فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » دروس استدلالية في العقيدة المهدوية (الحلقة الأولى)
 كتب المركز

الكتب دروس استدلالية في العقيدة المهدوية (الحلقة الأولى)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ حميد عبد الجليل الوائلي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/١٠/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٧٢ التعليقات التعليقات: ٠

دروس استدلالية في العقيدة المهدوية (الحلقة الأولى)

حميد عبد الجليل الوائلي

الفهرس

مقدّمة المركز
مقدّمة
الإهداء
الدرس الأوَّل: أهمّيَّة الإمامة وموقعها في الدِّين
العصمة
١ - الدليل العقلي
٢ - الدليل النقلي
وجوب طاعة الإمام (عليه السلام)
الدليل على إمامة الاثني عشر
الدرس الثاني: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الأدلَّة العامَّة: الانحصار بالأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)
الدليل الأوَّل: الغيبة دليل إمامة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه)
الدليل الثاني: شهادة ووفاة الإمام العسكري (عليه السلام) دليل على إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)
الدرس الثالث: التشكيك بإمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
١ - انقطاع السلسلة والاعتقاد بغيبة غير الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
٢ - الوقف على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):
٣ - القائلون بإمامة محمّد بن عليٍّ الهادي ويُسَمَّون بالمحمّديَّة
الدرس الرابع: ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وتواتر النقل
الأقوال في الولادة
تواتر الغيبة
الدرس الخامس: الدليل الكلامي والعددي على الولادة
دلالة العدد على الولادة
الدرس السادس: الإجماع والروايات والأقوال من أدلَّة الولادة
١ - الإجماع يدلُّ على الولادة
٢ - الروايات تدلُّ على الولادة
١ - دلالة عامَّة
٢ - دلالة خاصَّة
٣ - الأقوال تدلُّ على الولادة
١ - أقوال علماء الإماميَّة
٢ - أقوال علماء العامَّة
الدرس السابع: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (١)
الشُّبهة الأُولى: المهدي (عجَّل الله فرجه) غير مولود وهو شخصيَّة وهميَّة
الشُّبهة الثانية: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد لما جاز أنْ يقع الخلاف فيه
الدرس الثامن: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٢)
الشُّبهة الثالثة: إنكار جعفر
الشُّبهة الرابعة: الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) لم ينصّ على ولادة مولود له
الشُّبهة الخامسة: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد فإنَّه قد مات
الدرس التاسع: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٣)
الشُّبهة السادسة: أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو عيسى (عليه السلام)
الشُّبهة السابعة: المهدي (عجَّل الله فرجه) ابن عبد الله لا ابن الحسن (عليه السلام)
الشُّبهة الثامنة: أنَّ الإمام بعد الحسن العسكري (عليه السلام) ليس المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل جعفر، وهو قد صرَّح أنَّه الإمام بعد أخيه محمّد ابن الإمام الهادي (عليه السلام)
الدرس العاشر: الغيبة أسبابها وأدلَّتها
أسباب الغيبة
١ - الخوف من القتل
٢ - أنْ لا تقع في عنقه بيعة لظالم
٣ - استيفاء غيبات الأنبياء (عليهم السلام)
٤ - استيفاء ودائع الإيمان
٥ - سرٌّ من الأسرار
أدلَّة الغيبة
١ - تواتر القول بالغيبة
٢ - الروايات الدالَّة على الغيبة
الدرس الحادي عشر: إثارات حول الغيبة
١ - لا فرق بين الغيبة والعدم
٢ - لا نرى حكمة تدعو للغيبة، فأين وجه الحكمة منها؟
٣ - الغيبة والرفع إلى السماء واحد
٤ - بغيبته تعطَّلت الحدود وضاع الحقُّ
٥ - الغيبة خارج عن العادة
الدرس الثاني عشر: النيابة في عصر الغيبة
أقسام الغيبة
الحوادث بعد الاستشهاد
حادث تفتيش الدار وحوادث أُخرى
نقل دار الوكالة إلى بغداد
الدرس الثالث عشر: النيابة الخاصَّة في الغيبة
السفير الأوَّل: عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)
السفير الثاني: محمّد بن عثمان بن سعيد (رحمه الله)
السفير الثالث: الحسين بن روح النوبختي (رحمه الله)
السفير الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رحمه الله)
الدرس الرابع عشر: أدلَّة النيابة في الغيبتين
أدلَّة النيابة في الغيبة الصغرى
أدلَّة النيابة في الغيبة الكبرى
١ - السيرة العقلائيَّة
٢ - روايات الإرجاع إلى بعض الفقهاء في زمن الأئمَّة (عليهم السلام)
٣ - مقبولة عمر بن حنظلة
٤ - توقيع إسحاق بن يعقوب
٥ - الارتكاز
الدرس الخامس عشر: آثار وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة
١ - معرفته (عجَّل الله فرجه) شرط في قبول الأعمال
٢ - وجوده (عجَّل الله فرجه) للشهادة على أعمال الناس
٣ - وجوده (عجَّل الله فرجه) لأجل هداية الناس
٤ - وجوده (عجَّل الله فرجه) لدفع البلاء وخروج البركات
وظيفة المكلَّفين تجاه الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة
١ - ضرورة معرفة الإمام (عليه السلام) في كلِّ زمان
٢ - الطاعة للإمام (عليه السلام) بعد معرفته
٣ - الثبات على القول بإمامته (عجَّل الله فرجه)
٤ - انتظاره (عجَّل الله فرجه)
٥ - الدعاء له (عجَّل الله فرجه)
٦ - تكذيب الموقِّتين لظهوره (عجَّل الله فرجه) في زمان غيبته الكبرى
الدرس السادس عشر: علامات الظهور
المحتوم من العلامات
غير المحتوم من العلامات
الدرس السابع عشر: المنع من التوقيت والتطبيق
التوقيت
التطبيق
الدرس الثامن عشر: ادِّعاء النيابة الخاصَّة والردُّ عليها
الدرس التاسع عشر: أدعياء النيابة عن الإمام (عجَّل الله فرجه)
١ - أدعياء النيابة قديماً
١ - الحسن الشريعي
٢ - محمّد بن عليٍّ الشلمغاني
٣ - أحمد بن هلال الكرخي
٤ - الحسين بن منصور الحلَّاج
٢ - أدعياء النيابة حديثاً
الدرس العشرون: ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وأحداث البيعة في مكَّة
كيف يعرف الإمام (عجَّل الله فرجه) أنَّ وقت الظهور قد حان؟
كيف نعرف الإمام (عجَّل الله فرجه) إذا خرج؟
أحداث البيعة
أحداث مكَّة وما بعدها
نزول عيسى (عليه السلام) وما يحصل بعده
الدرس الحادي والعشرون: إثارات وشُبُهات
الشُّبهة الأُولى
الشُّبهة الثانية
الدرس الثاني والعشرون: بناء الدولة وأهدافها ومعالمها
١ - العدل، والقسمة بالسويَّة، والحكم بين جميع الأديان بكُتُبهم
٢ - العطاء فيها لم يسبق أنْ كان
٣ - اجتماع العقول، واكتمال الأحلام
٤ - إخراج الأرض بركاتها، ودخول أهل الأديان في الإسلام
٥ - استغناء الناس عن الزكاة، وطول العمر
٦ - تعليم الناس القرآن كما نزل
٧ - خروج جميع العلم
٨ - انفتاح دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) على العوالم الأخرى ومجالسة المؤمنين للملائكة، ويكون بعضهم قاضياً بين مائة ألف من الملائكة
الدرس الثالث والعشرون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) (١)
١ - إذا خرج هل سيهدم الكعبة؟
٢ - المهدي (عجَّل الله فرجه) يحكم بالديانة العالميَّة، وهي فكرة إلحاديَّة:
٣ - يأتي بدين جديد
الدرس الرابع والعشرون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٢)
٥ - مهديُّهم أفضل من النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأنبياء الآخرين (عليهم السلام)
٦ - المهدي (عجَّل الله فرجه) يحكم بغير شريعة الإسلام
الدرس الخامس والعشرون: الرجعة من معتقدات الإماميَّة
الرجعة ليست مختصَّة بأُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد وقعت في الأُمَم السابقة
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
تختلف طُرُق إيصال المعلومة إلى الآخر تبعاً لاختلاف المعلومة نفسها ومدى أهمّيَّتها وضرورتها، وفي ذلك يعمل الكاتب على أنْ يتوخَّى الطريقة المثلى لإيصال مقصوده بقالب لفظي يتناسب مع ذلك.
القضيَّة المهدويَّة لها من الأهمّيَّة القصوى ما لا توازيها قضيَّة أُخرى، كونها ممَّا اشتركت في الإيمان بكبرياتها جميع الديانات السماويَّة، بل والوضعيَّة، وكونها مثاراً للنقاشات الحادَّة، بالإضافة إلى أهمّيَّتها التراثيَّة والمعاصرة والمستقبليَّة.
من هنا نجد أنَّ الطُّرُق اختلفت وتعدَّدت في طرح مفاهيمها المتعدِّدة، فبينا تجد طريقة السرد الروائي لها، تجد طريقة أُخرى تميل إلى التحليل الموضوعي لمفاهيمها، إلى ثالثة تهتمُّ بالإجابة عن الإشكالات المطروحة أو المتوقَّعة، ورابعة تعمل على الجمع الموضوعي لما له ارتباط بها.
اختلاف هذه الطُّرُق في الوقت الذي يكشف عن أهمّيَّتها، هو يكشف عن حيويَّتها وحركتها المستمرَّة، الأمر الذي تطلَّب من الباحثين العمل على ملئ فراغاتها في مختلف الجوانب.
ومن تلك الطُّرُق هي طريقة طرح القضيَّة المهدويَّة على شكل دروس متسلسلة يعالج كلُّ درس منها موضوعاً من موضوعاتها، وقد كثرت طلبات الإخوة المؤمنين المنتظرين من مركزنا لإصدار كتاب مهدوي بهذه الطريقة؛ واستجابةً لهم، ولأهمّيَّة هذه الطريقة، فقد عملنا على اختيار كتاب يملأ هذا الجانب، فوقع الاختيار أوَّلاً على كتاب سماحة أُستاذ بحث الخارج في الحوزة العلميَّة السيِّد رياض الحكيم، وقد تمَّ إصدار كتابه الموسوم (الثقافة المهدويَّة - دروس منهجيَّة) عن مركزنا، والكتاب الذي بين يديك هو الإصدار الثاني في هذا المجال، وهو لسماحة الشيخ الفاضل حميد الوائلي، أحد أعضاء مركزنا ورئيس تحرير مجلَّة الموعود العلميَّة الصادرة من مركزنا أيضاً، حيث أخذ في كتابه هذا ببيان جوانب متعدِّدة في القضيَّة المهدويَّة وبطريقة الدروس العلميَّة المنهجيَّة، وقد عالج الكثير من تلك الجوانب، ليكون كتاباً نافعاً في هذا المجال.
ونحن في الوقت الذي نُثمِّن جهود المؤلِّف، ندعو جميع المؤلِّفين والباحثين إلى الكتابة في الشأن المهدوي ورفد المكتبة الإسلاميَّة بالنتاج المهدوي، ومركزنا مستعدٌّ دوماً لتحقيق المؤلَّفات المهدويَّة وطباعتها، رفداً للمكتبة الشيعيَّة عموماً والمهدويَّة خصوصاً.
نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا وإيَّاكم من الممهِّدين لدولة أهل البيت (عليهم السلام) والسائرين على نهجهم القويم، وأنْ يُدركنا بعصر ظهور قائمهم على سلامة من ديننا، إنَّه سميع مجيب.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
١٩/ ذو الحجَّة/ ١٤٤١هـ

