم الآية من خلالها.
ومن حقِّنا أنْ نسأله: ما دليلك على وجوب الرجوع إلى الروايات في فهم آيات الكتاب العزيز؟
وبعبارة أُخرى: ما دليلك على أنَّ ما جاء في الرِّوايات كان تفسيراً للآية، ولم يكن من باب المثال، أو التطبيق،، أو الجري، أو التأويل، أو بيان الفرد الخفيِّ، أو بيان باطن الآية؟
وهذه العناوين - التفسير بالمثال، والتطبيق، والجري، والتأويل، وبيان الفرد الخفيِّ، وبيان باطن الآية - كثيرةٌ في روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي تحدَّثت حول آيات الكتاب العزيز.
ومهما يكن العنوان الذي تختاره من هذه العناوين فمذهبك لا يُجيز لنا الأخذ به، لأنَّ الأخذ به إنْ كان من دون دليل فهو تقليد لك، وهو حرام عندكم، وإنْ كان مع ما تزعم أنَّه دليل فعلينا أنْ ننظر في دليلك، لاحتمال كونه شبهةً في صورة دليل، ليكون أخذنا بقولك أخذاً به عن دليلٍ حقيقيٍّ لا صوريٍّ، وإنْ لم يثبت مختارك بدليل حقيقيٍّ فاللازم علينا أنْ نأخذ بما هو الظاهر من الآية، لأنَّ القرآن أمرنا بالتدبُّر في آياته، وهذا يدلُّ على جواز العمل باستظهاراتنا الناشئة من التدبُّر فيه، وإلَّا كان الأمر بالتدبُّر لغواً، وحاشا لكتاب الله من اللغو، ونحن بعد التدبُّر في الآية الكريمة وروايات المعصومين (عليهم السلام) فهمنا منها أمرين:
أحدهما: أنَّ التفقُّه في الدِّين واجبٌ كفائيٌّ على المسلمين، فإنْ قام به بعضهم سقط الوجوب عمَّن سواهم، ولذا قلنا بأنَّ الاجتهاد واجب كفائيٌّ، وهو وظيفة الفقهاء.
ثانيهما: أنَّ وظيفة غير المتفقِّهين هي الرجوع إلى المتفقِّهين، وهي وظيفة العوامِّ، وهذا هو عين التقليد الذي عقدنا البحث لإثبات مشروعيَّته للغافلين والمغفَّلين، وإلَّا فإنَّ الملتفتين من عقلاء المسلمين لا يحتاجون في إثبات مشروعيَّته حتَّى إلى بحثنا هذا برُمَّته، لأنَّ مشروعيَّته - بل وجوبه - من أبده البديهيَّات.
فإنْ قلتَ: لو كان من البديهيَّات لما اختلفنا فيه معكم.
قلتُ: إنَّ الاختلاف في قضيةٍ ما لا يعني أنَّها غير بديهيَّة، وإلَّا فاستحالة اجتماع النقيضين من أبده البديهيَّات، وكذا قضيَّة استحالة وجود المعلول بلا علَّة، والمصنوع بلا صانع، ورغم هذا وجدنا من يُنكِر بداهة هذه القضايا الثلاث، وذلك إمَّا لغفلةٍ، أو لِلَوثةٍ في عقولهم، أو لغرضٍ فاسدٍ مقصودٍ لهم.
النقطة الثالثة: رميه لنا بالجُرأة على مدلول الآية المذكورة.
وجوابه: إنَّما يتجرَّأ على تفسير القرآن من فسَّره برأيه، أو بغير علم، وقد ورد الذمُّ والوعيد الشديدين عليه في الروايات(١٦٥).
وأمَّا تفسيره وفق القواعد العلميَّة والشرعيَّة فلا جُرأة في ذلك بالإجماع، وإلَّا لجاز الطعن في جميع المفسِّرين حتَّى أُولئك الذين فسَّروه وفق تلك القواعد.
وتوضيح ذلك يتمُّ برسم مقدِّماتٍ خمسٍ:
المقدِّمة الأُولى: أنَّ الشَّرع المبين أمرنا في الكتاب والسُّنَّة بتدبُّر آياته.
أمَّا الكتاب الكريم ففي مثل قوله تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (ص: ٢٩)، وهذا يعني أنَّ بالإمكان فهم آياته، ثمّ الأخذ بما يُفهَم منها، ولو لم يكن فهمه ممكناً أو لم يجز الأخذ بما يُفهَم منه لكان الأمر بالتدبُّر فيه لغواً، وحاشا لكتاب الله من اللَّغو.
وأمَّا السُّنَّة المطهَّرة فقد أمرت بالرجوع إلى الكتاب في جملة من الرِّوايات، فتارةً أمرت بالتمسُّك به عند وقوع الفتن، كالمرويِّ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في حديث طويل من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن...» إلى أنْ قال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «وهو الدليل يدلُّ على خير سبيل...» الحديث(١٦٦)، وأُخرى أمرت بالتمسُّك به مع العترة كما في حديث الثقلين المتواتر، وثالثةً أمرت بإرجاع أحاديث المعصومين (عليهم السلام) إلى الكتاب والأخذ بما وافقه منها وترك ما خالفه، كالمرويِّ عنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في حديث: «أيُّها الناس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عنّي يخالف كتاب الله فلم أقله»(١٦٧)، ولو لم يكن بالإمكان فهم مداليل آياته لما جعل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) القرآن معياراً لتمييز المقبول من أحاديثهم عن المرفوض منها، لأنَّنا إذا أردنا أنْ نعرف هل أنَّ الحديث الفلاني موافق للقرآن أو مخالفٌ له فيلزمنا أوَّلاً أنْ نفهم مضمون الحديث كما ولا بدَّ أنْ نفهم مضامين الكتاب العزيز، ليتبيَّن لنا ما إذا كان الحديث موافقاً للكتاب، أو مخالفاً له.
وبناءً على هذا فحينما يرجع العالِم إلى الرِّوايات لفهم آيات الكتاب العزيز لا بُدَّ عليه أوَّلاً أنْ ينظر في مضامين تلك الرِّوايات المفسِّرة لتلك الآيات، فلعلَّ مضامينها مخالفة لمضامين الآيات، وقد أمرنا النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بطرح ما خالف الكتاب، وهذا يعني أنَّ الحجَّة تنحصر في المضامين المتَّفقة بين الكتاب والرِّوايات، ولو اختلفت مضامينهما فالحجَّة منحصرة في مضامين الكتاب دون مضامين الرِّوايات المخالفة لها.
وهذا من البحوث الدقيقة والخطيرة، وليس هنا مكان تفصيله.
المقدِّمة الثانية: أنَّ آيات الأحكام جزء من الكتاب العزيز.
المقدِّمة الثالثة: أنَّ العمل بتلك الأحكام واجب بالبداهة، لأنَّ تركها يعني تعطيلها، وحرمة تعطيلها من بديهيَّات الشريعة.
المقدِّمة الرابعة: أنَّ العمل بتلك الأحكام يتوقَّف على تفسير آياتها.
المقدِّمة الخامسة: أنَّ تفسير آيات الأحكام بالرَّأي أو بغير علمٍ حرام، وفاعله من أهل النار، فانحصر التفسير الجائز بما كان على طبق القواعد العلميَّة والشَّرعيَّة.
والنتيجة: أنَّ تفسير آيات الأحكام وفق تلك القواعد لأجل العمل بما تضمَّنته من أحكام أمر جائزٌ شرعاً، بل واجبٌ، وحيث إنَّ تفسيره وفق القواعد المشار إليها منحصر بالفقيه فلزم الرجوع إليه في آيات الأحكام الشَّرعيَّة.
وحيث إنَّ آية النفر تضمَّنت حكمين شرعيين: أحدهما: حكم التفقُّه في الدِّين، وثانيهما: حكم الذين لم يتفقَّهوا في الدِّين، فوجب تفسيرها لمعرفة الحكمين المشار إليهما، لأجل العمل بهما.
ومن تدبَّر في الآية الشريفة بضميمة جميع الرِّوايات المعصوميَّة الواردة فيها فسوف يُدرِك أنَّ حكم التفقُّه في الدِّين هو الوجوب الكفائي، وأنَّ حكم غير المتفقِّهين أنْ يتفقَّهوا على يد المتفقِّهين، وهو عين التقليد المبحوث عن مشروعيَّته.
ولكن في مذهب صاحب الإشكال يكون المفسِّر للآية وفق تلك القواعد بما يدلُّ على مشروعيَّة التقليد مُتجرِّئاً على مدلول الآية الشريفة، بينما لا يكون المنكر لمشروعيَّته من المتجرِّئين، ﴿سُبْحانَكَ﴾ اللَّهُمَّ ﴿هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾!
النقطة الرابع: اتِّهامه لنا بتخطئة تفسير الأئمَّة (عليهم السلام) للآية.
وجوابه: أنَّ هذا كلام من لم يراجع الرِّوايات جيِّداً، أو أنَّه راجعها لكنَّه لم يعرف كيف يجمع بينها، ليتَّضح له أنَّ تفسيرنا للآية لم يكن بمعزلٍ عن ملاحظة الرِّوايات، والتي من بينها ما رواه الصدوق (رحمه الله) بسنده عن عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ قوماً يَروُون أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «اختلاف أُمَّتي رحمة»، فقال: «صدقوا»، فقلتُ: إنْ كان اختلافهم رحمةً فاجتماعهم عذابٌ، قال: «ليس حيث تذهبُ وذهبوا، وإنَّما أراد قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ...﴾ الآية، فأمرهم أنْ ينفروا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ويختلفوا إليه فيتعلَّموا، ثمَّ يرجعوا إلى قومهم فيُعلِّموهم، إنَّما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله، إنَّما الدِّين واحدٌ، إنَّما الدِّينُ واحدٌ»(١٦٨).
أقول: إنَّ الاختلاف في اللغة يأتي على معانٍ، منها: التردُّد على المكان الواحد أو الشخص الواحد، تقول: (فلانٌ يختلفُ إلى فلان)، بمعنى: يتردَّد عليه، وعلى هذا المعنى جاء في وصف الأئمَّة (عليهم السلام) في بعض الزيارات: «ومختلف الملائكة»، أي: إنَّهم موضع لنزول الملائكة عليهم وصعودها من عندهم، فهي تتردَّد عليهم (صلوات الله عليهم).