بسم الله الرحمن الرحیم

مقدّمة:
الإيمان بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) فرع على الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وأنَّه حكيم في أفعاله، ومن حكمته أرسل رُسُله وأنبياءه وحُجَجه إلى الناس لهدايتهم، وهؤلاء الهداة بين الخالق والخلق وجودهم ضرورة منذ خلقهم إلى يوم القيامة.
وبعد وفاة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الواسطة، ثمّ كانت في ولده إلى الإمام الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُه»(١).
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): يجب أنْ يُعتَقد أنَّ الإمامة حقٌّ كما اعتقادنا أنَّ النبوَّة حقٌّ، ويُعتَقد أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) الذي جعل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيًّا هو الذي جعل إماماً، وأنَّ نصب الإمام وإقامته واختياره إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وأنَّ فضله منه، ويجب أنْ يُعتَقد أنَّه يلزمنا من طاعة الإمام ما يلزمنا من طاعة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ كلَّ فضل آتاه الله (عزَّ وجلَّ) نبيَّه فقد آتاه الإمام إلَّا النبوَّة، ويُعتَقد أنَّ المنكر للإمامة كالمنكر للنبوَّة والمنكر للنبوَّة كالمنكر للتوحيد، ويُعتَقد أنَّ الله لا يقبل من عامل عمله إلَّا بالإقرار بأنبيائه ورُسُله وكُتُبه جملةً، وبالإقرار بنبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) تفصيلاً، أنَّه واجب علينا أنْ نعرف النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة بعده (عليهم السلام) بأسمائهم وأعيانهم، وذلك فريضة لازمة لنا، واجبة علينا، لا يقبل الله (عزَّ وجلَّ) عذر جاهل بها، أو مقصِّر فيها، ولا يلزمنا للأنبياء الذين كانوا قبل نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا الإقرار بجملتهم، وأنَّهم جاؤوا بالحقِّ من عند الحقِّ، وأنَّ من تبعهم نجا ومن خالفهم ضلَّ وهلك، وقد قال الله (عزَّ وجلَّ) لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ويجب أنْ يُعتَقد أنَّ المنكر لواحد منهم كالمنكر لجماعتهم(٢).
وأهمّيَّة هذا الإيمان يحثُّنا أنْ نجعل من مسائله في متناول أيدي المنتظرين وخصوصاً روَّاد العلم، فجاءت هذه الحلقات الدرسيَّة لبيان أُمَّهات مسائل هذه العقيدة وجملة من تفصيلاتها بالاستدلال والإيضاح ودفع الإثارات حولها، وهذه الحلقة الأُولى من حلقات ثلاث تختلف كلُّ واحدة منها عن الأُخريات كمًّا وكيفاً.
والله تعالى وليُّ التوفيق.

تمَّ الفراغ منها يوم
(٢٨/ شهر رمضان/ ١٤٤١هـ)
ولله الحمد والمنَّة

الإهداء

سيِّدي يا حجَّة الله تعالى..
هذه بضاعة مزجاة..
فتصدَّق علينا..
وأوفِ لنا الكيل..
وأنت خير المتصدِّقين..

* * *
الدرس الأوَّل: أهمّيَّة الإمامة وموقعها في الدِّين

تعتقد الإماميَّة أنَّ الإمامة تكون قبل الخلق، وأنَّ الله تعالى دلَّ على ذلك في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، فأوَّل خلق بدأ الله تعالى به هو الخليفة، لهداية المكلَّفين، قال العلَّامة (رحمه الله): إنَّ الإمامة ونصب الإمام واجب على الله تعالى، لأنَّ الإمام لطف واللطف واجب(٣).
ولو فُرِضَ وجود الخلق قبل الخليفة والإمام لكان هؤلاء المخلوقون في معرض الضلال، وهو قبيح على الحكيم، ونقض للغرض في الهداية.
روى الشيخ الكليني (رحمه الله) بسند معتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام): «الحجَّة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق»(٤).
العصمة:
ويُشتَرط في الحجَّة أن يكون معصوماً من الذنوب، بل من الخطأ والاشتباه والنسيان، ويُستَدلُّ على عصمته بعدَّة أدلَّة، نذكر منها اثنين:
١ - الدليل العقلي:
أنَّ الغرض من الإمام هداية الأُمَّة، فلو كان يُخطئ فهو يحتاج إلى من يُصوِّبه ويهديه، وهذا خلف الفرض، لذلك قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): وإنَّ من شرط الرئيس أنْ يكون مقطوعاً على عصمته(٥)، ويقصد من الرئيس الإمام، بقرينة قوله قبل ذلك: إذا ثبت وجوب الإمامة في كلِّ حالٍ، وأنَّ الخلق مع كونهم غير معصومين لا يجوز أنْ يخلو من رئيس في وقت من الأوقات(٦).
٢ - الدليل النقلي:
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، والطاعة مطلقة، فلا بدَّ أنْ يكون المطاع معصوماً.
وجوب طاعة الإمام (عليه السلام):
إنَّنا نعلم أنَّ الشريعة الإسلاميَّة هي خاتمة الشرائع، ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠)، وأنَّ الشريعة عبارة عن التكاليف من الوجوب والحرمة وغيرها، وأنَّ هذه التكاليف تحتاج إلى من يحافظ عليها ويُبيِّنها ويوصلها إلى الناس كافَّة بعد رحيل النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسول إلى الناس كافَّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ: ٢٨)، فضرورة إيصال الأحكام لهداية الناس تقتضي بقاء شخص تصل به هذه الأحكام، وأنْ تكون طاعته واجبة، وإلَّا انتفى الغرض من جعله.
روى الشيخ الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى الطاعة للإمام بعد معرفته»، ثمّ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء: ٨٠]»(٧).
الدليل على إمامة الاثني عشر:
وممَّا استُدِلَّ به على إمامة اثني عشر إماماً روايات عديدة، منها:
حديث الثقلين: عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «إنِّي أُوشك أنْ أُدعى فأُجيب، وإنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وعترتي، كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنَّ اللطيف الخبير أخبرني أنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا بماذا تخلفوني فيهما»(٨)، وهو من الأحاديث المتواترة، وله طُرُق عديدة، وروي بألفاظ مختلفة.
تقريب الدلالة:
إنَّ هذا الحديث فرض وجود شخص من العترة مع القرآن الكريم إلى يوم الحوض، فلا يمكن أنْ نجد الكتاب الكريم ولا يوجد إلى جانبه شخص من العترة الطاهرة.
وقد نصَّت الأخبار على أسماء هذه العترة الطاهرة، وأنَّهم الأئمَّة الاثنا عشر، أوَّلهم عليٌّ (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عجَّل الله فرجه)، وممَّا ورد في ذلك:
ما روي عن سُلَيم بن قيس في حديث طويل يتضمَّن عدَّة أسئلة وُجِّهت للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الخليفة والإمام بعده، وعن تفسير بعض الآيات، وكان الذي يسأله سلمان (رحمه الله)، إلى أنْ يقول: فقام أبو بكر وعمر فقالا: يا رسول الله، هذه الآيات خاصَّة لعليٍّ؟ قال: «بلى فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة»، قالا: يا رسول الله، بيِّنهم لنا، قال: «عليٌّ أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أُمَّتي ووليُّ كلِّ مؤمن بعدي، ثمّ ابني الحسن، ثمّ ابني الحسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتَّى يردوا عليَّ حوضي...»(٩).

* * *
الدرس الثاني: أدلَّة إمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

ثبت لدينا أنَّ الأئمَّة بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم: الإمام عليٌّ (عليه السلام)، ثمّ ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ السجَّاد، ثمّ الباقر، ثمّ الصادق، ثمّ الكاظم، ثمّ الرضا، ثمّ الجواد، ثمّ الهادي، ثمّ العسكري، ثمّ الحجَّة بن الحسن (عليهم السلام)، على نحو المجموع.
نتحدَّث الآن عن أدلَّة إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، وممَّا استُدِلَّ به على إمامته أدلَّة عامَّة وخاصَّة:
الأدلَّة العامَّة: الانحصار بالأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام):
دلَّت الروايات على حصر الأئمَّة باثني عشر إماماً، وأنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) منهم، قال الشيخ المفيد (رحمه الله): ... الدليل على ذلك أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصَّ عليهم نصًّا متواتراً بالخلافة، مثل قوله (عليه السلام): «ابني هذا الحسين إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمَّة تسعة تاسعهم قائمهم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(١٠).
وقال الشيخ الصدوق (رحمه الله): اعتقادنا أنَّ حُجَج الله تعالى على خلقه بعد نبيِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأئمَّة الاثنا عشر...، ونعتقد أنَّ حجَّة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر محمّد بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وأنَّه هو الذي أخبر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الله (عزَّ وجلَّ) باسمه ونسبه...، ونعتقد أنَّه لا يجوز أنْ يكون القائم غيره، بقي في غيبته ما بقي، ولو بقي في غيبته عمر الدنيا لم يكن القائم غيره، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) دلُّوا عليه باسمه ونسبه، وبه نصُّوا، وبه بشَّروا (صلوات الله عليه)(١١).
وممَّا دلَّ على هذا الانحصار من الروايات:
١ - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا بن مسعود، عليُّ بن أبي طالب إمامكم بعدي، وخليفتي عليكم، فإذا مضى فابني الحسن إمامكم بعده وخليفتي عليكم، فإذا مضى فابني الحسين إمامكم بعده وخليفتي عليكم، ثمّ تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد أئمَّتكم وخلفائي عليكم، تاسعهم قائم أُمَّتي، يملأها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً...»(١٢).
٢ - عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «إنَّ الله تعالى أرسل محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجنِّ والإنس عامَّة، وكان من بعده اثنا عشر وصيًّا، منهم من سبقنا ومنهم من بقي، وكلُّ وصيٍّ جرت به السُّنَّة، والأوصياء الذين من بعد محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سنة أوصياء عيسى إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكانوا اثني عشر، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على سُنَّة المسيح»(١٣).
٣ - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - في حديث له -: «إنَّ الله اختار من الناس الأنبياء، [واختار من الأنبياء] الرُّسُل، واختارني من الرُّسُل، واختار منِّي عليًّا، واختار من عليٍّ الحسن والحسين، واختار من الحسين الأوصياء، تاسعهم قائمهم، وهو ظاهرهم وباطنهم»(١٤).
الدليل الأوَّل: الغيبة دليل إمامة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه):
دلَّت الروايات على أنَّ غيبة ستقع في شخص من ذرّيَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه آخر الأئمَّة الاثني عشر من ولد عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام) من أبناء الحسين (عليه السلام)، وصارت مورداً لحديث الخاصِّ والعامِّ قبل ولادته، فلو لم تصدق هذه الغيبة بوقوعها لاستلزم تكذيب الرسول الأكرم والأئمَّة (عليهم السلام).
فلا بدَّ أنْ تكون الغيبة المخبَر بها قبل وقوعها دليلاً على إمامته.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): ويدلُّ أيضاً على إمامة ابن الحسن (عليه السلام) وصحَّة غيبته ما ظهر وانتشر من الأخبار الشائعة الذائعة عن آبائه (عليهم السلام) قبل هذه الأوقات بزمان طويل من أنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، وصفة غيبته وما يجري فيه من الاختلاف، ويحدث فيها من الحوادث، وأنَّه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الأُخرى، وأنَّ الأُولى يُعرَف فيها خبره، والثانية لا يُعرَف فيها أخباره، فوافق ذلك على ما تضمَّنته الأخبار، ولولا صحَّتها وصحَّة إمامته لما وافق ذلك، لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بإعلام الله تعالى على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذه أيضاً طريقة معتمدة اعتمدها الشيوخ قديماً(١٥).
الدليل الثاني: شهادة ووفاة الإمام العسكري (عليه السلام) دليل على إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه):
الضرورة على وجود إمام في كلِّ زمان، وأنَّه لا يخلو زمان من إمام، ممَّا لا شكَّ ولا خلاف فيها، كما ودلَّت عليها بعض الوجوه ممَّا تقدَّم في الدرس الأوَّل، فراجع.
كما وتقدَّم نقل المصادر التي روت أحاديث أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً.
فإذا ثبت لدينا أنَّ الأئمَّة من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد ماتوا، وأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد دلَّت الأدلَّة الواضحة على موته، فينتج عن مجموع هذه الأُمور ضرورة وجود إمامٍ يقوم في الأُمَّة، وليس هو إلَّا ما نصَّت عليه الروايات من أنَّه الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه).
وممَّا دلَّ على وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) أُمور عديدة، منها:
١ - أقوال من ذكر الوفاة، ومنهم: الشيخ الكليني (رحمه الله)، قال: وقُبِضَ - أي الإمام العسكري (عليه السلام) - يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة ستِّين ومائتين(١٦).
وممَّن ذكر ذلك الشيخ الطوسي(١٧) والعلَّامة الحلِّي (رحمه الله)(١٨)، ومن أبناء العامَّة الذهبي تلميذ ابن تيميَّة، ونصُّ عبارته: وكان موت الحسن سنة ستِّين ومائتين(١٩)، وقاله أيضاً ابن الأثير(٢٠).
٢ - التواتر الذي يحكي حصول الوفاة، وممَّن نقله:
الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسند صحيح عن سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا من حضر موت الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (عليهم السلام) ودفنه ممَّن لا يُوقَف على إحصاء عددهم، ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب...(٢١).
٣ - الروايات، وهي كثيرة، ومنها:
ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام): «... وأختم بالسعادة لابنه عليٍّ وليِّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، أُخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن، ثمّ أُكمل ذلك بابنه رحمةً للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيُّوب...»(٢٢).

* * *
الدرس الثالث: التشكيك بإمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

أُثيرت حول إمامته (عجَّل الله فرجه) عدَّة من الإثارات، منها:
١ - انقطاع السلسلة والاعتقاد بغيبة غير الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
إنَّ اعتقادنا بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إماماً للأُمَّة متفرِّع على كونه الإمام الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، فلو أنَّ مدَّعياً ادَّعى أنَّ سلسلة الأئمَّة والإمامة منقطعة وأنَّ هناك توقُّف، فإنَّ الأدلَّة التي تقدَّمت في إثبات إمامته كافية في إثباتها، لكن مع ذلك فإنَّ هؤلاء قد أقرُّوا بلزوم الإمامة وخالفوا في الانطباق، إذ قالوا بإمامة غيره، فلا بدَّ من إثبات بطلان مدَّعاهم.
فمن قال بإمامة ابن الحنفيَّة كالكيسانيَّة، أو القائلون بإمامة الإمام الصادق (عليه السلام) كالناووسيَّة، يرد عليهم:
١ - أنَّ موت الإمام الصادق (عليه السلام) أو محمّد بن الحنفيَّة ممَّا اشتهر وذاع، فلا يصحُّ معه ادِّعاء غيبته.
٢ - أنَّ ما دلَّ على أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً يُبطِل هذا الادِّعاء، وما دلَّ على إمامة الإمام اللَّاحق بوصيَّة من الإمام السابق عليه يُبطِله أيضاً.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): نحن لم نشاهد موت أحد من السلف، وإنَّما صحَّ موتهم عندنا بالخبر، فإنْ وقف واقف على بعضهم سألناه الفصل(٢٣) بينه وبين من وقف على سائرهم، وهذا ما لا حيلة لهم فيه(٢٤).
٢ - الوقف على الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام):
قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): وقالت الفرقة الثانية: إنَّ موسى بن جعفر لم يمت وإنَّه حيٌّ ولا يموت حتَّى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلَّها عدلاً كما مُلِئَت جوراً، وإنَّه القائم المهدي...، وإنَّه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنَّه قال: «هو القائم المهدي فإنْ يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تُصدِّقوا فإنَّه القائم»(٢٥).
والجواب عنها:
١ - أنَّ موت الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ظاهر مشتهر مستفيض كما اشتهر موت من تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام).
ولو شككنا في موته لتطرَّق الشكُّ إلى موت جميع من تقدَّمه، بل إنَّ موته أشهر ممَّن تقدَّمه.
٢ - روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عدَّة روايات تنصُّ على موته، منها: ما رواه يونس بن عبد الرحمن، قال: حضر الحسين بن عليٍّ الرواسي جنازة أبي إبراهيم (عليه السلام)، فما وُضِعَ على شفير القبر إذا رسول من سندي بن شاهك قد أتى أبا المضا خليفته - وكان مع الجنازة - أنْ اكشف وجهه للناس قبل أنْ تدفنه حتَّى يروه صحيحاً لم يحدث به حدث، قال: وكشف عن وجه مولاي حتَّى رأيته وعرفته، ثمّ غُطِّي وجهه وأُدخِلَ في قبره (صلَّى الله عليه)(٢٦).
٣ - القائلون بإمامة محمّد بن عليٍّ الهادي ويُسَمَّون بالمحمّديَّة:
قال الشيخ النوبختي (رحمه الله): فلمَّا تُوفّي عليُّ [الهادي] بن محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا (صلوات الله عليهم) قالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمّد [سبع الدجيل]، وقد كان تُوفّي في حياة أبيه بسُرَّ من رأى، وزعموا أنَّه حيٌّ لم يمت، واعتلوا في ذلك بأنَّ أباه أشار إليه وأعلمهم أنَّه الإمام من بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإنْ كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيَّبه، وهو القائم المهدي...(٢٧).
والجواب عنها:
١ - أنَّ انقراض هؤلاء كاشف عن كونهم ليسوا بحقٍّ، إذ إنَّ الحقَّ لا ينقرض.
إنْ قلت: هل كلُّ من بقي فهو حقٌّ؟
قلت: الحقُّ لا ينقرض لو كان في جماعة، أمَّا جميع الموجودين هم على حقٍّ فلا نقول به.
٢ - أنَّ محمّد بن عليٍّ العسكري (عليه السلام) مات في حياة أبيه موتاً ظاهراً، والأخبار في ذلك ظاهرة معروفة، فمن دفع موته كان كمن دفع موت من تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام).
روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن محمّد بن أبي الصهبان القمّي الثقة بواسطة واحدة أنَّه قال: لمَّا مات أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى (عليهم السلام) وُضِعَ لأبي الحسن عليِّ بن محمّد (عليهما السلام) كرسي، فجلس عليه، وكان أبو محمّد الحسن بن عليٍّ قائماً في ناحية، فلمَّا فرغ من غُسل (أبي جعفر) التفت أبو الحسن إلى أبي محمّد (عليهما السلام)، فقال: «يا بنيَّ، أحدث لله شكراً، فقد أحدث فيك أمراً»(٢٨).
ثمّ ذكر عدَّة روايات في موت محمّد في حياة أبيه (عليه السلام).
٣ - أنَّ هذا القول باطل لما دلَّنا على إمامة أخيه الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، ومنها: ما ورد عن عليِّ بن عمر النوفلي، قال: كنت مع أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في داره، فمرَّ عليه أبو جعفر، فقلت له: هذا صاحبنا؟ فقال: «لا، صاحبكم الحسن»(٢٩)، وهناك عدَّة روايات تدلُّ على ذلك ذكرها شيخ الطائفة (رحمه الله)، فراجع.

* * *
الدرس الرابع: ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وتواتر النقل

تبيَّن لنا:
١ - ضرورة وجود الإمام (عليه السلام) مع الخلق دائماً، ولا بدَّ أنْ يكون معصوماً، وأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) اثنا عشر إماماً، ممَّا يعني بطلان كلِّ الفِرَق التي لم تؤمن بهم أو وقفت على بعضهم.
٢ - تقدَّمت بعض الأدلَّة الدالَّة على إمامة الإمام الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) بالخصوص.
وقبل الشروع في أدلَّة الولادة نطلُّ على الأجواء التي كانت محيطة بزمان ولادته (عجَّل الله فرجه).
من أصعب الظروف ما عاشه أهل البيت (عليهم السلام) بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من شدَّة واضطهاد وتنكيل وقتل وتشريد لهم ولأتباعهم، حتَّى صارت مشايعتهم جريمة يُحاسِب عليها أصحاب السلطة في زمانهم، وكانت رواية الحديث عنهم جريمة تصل عقوبتها في بعض الحُقَب الموت، في مثل هذه الأجواء يَعِدُ أهل البيت (عليهم السلام) الأُمَّة الإسلاميَّة ومن قِبَل كلِّ إمام منهم بالحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) الذي يقوم بتخليص الناس من الظلم والجور، ترى كيف سيتسنَّى للرواة نقل هذه الأخبار؟
مع هذه الشدَّة نُقِلَت أخبار ولادته (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه خفيُّ المولد، وممَّا روي بهذا الصدد:
١ - عن أيُّوب بن نوح، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنَّا لنرجو أنْ تكون صاحب هذا الأمر، وأنْ يردَّه الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف، فقد بويع لك، وضُرِبَت الدراهم باسمك، فقال [(عليه السلام)]: «ما منَّا أحد اختلفت إليه الكُتُب، وسُئِلَ عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحُمِلَت إليه الأموال، إلَّا اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفيَّ المولد والمنشأ، غير خفيٍّ في نسبه»(٣٠).
٢ - روى الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: روى محمّد بن يعقوب الكليني رفعه، قال: قال أبو محمّد (عليه السلام) - حين وُلِدَ الحجَّة (عليه السلام) -: «زعم الظلمة أنَّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، فكيف رأوا قدرة الله؟»، وسمَّاه المؤمَّل(٣١).
وأمَّا ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) ولعلَّه المعنيُّ به في كلام شيخ الطائفة (رحمه الله)، فهو روايته عن الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلَّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قُتِلَ الزبيري: «هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنَّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله؟»، ووُلِدَ له ولد سمَّاه (م ح م د) سنة ستّ وخمسين ومائتين(٣٢).
الأقوال في الولادة:
١ - قال الشيخ المفيد (رحمه الله): فإنْ قيل: مَنْ الإمام بعد عليٍّ (عليه السلام)؟
فالجواب: ولده الحسن (عليه السلام)، ثمّ الحسين...، ثمّ الخلف القائم المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين).
فإنْ قيل: ما الدليل على إمامة كلِّ واحدٍ من هؤلاء المذكورين؟
فالجواب: الدليل على ذلك أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصَّ عليهم نصًّا متواتراً بالخلافة...(٣٣).
٢ - قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): والخبر بولادة ابن الحسن (عليه السلام) وارد من جهات أكثر ممَّا يثبت به الأنساب في الشرع(٣٤).
تواتر الغيبة:
الغيبة فرع الوجود، فلا بدَّ أنْ يكون مَنْ تواترت غيبته مولوداً، إذ لا معنى لتواتر القول بغيبة غير الموجود.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ... فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (عليه السلام) على ما شرحت، وأنَّه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنَّها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقَّعها وتترجَّاها(٣٥).
وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): على أنَّ هذه الأخبار [الغيبة] متواتر بها لفظاً ومعنىً، فأمَّا اللفظ فإنَّ الشيعة تواترت بكلِّ خبر منه...(٣٦).
وقال الشيخ أبو الفتح الكراجكي الطرابلسي (رحمه الله): ... وكذلك الغيبة نفسها فرع عن صحَّة الوجود، إذ كان لا يصحُّ غيبة مَنْ ليس بموجود، فمن جحد وجود الإمام فلا يصحُّ كلامه في ما بعد ذلك من هذه الأحوال، فقد بان أنَّه لا بدَّ من تسليم الوجود والإمامة(٣٧).
وقال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): ... وأمَّا غيبته (صلوات الله عليه) فقد تواترت الأخبار بها قبل ولادته(٣٨).