وعلى هذا يكون معنى اختلاف الأُمَّة في صدر الإسلام: هو تردُّدها على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لأخذ معالم الدِّين منه، ثمّ يُعلِّموها لمن وراءهم ممَّن لم يستطع أنْ يتردَّد على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لسببٍ أو آخر، وكان هذا أوَّل مصداق للتقليد في الدِّين، وإنْ كان في أسهل صوره.
الإشكال السادس:
وهو إشكال طويل جدًّا، وملخَّصه: أنَّه لا يصحُّ الاستدلال على مشروعيَّة التقليد بالآية المذكورة، وذلك لعدَّة وجوه، وذكر أربعة منها، ونحن ننقلها باختصار:
الوجه الأوَّل: إنَّ التقليد بمعناه اليوم لم يكن في زمن المعصومين (عليهم السلام).
وجوابه: ما أثبتناه بالنُّصوص في مبحث تاريخ المرجعيَّة ومعاصرتها لزمان الأئمَّة (عليهم السلام)، وهي نصوص كثيرة نقتصر منها على ما رواه النجاشيُّ في حقِّ أبان ابن تغلب من قول أبي جعفر الباقر (عليه السلام) له: «اجلسْ في مسجد المدينة وأَفتِ الناسَ، فإنّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلُك»(١٦٩)، فإنَّ أمره (عليه السلام) لأبان بالتصدّي للفتوى رغم وجوده (عليه السلام) في نفس المدينة يعني جواز رجوع الشيعة إلى أبان وتقليده فيما يُفتي به، حتَّى مع إمكان مراجعتهم لنفس الإمام (عليه السلام).
هذا، مضافاً إلى أنَّ الفتوى عبارة عن الإخبار بالحكم الشَّرعيَّ الذي يُستفاد من النصوص، ومجرَّد تلاوة الآية أو نقل الرواية من دون بيان ما يُستَنبط منهما من حكم لا يُسمَّى إفتاءً، وإلَّا فلماذا خصَّ (عليه السلام) أبان بالتصدّي للفتوى مع وجود عدد كبير من رواتنا الثقات الذين كانوا يروون عنه وعن آبائه (عليهم السلام)؟
وما الوجه في تخصيص أبان بقوله (عليه السلام): «فإنِّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلُك» إذا كان مجرَّد ناقلٍ لرواياتهم (عليهم السلام) كسائر الرُّواة الثقات؟
ومن هنا وممَّا تقدَّم في مبحث تاريخ المرجعيَّة يتَّضح أنَّ مقام الإفتاء في ذلك العصر كان موجوداً ومتمثِّلاً ببعض أعيان الرُّواة الثقات، من أمثال أبان بن تغلب، وزرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبي بصير يحيى بن القاسم، ومعاذ ابن مسلم الهرَّاء، وغيرهم، ولو كان جميع الرُّواة بالغين رتبة الإفتاء لما كان هناك أيُّ وجهٍ لتخصيص هؤلاء وأمثالهم بمقام الإفتاء، كما لا وجه لأمر الأئمَّة (عليهم السلام) شيعتهم بالرجوع إليهم دون غيرهم، ولكان الصحيح أنْ يخاطب الباقر (عليه السلام) جميع الرُّواة الثقات من شيعته ويقول لهم: (اجلسوا في المساجد وأفتوا الناس، فإنّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلكم)، وإنَّما لم يخاطب الجميع لأنَّ أكثرهم فاقد للقدرة على استنباط ما تشتمل عليه أحاديثهم (عليهم السلام) من أحكام وتعاليم.
ويُؤكِّد هذه الحقيقة: ما تقدَّم من الحديث المرويِّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: «اعقلوا الخبرَ إذا سمعتموه عقل دراية لا عقل رواية، فإنَّ رواة العلم كثيرٌ، ورُعاته قليل»(١٧٠).
الوجه الثاني من الإشكال: أنَّ المراد من التفقُّه في الدِّين ليس الفقه المتعارف لدينا والمختصُّ بالأحكام الشَّرعيَّة، بل المراد التفقُّه في جميع المعارف الدِّينيَّة، ولذا قال السيِّد الطباطبائي: (ومعنى الآية: لا يجوز لمؤمني البلاد أنْ يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلَّا نَفَرَ وخَرَجَ إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) طائفةٌ من كلِّ فرقةٍ من فِرَق المؤمنين ليتحقَّقوا الفقه والفهم في الدِّين، فيعملوا به لأنفسهم، ولينذروا بنشر معارف الدِّين وذكر آثار المخالفة لأُصوله وفروعه قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم، لعلَّهم يحذرون ويتَّقون، ومن هنا يظهر أوَّلاً: أنَّ المراد بالتفقُّه: تَفَهُّم جميع المعارف الدِّينيَّة من أُصول وفروع، لا خصوص الأحكام العمليَّة، وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرِّعة، والدليل عليه قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾، فإنَّ ذلك أمر إنَّما يتمُّ بالتفقُّه في جميع الدِّين، وهو ظاهر»(١٧١).
وجوابه: في نقطتين:
١ - أنَّ أخذ صاحب الإشكال بتفسير صاحب الميزان للآية هو من التقليد الباطل عنده. وإنْ كان قد بحث بنفسه في دلالة الآية وتوصَّل إلى ما توصَّل إليه السيِّد الطباطبائيُّ فهذا هو الاجتهاد بعينه، والذي نقول نحن بجوازه ويُنكِره صاحب الإشكال.
٢ - لو غضضنا النظر عن ذلك فغاية ما يفيده هذا الوجه هو أنَّ التفقُّه في الدِّين لا يختصُّ بالأحكام الفقهيَّة، بل يعمُّ جميع المعارف الدِّينيَّة حتى الاعتقاديَّة منها، فكما يجب التفقُّه في تلك يجب التفقُّه في هذه أيضاً.
ومن الواضح أنَّ هذا اعتراف من صاحب الإشكال بوجوب تعلُّم الأحكام الشَّرعيَّة ضمن ما يجب تعلُّمه من المعارف الدِّينيَّة، وحيث إنَّ الآية أوجبت التفقُّه على بعض المؤمنين دون بعض، فتكون قد أوجبت التفقُّه على الأقلّيَّة، والتقليد على الأكثريَّة، بأنْ يأخذوا معارف الدِّين من أُولئك المتفقِّهين.
وعلى هذا يجب أنْ يلتزم صاحب الإشكال بأمرين لا مهرب له منهما:
أحدهما: أنَّ رجوع الأكثريَّة إلى الأقلِّيَّة لتعلُّم معارف الدِّين هو عين التقليد الذي أنكره.
ثانيهما: أنَّ مقتضى إشكاله الذي أيَّده بكلام السيِّد الطباطبائي هو: وجوب التقليد في جميع معارف الدِّين حتَّى الأُصول العقديَّة، لا الفرعيَّة فقط، وبذلك يكون قد فرَّ من وجوب التقليد في الفروع فقط ووقع فيما هو أسوأ منه، وهو وجوب التقليد في المسائل العقديَّة أيضاً، ولو أنَّه اعترف بوجوب التقليد في الفروع فقط لكان خيراً له.
مفارقة عجيبة:
ومن المفارقات العجيبة والنكات الظريفة والآراء المضحكة للثكلى أنَّ منكري مشروعيَّة التقليد هم ما بين مجتهد، ومقلِّد، ولا ثالث لهما.
لأنَّ قسماً منهم - وهم القلَّة القليلة - حينما يقولون بحرمة الاجتهاد والتقليد يستدلُّون على التحريم بمختلف النصوص، والحال أنَّ الاستدلال بالنصوص على الحكم الشرعي هو عين الاجتهاد الذي نقول بمشروعيَّته، فيكون هؤلاء في تحريمهم للاجتهاد والتقليد من المجتهدين.
والقسم الآخر - وهم الأغلبيَّة السَّاحقة - حينما يقولون بحرمة الاجتهاد والتقليد إنَّما يستندون في تحريمهما إلى قول أُولئك المستدلِّين بتلك النصوص على حرمتهما، فهم في تحريمهما من المقلِّدين.
فصار منكرو مشروعيَّة الاجتهاد والتقليد ما بين مجتهد ومقلِّد، ولا ثالث لهما، وما عشت أراك الدهر عجباً.
إنْ قلتَ: إنَّكم قد اعترفتم أنَّ قسماً من هؤلاء مجتهدون، والقسم الآخر مقلِّدون لهم، وهذا اعتراف منكم بجواز ما هم عليه، لأنَّ المجتهد عندكم يجوز له أنْ يعمل باجتهاده، كما يجوز للعامّيِّ تقليده.
قلتُ: إنَّ الاجتهاد الذي عليه القسم الأوَّل منهم هو اجتهاد باطل، لعدم قيامه على الموازين الصحيحة للاجتهاد، وقد ذكرنا في مبحث مشروعيَّته أنَّه على أقسام، وأنَّ المنهي عنه في الرِّوايات بعضها، كالاجتهاد الذي يستند صاحبه إلى الاستحسانات والآراء والأهواء، دون المستند إلى الكتاب والسُّنَّة، وقد أثبتنا بالأرقام جهل هؤلاء المطبق من جهة، وكذبهم على أئمَّتنا من جهة أُخرى، فكيف يكون اجتهاد مثلهم مشروعاً؟!
ومنه يتَّضح حال مقلِّديهم، وبطلان تقليدهم لهم من جهتين:
إحداهما: أنَّهم يلتزمون بحرمة التقليد لغير المعصوم (عليه السلام).
ثانيتهما: أنَّهم مقلِّدون لمن لا يجوز تقليده.
الوجه الثالث من الإشكال: أنَّ الآية تحثُّ على طلب العلم، والعلم غير الظنِّ، وغير الرَّأي، فعن عليِّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «تَفَقَّهُوا فِي الدِّين، فإنَّه من لم يتفقَّه منكم في الدِّين فهو أعرابيٌّ، إنَّ الله يقول في كتابه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ...﴾ الآية»(١٧٢)، هذا في الزمن الذي يوجد فيه إمام.
وأمَّا في زمن لا يوجد فيه إمام فعن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا حدث على الإمام حدثٌ كيف يصنع الناسُ؟ قال: «أين قولُ الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ...﴾ الآية؟»، قال: «هم في عذرٍ ما داموا في الطَّلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عُذرٍ حتَّى يرجع إليهم أصحابهم»(١٧٣).
فهؤلاء عليهم التعلُّم من أهل البيت (عليهم السلام) ونقل أخبارهم، وليس الأخذ بالرَّأي، أو الفتاوى المختلفة، فعن الفضل بن شاذان عن الرِّضا (عليه السلام) في حديث طويل: «... مع ما فيه من التَّفقُّه ونقل أخبار الأئمَّة (عليهم السلام) إلى كلِّ صُقْعٍ وناحيةٍ، كما قال اللهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ...﴾ الآية»(١٧٤)، فالإمام (عليه السلام) يقول: نقل الأخبار مع التفقُّه، ولكن الرسائل العمليَّة والتي كلُّها أو معظمها فتاوى لا نعرف حقيقة الأخبار التي اعتمدتها، بل فيها مصطلحات جديدة قد لا تُفسِّر النصَّ، بل تُصعِّبه وتحتاج إلى من يُفسِّرها، هذا بالإضافة إلى أنَّ بعض الفتاوى خالفت النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام).
هذا حاصل الوجه الثالث من الإشكال.
وجوابه: في نقاط:
١ - أمَّا قوله: (إنَّ الآية حثَّت على طلب العلم) فليس كذلك، بل هي تحثُّ على طلب الفقه في الدِّين، ولطلبه في ذلك الزمان طريقان:
أحدهما: طلبه من المعصوم (عليه السلام) مباشرةً، وهو طريق خاصٌّ بالطائفة التي وجب عليها النفر.
ثانيهما: طلبه من النافرين بعد عودتهم إليهم، وهو طريق الأكثريَّة الساحقة من المؤمنين.
ومن المعلوم أنَّ الأخذ من الطائفة النافرة تارةً يفيد العلم، وأُخرى يفيد الظنَّ، وهو الأعمُّ الأغلب من الأحكام الفرعيَّة، وقد أسهبنا في بيان حجيَّة الظنِّ في باب الأحكام فيما تقدَّم، ولا نعيد.
٢ - وأمَّا قوله: (والعلم غير الظنِّ، وغير الرأي) فقد أشرنا إلى الجواب فيما يتعلَّق بالعلم والظنِّ، كما وأوضحنا في مبحث سابق معنى الرَّأي الذي نهت النصوص عن العمل به، وأثبتنا هناك أنَّ فقهاء الإماميَّة مجمعون على حرمة العمل بالرَّأي، فكيف يعملون به؟!
٣ - وأمَّا رواية عليِّ بن أبي حمزة التي استشهد فيها الصادق (عليه السلام) بالآية على وجوب التفقُّه فهو لا ينافي جواز التقليد، لأنَّ وجوب النفر في الآية وجوب كفائيٌّ، لاختصاصه بطائفةٍ من كلِّ فرقة، ولا يجوز للإمام (عليه السلام) أنْ يخالف القرآن ويجعله وجوباً عينيًّا على كلِّ مكلَّف، ولو فعل ذلك لوجب علينا طرح هذه الرواية وترك العمل بها تطبيقاً لقانونهم (عليهم السلام) الذي قَنَّنُوهُ لنا فيما يتعلَّق بالرِّوايات المخالفة للكتاب، كما في الحديث الذي نقلناه آنفاً من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): «ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عنّي يخالف كتاب الله فلم أقله»(١٧٥).
وأمَّا غير النافرين فيجب عليهم أخذ معالم الدِّين من النافرين، وهو عين التقليد الذي نقول بمشروعيَّته، فيكون أمر الإمام (عليه السلام) به دليلاً على جواز التقليد، بل مؤكِّداً لوجوبه.
٤ - وأمَّا استشهاد صاحب الإشكال برواية يعقوب بن شعيب فمردود من وجهين:
أحدهما: أنَّ الروايات المتعلِّقة بهذه الآية عديدة ومختلفة المداليل، ومنها ما جاء مؤكِّداً لمشروعيَّة التقليد، بل لوجوبه، فلماذا يستشهد صاحب الإشكال برواية يعقوب ويتجاهل الروايات الأُخرى؟ كالرِّواية التي نقلناها فيما سبق عن الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ قوماً يروون أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «اختلاف أُمَّتي رحمة»، فقال: «صدقوا»، فقلتُ: إنْ كان اختلافهم رحمةً فاجتماعهم عذابٌ، قال: «ليس حيث تذهبُ وذهبوا، وإنَّما أراد قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ...﴾ الآية، فأمرهم أنْ ينفروا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ويختلفوا إليه فيتعلَّموا، ثمَّ يرجعوا إلى قومهم فيُعلِّموهم، إنَّما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله، إنَّما الدِّينُ واحدٌ، إنَّما الدِّينُ واحدٌ»(١٧٦).
ثانيهما: أنَّ رواية يعقوب بن شعيب بصدد تطبيق الآية على بعض مواردها، وليست تفسيراً للآية كما لا يخفى على من لديه أدنى اطِّلاع على روايات التفسير، ذلك أنَّ روايات المعصومين (عليهم السلام) المتعلِّقة بآيات القرآن الكريم على أقسام كما أشرنا إلى ذلك في بحث سابق:
فمنها: ما ورد بياناً لمعنى الآية، وهو ما يُصطَلح عليه بالتفسير.
ومنها: ما ورد لتأويل الآية، بناءً على أنَّ التأويل غير التفسير.
ومنها: ما ورد لبيان باطن الآية، فقد ورد عنهم (عليهم السلام): أنَّ للقرآن ظهراً وبطناً، وورد أيضاً أنَّ لبطنه سبعين بطناً.
ومنها: ما ورد لبيان سبب نزول الآية، ومن القواعد التي أسَّسها لنا الأئمَّة (عليهم السلام) قاعدة: أنَّ خصوص المورد لا يُخصِّص الوارد.
ومنها: ما ورد لبيان الفرد الأكمل للآية.
ومنها: ما ورد لبيان الفرد الخفيِّ لمعنى الآية.
ومنها: ما ورد لبيان بعض مصاديق الآية على سبيل المثال لا الحصر.
ومنها: ما كان من قبيل الجري.
ومنها: ما ورد من باب تطبيق الآية على موارد خاصٍّ.
ومنها ما ورد لغير ذلك ممَّا يعثر عليه المتتبِّع لرواياتهم (عليهم السلام).
ورواية يعقوب بن شعيب هي من القسم الأخير، أعني التطبيق، فكما يجب النَّفر للتفقُّه في الأحكام الفرعيَّة - كما هو حال الحوادث المستجدَّة التي لم تقع في زمن المعصومين السابقين ووقعت في زمن المتأخِّرين منهم (عليهم السلام) - كذلك يجب النفر لمعرفة من هو الإمام اللَّاحق الذي يخلف الإمام الذي توفَّاه الله تعالى، لأنَّ معرفة الإمام من أوجب الواجبات، لتعلُّقها بمسألة عقديَّة، أعني الإمامة.
ومن الواضح أنَّ هذا لا ينفي تطبيق الآية على المسائل الفرعيَّة، فكما يجب النفر لمعرفة الإمام اللَّاحق بعد وفاة السابق كذلك يجب النفر لتعلُّم الأحكام الفرعيَّة منه (عليه السلام)، وتعليمها بعد ذلك لمن لم ينفر من المؤمنين.
٥ - وأمَّا رواية الفضل بن شاذان والفقرة الواردة في منافع الحجِّ والتي منها لقاء الإمام (عليه السلام) ونقل أخباره فهي الأُخرى لا تنفي مشروعيَّة التقليد، بل تُؤكِّده، لأنَّ من البديهي عدم وجوب ذهاب جميع المسلمين إلى الحجِّ في موسم واحد، فينحصر نقل الأخبار منهم (عليهم السلام) في موسم الحجِّ بالذين سيلتقون بهم في الموسم، وأمَّا غيرهم ممَّن لم يذهب إلى الحجِّ - وهم الأغلبيَّة السَّاحقة - فوظيفتهم أخذ تلك الأخبار من الناقلين لها، وهنا يجيءُ الإشكال الذي عالجناه في بحوث سابقة، وهو أنَّ النقل لا يفيد أكثر من الظنِّ، وهو إشكال لا يمكن لمنكري التقليد أنْ يعالجوه، فإنْ أبطلوا الأخذ بالدليل الظنِّي فسوف يقعون في إشكال أكبر من إشكال التقليد، وهو لزوم القول بتعطيل الشريعة في زمن الغيبة.
٦ - وأمَّا الرسائل العمليَّة لمراجعنا ودعوى أنَّنا لا ندري هل هي مستندة إلى الأخبار أو لا، فهو كلام عجيب، لأنَّ بحثنا منحصر بتقليد طبقة خاصَّة من الفقهاء، لا تقليد كلِّ من ادَّعى العلم والفقاهة، والمفروض أنَّ لتلك الطبقة جملة من الخصائص:
إحداها: أنَّنا نقطع بأنَّهم بلغوا من العلم درجةً يتمكَّنون معها من استنباط الأحكام الفرعيَّة، وهذه الدرجة هي المسمَّاة بالاجتهاد بمعناه الشَّرعيِّ الذي شرحناه مفصَّلاً.
ثانيتها: أنَّنا نقطع بأنَّهم بلغوا من العدالة والورع درجةً نقطع معها باستحالة كذبهم على المعصومين (عليهم السلام) فضلاً عن الكذب على الله تعالى.
ثالثتها: أنَّنا نقطع بأنَّهم لا يستندون في فتاواهم إلَّا على ما ثبت عندهم بالدليل القطعيِّ أنَّه حجَّةٌ فيما بينهم وبين ربِّهم، وأنَّ عمدة مستنداتهم هو الكتاب العزيز، وروايات المعصومين (عليهم السلام).