* * *
الدرس الخامس: الدليل الكلامي والعددي على الولادة

وتقريره ضمن مقدّمات:
١ - حاجة الناس إلى الهداية في كلِّ زمان تقتضي وجود إمام في كلِّ زمان، وتقدَّم بحثه مفصَّلاً في الاستدلال على إمامة الإمام (عجَّل الله فرجه) والأئمَّة من آبائه (عليهم السلام) فيما تقدَّم من دروس.
٢ - وقد دلَّت الأدلَّة على أنَّ مَنْ هذا شأنهم في الأُمَّة هم اثنا عشر إماماً، وقد مضى منهم أحد عشر إماماً، فلا بدَّ من إمامة الثاني عشر، لتكتمل عدَّة الاثني عشر إماماً.
فيلزم أنْ نعتقد بالثاني عشر وإنْ لم يدلّنا دليل خاصٌّ على وجوده أو ولادته.
قال الشيخ أبو الصلاح الحلبي (رحمه الله): برهان العقل على إمامته: فأمَّا برهان العقل، فعلمنا به وجوب الرئاسة وعصمة الرئيس وفضله على الرعيَّة في الظاهر والباطن وكونه أعلمهم بما هو رئيس فيه، وكلُّ من قال بذلك قال بإمامة الحجَّة بن الحسن (عليه السلام)، وكونه الرئيس ذا الصفات الواجبة، دون سائر الخلق، من وفاة أبيه إلى أنْ يظهر...(٣٩).
وقال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الإمامة، واستحالة أنْ يُخلي الحكيم سبحانه عباده المكلَّفين وقتاً من الأوقات من وجود إمام معصوم من القبائح، كامل غني عن رعاياه في العلوم، ليكونوا بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وثبت وجوب النصِّ على من هذه صفته من الأنام، أو ظهور المعجز الدالِّ عليه المميِّز له عمَّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلِّ أحد بعد وفاة أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري ممَّن ادُّعيت الإمامة له في تلك الحال، سوى من أثبت إمامته أصحابه (عليه السلام) من ولده، القائم مقامه، ثبت إمامته (عليه السلام)...، على أنَّه سبق النصُّ عليه من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ من أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ من الأئمَّة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد إلى أبيه (عليه السلام)، وإخبارهم (عليهم السلام) بغيبته قبل وجوده، وبدولته بعد غيبته(٤٠).
وهو دالٌّ على ما تقدَّم ذكره وزيادة في الدلالة على الولادة.
دلالة العدد على الولادة:
ذكرت جملة من الروايات أنَّ الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أبناء فاطمة وعليٍّ (عليهما السلام) من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وأنَّه الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه).
كما ودلَّت جملة أُخرى من الروايات أنَّه مذكور بعدد محدَّد من آبائه (عليهم السلام).
ومن هذه النصوص:
١ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) التاسع من وُلد الحسين (عليه السلام): فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تذهب الدنيا حتَّى يقوم بأمر أُمَّتي رجل من صلب الحسين يملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً»، قلنا: من هو يا رسول الله؟ قال: «الإمام التاسع من صلب الحسين (عليه السلام)»(٤١).
٢ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) السابع من وُلد الباقر (عليه السلام): فعنه (عليه السلام): «من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمن شكَّ فيما أقول لقي الله سبحانه وهو به كافر وله جاحد»، ثمّ قال: «بأبي وأُمِّي المسمَّى باسمي، والمكنَّى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً...»(٤٢).
٣ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) السادس من وُلد الصادق (عليه السلام): فعنه (عليه السلام): «إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمَّة الهداة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أوَّلهم أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحقِّ بقيَّة الله في الأرض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتَّى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٤٣).
٤ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) الخامس من وُلد السابع موسى بن جعفر (عليه السلام): فعنه (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامس من وُلد السابع فالله الله في أديانكم»(٤٤).
٥ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) الرابع من ولد الإمام الرضا (عليه السلام): سُئِلَ (عليه السلام): ... يا بن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: «الرابع من ولدي، ابن سيِّدة الإماء، يُطهِّر الله به الأرض من كلِّ جور، ويُقدِّسها من كلِّ ظلم...»(٤٥).
٦ - أنَّه (عجَّل الله فرجه) من ولد الإمام الهادي (عليه السلام): فعنه (عليه السلام): «إنَّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٤٦).
فالنصوص المتقدِّمة تفيد وجود معدود محدَّد، وإلَّا لزم اللغو من ذكر العدد.

* * *
الدرس السادس: الإجماع والروايات والأقوال من أدلَّة الولادة

١ - الإجماع يدلُّ على الولادة:
بتقريب: أنَّ الولادة وإنْ كانت من القضايا الحسّيَّة، والإجماع من القضايا الحدسيَّة، إلَّا أنَّ من ينقل إجماع الطائفة عليها إنَّما ينقله تبعاً لما توفَّرت لديه من أدلَّة وأقوال لمن سبقه في إثباتها.
وكيفما كان فقد نُقِلَ الإجماع على الولادة، وممَّن نقله:
الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: ... ومن خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول - مع اعتبار العدد -: إنَّ المراد غيرهم خروج عن الإجماع، وما أدَّى إلى ذلك وجب القول بفساده(٤٧)، فمخالفة ما ثبت في إمامة الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ عددهم محدَّد باثني عشر إماماً، هذا مخالف للإجماع.
٢ - الروايات تدلُّ على الولادة:
دلَّت الروايات على الولادة بنحوين:
١ - دلالة عامَّة:
وممَّا دلَّ عليها بهذا النحو نصوص عديدة، منها:
أ - لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهلها، وورد بعدَّة ألسن(٤٨).
وتقريب دلالته على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وضرورة ولادته، أنَّ الأرض لم تسخ بأهلها، ولا زالت موجودة، فلا بدَّ أنْ يكون الإمام (عجَّل الله فرجه) موجوداً مولوداً كي لا تسيخ.
ب - حديث الثقلين المتواتر، وممَّا ورد فيه عن رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألَا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»(٤٩).
والقرآن في زماننا موجود، فلا بدَّ من وجود قرين له، ولم يدلّ دليل على هذا القرين سوى ما يدَّعيه الشيعة الإماميَّة الاثنا عشريَّة من وجود الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه).
٢ - دلالة خاصَّة:
وممَّا دلَّ عليها بهذا النحو عدَّة نصوص، منها:
أ - الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن أحمد بن محمّد، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قُتِلَ الزبيري: «هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنَّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله؟»، ووُلِدَ له ولد سمَّاه (م ح م د) سنة ستّ وخمسين ومائتين(٥٠).
ب - الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله)، عن شيخه ابن المتوكِّل، عن الحميري، عن العمري، قال: سمعته يقول: والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنة، فيرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه(٥١).
٣ - الأقوال تدلُّ على الولادة:
ذكر علماء النسب والتاريخ والحديث ما يدلُّ على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)، ومن هذه الأقوال:
١ - أقوال علماء الإماميَّة:
ومنها:
أ - الشيخ الكليني (رحمه الله)، قال: وُلِدَ (عليه السلام) للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(٥٢).
ب - الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: ما روي في ميلاد القائم صاحب الزمان حجَّة الله ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)(٥٣)، ثمّ ذكر الروايات الدالَّة على الولادة.
ج - الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: فأمَّا الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحَّتها، فأشياء اعتباريَّة، وأشياء إخباريَّة(٥٤)، ثم فصَّل ذلك.
٢ - أقوال علماء العامَّة:
ومنها:
أ - أبو الفداء، قال: ... والحسن العسكري المذكور هو والد محمّد المنتظر صاحب السرداب، ومحمّد المنتظر المذكور هو ثاني عشر الأئمَّة الاثني عشر على رأي الإماميَّة، ويقال له: القائم والمهدي والحجَّة، ووُلِدَ المنتظر المذكور في سنة خمس وخمسين ومائتين(٥٥).
ب - الذهبي، قال: الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليٍّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد أئمَّة الشيعة الذين تدَّعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري، لكونه سكن سامرَّاء، فإنَّها يقال لها: العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، تُوفّي إلى رضوان الله بسامرَّاء في ثامن ربيع الأوَّل سنة ستِّين، وله تسع وعشرون سنة، ودُفِنَ إلى جانب والده، وأُمُّه أَمَة، وأمَّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجَّة، فوُلِدَ سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستّ وخمسين...(٥٦).

* * *
الدرس السابع: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (١)

أُثيرت حول ولادة الإمام الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) عدَّة شُبُهات تهدف إلى حجب الحقيقة الواضحة التي تمَّ الاستدلال عليها من خلال الأدلَّة المتقدِّمة وغيرها، والإيحاء إلى أنَّ ولادته (عجَّل الله فرجه) لم تقع، وإنَّما أصل وجود هذه القضيَّة وهمٌ، وما إلى ذلك، ومن بين تلكم الشُّبُهات:
الشُّبهة الأولى: المهدي (عجَّل الله فرجه) غير مولود وهو شخصيَّة وهميَّة:
يقول بعض من ليس له بصيرة بالأخبار والآثار: إنَّ آخر إمام للشيعة لا وجود له إلَّا في أذهان الشيعة، وإنَّ هذه الخرافة من الأساطير التي لا دليل عليها من الكتاب والسُّنَّة(٥٧).
والجواب عنها:
١ - الفرق بين الخرافة والحقيقة أنَّ الأُولى لا دليل عليها، والثانية عليها دليل، ودلائل ولادة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) عديدة، ومنها ما تقدَّم آنفاً.
٢ - من القرآن الكريم توجد العديد من الآيات التي فُسِّرت بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه يغيب بعد ولادته ثمّ يظهر، ومنها: ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥ و١٦)، حيث ذكرت الرواية أنَّه: «إمام يخنس سنة ستِّين ومائتين، ثمّ يظهر كالشهاب يتوقَّد في الليلة الظلماء»(٥٨).
٣ - ممَّا يدعو للإيمان بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نصوص متواترة(٥٩) من قبيل حديث الثقلين الذي قرن وجود القرآن بوجود ثقل آخر من أهل البيت (عليهم السلام)، ونصَّت أدلَّة أُخرى على تشخيص هويَّة هذا الثقل، وأنَّه الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)(٦٠).
الشُّبهة الثانية: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد لما جاز أنْ يقع الخلاف فيه:
نقل الشيخ الطوسي (رحمه الله) هذا القول عن بعضهم قائلاً: إنَّا نعلم أنَّه لم يكن للحسن بن عليٍّ ابن كما نعلم أنَّه لم يكن له عشرة بنين، وكما نعلم أنَّه لم يكن للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابن لصلبه عاش بعد موته. فإنْ قلتم: لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أنْ يقع فيه خلاف كما لا يجوز أنْ يقع الخلاف في الآخر...، إلى آخر كلامه(٦١).
ومحصَّل كلامه أنَّه لو كان للإمام الحسن (عليه السلام) ولد لما جاز أنْ يقع فيه خلاف على أنَّ القائل بهذه الشُّبهة ينفي العلم بالولادة، بل يدَّعي العلم بعدم الولادة، كما أنَّ لديه علماً بعدم وجود أبناء عشرة للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فالشُّبهة تنحلُّ إلى مدَّعيات ثلاثة:
١ - أنَّنا لا نعلم بالولادة.
٢ - بل نعلم بالعدم.
٣ - لو سلَّمنا وقوعها لما جاز أنْ يقع فيها الخلاف.
والجواب عنها:
١ - لا يوجد علم بعدم الولادة، إذ من أين يأتي القطع بعدم ولادة ولد للحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، مع رواية آبائه (عليهم السلام) في ولده أنَّه تخفى على الناس ولادته على ما تقدَّم(٦٢)، فادِّعاء تحصيل العلم والقطع بعدم الولادة أمر في غاية المجازفة، وعهدة هذه الدعوى على مدَّعيها، إذ لا أثر منها ولا عين، بل الأدلَّة المتقدِّمة تُعطي العلم بها.
٢ - أمَّا دعوى عدم العلم بها، فهي لا تساوق عدم حصولها، إذ عدم العلم بشيء ليس دليلاً على العدم، على أنَّ أدلَّة إثبات الولادة تنفي هذه الدعوى من أصل.
٣ - أمَّا الدعوى الثالثة فالجواب عنها بأنَّ وقوع الخلاف في الولد لدواعٍ عقلائيَّة أمر واقع، وعليه شهادة الوجدان، فإنَّ العقلاء قد تدعوهم عدَّة دواعٍ لكتمان ولادة أولادهم لأغراض مختلفة، كيف والإمام (عجَّل الله فرجه) قد دلَّت الأخبار على أنَّه يقال فيه: لم يُولَد، ومنها:
أ - ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... انظروا من خفيت ولادته، فيقول قوم: وُلِدَ، ويقول قوم: ما وُلِدَ، فهو صاحبكم»(٦٣).
ب - وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «إنَّكم ستُبتَلون بما هو أشدّ وأكبر، تُبتَلون بالجنين في بطن أُمِّه، والرضيع، حتَّى يقال: غاب ومات، ويقولون: لا إمام...»(٦٤).
ج - وروى الشيخ الكليني (رحمه الله)، عن عليِّ بن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشَّاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة - والسند تامٌّ على بعض المباني -، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم»، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين...»(٦٥).
فإنَّ دلالة الأحاديث على خفاء مولده (عجَّل الله فرجه) واضحة، فكيف يُدَّعى بعدها أنَّ وقوع الخلاف في ولادته (عجَّل الله فرجه) يكشف عن عدم وقوعها، بل العكس هو الصحيح، فإنَّه لو لم يقع خلاف في ولادته (عجَّل الله فرجه) لما صحَّت، لأنَّ الأخبار المتقدِّمة وغيرها ممَّا يوجب الاطمئنان بصدورها توجب الإذعان بأنَّ من لا تخفى ولادته ليس هو الحجَّة، فيكون الإخبار بهذا النحو نوعاً من الإعجاز في الإخبار عنه وعن خفاء مولده (عجَّل الله فرجه) الذي تحقَّق.