وإذا ثبت هذا فلا يفرق بعد ذلك أنْ يذكر الفقيه النصَّ إلى جنب الفتوى أو لا يذكره، إذ لا فائدة في ذكره للعوامِّ، لعدم معرفتهم بكيفيَّة استنباط الحكم الشرعيِّ منه، والمفروض أنَّ كلامنا في الأحكام التي تتوقَّف معرفتها على عمليَّة الاستنباط التي يعجز عنها عوامُّ الناس.
الوجه الرابع من الإشكال: لقد استدلَّ بآية النفر على مشروعيَّة التقليد العديد من الأُصوليِّين كالسيِّد الخوئي، ولكن المرجع الشيخ المنتظري توقَّف في ذلك في كتابه (نظام الحكم في الإسلام)، وقال: (محطُّ النظر فيها هو بيان وجوب التفقُّه في العلوم الدِّينيَّة، ثمّ نشرُها ليتعلَّم غيرُ النافرين، وليست في مقام جعل الحجّيَّة التعبُّديَّة لقول الفقيه مطلقاً حتَّى يُتمسَّك بإطلاقه لصورة عدم حصول العلم أيضاً)(١٧٧).
وممَّن نفى صحَّة الاحتجاج بها السيِّدُ مرتضى الحسيني الفيروزآبادي في كتابه (عناية الوصول في شرح كفاية الأُصول ٦: ٢٨٤)، وقال: (إنَّ دلالة هذه الآيات الكريمة على أصل التقليد غير معلومة، ولا واضحة)(١٧٨).
إذن الآية لا تُعتَبر دليلاً من أدلَّة وجوب التقليد كما هو واضح، بل لا توجد رواية واحدة عن المعصوم (عليه السلام) تقول بأنَّ هذه الآية تدلُّ على التقليد والاجتهاد كما هو المتعارَف عندنا اليوم.
نعم لا بأس بالأخذ من العالم، ولكن بشرط ذكر الدليل.
وبعبارة أوضح: ذكر قول المعصوم في المسألة، أي أنْ يكون العالم ناقلاً لكلام المعصوم لا غير، وحينئذٍ لا يُعتَبرُ تقليداً).
هذا حاصل الوجه الرابع من الإشكال.
وجوابه في نقاط:
١ - أمَّا إشكاله بتوقُّف الشيخ منتظري في دلالة الآية على المشروعيَّة، ونفي السيِّد الفيروزآبادي لذلك في مقابل استدلال العديد من الأُصوليِّين بها على المشروعيَّة، فمردود من عدَّة وجوه، ونقتصر على وجهين منها:
أحدهما: أنَّ الاستشهاد بأقوال الأُصوليِّين إنْ كان من باب أنَّ لأقوالهم قيمةً فكيف جعل قول اثنين منهم في مقابل أقوال العديد منهم، لاسيِّما وفيهم أكابر الأُصوليِّين من أمثال السيِّد الخوئي (رحمه الله) ممَّن اعترف له جميع علماء الطائفة بمن فيهم الشيخ والسيِّد بالأُستاذيَّة في علم الأُصول ما لم يعترفوا بمثله لأيٍّ منهما؟!
وإنْ كان الاستشهاد بقولهما من باب إلزامنا به، فلا إلزام لنا بما قاله الشيخ والسيِّد، لأنَّنا لسنا من مقلِّديهما في الأُصول ولا في الفقه، بل من المقدِّمين لغيرهما عليهما في الأُصول والفقه ممَّن يقول بدلالة الآية على المشروعيَّة.
ثانيهما: أنَّ الشيخ منتظري والسيِّد الفيروزآبادي ممَّن يقول بمشروعيَّة التقليد، لكنَّهما اختلفا مع غيرهما في أنَّ آية النفر هل هي من أدلَّة المشروعيَّة أو ليست كذلك؟ وليس للمستشكل أنْ يحتجَّ برأيهما على غيرهما من الأُصوليِّين، لأنَّهم يرون أنَّهما مخطئان في فهمهما للآية الكريمة، كما أنَّ السيِّد والشيخ يريان أنَّ غيرهما مخطئين في فهمها.
٢ - وأمَّا قوله: (لا توجد رواية واحدة عن المعصوم (عليه السلام) تقول بأنَّ هذه الآية تدلُّ على التقليد والاجتهاد كما هو المتعارف عندنا اليوم)، فجوابه قد اتَّضح تفصيلاً ممَّا سبق، فليُراجَع.
٣ - وأمَّا قوله: (نعم لا بأس بالأخذ من العالم...) إلخ، فهو غفلة منه، لأنَّنا قلنا مراراً وتكراراً ومنذ المباحث الأُولى وفي خصوص البحث السابق: إنَّ محلَّ بحثنا مختصٌّ بالأحكام الشرعيَّة التي تحتاج معرفتها إلى عمليَّة الاستنباط لا في الأحكام الواضحة التي يستطيع العامّيُّ فهمها من الرِّواية بمفرده، وحيث إنَّ العامّيَّ لا قدرة له على الاستنباط فلا فائدة في أنْ يذكر له الفقيه النصَّ من الآية أو الرواية إلى جنب الفتوى، لأنَّه ما دام عاجزاً عن استنباط الحكم من ذلك النصِّ بنفسه فهو لا يدري كيف تمَّ استنباطه منه، كما لا يدري إنْ كان استنباط الفقيه منه صحيحاً أو ليس بصحيح، فلم يبقَ أمامه إلَّا أنْ يأخذ الفتوى من دون دليل، وهذا هو عين التقليد الذي قلنا: إنَّه ضرورة لا مفرَّ للعوامِّ منها، إلَّا أنْ يلتزموا بتعطيل الشريعة في زمن الغيبة.
الإشكال السابع:
إنَّ الاستدلال بما روي عن العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامِّ أنْ يُقلِّدوه»(١٧٩) هو استدلال باطل، لأنَّ الرواية ضعيفة سنداً ومتناً كما صرَّح بذلك جملة من الأعلام:
منهم: الحرُّ العامليُّ (رحمه الله)، حيث قال: (التقليد المرخَّص فيه هنا إنَّما هو قبول الرواية، لا قبول الرَّأي، والاجتهاد، والظنِّ، وهذا واضح، وذلك لا خلاف فيه...)، إلى أنْ قال: (على أنَّ هذا الحديث لا يجوز عند الأُصوليِّين الاعتماد عليه في الأُصول ولا في الفروع، لأنَّه خبرُ واحدٍ مرسَلٌ، ظنّيُّ السند والمتن، ضعيفاً عندهم، ومعارِضُهُ متواترٌ قطعيُّ السند والدلالة، ومع ذلك يحتمل الحمل على التقيَّة)(١٨٠).
ومنهم: السيِّد الخميني (رحمه الله)، حيث قال: (فالرواية - مع ضعفها سنداً واغتشاشها متناً - لا تصلح للحجّيَّة) (الاجتهاد والتقليد: ص ٨١).
ومنهم: السيِّد الخوئي (رحمه الله)، حيث قال: (إنَّ التكلُّم في مفهوم التقليد لا يكاد أنْ يترتَّب عليه ثمرةٌ فقهيَّة، اللَّهُمَّ إلَّا في النذر، وذلك لعدم وروده في شيءٍ من الرِّوايات، نعم ورد في رواية الاحتجاج: «فأَمَّا مَنْ كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامِّ أنْ يُقلِّدوه»، إلَّا أنَّها رواية مرسَلة غير قابلة للاعتماد عليها) (الاجتهاد والتقليد: ص ٨١).
وقال في خصوص سندها: (إنَّ الرِّواية ضعيفةُ السَّند، لأنَّ التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه، فإنَّ في طريقه جملة من المجاهيل) (الاجتهاد والتقليد: ص ٢٢١).
هذا حاصل الإشكال(١٨١).
وجوابه تارةً بنحو الإجمال، وأُخرى بنحو التفصيل.
أمَّا الجواب بنحو الإجمال: فهو من وجوه:
١ - أنَّ الإشكال المذكور لا يرد علينا، لأنَّنا لم نستدلَّ بهذه الرواية، لكفاية الأدلَّة الأُخرى في إثباتها، والتي فصَّلناها في بحوث عديدة تقدَّمت.
٢ - أنَّه لا يرد أيضاً على من استدلَّ بها، لأنَّه يراها بحسب مبانيه صحيحة سنداً ومتناً ودلالةً، فهو يراها حجَّةً بينه وبين ربِّه، كالعلَّامة الطبرسي(١٨٢)، ومعه فلا معنى للاحتجاج عليه بقول من يراها بحسب مبانيه ضعيفة، لأنَّه ليس من العوامِّ المقلِّدين لهم، ولا من الموافقين لهم في مبانيهم في علمي الدراية والرجال، وهما عِلمان متكفِّلان لبيان حال الروايات من حيث الحجِّيَّة وعدمها.
والحاصل: أنَّ اختلاف العلماء في مبانيهم في علمي الدراية والرجال يقتضي أنْ تكون هذه الرواية معتبرةً عند بعضٍ، ضعيفةً عند بعضٍ آخر، وكما لا يصحُّ الاحتجاج على من يراها ضعيفة برأي من يراها معتبرة كذلك لا يصحُّ العكس، أعني الاحتجاج على من يراها معتبرة - كالعلَّامة الطبرسي - برأي من يراها ضعيفةً.
٣ - لو سلَّمنا أنَّ الإشكال وارد على المستدلِّين بهذه الرواية فغاية الأمر يلزم طرحها من بين الأدلَّة الأُخرى، وطرح دليل لا يوجب طرح غيره كما هو أوضح من أنْ يُبيَّن، وأدلَّة القائلين بمشروعيَّة التقليد غير منحصرة في هذه الرواية، فحتَّى على القول بضعفها وعدم صلاحيَّتها لإثبات المشروعيَّة يكفيهم لإثباتها تماميَّة غيرها من الأدلَّة، كما هو الحال في غيرها من المسائل التي يكون لها أكثر من دليل، ويكون بعض أدلَّتها تامًّا ومسلَّماً لدى الأعلام، وبعضها الآخر يكون محلًّا للخلاف بينهم.
وعليه: فإنْ كان مقصود المستشكل عدم جواز الاعتماد على هذه الرواية ولزوم الاكتفاء بالأدلَّة الأُخرى التي لا إشكال فيها فهو إشكال مقبول لدى جملة من الأعلام القائلين بمشروعيَّة التقليد، لكنَّه لا يُبطِل مشروعيَّته كما هو واضح.