* * *
الدرس الثامن: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٢)

الشُّبهة الثالثة: إنكار جعفر:
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): وأمَّا إنكار جعفر بن عليٍّ - عمّ صاحب الزمان (عليه السلام) - شهادة الإماميَّة بولد لأخيه الحسن بن عليٍّ، وُلِدَ في حياته، ودفعه بذلك وجوده بعده، وأخذته تركته، وحوزه ميراثه، وما كان منه في حمل سلطان الوقت على حبس جواري الحسن (عليه السلام) واستبدالهنَّ بالاستبراء لهنَّ من الحمل، ليتأكَّد نفيه لولد أخيه، وإباحته دماء شيعتهم بدعواهم خلفاً له بعده كان أحقّ بمقامه(٦٦).
والجواب عنها:
١ - ما أجاب به الشيخ الطوسي (رحمه الله) في معرض استعراضها حيث قال: وأمَّا إنكار جعفر... فليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد المحصِّلين، لاتِّفاق الكلِّ على أنَّ جعفراً لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء، فيمتنع عليه لذلك إنكار حقٍّ ودعوى باطل، بل الخطأ جائز عليه، والغلط غير ممتنع منه(٦٧).
٢ - ويواصل شيخ الطائفة (رحمه الله) الإجابة على هذه الشُّبهة، تنزُّلاً منه - مع أنَّها ليست بشبهة يُعتَمد عليها - بقوله: وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب (عليه السلام) مع أخيهم يوسف (عليه السلام) وطرحهم إيَّاه في الجُبِّ، وبيعهم إيَّاه بالثمن البخس، وهم أولاد الأنبياء، وفي الناس من يقول: كانوا أنبياء، فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطأ فيهم، فلِمَ لا يجوز مثله من جعفر بن عليٍّ مع ابن أخيه(٦٨)؟
٣ - قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ومن الدليل على فساد أمره(٦٩) استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أُمِّ الحسن (عليها السلام) وقد أجمعت الشيعة أنَّ آباءه (عليهم السلام) أجمعوا أنَّ الأخ لا يرث مع الأُمِّ. ومن الدليل على فساد أمره قوله: إنِّي إمام بعد أخي محمّد، فليت شعري متى ثبتت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتَّى تثبت إمامة خليفته(٧٠)؟
الشُّبهة الرابعة: الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) لم ينصّ على ولادة مولود له:
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): وأمَّا قول المعتزلة: إنَّا قد علمنا يقيناً أنَّ الحسن ابن عليٍّ (عليهما السلام) مضى ولم ينصّ(٧١).
والجواب عنها:
الشيخ الصدوق (رحمه الله) أجاب بنفسه عن هذه الشُّبهة بعدَّة وجوه، نجعل مضامين كلامه في نقاط:
١ - أنَّ هذه الدعوى تحتاج إلى الاستدلال عليها، وعلى المعتزلة ومن يدَّعيها أنْ يُثبِت صحَّتها، حيث قال: وهم محتاجون إلى أنْ يدلُّوا على صحَّتها وبأيِّ شيء ينفصلون - يفصلون - ممَّن زعم من مخالفيهم أنَّهم قد علموا من ذلك ضدَّ ما ادَّعوا أنَّهم علموه(٧٢).
٢ - أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) نصَّ على إمامة الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه أوصى إليه، وأنَّ الشيعة نقلت هذه النصوص، وادِّعاء عدم النصِّ لا وجه له ولا مجال لتصديقه.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في معرض ردِّ هذه الشُّبهة في كلام طويل منه: ومن الدليل على أنَّ الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) قد نصَّ ثبات إمامته، وصحَّة النصِّ من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفساد الاختيار، ونقل التشيُّع عمَّن قد أوجبوا بالأدلَّة تصديقه أنَّ الإمام لا يمضي أو ينصُّ على إمام كما فعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ كان الناس محتاجين في كلِّ عصر إلى من يكون خبره لا يختلف ولا يتكاذب كما اختلفت أخبار الأُمَّة عند مخالفينا هؤلاء وتكاذبت...، فإنْ قالت المعتزلة: هذه دعاوي تحتاجون إلى أنْ تدلُّوا على صحَّتها، قلنا: أجل لا بدَّ من الدلائل على صحَّة ما ادَّعيناه من ذلك، وأنتم، فإنَّما سألتم عن فرع، والفرع لا يُدَلُّ عليه دون أنْ يُدَلُّ على صحَّة أصله، ودلائلنا في كُتُبنا موجودة على صحَّة هذه الأُصول ونظير ذلك...، ثمّ ذكر في مفصَّل كلامه الأُصول وكيفيَّة الاستدلال عليها من كُتُبنا(٧٣).
٣ - تقدَّم في أدلَّة ولادته (عجَّل الله فرجه) النصُّ عليها، وفي أدلَّة إمامته (عجَّل الله فرجه) النصُّ عليه من آبائه (عليهم السلام)، وسيأتي في الحلقة القادمة زيادة في النصوص عليه كمًّا وكيفاً.
الشُّبهة الخامسة: لو كان للإمام العسكري (عليه السلام) ولد فإنَّه قد مات:
هؤلاء يعترفون بولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) إلَّا أنَّهم يقولون بموته.
قال الذهبي في (تاريخ الإسلام): عاش بعد أبيه سنتين، ثمّ عُدِمَ، ولم يُعلَم كيف مات(٧٤)، ونقلها الشيخ الطوسي (رحمه الله) في غيبته عن جماعة قائلاً: وكالذين قالوا: إنَّه مات ثمّ يعيش(٧٥).
والجواب عنها:
١ - عهدة هذه الدعوى على مدَّعيها.
٢ - لازم هذا القول خلو الزمان من حجَّة لله تعالى، والوقوع في الميتة الجاهليَّة، وعدم وجود قرين للقرآن الوارد في حديث الثقلين.

* * *
الدرس التاسع: إشكالات على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٣)

الشُّبهة السادسة: أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو عيسى (عليه السلام):
ومرجع هذه الشُّبهة إلى رواية رواها ابن ماجة، عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا المهدي إلَّا عيسى بن مريم»(٧٦)، وعلى هذا الغرار ألَّف بعضهم كتاباً في تأصيل هذه الشُّبهة(٧٧).
والجواب عنها:
١ - أنَّ هذه الأحاديث حتَّى لو صحَّت فإنَّها ليست حجَّة عندنا، لأنَّ الحجَّة عندنا هو ما صحَّ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، على أنَّهم ضعَّفوا هذا الحديث، حتَّى قيل(٧٨): إنَّ كلمة محدِّثيهم تتَّفق على تضعيفه، فإذا كان حاله عندهم هكذا، فكيف يصحُّ أنْ يُستَند إليه؟
٢ - أنَّ لازم هذا الحديث تكذيب ما تواتر عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من وجود المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه في آخر هذه الأُمَّة، وقد نقل هذا التواتر جملة من أهل الحديث(٧٩).
٣ - أنَّ هذا يتنافى والأحاديث الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني عشر، وأنَّ آخرهم المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد تقدَّم جملة من هذه الأخبار في الدرسين الأوَّل والثاني، فراجع.
٤ - أنَّ عيسى (عليه السلام) سوف ينزل ويُصلِّي خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، قال السيوطي: صلاة عيسى خلف المهدي ثابتة في عدَّة أحاديث صحيحة بأخبار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٨٠)، ونقل ابن حجر تواتر الأحاديث حول صلاة عيسى خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٨١).
الشُّبهة السابعة: المهدي (عجَّل الله فرجه) ابن عبد الله لا ابن الحسن (عليه السلام):
ذكرت جملة من الروايات أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي يظهر في آخر الزمان هو المهدي الذي يواطئ اسمه اسم النبيِّ واسم أبيه، وهو مرويٌّ عند الفريقين، فكيف تقولون: إنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)؟
والجواب عنها:
١ - أنَّ الكُتُب التي روت هذه الرواية من طُرُقنا لا تُشكِّل إيماناً بأنَّ الراوي لها يعتقد بها وبمضمونها، وإنَّما هو أمانة ممَّن رواها في أنَّ المخالفين قد رووا في كُتُبهم عن المهدي (عجَّل الله فرجه)، وممَّا رووه أحاديث فيها: «واسم أبيه اسم أبي»، فهذا النصُّ منقول عن كُتُب أبناء العامَّة، ولا يلازمه الإيمان بمضمونه، بل كاشف عن أمانة علماء الطائفة في النقل.
٢ - ممَّن روى هذا النصَّ «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» من أبناء العامَّة: الطبراني(٨٢)، والحاكم(٨٣)، وابن أبي شيبة(٨٤). ومن طُرُقنا رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله) بسنده عن عبد الله بن مسعود(٨٥)، والعلَّامة المجلسي (رحمه الله) نقلاً عن الأربلي الذي نقله عن ابن حمَّاد(٨٦)، ومصادر هذا النصِّ وغيره تلتقي أغلبها وأهمّها عند عاصم بن أبي النجود الذي روى هذه الزيادة، فيكون عدم رواية كبار الحُفَّاظ وأهل الحديث لهذه الزيادة مع روايتهم لأخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) قادحاً فيها، على أنَّ في بعض أسانيده زائدة وقيل: إنَّه هو من زادها، أمَّا الأسانيد الأُخرى فهي مضعَّفة عند القوم على تفصيل يُطلَب من محلِّه، ولو تنزَّلنا وسلَّمنا أنَّ الحديث صحيح فهو ليس صحيحاً عندهم، بل عند بعضهم وقد ضعَّفه آخرون فيتعارض التصحيح مع التضعيف ويسقط عن الاعتبار.
على أنَّ الروايات التي رويت من طُرُقنا والتي هي الحجَّة علينا في أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) هو ابن الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أصحّ سنداً وأصرح دلالةً، فلو تنزَّلنا وقبلنا ما روي مع هذه الزيادة - وهو لا يُقبَل بأيِّ حالٍ لما تقدَّم -، فإنَّه لا بدَّ من تأويلها من أنَّه تصحيف عن نبيِّ أو ابني، أي واسم أبيه اسم ابني، أي اسم الحسن (عليه السلام)، أو لأنَّ المهدوية قد ادُّعيت من قِبَل شخصين هما: محمّد بن عبد الله المنصور المعروف بالمهدي العبَّاسي، ومحمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى، فوضع أصحابهما الأحاديث في ذلك.
وعلى أيِّ حالٍ فأحاديث أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) من ولد الحسن العسكري (عليه السلام) ممَّا لا يصلح أنْ يعارضه غيره.
الشُّبهة الثامنة: أنَّ الإمام بعد الحسن العسكري (عليه السلام) ليس المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل جعفر، وهو قد صرَّح أنَّه الإمام بعد أخيه محمّد ابن الإمام الهادي (عليه السلام):
والجواب عنها:
١ - تقدَّم أنَّ الإمامة مشروطة بالعصمة ولم تثبت لجعفر، بل دلَّت جملة من النصوص على انتفائها عنه، والمشروط عدم عند عدم شرطه.
٢ - أنَّ إمامة جعفر باطلة، لإمامة أخيه الإمام العسكري (عليه السلام)، وهي قد تقدَّمت، والإمامة في عمود الأئمَّة (عليهم السلام) لا تعود في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام).
٣ - ومن الدليل على فساد أمره استعانته بمن استعان بهم في طلب الميراث من أُمِّ الحسن (عليها السلام)، وقد أجمعت الشيعة أنَّ آباءه (عليهم السلام) أجمعوا أنَّ الأخ لا يرث مع الأُمِّ(٨٧).
٤ - قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): ومن الدليل على فساد أمره قوله: إنِّي إمام بعد أخي محمّد، فليت شعري متى ثبتت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتَّى تثبت إمامة خليفته؟ ويا عجباً إذا كان محمّد - أي ابن الإمام الهادي (عليه السلام) - يستخلف ويقيم إماماً بعده وأبوه حيٌّ قائم وهو الحجَّة والإمام، فما يصنع أبوه؟ ومتى جرت هذه السُّنَّة في الأئمَّة وأولادهم حتَّى نقبلها منكم؟ فدلُّونا على ما يوجب إمامة محمّد حتَّى إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته، والحمد لله الذي جعل الحقَّ مؤيَّداً والباطل مهتوكاً ضعيفاً زاهقاً(٨٨).

* * *
الدرس العاشر: الغيبة أسبابها وأدلَّتها

بعد ما تقدَّم من أدلَّة أثبتنا من خلالها ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ووجوده في هذه الدنيا، وأنَّه آخر الحُجَج الطاهرة.
دلَّت الأدلَّة أيضاً على غيبته، وأنَّ هناك أسباباً عديدة ألجأته إلى الغيبة.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والذي بعثني بالحقِّ بشيراً ليغيبنَّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منِّي حتَّى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمّد حاجة، ويشكُّ آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسَّك بدينه»(٨٩).
قسَّمت الروايات الغيبة إلى قسمين، إحداهما أطول من الأُخرى.
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): وأنَّه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الأُخرى، وأنَّ الأُولى يُعرَف فيها خبره، والثانية لا يُعرَف فيها أخباره، فوافق ذلك على ما تضمَّنته الأخبار، ولولا صحَّتها وصحَّة إمامته لما وافق ذلك، لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا بإعلام الله تعالى على لسان نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٩٠).
والغيبة الصغرى ممتدَّة إلى وفاة السفير الرابع سنة (٣٢٩هـ)، أمَّا الغيبة الكبرى فهي التي بدأت فيها إلى زمان ظهوره.
أسباب الغيبة:
ذكرت العديد من الروايات أسباباً للغيبة، منها:
١ - الخوف من القتل:
وممَّا ورد في ذكر هذا السبب ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا بدَّ للغلام من غيبة»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»(٩١)، وفي رواية أُخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يخاف على نفسه الذبح»(٩٢)، وفي ثالثة عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «خوفاً على نفسه»(٩٣)، وغيرها.
٢ - أنْ لا تقع في عنقه بيعة لظالم:
وممَّا ورد في ذكر هذا السبب من الروايات ما روي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «القائم منَّا تخفى ولادته على الناس حتَّى يقولوا: لم يُولَد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة»(٩٤).
٣ - استيفاء غيبات الأنبياء (عليهم السلام):
وممَّا ورد في ذكر هذا السبب من الروايات: عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ للقائم منَّا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلَّا أنْ تجري فيه سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وأنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مُدَد غيباتهم، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي سُنَن من كان قبلكم»(٩٥)، وغيرها.
٤ - استيفاء ودائع الإيمان:
وممَّا ورد في ذكر هذا السبب من الروايات: عن محمّد بن أبي عمير، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقاتل فلاناً وفلاناً وفلاناً؟ قال: لآية في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم (عليه السلام) لن يظهر أبداً حتَّى تخرج ودائع الله تعالى، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله فقتلهم»(٩٦).
٥ - سرٌّ من الأسرار:
ومن الروايات الدالَّة على هذا السبب - إنْ صحَّ تسميته بالسبب - ما روي عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليٍّ [العسكري] (عليهما السلام) وأنا أُريد أنْ أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزِّل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض»، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً، فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء الثلاث سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيِّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأُمَّة مثل الخضر (عليه السلام)، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبنَّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلَّا من ثبَّته الله (عزَّ وجلَّ) على القول بإمامته ووفَّقه للدعاء بتعجيل فرجه...»، إلى أنْ قال: قلت: يا بن رسول الله، وإنَّ غيبته لتطول؟ قال: «إي وربِّي حتَّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، ولا يبقى إلَّا من أخذ الله (عزَّ وجلَّ) عهده لولايتنا، وكتب في قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في علّيِّين»(٩٧).
والظاهر من النصوص المتقدِّمة وغيرها أنَّ ما ذُكِرَ من كونه عللاً وأسباباً تامَّة لوحدها للغيبة، ليست كذلك، وإنَّما هي حِكَم، لأنَّ معنى العلَّة هي التي لا تختلف ولا تتخلَّف، فإذا فرضنا زوال الخوف نهائيًّا فلا بدَّ أنْ يظهر، مع أنَّه بمقتضى سبب آخر لم يتمّ بعد لا يظهر، كما لو لم تستوفِ الودائع بعدُ، وهذا يكشف عن كونها ليست عللاً حقيقةً.
أدلَّة الغيبة:
ذُكِرَت عدَّة أدلَّة لإثبات وقوع الغيبة في الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، منها:
١ - تواتر القول بالغيبة:
الغيبة التي وقعت في الإمام (عجَّل الله فرجه) متواترة، وممَّن قال بتواترها:
أ - الشيخ النعماني (رحمه الله)، قال: هذه الروايات التي جاءت متواترة تشهد بصحَّة الغيبة(٩٨).
ب - الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: وأنَّه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنَّها جاءت مشهورة متواترة(٩٩).
ج - الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: هذه الأخبار متواتر بها لفظاً ومعنىً(١٠٠).
٢ - الروايات الدالَّة على الغيبة:
ومنها:
أ - عن أبي عبد الله (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأُخرى طويلة، الغيبة الأُولى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة مواليه»(١٠١).
ب - عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع من الأئمَّة فالله الله في أديانكم، فإنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة يغيبها حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، يا بنيَّ، إنَّما هي محنة من الله امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا الدِّين لاتَّبعوه...»(١٠٢).
ج - عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «... إنَّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كلِّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف، أُولئك المخلصون حقًّا وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرًّا وجهراً»(١٠٣).

* * *
الدرس الحادي عشر: إثارات حول الغيبة

أُثيرت حول غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) عدَّة من الإشكالات، منها:
١ - لا فرق بين الغيبة والعدم:
ادُّعي أنَّه لا فرق بين الإمام حال غيبته، وبين كونه معدوماً وغير موجود أصلاً، فكلا الحالتين لا يمكن الوصول إليه والاستفادة منه(١٠٤).
والجواب عنها:
١ - لا نُسلِّم أنَّه لا يصل إليه (عجَّل الله فرجه) أحد، أمَّا في زمن غيبته الصغرى فكان له (عجَّل الله فرجه) نوَّاب أربعة يتواصلون معه، وكذلك غيرهم، أمَّا في الغيبة الكبرى أثبت من لا يصحُّ تكذيبهم أنَّهم شاهدوه (عجَّل الله فرجه).
٢ - لو سلَّمنا عدم وجود لقاء معه (عجَّل الله فرجه)، فهذا لا يعني الاستواء بين الغيبة والعدم، فإنَّ وظائف الإمام (عليه السلام) ليست منحصرة بالهداية الظاهريَّة له (عليه السلام).
٣ - على أنَّه يكفينا علمنا بإمامته (عجَّل الله فرجه) الداعي للقول بضرورة وجوده، وإنْ لم نعلم بذلك تفصيلاً، ويكفينا هذا العلم بوجود سبب راجح لغيبته (عجَّل الله فرجه) عنَّا.
٢ - لا نرى حكمة تدعو للغيبة، فأين وجه الحكمة منها؟
وقد ذكر الشُّبهة الشيخ الطوسي (رحمه الله)(١٠٥)، نقلاً عن بعضهم.
والجواب عنها:
١ - لقد ذكرنا في الدرس السابق وجوهاً عديدةً من الحكمة في الغيبة، فالقول بعدم وجود حكمة من الغيبة لا وجه له.
٢ - أنَّ هذا يلزم أنْ يُنقَض به على غيبات الأنبياء السابقين (عليهم السلام)، إذ لا يتَّضح وجه الحكمة منها.
٣ - أنَّ الغيبة فرع أُصول تقدَّم إثباتها كالإمامة والعصمة، فلا يصحُّ السؤال على ما يتفرَّع عنها دون الإيمان بها.
٣ - الغيبة والرفع إلى السماء واحد:
ادُّعي أنَّه لا فرق بين وجوده مع عدم وصول أتباعه ومواليه إليه وبين رفعه إلى السماء.
والجواب عنها:
١ - دلَّت الأخبار على أنَّه (عجَّل الله فرجه) مع غيبته هو في الأرض، ويحضر الموسم كلَّ سنة، يرى الناس ويرونه ولكن لا يعرفونه، فهو غائب غيبة لا تمنعه من أداء بعض وظائفه بما ينسجم مع الغيبة.
٢ - مضافاً إلى أنَّه لا فرق في وجوده بين أنْ يكون في السماء أو الأرض، المدار على أنْ يُؤدِّي ما هو مناط به (عجَّل الله فرجه)، وليس تكليفنا بعد صحَّة إمامته (عجَّل الله فرجه) وثبوت غيبته في زمان إمامته أنْ نعرف كيف يُؤدِّي وظيفته ويقوم بمهامِّه.
٤ - بغيبته تعطَّلت الحدود وضاع الحقُّ:
إنَّ مع الغيبة ستتعطَّل الحدود، مع أنَّ وظيفة الإمام (عجَّل الله فرجه) إقامة الحدود، فالغيبة وإقامة الحدود متنافيان.
والجواب عنها:
١ - أنَّ إقامة الحدود ليس منوطاً بوجود الإمام (عليه السلام) لكي تُشكِّل غيبته مانعاً، بل منوط ببسط يده.
٢ - أنَّ الحقَّ الذي غاب والحدَّ الذي تعطَّل هو في رقبة من تسبَّب به وبغيبة الإمام (عليه السلام)، كما هو في رقبة من تسبَّب في عدم بسط يد آبائه (عليهم السلام).
٥ - الغيبة خارج عن العادة:
إنَّ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) منذ (٢٥٥هـ) إلى يومنا هذا خارج عن المألوف والعادة، إذ ليس من المعتاد أنْ يغيب شخص كلَّ هذه الفترة.
والجواب عنها:
١ - أمَّا في الغيبة الصغرى فليست خارجة عن العادة، كما قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (ليس الأمر على ما قلتم - إنَّه خارج العادة -، لأنَّ الإماميَّة تقول: إنَّ جماعة من أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) قد شاهدوا وجوده في حياته، وكانوا أصحابه وخاصَّته بعد وفاته، والوسائط بينه وبين شيعته معروفون...، ينقلون إلى شيعته معالم الدِّين، ويُخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه، ويقبضون منهم حقوقه(١٠٦).
٢ - وأمَّا في غيبته الكبرى فـ:
إنْ قلت: وهل يُعقَل أنْ يطول عمر شخص إلى هذا الحدِّ؟
قلت: كيف لا يُعقَل والخضر موجود بيننا منذ زمان موسى (عليه السلام)، بل قبله، وليس القرآن الكريم ببعيد عنَّا، وآياته تُصرِّح في أمر نوح (عليه السلام): ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ (العنكبوت: ١٤) هذه فقط سنين دعوته.
وقد ذكر شيخ الطائفة (رحمه الله) جواباً مفصَّلاً وعدَّة أمثلة لدفع استبعاد طول عمر الإمام (عجَّل الله فرجه)، فراجع(١٠٧).
وأجاب (رحمه الله) عنها أيضاً بقوله: وقد سبق الخبر عن آبائه (عليهم السلام) بأنَّ القائم (عليه السلام) له غيبتان، أخراهما أطول من الأُولى...، فأمَّا خروج ذلك عن العادات فليس الأمر على ما قالوه، ولو صحَّ لجاز أنْ ينقض الله تعالى العادة في ستر شخص، ويُخفي أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير، لما يعرف من المانع من ظهوره...، ثمّ ذكر شيخ الطائفة (رحمه الله) تفصيلاً في أمثلة كون غيبته ليست خروجاً عن العادة(١٠٨).