وإنْ كان مقصوده أنَّ المشروعيَّة تسقط بسقوط الاستدلال بهذه الرواية فهو كلام لا ينبغي صدوره من عاقل بعد تماميَّة الأدلَّة الأُخرى، وهذا من بديهيَّات عالم الفقاهة والاستنباط والاستدلال.
٤ - أنَّ العَلَمين الخوئي والخميني (قدّس سرّهما) من القائلين بمشروعيَّة التقليد، بل بوجوبه، بل هما ممَّن تصدَّى للمرجعيَّة والإفتاء، ورسائلهم العمليَّة منتشرة ويُعمَل بها حتَّى هذه اللحظة، وبالتالي فعدم استنادهم في مشروعيَّة التقليد إلى هذه الرِّواية لا يضرُّ بالمشروعيَّة كما هو واضح.
هذا حاصل الجواب بنحو الإجمال.
وأمَّا بنحو التفصيل فهو في الإجابة على كلام كلِّ واحدٍ من الأعلام الثلاثة على حِدَة، فنقول ومن الله نستمد العون:
الجواب على كلام الحُرِّ العامليِّ:
أمَّا الجواب على ما ذكره العاملي (رحمه الله) فمن وجهين:
١ - أنَّه ممَّن حكم بأنَّ كتاب تفسير العسكري (عليه السلام) كتاب معتبر، حيث قال ما نصُّه: (ونروي تفسير الإمام أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) بالإسناد)، وبعد ذكر إسناده إليه قال: (وهذا التفسير ليس هو الذي طعن فيه بعضُ علماء الرجال، لأنَّ ذلك يُروى عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، وهذا يُروى عن أبي محمّد (عليه السلام)، وذاك يرويه سهل الديباجيُّ، عن أبيه، وهما غير مذكورَينِ في سند هذا التفسير أصلاً، وذاك فيه أحاديث من المناكير، وهذا خالٍ من ذلك، وقد اعتمد عليه رئيس المحدِّثين ابنُ بابويه، فنقل منه أحاديث كثيرةً في كتاب (من لا يحضره الفقيه) وفي سائر كُتُبه، وكذلك الطبرسيُّ، وغيرهما من علمائنا)(١٨٣).
فها أنت ترى اعترافه بأنَّ ما ينقله الطبرسي عن تفسير العسكري (عليه السلام) إنَّما هو من التفسير المعتبر لا من الآخر المطعون فيه، وعلى هذا كان يتوجَّب على صاحب الوسائل أنْ يقبل هذه الرِّواية من جهة سندها.
بل حتَّى من جهة دلالتها، وإنَّما رفضها بدعوى أنَّها معارَضَةٌ بروايات أُخرى أقوى منها دلالةً، يعني الرِّوايات الناهية عن الاجتهاد والتقليد وشبهها، مضافاً إلى ما احتمله من صدورها عن تقيَّة.
وكلا هذين الأمرين مردود.
أمَّا معارضتها بالرِّوايات الناهية عن الاجتهاد والتقليد فقد عرفتَ جواب ذلك في عدَّة بحوث تقدَّمت، حيث أوضحنا هناك ما هو المراد من التقليد والاجتهاد المنهيِّ عنهما في تلك الرِّوايات، فراجع.
وأمَّا احتمال صدورها عن تقيَّة فلم يُبيِّن وجهه، واحتمال التقيَّة أمر يقع فيه الخِلاف كثيراً، فرُبَّ روايةٍ يحتمل فقيهٌ فيها التقيَّة ولا يحتملها فقيه آخر.
وبعد هذا لا يمكن قبول ما ذهب إليه صاحب الوسائل (رحمه الله) إلَّا بنحو التقليد لما ذهب إليه، والمفروض أنَّه لا يُجيز التقليد.
٢ - أنَّ العامليَّ (رحمه الله) من النافين لمشروعيَّة التقليد، فلا يصحُّ الاحتجاج برأيه على القائلين بالمشروعيَّة، وإلَّا فلو صحَّ الاحتجاج برأيه عليهم فلِمَ لا نصنع العكس فنحتجَّ برأيهم عليه؟!
الجواب على ما ذكره السيِّد الخمينيُّ:
وأمَّا ما ذكره السيِّد الخميني (قدّس سرّه) من كونها ضعيفة السند فقد اتَّضح جوابه من الوجه الثاني من الجواب الإجمالي.
وأمَّا تعبيره عن المتن بالاغتشاش فلم يكن إلَّا لتأييد تضعيفه للرِّواية، ولولا ضعفها السندي لم يكن الاغتشاش في المتن مانعاً عنده وعند سائر الفقهاء من الأخذ بالرِّواية ما دام مضمونها واضحاً.
توضيحه: أنَّ الإماميَّة يُجوِّزون نقل الرِّوايات بالمضمون، ولا يوجبون أنْ يكون النقل بنفس ما تلفَّظ به المعصوم، وذلك استناداً إلى بعض رواياتهم (عليهم السلام) التي جوَّزت النقل عنهم بالمضمون.
ومن هنا نشأت ظاهرة في قسم من الرِّوايات، وهي أنْ يكون مضمونها موافقاً للكتاب العزيز وأحاديثهم (عليهم السلام) الواردة بألفاظهم وأحكامهم وتعاليمهم، إلَّا أنَّها من حيث اللفظ والفصاحة والسبك جاءت دون أحاديثهم (عليهم السلام) في مستوى الفصاحة والجزالة، بل جاء بعضها مضطرباً من حيث التركيب، وربَّما كان هو المقصود من تعبير السيِّد بالاغتشاش.
وكيف كان فإنَّ هذه الظاهرة لم تمنع العلماء من الأخذ بهذا القسم من الأحاديث، لأنَّها ظاهرةٌ كانت متوقَّعةً من أوَّل الأمر، لأنَّ مستويات الرُّواة في الفصاحة والبلاغة متفاوتة، كما أنَّ ضبطهم للألفاظ متفاوت أيضاً، وحيث إنَّ الرَّاوي لا يتمكَّن من نقل كلِّ ما يسمعه بنفس الألفاظ فكان النقل بالمعنى هو الحالة المتعارَفة والطبيعيَّة والمتوقَّعة.
وخير شاهد على ذلك ما نعاصره يوميًّا من سيرة العقلاء في نقلهم لكلمات الآخرين، إذ من النادر أنْ تجد من ينقل كلام غيره بنفس ألفاظه من دون تبديل لفظ بمرادفه، أو زيادة لفظ لزيادة توضيح، أو لغير ذلك من الدَّواعي العقلائيَّة.
بل لو شرطنا النقل بعين الألفاظ لتعذَّر الاطمئنان إلى أيِّ نقلٍ مهما كان الناقل ثقة عندنا، لأنَّ احتمال نقله بالمضمون يبقى قويًّا، ومع قوَّة هذا الاحتمال يستحيل حصول الاطمئنان بأنَّ النقل كان بعين لفظ المتكلِّم المنقول عنه.
نعم، يمكن حصول الاطمئنان في خصوص الجُمَل القصيرة، كما لو قال الرَّاوي: سألت الإمام الفلاني: هل يجوز شرب الفقَّاع؟ فقال: لا.
وأمَّا النصوص المتوسِّطة - فضلاً عن الطويلة منها - فمن الصعب تصديق أنَّ الرُّواة جميعاً ينقلون نفس ألفاظ المعصوم (عليه السلام).
والحاصل: أنَّ النقل بالمعنى جائز عندنا.
الجواب على ما ذكره السيِّد الخوئي:
وأمَّا ما ذكره السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) فهو ناظر إلى مفهوم التقليد، وأنَّ مفهومه لم يرد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) إلَّا في رواية الاحتجاج المنقولة عن تفسير العسكري (عليه السلام) الذي هو ضعيف السند في نظره (قدّس سرّه).
وجوابه من أوضح الواضحات، لأنَّ بحثنا مختصٌّ بالتقليد كاصطلاحٍ جاء ذكره في الرسائل العمليَّة بما فيها كتابا (منهاج الصالحين) و(المسائل المنتخبة) لنفس السيِّد الخوئي، وليس هو بحثاً في مفهوم كلمة التقليد.
توضيحه: أنَّ التقليد المبحوث عنه هو (رجوع الجاهل إلى العالم في مجال الأحكام الشرعيَّة التي تتوقَّف على عمليَّة الاستنباط)، أو قل: (رجوع العاجز عن استنباط الأحكام الشرعيَّة الاجتهاديَّة إلى القادر على استنباطها)، سواء سمَّيناه تقليداً للمجتهد أم سميَّناه رجوعاً إليه، وقد عرفتَ أنَّ التقليد بمعنى الرجوع المذكور قد دلَّت عليه جملة من النصوص، من آية النفر والرِّوايات التي سردناها لك في عدَّة مباحث، ونفس السيِّد الخوئي يقول بمشروعيَّة التقليد بهذا المعنى، بل بوجوبه، وإنَّما هو ينفي ورود لفظة (التقليد) في الروايات عدا تفسير العسكريِّ (عليه السلام)، وإذا لم يرد لفظه في الرِّوايات فلم يرد مفهومه فيها، وأمَّا حقيقته بما هو رجوع الجاهل إلى العالم وقبول قوله من غير دليل فلم يكن السيِّد (قدّس سرّه) بصدد ذلك.
وأمَّا تضعيفه لسند الرواية فذلك بحسب مبانيه، وقد عرفتَ جوابه من الوجه الثاني من الجواب الإجمالي.
وخلاصة الجواب على كلمات الأعلام الثلاثة: أنَّ هناك فرقاً بين من يستدلُّ بروايةٍ على حكمٍ ليعمل بها فيما بينه وبين ربِّه، ومن يستدلُّ بها للاحتجاج بها على من خالفه في ذلك الحكم.