* * *
الدرس الثاني عشر: النيابة في عصر الغيبة

يُشكِّل نظام النيابة في تحصيل الأحكام أفضل طريق لسدِّ النقص الحاصل بغيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وفقدان الاتِّصال المباشر به بعد وقوع الغيبة فيه.
المؤمنون في زمان آبائه (عليهم السلام) كان بإمكانهم الاتِّصال بإمام زمانهم - رغم الصعوبات - في أوقات الأئمَّة (عليهم السلام) ممَّن سبق الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، إلَّا أنَّ الحال اختلف بعد الإمام العسكري (عليه السلام).
أقسام الغيبة:
انقسام الغيبة إلى القصيرة والطويلة تقسيم روائي، وأثبته الواقع.
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الشيخ العمري وجماعة أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) عرض عليهم ولده الحجَّة، وقال لهم: «هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي في أديانكم، أمَا إنَّكم لا ترونه بعد يومكم هذا»، قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلَّا أيَّام قلائل حتَّى مضى أبو محمّد (عليه السلام)(١٠٩).
الحوادث بعد الاستشهاد:
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الحسن بن وجناء، عن أبيه، عن جدِّه أنَّه كان في دار الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن عليٍّ الكذَّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همَّتي في مولاي القائم (عليه السلام)، قال: فإذا أنا به (عليه السلام) قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يرَه أحد حتَّى غاب(١١٠).
حادث تفتيش الدار وحوادث أُخرى:
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) أيضاً: ... حتَّى تُوفِّي [الحسن بن عليٍّ العسكري] (عليه السلام) لأيَّام مضت من شهر ربيع الأوَّل من سنة ستِّين ومائتين، فصارت سُرَّ من رأى ضجَّة واحدة - مات ابن الرضا -، وبعث السلطان إلى داره من يُفتِّشها ويُفتِّش حُجَرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل... فلمَّا دُفِنَ وتفرَّق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور...(١١١).
يقول الشيخ المفيد (رحمه الله): ... وجرى على مخلفي أبي محمّد (عليه السلام) بسبب ذلك كلُّ عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلٍّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل، وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمّد (عليه السلام)، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقده فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه، وبذل مالاً جليلاً، وتقرَّب بكلِّ ما ظنَّ أنَّه يُتقرَّب به، فلم ينتفع بشيء من ذلك...(١١٢).
نقل دار الوكالة إلى بغداد:
في نصٍّ رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) يأمر فيه الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وفداً من الشيعة بأنَّ دار الوكالة ستُنتَقل من سامرَّاء إلى بغداد: ... وأمرنا القائم (عليه السلام) أنْ لا نحمل إلى سُرَّ من رأى بعدها شيئاً من المال، فإنَّه ينصب لنا ببغداد رجلاً يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات. قالوا: فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العبّاس محمّد بن جعفر القمّي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن، فقال له: «أعظم الله أجرك في نفسك»، قال: فما بلغ أبو العبَّاس عقبة همدان حتَّى تُوفّي (رحمه الله). وكنَّا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النوَّاب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات(١١٣).
وقد رأى الإمام (عجَّل الله فرجه) جملة كثيرة من فقهاء الطائفة ومشايخها وغيرهم، وممَّا روي في هذا الشأن أخبار عديدة، منها:
صحيح الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أنْ أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إنِّي أُريد أنْ أسألك عن شيء وما أنا بشاكٍّ فيما أُريد أنْ أسألك عنه...، وقد أخبرني أبو عليٍّ أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته وقلت: من أُعامل، أو عمَّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما أدَّى إليك عنِّي فعنِّي يُؤدِّي، وما قال لك عنِّي فعنِّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون»، وأخبرني أبو عليٍّ أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدَّيا إليك عنِّي فعنِّي يُؤدِّيان، وما قالا لك فعنِّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنَّهما الثقتان المأمونان»، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك، قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى، ثمّ قال: سَلْ حاجتك، فقلت له: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد (عليه السلام)؟ فقال: إي والله، ورقبته مثل ذا - وأومأ بيده -...(١١٤).
قال أبو العبَّاس الحميري: فكنَّا كثيراً ما نتذاكر هذا القول، ونتواصف جلالة محلِّ أبي عمرو(١١٥).
وفي صحيح الصدوق (رحمه الله) عن الحميري، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله)، فقلت له: أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني»(١١٦).
وممَّن رآه (عجَّل الله فرجه) أو وقف على بعض معجزاته من الوكلاء، فقد عُدَّ منهم من بغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطَّار، ومن الكوفة: العاصمي، ومن أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق، ومن أهل همدان: محمّد بن صالح، وغيرهم من الوكلاء(١١٧).

* * *
الدرس الثالث عشر: النيابة الخاصَّة في الغيبة

بعد نقل دار الوكالة إلى بغداد لإدارة شؤون الشيعة نصب الإمام (عجَّل الله فرجه) لهذه المهمَّة ما عُرِفَ بعد ذلك بالسفراء أو النوَّاب الخاصِّين، وهم أربعة:
السفير الأوَّل: عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله):
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): فأمَّا السفراء الممدوحون في زمان الغيبة فأوَّلهم من نصبه أبو الحسن عليُّ بن محمّد العسكري وأبو محمّد الحسن بن عليِّ بن محمّد ابنه (عليهم السلام)، وهو الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)(١١٨).
وممَّا دلَّ على سفارته عن الإمام (عليه السلام) نصوص عديدة ذُكِرَت في محلِّها، منها التوقيع الصادر من الناحية المقدَّسة لولده محمّد عند تعزيته بوفاة والده - عثمان بن سعيد العمري -، جاء فيه: «أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أنْ رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنَّ الأنفس طيِّبة بمكانك، وما جعله الله (عزَّ وجلَّ) فيك وعندك، أعانك الله وقوَّاك وعضدك ووفَّقك، وكان لك وليًّا وحافظاً وراعياً وكافياً»(١١٩).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصِّ أبيه أبي محمّد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه، بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أنْ تُوفِّي عثمان بن سعيد (رحمه الله ورضي عنه)، وغسَّله ابنه أبو جعفر، وتولَّى القيام به، وحصل الأمر كلُّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته - أي الابن -، لما تقدَّم له من النصِّ عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام) وبعد موته وفي حياة أبيه عثمان (رحمة الله عليه)(١٢٠).
كانت سفارته عن الإمام (عجَّل الله فرجه) قرابة (٥) سنوات، تُوفِّي في حدود سنة (٢٦٥هـ)، ولم تذكر المصادر تاريخ ولادته، إلَّا أنَّ بعض من ترجم له قال: إنَّه عاصر الإمام الجواد (عليه السلام) وتشرَّف بخدمته(١٢١).
قبره في مدينة بغداد معروف مشهور، قرب شارع المتنبِّي.
السفير الثاني: محمّد بن عثمان بن سعيد (رحمه الله):
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله): وخرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري في التعزية بأبيه (رضي الله عنهما) في فصل من الكتاب: «أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أنْ رزقه الله (عزَّ وجلَّ) ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنَّ الأنفس طيِّبة بمكانك وما جعله الله (عزَّ وجلَّ) فيك وعندك، أعانك الله وقوَّاك وعضدك ووفَّقك، وكان الله لك وليًّا وحافظاً وراعياً وكافياً ومعيناً»(١٢٢).
مات العمري في سنة (٣٠٤ أو ٣٠٥هـ)، وكان يتولَّى أمر النيابة ما يزيد على (٤٠) سنة.
وقبره مزار معروف في مدينة بغداد في منطقة تُسمَّى باسمه (ساحة الخلَّاني).
السفير الثالث: الحسين بن روح النوبختي (رحمه الله):
عن عليِّ بن محمّد بن متيل، عن عمِّه جعفر بن أحمد بن متيل، قال: لـمَّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) الوفاة كنت جالساً عند رأسه أسأله وأُحدِّثه، وأبو القاسم بن روح عند رجليه، فالتفت إليَّ ثمّ قال: أُمرت أنْ أُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، قال: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحوَّلت إلى عند رجليه(١٢٣).
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله): وأخبرني الحسين بن إبراهيم، عن أبي العبَّاس أحمد بن عليِّ بن نوح...، قال: وقال لي أبو نصر: مات أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) في شعبان سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة(١٢٤).
وقبره معروف الآن في بغداد في منطقة الشورجة.
السفير الرابع: أبو الحسن عليُّ بن محمّد السمري (رحمه الله):
وهو آخر السفراء الأربعة المنصوبون عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) في الغيبة الصغرى، واستمرَّت نيابته ثلاث سنوات، وممَّا دلَّ على نيابته ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله): وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري (رحمه الله)(١٢٥).
ولمَّا حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده، وسألته عن الموكَّل بعده ولمن يقوم مقامه، فقال: إنَّه لم يُؤمَر أنْ يوصي إلى أحدٍ بعده.
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفِّي فيها الشيخ عليِّ بن محمّد السمري (قدَّس الله روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيَّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليَّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيَّام، فاجمع أمرك ولا تُوصي إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم»، قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه(١٢٦).
ولم يصل إلينا تاريخ ولادته كالسفراء المتقدِّمين، وتُوفِّي (رحمه الله) سنة (٣٢٩هـ)، وقبره معروف مشهور في مدينة بغداد في شارع النهر قرب قبر الشيخ الكليني (رحمه الله).

* * *
الدرس الرابع عشر: أدلَّة النيابة في الغيبتين

أدلَّة النيابة في الغيبة الصغرى:
ممَّا استُدِلَّ به على نيابة السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى عدَّة أدلَّة، منها:
١ - النصوص الدالَّة على نيابة كلِّ واحد منهم، وتقدَّم منها ما يدلُّ على سفارتهم.
٢ - المعجزة، وفي بيانها قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): ... وكان مدَّة غيبة الأُولى - وهي زمان السفارة - أربعاً وسبعين سنة، منها خمس سنين مع أبيه (عليه السلام)، وتسع وستُّون بعد أبيه، قد كان يُعرَف فيها أخباره، ويُقتفى آثاره، ويُهتدى إليه بوجود سفير بينه وبينهم، وباب قد دلَّ الدليل القاطع على صدقه وصحَّة بابيَّته وسفارته، وهي المعجزة التي كانت تظهر على يد كلِّ واحدٍ من الأبواب، وعدد الأبواب وهم السفراء أربعة(١٢٧).
أدلَّة النيابة في الغيبة الكبرى:
ثبت بالأدلَّة التي ذُكِرَت في محلِّها أنَّ للشارع المقدَّس ولاية على الناس، تفرَّع عنها ولاية النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتفرَّع عنها ولاية الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولاية الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) تفرَّعت ولاية النوَّاب الأربعة (رحمهم الله)، على ما تقدَّم، وبانتهاء مدَّتهم تنتهي ولايتهم، وقد دلَّت الأدلَّة الآتية على أنَّ الولاية في زمان الغيبة الكبرى للفقهاء، على تفصيل مذكور في محلِّه في مقدار هذه الولاية سعةً وضيقاً.
وممَّا دلَّ على نيابة الفقهاء عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه):
١ - السيرة العقلائيَّة:
فإنَّها قائمة على رجوع الجاهل للعالم، حيث استقرَّت سيرتهم في جميع الأعصار والأمصار من جميع الأُمَم والمذاهب على ذلك، فهم يرجعون للخبير المختصِّ الموثوق الأمين.
وهذه السيرة أمضاها الشارع المقدَّس ولم يردع عنها.
ودلالتها في الرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة الكبرى على غرار دلالتها في الرجوع إليهم في الصغرى وما قبلها.
٢ - روايات الإرجاع إلى بعض الفقهاء في زمن الأئمَّة (عليهم السلام):
وهي عديدة، ومنها:
أ - عن الرضا (عليه السلام)، قال: «خذ عن يونس بن عبد الرحمن»(١٢٨)، فإنَّ الأمر بالأخذ به مطلق، فما دام ثقةً مأموناً وكان المكلَّف غير مؤهَّل، فله أنْ يأخذ منه في ما يرتبط بمعرفة أحكامه.
ب - وما ورد في أبان بن تغلب، وقول الإمام الباقر (عليه السلام) له: «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس، فإنِّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك»(١٢٩).
فمع حضور الإمام (عليه السلام) في المدينة ووجوده فيها، أرجع الناس إلى أبان، فكيف والحال في زمان غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
٣ - مقبولة عمر بن حنظلة:
عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وجاء فيها: «... ينظران [إلى] من كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً...»(١٣٠).
بتقريب: أنَّ الإمام (عليه السلام) قد جعل الفقيه حاكماً، سواء أكان في زمن الحضور أم الغيبة.
٤ - توقيع إسحاق بن يعقوب:
عن العمري، عن الناحية المقدَّسة: «... وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله عليهم»(١٣١).
فإنَّ المراد من الرواة ليس صرف نقلة الحديث، فلا معنى للرجوع إليهم وإعطائهم الحجّيَّة التي للإمام (عليه السلام) لمجرَّد سماع الحديث ونقله.
فإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) قد عبَّر: «هم حجَّتي»، ولم يقل: رواياتهم حجَّة عليكم.
٥ - الارتكاز:
فإنَّ من المركوز في الذهنيَّة المتشرِّعيَّة من زمان الأئمَّة (عليهم السلام) رجوع الناس في مسائلهم الشرعيَّة إلى الفقهاء في زمان حضورهم (عليهم السلام)، والبلدان التي يتواجدون فيها، على ما يأتي من الروايات الدالَّة على ذلك، ولا تحتمل الخصوصيَّة لذلك الزمان.