أمَّا الأوَّل فيكفيه أنْ تكون الرِّواية معتبرة فيما بينه وبين ربِّه، سواء وافقه الآخرون في ذلك أم لا، كالعلَّامة الطبرسي، إذ كلٌّ يعمل بتكليفه، وكالشيخ الصدوق الذي ذكر في مقدِّمة كتاب (من لا يحضره الفقيه) أنَّ كتابه ليس لنقل كلِّ ما وصل إليه من روايات الأحكام، بل يختصُّ بما هو يراه معتبراً وحجَّةً فيما بينه وبين ربِّه، وقد نقل روايات في الكتاب المذكور لم يعمل بها جملة من أعلام الطائفة، لعدم ثبوت اعتبارها عندهم، وإنْ كانت معتبرةً في نظره هو.
وأمَّا الثاني فعلى العكس من الأوَّل، إذ ليس له أنْ يحتجَّ على مخالفه إلَّا بما كان معتبراً عند مخالفه، وإلَّا لم تتمَّ الحجَّة، حتَّى لو لم يكن حجَّةً في نظره هو.
وما يذكره الفقهاء في كُتُبهم الاستدلالية هو من قبيل الأوَّل، أعني أنَّهم كانوا في مقام الاستدلال على مشروعيَّة التقليد فيما بينهم وبين ربِّهم، فذكروا ما هو تامُّ السند والدلالة في نظرهم، ورفضوا ما عداه، ومن جملة ما ذكروه هذه الرِّواية، فردَّها بعضهم لعدم تماميَّتها في نظره من جهة السند أو الدلالة، أو من الجهتين معاً، وربَّما يراها بعض تامَّة السَّند والدلالة وفاقاً للعلَّامة الطبرسي (رحمه الله).

* * *
الخاتمة: في نصيحة للمؤمنين المتأثِّرين بشُبُهات ومغالطات منكري التقليد

بعد أن منَّ الله تعالى عليَّ بإتمام البحث أتوجَّهُ بالنَّصيحة بكلِّ إخلاص إلى كافَّة المؤمنين الذين صاروا معتقدين لحرمة التقليد نتيجةً لما اطَّلعوا عليه من الرِّوايات وكلمات بعض الأعلام التي نقلها إليهم منكرو التقليد، فحسبوا أنَّها تدلُّ على حرمته بالفعل، من دون أنْ يراجعوا العلماء في ذلك ليسمعوا منهم، ولو لأجل إتمام الحُجَّة على العلماء، واستيثاقاً لأنفسهم ليوم الحساب فيما لو سألهم الباري (عزَّ وجلَّ) عن سبب تركهم للتقليد.
ووظيفتي أنْ أدعوهم بمقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ: ٤٦)، فأقول لهم:
حاولوا أنْ تُفكِّروا وتتأمَّلوا في هذا البحث بعيداً عن أُولئك الذين أقنعوكم بحرمة التقليد، أو عدم وجوبه، لكي لا يُؤثِّروا على فهمكم الصحيح لما جاء في هذا البحث، حتَّى لو طالت عليكم مطالعته، فإنَّ في ذلك تحديداً لمصيركم في الآخرة.
كما وأنصحهم قبل ذلك أنْ يتركوا كلَّ انطباعاتهم السلبيَّة عن الفقهاء وراء ظهورهم قبل النظر في هذه الأبحاث، ثمّ يسألوا من الله تعالى أنْ يهديهم لما اختلفنا فيه من الحقِّ بإذنه، ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣).
وأخيراً أدعوهم إلى تكرار قراءة ما أجبنا به على ما نسبوه من روايات إلى المعصومين (عليهم السلام) كذباً وتدليساً، وما ارتكبوه من تحريف لكلمات بعض الأعلام، ليعرفوا بذلك أنَّهم خلف من يسيرون.
وبهذا نكون قد أتينا - بحمد الله - على نهاية البحث، وكان الفراغ من تبييضه ليلة الثلاثاء (٢٥/ربيع الأوَّل/١٤٤١هـ).
متوسِّلاً إلى الباري (جلَّ وعلا) أنْ يتقبَّله منّي بإحسانه ومنِّه، مسبوقاً بحمده وشكره على أنْ وفَّق لإتمامه، مشفوعاً بالصلاة والسلام على رسوله المصطفى وآله خير الورى، لاسيّما خاتم أوصيائه، وبقيَّة الله في أرضه، وحجَّته على عباده، الحجَّة بن الحسن المهديِّ (عجَّل الله فرجه وسهَّل مخرجه)، وجعلنا من أنصاره، والذَّابِّين عنه، والمستشهدين بين يديه، إنَّ ربِّي جواد كريم.

العبد الجاني
جاسم بن أفضل الوائلي
النجف الأشرف

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٦٣).
(٢) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٨٣).
(٣) سيأتي إنْ شاء الله تعالى التعرُّض للرِّوايات التي نصَّت على أنَّ الفقهاء أُمناءُ الرُّسُل، وأنَّهم ورثة الأنبياء، وأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يُلقون على الفقهاء الأُصول، وكان على الفقهاء أنْ يُفرِّعوا، فانتظر.
(٤) نهج البلاغة (قصار الحِكَم/ الحكمة ١٤٧).
(٥) نهج البلاغة (قصار الحِكَم/ الحكمة ٢ و١٠ و١١).
(٦) البحث الخارج هو أعلى مرحلة دراسية في الحوزة العلميَّة، حيث يتمُّ فيها تدريب الطالب على عمليَّة الاستنباط، لينال رتبة الاجتهاد، وهي تأخذ من عمره سنوات طوال في الغالب.
(٧) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٠/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ١٠).
(٨) الكافي (ج ١/ ص ٢١٠/ باب أنَّ أهل الذكر الذين أمر اللهُ الخلقَ بسؤالهم هم الأئمَّة (عليهم السلام)).
(٩) روى الكليني (رحمه الله) بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل قسَّم فيه (عليه السلام) الرُّواة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعة أقسام، وذكر أنَّ الرابع منهم هو ممَّن يعرف الناسخ من المنسوخ من أحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمَّ قال: «فإنَّ أمرَ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثلُ القرآن، ناسخٌ ومنسوخٌ، وخاصٌّ وعامٌّ، ومُحكمٌ ومتشابهٌ» (الكافي: ج ١/ ص ٦٢/ كتاب فضل العلم/ باب اختلاف الحديث/ ح ١).
(١٠) وموردها - كما عرفت - هو الاحتجاج على المشركين بأنَّ الأنبياء بشرٌ، وليسوا ملائكة، وأنَّ من لا يعلم بهذه الحقيقة فعليه أنْ يسأل من له علم بها.
(١١) روى محمّد بن مسعود العيّاشي بسنده عن عبد الرحيم القصير، قال: كنت يوماً من الأيَّام عند أبي جعفر (عليه السلام)، فقال: «يا عبد الرحيم»، قلت: لبَّيك، قال: «قول الله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، إذ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنا المنذر وعليٌّ الهاد، ومن الهاد اليوم؟»، قال: فسكتُّ طويلاً، ثمَّ رفعت رأسي فقلت: جُعلت فداك، هي فيكم تَوَارَثُونَها رجلٌ فرجلٌ حتَّى انتهت إليك، فأنت جُعلتُ فداك الهاد، قال: «صدقت يا عبد الرحيم، إنَّ القرآن حيٌّ لا يموت، والآية حيَّةٌ لا تموت، فلو كانت الآيةُ إذا نزلت في الأقوام ماتوا فماتت الآيةُ لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين». وقال عبد الرحيم: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ القرآن حيٌّ لم يمت، وإنَّه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوَّلنا» (تفسير العيّاشي: ج ٢/ ص ٢٠٣/ ح ٦).
(١٢) فالتعبير بلفظ (حدَّثني) أوضح من التعبير بلفظ (عن) في أخذه الحديث من سابقه مباشرةً وبلا واسطة، ولهذا وقع خلاف في التحديث بلفظ (عن) هل أنَّه يدلُّ على اتِّصال السَّند أو لا، ويُصطَلح على النقل بلفظ (عن) بالعنعنة.
(١٣) الكافي (ج ١/ ص ٤٦/ كتاب فضل العلم/ باب المُستأكِل بعلمه والمُباهي به/ ح ٥).
(١٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٢/ كتاب فضل العلم/ باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء/ ح ٢)، و(ص ٣٤/ باب ثواب العالم والمتعلِّم/ ح ١).
(١٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٨/ كتاب فضل العلم/ باب فقد العلماء/ ح ٢).
(١٦) الكافي (ج ١/ ص ٤٦/ كتاب فضل العلم/ باب المُستأكِل بعلمه والمُباهي به/ ح ٥).
(١٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٤/ كتاب فضل العلم/ باب ثواب العالم والمتعلِّم/ ح ١).
(١٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٤/ كتاب فضل العلم/ باب أصناف الناس/ ح ٤).
(١٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٤/ كتاب فضل العلم/ باب أصناف الناس/ ح ٣).
(٢٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٦/ كتاب فضل العلم/ باب صفة العلماء/ ح ١).
(٢١) الكافي (ج ١/ ص ٣٦/ كتاب فضل العلم/ باب صفة العلماء/ ح ٢).
(٢٢) الكافي (ج ١/ ص ٤٤/ كتاب فضل العلم/ باب استعمال العلم/ ح ٣).
(٢٣) راجع: رجال النجاشي (ص ١٠ - ١٢).
(٢٤) راجع: الفصل الثالث، الإشكال الثاني.
(٢٥) راجع: الفصل الثاني الذي عقدناه لإثبات قِدَم المرجعيَّة ومعاصرتها لزمن الأئمَّة (عليهم السلام).
(٢٦) بحار الأنوار (ج ٤٤/ ص ١٩١/ ح ٤).
(٢٧) الكافي (ج ٣/ ص ١/ كتاب الطهارة/ باب طهور الماء/ ح ١).
(٢٨) الكافي (ج ٣/ ص ٢/ كتاب الطهارة/ باب الماء الذي لا يُنجِّسه شيءٌ/ ح ١).
(٢٩) الكافي (ج ٣/ ص ٢/ كتاب الطهارة/ باب الماء الذي لا ينجِّسه شيءٌ/ ح ٤ و٥ و٧ و٦ و٨ و٣).
(٣٠) الكافي (ج ٣/ ص ٣٥١/ كتاب الصلاة/ باب السهو في الفجر والمغرب والجمعة/ ح ٢).
(٣١) المصدر السابق (ح ١).
(٣٢) المصدر السابق (ح ٣).
(٣٣) كذا، والصحيح: رُئِيَ.
(٣٤) الكافي (ج ٣/ ص ٤٣٢/ كتاب الصلاة/ باب حدُّ المسير الذي تُقصَر فيه الصلاة/ ح ٣).
(٣٥) الكافي (ج ٣/ ص ٤٣٤/ كتاب الصلاة/ باب من يريد السفر أو يقدم من سفر متى يجب عليه التقصير أو التمام/ ح ٣).
(٣٦) المصدر السابق (ح ٤).
(٣٧) قال الشيخ الطوسي في مقام الاستدلال على جواز التقليد: (يدلُّ على ذلك: أنِّي وجدتُ عامَّةَ الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماء فيها، ويُسوِّغون لهم العمل بما يفتونهم به) (العدَّة في أُصول الفقه: ص ٧٢٩).
(٣٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٦١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٥١).
(٣٩) المصدر السابق (ح ٥٢).
(٤٠) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٢/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ١٥).
(٤١) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٣/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ١٩).
(٤٢) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٤/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٢١).
(٤٣) المصدر السابق (ح ٢٣).
(٤٤) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٥/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٢٤).
(٤٥) المصدر السابق (ح ٢٥).
(٤٦) معاني الأخبار/ الأحاديث ١ - ٣ من أوَّل الكتاب.
(٤٧) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٨٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٨/ ح ٤٣).
(٤٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٦/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٢٧).
(٤٩) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٣٨).
(٥٠) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٧/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٣٣).
(٥١) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٨/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٣٦).
(٥٢) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٣٨).
(٥٣) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٨٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٨/ ح ٤٣).
(٥٤) نهج البلاغة (ج ٤/ ص ٢٢/ باب المختار من حِكَم أمير المؤمنين (عليه السلام)/ الحكمة ٩٨/ ط دار المعرفة).
(٥٥) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٦١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٥١).
(٥٦) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٦٢/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٥٢).
(٥٧) رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧).
(٥٨) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٥٠٧/ط مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)).
(٥٩) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٧٣).
(٦٠) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٨٣٠).
(٦١) رجال النجاشي (ص ٨١/ الرقم ١٩٨).
(٦٢) رجال النجاشي (ص ١٧٧/ الرقم ٤٦٧).
(٦٣) رجال النجاشي (ص ١١٧/ الرقم ٣٠٢).
(٦٤) العُدَّة في أُصول الفقه (ص ٧٢٩ و٧٣٠).
(٦٥) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٤٠/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٦).
(٦٦) وسائل الشيعة (ج ١٧/ ص ٨٩/ أبواب ما يُكتَسب به/ الباب ٤/ ح ٤).
(٦٧) وسائل الشيعة (ج ٣/ ص ٤٦٧/ أبواب النجاسات/ الباب ٣٧/ ح ٤).
(٦٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٤١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ١٢).
(٦٩) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٦١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٥١).
(٧٠) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٦٢/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٥٢).
(٧١) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٥٢/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٣٨).
(٧٢) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٥٢).
(٧٣) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٥٦).
(٧٤) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٥٨).
(٧٥) وسائل الشيعة (ج ٤/ ص ٣٠٦/ أبواب القبلة/ الباب ٥/ ح ١).
(٧٦) وسائل الشيعة (ج ٤/ ص ٣٠٨/ أبواب القبلة/ الباب ٥/ ح ٢).
(٧٧) المصدر السابق (ح ٦).
(٧٨) الفتوحات المكّيَّة (ج ٦/ ص ٤٠/ الباب ٣٦٦/طبعة ١/ ١٤٢٤هـ/ دار صادر).
(٧٩) المصدر السابق (ص ٤٩).
(٨٠) إلزام الناصب (ج ٢/ ص ٢٣٥).
(٨١) مرآة العقول (ج ١/ ص ٦١٩).
(٨٢) إلزام الناصب (ج ٢/ ص ١٧٨)، النسخة الأُولى تبدأ من (ص ١٧٩) إلى (ص ٢١٣)، والثانية من (ص ٢١٣) إلى (ص ٢٣٢)، والثالثة نقلها عن كتاب (الدُّرُّ المُنَظَّم في السِّرِّ الأعظم) لمحمّد ابن طلحة أحد علماء الشافعيَّة، وتبدأ من (ص ٢٣٢) إلى (ص ٢٤١).
(٨٣) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٤٣/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ١٨).
(٨٤) وسائل الشيعة (ج ٢٥/ ص ٤٢٨/ كتاب إحياء الموات/ الباب ١٢/ ح ٣).
(٨٥) الكافي (ج ١/ ص ٦٩/ باب الأخذ بالسُّنَّة وشواهد الكتاب/ ح ٥).
(٨٦) المصدر السابق (الحديثان ٣ و٤).
(٨٧) المصدر السابق (الحديثان ١ و٢).
(٨٨) بحار الأنوار (ج ٢/ ص ٢٢٤).
(٨٩) راجع: الفصل الثالث/ المقام الثاني: في أجوبة المعلِّقين/ الإشكال السابع.
(٩٠) تصحيح اعتقادات الإماميَّة (ص ٧٢ و٧٣).
(٩١) المصدر السابق.
(٩٢) الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد (ص ١٠ و١١).
(٩٣) العُدَّة في أُصول الفقه (ص ٧٢٩ و٧٣٠).
(٩٤) معارج الأُصول (ص ٢٧٨).
(٩٥) المصدر السابق (ص ٢٧٧).
(٩٦) المصدر السابق (ص ٢٧٨).
(٩٧) المصدر السابق (ص ٢٧٥).
(٩٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٢٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١٠/ ح ١٥).
(٩٩) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٢٤/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١٠).
(١٠٠) الكافي (ج ١/ ص ٥٣/ باب التقليد/ ح ١ و٣) كلُّ حديث بطريق.
(١٠١) عبارة: (إلى أنْ قال) في الموضعين من صاحب الوسائل اختصاراً للرِّواية، وليست منّا.
(١٠٢) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٣١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١٠/ ح ٢٠).
(١٠٣) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٣٢/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٥/ ح ٥).
(١٠٤) المصدر السابق (ح ٦).
(١٠٥) الكافي (ج ٧/ ص ٤٠٧/ باب أصناف القضاة/ ح ٢).
(١٠٦) الكافي (ج ٧/ ص ٤٠٧/ باب من حكم بغير ما أنزل الله/ ح ١).
(١٠٧) الكافي (ج ٧/ ص ٤٠٨/ باب من حكم بغير ما أنزل الله/ ح ٢).
(١٠٨) المصدر السابق (ح ٣).
(١٠٩) الفتوحات المكّيَّة (ج ٦/ ص ٤٠/ الباب ٣٦٦).
(١١٠) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٤٠/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٦/ ح ٨).
(١١١) الكافي (ج ٢/ ص ٤٠٠/ باب الشَّكُّ/ ح ٨).
(١١٢) بحار الأنوار (ج ٧٤/ ص ١٥٣/ ح ١٢٣).
(١١٣) وسائل الشيعة (ج ١٧/ ص ٨٧/ أبواب ما يُكتَسب به/ الباب ٤/ ح ١).
(١١٤) وهو ما رواه أحد أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كنت أُطيل القعود في المخرج - يعني بيت الخلاء - لأسمع غناء بعض الجيران، قال: فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: «يا حسن، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، السَّمْعُ ومَا وَعَى، والبَصَرُ ومَا رَأَى، والفُؤادُ وما عُقِدَ عَلَيهِ» (وسائل الشيعة: ج ١٧/ ص ٣١١/ أبواب ما يُكتَسب به/ الباب ٩٩/ ح ٢٩).
(١١٥) إنَّ نسبة ما في روايات المعصومين (عليهم السلام) من الأحكام يفوق ما في الكتاب العزيز أضعافاً مضاعفة، لأنَّ الرِّوايات شارحة ومبيِّنةٌ للكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)، ولأجل حاجة المسلمين إلى بيان ما جاء به الكتاب العزيز فقد بيَّن لهم النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن بعده الأئمَّةُ (عليهم السلام) جميع ما يحتاجون إليه من المسائل العقديَّة والأخلاقيَّة، كما بيَّن لهم أحكام العبادات، كالصلاة وما يرتبط بها من أحكام الطهارات والنجاسات، وكمسائل الزَّكاة، والخُمُس، والصَّوم، والحجِّ، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحكام التجارة، والإجارة، والمضاربة، والقرض، والرِّبا، والنكاح، والطلاق، واليمين، والنذر، والعهد، والغصب، والضمان، وأحكام الأطعمة، والأشربة، والمواريث، والحدود، والديات، وغير هذه الأبواب، والتي تبلغ أحكامها الواصلة إلينا من طريق الرِّوايات وحدها آلاف الأحكام، ومن مجموع ذلك تكوَّن ما يُسمَّى بروايات الأحكام.
(١١٦) وسائل الشيعة (ج ١٦/ ص ٢١٠/ أبواب الأمر والنهي/ الباب ٢٤/ ح ٢٤).
(١١٧) العذق: عذق النخلة، والمقصود منه في هذه الرِّواية هو نفس النخلة بكاملها من باب تسمية الشيء باسم جزئه. والمقصود من الحائط هو البستان.
(١١٨) أي إنَّ سمرة كان يملك في بستان الأنصاري نخلة، وكان يدخل البستان من أجل نخلته، والإسلام يُجيز ذلك إذا لم يلزم من دخوله ارتكاب محرَّمٍ، فعليه إذا أراد الدخول أنْ يدخل بشكل لا يلزم منه ارتكاب أيِّ محرَّم، كالدخول في وقت تكون فيه زوجة الأنصاري خارج الدار بلا حجاب مثلاً، إلَّا أنْ يستأذن، لكي تتستَّر منه، أو تدخل بيتها.
(١١٩) تأبَّى - بتشديد الباء -: بمعنى أصرَّ على إبائه، ولم ينفع معه تكرار الأنصاري لطلبه المشروع.
(١٢٠) تخيَّل أيُّها المسلم أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يطلب منك هذا الطلب فهل كنت سترفض طلبه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! ثمّ يأتيك من يُحدِّثك عن عدالة جميع الصحابة، ولا يستثني أحداً حتَّى مثل سمرة!
(١٢١) الكافي (ج ٥/ ص ٢٩٢/ باب الضِّرار/ ح ٢).
(١٢٢) ممَّن كتب في ذلك رسائل مفردة: شيخ الشريعة الأصفهاني، والشيخ مرتضى الأنصاري، والشيخ ضياء الدِّين العراقي، والسيِّد الخميني، والسيِّد السيستاني، وغيرهم، رحم الله الماضين منهم، وأدام ظلَّ الباقين على رؤوس المسلمين.
(١٢٣) وسائل الشيعة (ج ٢/ ص ٣٢٦/ أبواب الحيض/ الباب ٢٧/ ح ٦).
(١٢٤) وسائل الشيعة (ج ٢/ ص ٣٢٥/ أبواب الحيض/ الباب ٢٧/ ح ٣).
(١٢٥) الشَّبَقُ: شدَّة الشَّهوة والهيجان الجنسي.
(١٢٦) وسائل الشيعة (ج ٢/ ص ٣٢٤/ أبواب الحيض/ الباب ٢٧/ ح ١).
(١٢٧) الكافي (ج ٣/ ص ٣/ باب الماء الذي لا يُنجِّسُهُ شيءٌ/ ح ٦).
(١٢٨) إنَّ هذا الرجل من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وهو لا يعرف معنى الكُرِّ، وما أكثر المفردات التي كان الأصحاب يسألون الأئمَّة (عليهم السلام) عنها، ولا أدري كيف يجرؤُ قومٌ على إنكار التقليد، ويدعون العوامِّ - كالفلَّاح، والنَّجَّار، والحدَّاد، والحمَّال، والزَّبَّال، والبقَّال، والرَّاعي، والسَّقَّاء، والسَّائق، والشَّرَطيَّ، والجُنديَّ، وربَّة البيت، والعجائز، والشباب في أوائل بلوغهم، والأُمِّيِّن، وغيرهم - إلى ترك التقليد، وأنْ يرجعوا بأنفسهم إلى الروايات!
(١٢٩) وسائل الشيعة (ج ١/ ص ١٦٤/ أبواب الماء المطلق/ الباب ١٠/ ح ١).
(١٣٠) الوسائل (ج ١/ ص ١٦٥).
(١٣١) الرَّكِيُّ: البئر.
(١٣٢) الكافي (ج ٣/ ص ٢/ باب الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ/ ح ٤).
(١٣٣) الكافي (ج ٣/ ص ٣/ باب الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ/ ح ٥).
(١٣٤) المصدر السابق (ح ٦).
(١٣٥) وسائل الشيعة (ج ١/ ص ١٦٨/ أبواب الماء المطلق/ الباب ١٣/ ح ٢).
(١٣٦) تهذيب الأحكام (ج ١/ ص ٤٣/ ح ١١٩).
(١٣٧) الكافي (ج ٣/ ص ٣/ باب الماء الذي لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ/ ح ٨).
(١٣٨) تهذيب الأحكام (ج ١/ ص ٤١٥/ ح ١٣٠٩).
(١٣٩) وسائل الشيعة (ج ١/ ص ١٦٦ و١٦٧/ من بعد الحديثين ٧ و ٨).
(١٤٠) وسائل الشيعة (ج ١٨/ ص ٦/ أبواب الخيار/ الباب ١/ ح ٣).
(١٤١) وسائل الشيعة (ج ١٨/ ص ٧/ أبواب الخيار/ الباب ١/ ح ٧).
(١٤٢) لاحظ: الكافي (ج ٥/ ص ٤٩١/ ح ٣)؛ والبخاري (ج ٣/ ص ٥/الطبعة الحجريَّة).
(١٤٣) الكافي (ج ٥/ ص ٩/ باب وجوه الجهاد/ ح ١).
(١٤٤) الكافي (ج ٨/ ص ٢/ كتاب الروضة/ ح ١)، وهي رسالة طويلة أوَّلها في الصفحة (٢) وآخرها في الصفحة (١٤)، وعبارة «وكلُّ بدعة في النار» جاءت في الصفحة (٨).
(١٤٥) الكافي (ج ١/ ص ٦٢/ باب اختلاف الحديث/ ح ١).
(١٤٦) الكافي (ج ١/ ص ٥٢/ باب رواية الكُتُب والحديث/ ح ٧).
(١٤٧) رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧).
(١٤٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٤/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٢٣).
(١٤٩) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٦/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١١/ ح ٢٧).
(١٥٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٤/ ح ١).
(١٥١) الكافي (ج ١/ ص ٤٦/ ح ٥).
(١٥٢) الذريعة إلى أُصول الشريعة (ص ٥٣٧/ الباب الثاني عشر/ فصل: في صفة المفتي والمستفتي/طبعة مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام)).
(١٥٣) العُدَّة في أُصول الفقه (ص ٧٢٩ و٧٣٠/ الباب الحادي عشر/ فصل: في ذكر صفات المفتي والمستفتي وبيان أحكامهما/ طبعة ستاره/ قم).
(١٥٤) معارج الأُصول (ص ٢٧٥/ الباب العاشر/ الفصل الأوَّل: في المفتي والمستفتي/ المسألة الأُولى/ طبعة سرور/ قم).
(١٥٥) تهذيب الوصول إلى علم الأُصول (ص ٢٩٠/ المقصد الثاني عشر/ الفصل الرابع: في المفتي والمستفتي/ البحث الثاني/ طبعة ستاره/ قم).
(١٥٦) المصدر السابق (ص ٢٩١/ البحث الثالث).
(١٥٧) الكافي (ج ١/ ص ٦٧/ باب اختلاف الحديث/ ح ١٠).
(١٥٨) نهج البلاغة (الحكمة ١٥٨).
(١٥٩) الكافي (ج ١/ ص ٢٥٨/ باب أنَّ الأئمَّة إذا شاءوا أنْ يعلموا علموا/ ح ١ و٣).
(١٦٠) بحار الأنوار (ج ٢٦/ ص ٢٦٩/ ح ٥)، نقلاً عن كتاب عيون أخبار الرضا للصدوق.
(١٦١) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ٨٩/ أبواب صفات القاضي/ الباب ٨/ ح ٤٣).
(١٦٢) الكافي (ج ٣/ ص ٣١١/ باب افتتاح الصلاة والحدِّ في التكبير وما يقال عند ذلك/ ح ٨).
(١٦٣) نقلنا في مبحث تاريخ المرجعيَّة حديثين في هذا المعنى، وهما: ما روي عن الصادق (عليه السلام) من قوله: «إنَّما علينا أنْ نُلقي إليكم الأُصول، وعليكم أنْ تُفرِّعوا»، وما روي عن الرضا (عليه السلام): «علينا إلقاءُ الأُصول، وعليكم التفريع» (وسائل الشيعة: ج ٢٧/ ص ٦١/ ح ٥١ و٥٢).
والتفريع هو استخراج الفروع من الأُصول، وهو عين الاستنباط الذي هو وظيفة الفقيه.
(١٦٤) وهي قوله تعالى: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...﴾ الآية (التوبة: ١٢٢).
(١٦٥) كالمروي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوَّأ مقعده من النار»، والمرويِّ عن الصادق (عليه السلام)، قال: «من فسَّر القرآن برأيه إنْ أصاب لم يُؤجَر، وإنْ أخطأ خرَّ أبعد من السماء» (وسائل الشيعة: ج ٢٧/ ص ٢٠٢/ ح ٦٦ و٧٦، وغيرهما).
(١٦٦) الكافي (ج ٢/ ص ٥٩٨/ كتاب فضل القرآن/ ح ٢).
(١٦٧) الكافي (ج ١/ ص ٦٩/ باب الأخذ بالسُّنَّة وشواهد الكتاب/ ح ٥ وغيره).
(١٦٨) علل الشرائع (ج ١/ ص ١٤٤/ الباب ٧٩/ ح ٤/ طبعة انتشارات كلمة الحقِّ/ مطبعة ستارة/ قم).
(١٦٩) رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧ ترجمة أبان بن تغلب بن رباح).
(١٧٠) نهج البلاغة (ج ٤/ ص ٢٢/ باب المختار من حِكَم أمير المؤمنين (عليه السلام)/ الحكمة ٩٨/ طبعة دار المعرفة).
(١٧١) تفسير الميزان (ج ٩/ ص ٤٢٨).
(١٧٢) الكافي (ج ١/ ص ٣١/ باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثِّ عليه/ ح ٦).
(١٧٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٨/ باب ما يجب على الناس عند مضيِّ الإمام/ ح ١).
(١٧٤) علل الشرائع (ج ١/ ص ٣٣٤/ الباب ١٨٢ علل الشرائع وأُصول الإسلام/ ح ٩)، وموضع المقطع الذي استشهد به المستشكل في (ص ٣٥٧).
(١٧٥) الكافي (ج ١/ ص ٦٩/ باب الأخذ بالسُّنَّة وشواهد الكتاب/ ح ٥ وغيره).
(١٧٦) علل الشرائع (ج ١/ ص ١٤٤/ الباب ٧٩/ ح ٤).
(١٧٧) نظام الحكم في الإسلام (ص ٢٤٦).
(١٧٨) عناية الوصول (ج ٦/ ص ٢٨٤).
(١٧٩) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٣١/ أبواب صفات القاضي/ الباب ١٠/ ح ٢٠).
(١٨٠) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٣٢/ ذيل الحديث ٢٠).
(١٨١) إنَّ الإرجاعات إلى المصادر المذكورة هي من صاحب الإشكال، ونحن لم نراجع تلك المصادر، لعدم الحاجة إلى ذلك بعد عدم توقُّف الجواب على مراجعتها.
(١٨٢) فإنَّه من أعلام القرن السادس الهجريِّ، وقد أثنى عليه جملة من الأعلام، ومنهم صاحب الوسائل، فراجع مقدِّمة كتاب الاحتجاج طبعة دار الأُسوة المجلَّد الأوَّل، من صفحة (٢٠) إلى الصفحة (٢٢)، للوقوف على حاله، وما قيل فيه.
(١٨٣) وسائل الشيعة (ج ٣٠/ ص ١٨٧/ الفائدة الخامسة/ الطريق الثالث والأربعون).

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016