* * *
الدرس الخامس عشر: آثار وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة

ذكرت الروايات الشريفة أنَّ آثار الإمام (عجَّل الله فرجه) موجودة وإنْ غاب، وأنَّ جملة وظائفه باقية إلَّا ما تمنعه الغيبة، وممَّا دلَّ على تلك الآثار الباقية التي لا تمنعها الغيبة:
١ - معرفته (عجَّل الله فرجه) شرط في قبول الأعمال:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال: «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلَّا بمعرفتنا»(١٣٢).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «... بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجِّ والجهاد...»(١٣٣).
٢ - وجوده (عجَّل الله فرجه) للشهادة على أعمال الناس:
فعن أبي جعفر (عليه السلام): «... ونحن الشهداء على الناس، فمن صدَّق صدَّقناه يوم القيامة، ومن كذَّب كذَّبناه يوم القيامة»(١٣٤).
٣ - وجوده (عجَّل الله فرجه) لأجل هداية الناس:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «كلُّ إمام هادٍ للقرن الذي هو فيهم»(١٣٥)، ولو بنحو الهداية التكوينيَّة للإمام (عليه السلام).
٤ - وجوده (عجَّل الله فرجه) لدفع البلاء وخروج البركات:
فعن أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام): «يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام)، ولا يخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزل الغيث، وبه يُخرج بركات الأرض»(١٣٦).
وظيفة المكلَّفين تجاه الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة:
إنَّ وظيفة المكلَّفين تجاه الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) هي هي في زمن الحضور أو الغيبة، ومن هذه الوظائف:
١ - ضرورة معرفة الإمام (عليه السلام) في كلِّ زمان:
وممَّا دلَّ عليه ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «اعرف إمامك فإنَّك إذا عرفت لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(١٣٧).
٢ - الطاعة للإمام (عليه السلام) بعد معرفته:
وممَّا دلَّ عليه ما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن تبارك وتعالى، الطاعة للإمام بعد معرفته»، ثمّ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ [النساء: ٨٠]»(١٣٨).
٣ - الثبات على القول بإمامته (عجَّل الله فرجه):
وممَّا دلَّ عليه ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «إنَّ عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) إمام أُمَّتي، وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقِّ بشيراً، إنَّ الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر»، فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: «إي وربِّي، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. يا جابر، إنَّ هذا الأمر (أمر) من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله، مطويٌّ عن عباد الله، فإيَّاك والشكَّ فيه فإنَّ الشكَّ في أمر الله (عزَّ وجلَّ) كفر»(١٣٩).
٤ - انتظاره (عجَّل الله فرجه):
وممَّا دلَّ عليه ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام): «... فينتظر خروجه المخلصون، ويُنكِره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقَّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلِّمون»(١٤٠).
٥ - الدعاء له (عجَّل الله فرجه):
وممَّا دلَّ عليه ما ورد في التوقيع الصادر عنه (عجَّل الله فرجه) إلى إسحاق بن يعقوب: «... وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم»(١٤١).
٦ - تكذيب الموقِّتين لظهوره (عجَّل الله فرجه) في زمان غيبته الكبرى:
وما ورد في التوقيت ما قاله أبو عبد الله (عليه السلام): «من أخبرك عنَّا توقيتاً فلا تهابنَّ أنْ تُكذِّبه، فإنَّا لا نُوقِّت لأحدٍ وقتاً»(١٤٢).
وهناك الكثير من الآداب التي ينبغي القيام بها كوظائف تجاه الإمام (عجَّل الله فرجه) فصَّلتها الكُتُب.
وممَّا ذُكِرَ كأدب مهمٍّ في هذا الصدد هو عدم ذكر اسمه الشريف، وهذه مسألة فقهيَّة، فمنهم من قال بالجواز ومنهم من قال بالحرمة ومنهم من فصَّل، فيما توقَّف آخرون.
وهذه من مسائل الرجوع إلى الفقيه وأخذ الحكم فيها منه.
وممَّا دلَّ على ذلك:
عن صفوان بن مهران، عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنَّه قال: «من أقرَّ بجميع الأئمَّة وجحد المهدي كان كمن أقرَّ بجميع الأنبياء وجحد محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبوَّته، فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن المهدي من ولدك؟ قال: «الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلُّ لكم تسميته»(١٤٣).
وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «... تخفى على الناس ولادته، ولا يحلُّ لهم تسميته حتَّى يُظهِره الله، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٤٤).
ومن الآداب القيام عند ذكره (عجَّل الله فرجه)، والتصدُّق لحفظه (عجَّل الله فرجه)، والإتيان بأعمال الخير والبرِّ نيابةً عنه (عجَّل الله فرجه)(١٤٥).

* * *
الدرس السادس عشر: علامات الظهور

لمعرفة ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) جعل أهل البيت (عليهم السلام) عدَّة علامات، وقد قُسِّمت في الروايات إلى عدَّة تقسيمات، من أهمّها تقسيمها إلى ما هو حتمي وغير حتمي، وممَّا دلَّ على ذلك:
عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فقال: «إنَّهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف»، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: «الذي لله فيه المشيئة...»، قال حمران: إنِّي لأرجو أنْ يكون أجل السفياني من الموقوف، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا والله إنَّه لمن المحتوم»(١٤٦).
المحتوم من العلامات:
أغلب الروايات ذكرت خمس علامات محتومة، وهناك بعض الروايات ذكر أكثر من ذلك:
١ - عن أبي عبد الله (عليه السلام): «للقائم خمس علامات: ظهور السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء»(١٤٧).
٢ - وعنه (عليه السلام): «النداء من المحتوم، والسفياني من المحتوم، واليماني من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة من المحتوم، وكف يطلع من السماء من المحتوم»، قال: «وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم، وتفزع اليقظان، وتُخرج الفتاة من خدرها»(١٤٨).
غير المحتوم من العلامات:
والمراد من غير الحتمي من العلامات هو ما يمكن أنْ يقع وما يمكن أنْ لا يقع، بخلاف الحتمي الذي لا بدَّ منه.
١ - روى الشيخ النعماني بسندٍ تامٍّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل ذكر فيه العلامات، جاء فيه: «... أوَّلها اختلاف بني العباس...، ومنادٍ ينادي من السماء...، فأوَّل أرض تخرب أرض الشام، ثمّ يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومن تبعه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همَّة إلَّا الإقبال نحو العراق، ويمرُّ جيشه بقرقيسياء فيقتلون بها، فيقتل بها من الجبَّارين مائة ألف، ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة...، فيصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان...، ومعهم نفر من أصحاب القائم...، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكَّة...، حتَّى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)...، فينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء، بيدي القوم، فيُخسَف بهم...»، إلى أنْ يقول: «... والقائم يومئذٍ بمكَّة...، فيجمع الله عليه أصحابه ثلاثمائة وثلاث عشر رجلاً...»(١٤٩).
والنصُّ كما لا يخفى قد ذكر بعضاً ممَّا هو محتوم من العلامات.
٢ - وفي غيبة النعماني عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام): «... الصيحة لا تكون إلَّا في شهر رمضان...، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق...، ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلَّا استيقظ، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت...، الصوت الأوَّل هو صوت جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)...، يكون الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكُّوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت الملعون إبليس اللعين ينادي: ألَا إنَّ فلاناً قُتِلَ مظلوماً، ليُشكِّك الناس ويفتنهم...، لا يقوم القائم (عليه السلام) إلَّا على خوف شديد، وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد في الناس، وتشتُّت في دينهم، وتغيير من حالهم، حتَّى يتمنَّى المتمنِّي الموت صباحاً ومساءً من عظم ما يرى من كلب الناس وأكلهم بعضهم بعضاً...، حتَّى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان...، خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً...، وليس في الرايات راية أهدى من اليماني، هي راية هدى...»(١٥٠).
٣ - وسُئِلَ الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّ الصيحة إذا كانت متعدِّدة وإحداهما صائبة والأُخرى باطلة، فكيف نعرف ونُميِّز؟ فكان الجواب منهم (عليهم السلام):
عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون قبل أنْ يكون، ويعلمون أنَّهم هم المحقُّون الصادقون»(١٥١)، وفي بعض النصوص: «... فإنَّ الصوت الأوَّل هو صوت جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)...»(١٥٢).
٤ - وعن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنِّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يُعطَونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطَونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيُعطَون ما سألوه، فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنِّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(١٥٣).
وفيها دلالة على إبقاء النفس - حتَّى مع وجود الحقِّ - لصاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)، وهذه طريقة من أهل البيت (عليهم السلام) للتعامل مع الشخصيَّات في عصر الظهور وترجيح العمل، وأنَّ المكلف ينبغي أنْ يُقدِّم الأرجح دائماً حتَّى مع كون الأمرين صحيحين.

* * *
الدرس السابع عشر: المنع من التوقيت والتطبيق

التوقيت:
هو ذكر وقت محدَّد بيوم أو شهر من سنة معيَّنة أو غيرهما من الألفاظ الدالَّة عليهما، كالعقد والقرن، أو ما يفهم العرف أنَّه تحديد.
التطبيق:
وأمَّا التطبيق فهو تطبيق شخصيَّات عصر الظهور من اليماني والصيحة وغيرها على مصاديق محدَّدة يتنافى وما ذكرته الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «يا مهزم، كذب الوقَّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون»(١٥٤).
وعن أبي خالد الكابلي يسأل الإمام الباقر (عليه السلام) عن التوقيت، فيُجيبه (عليه السلام): «... سألتني والله - يا أبا خالد - عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدِّثاً به أحد، ولو كنت محدِّثاً به أحد لحدَّثتك...»(١٥٥).
وفي نصٍّ آخر: «... من أخبرك عنَّا توقيتاً فلا تهابنَّ أنْ تُكذِّبه، فإنَّا لا نُوقِّت لأحدٍ وقتاً»(١٥٦).
وعندما سُئِلَ الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) عن ذلك، أجاب (عجَّل الله فرجه) في توقيع إسحاق بن يعقوب: «... وأمَّا ظهور الفرج فإنَّه إلى الله تعالى ذكره، وكذب الوقَّاتون»(١٥٧).
وما يمكن أنْ يُستَدلَّ به على بطلان التوقيت من وجوه من غير ما روي أعلاه أُمور، منها:
١ - الأصل في معرفة المستقبل على نحو الجزم واليقين ممنوعة، لأنَّه من الغيب، والاطِّلاع عليه ليس متيسِّراً لكلِّ أحد، قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (الأحزاب: ٦٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (لقمان: ٣٤).
وفي خصوص الإمام الحجة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) وظهوره، فقد روي في أنَّه (عجَّل الله فرجه) من الغيب، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) كالساعة، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «... وأمَّا متى، فإخبار عن الوقت، فقد حدَّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيَّتك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مثله مثل الساعة التي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]»(١٥٨).
٢ - أنَّ الوقت كان معلوماً عند أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن الناس أشاعته وكشفته فرفعه الله تعالى، وممَّا دلَّ على أنَّه كان موجوداً عندهم عدَّة نصوص، منها:
أ - عن إسحاق بن عمَّار الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قد كان لهذا الأمر وقت، وكان في سنة أربعين ومائة، فحدَّثتم به وأذعتموه، فأخَّره الله (عزَّ وجلَّ)»(١٥٩).
ب - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: «بلى، ولكنَّكم أذعتم، فأخَّره الله»(١٦٠).
ج - عن أبي حمزة، قال: سمعت الباقر (عليه السلام): «يا ثابت، إنَّ الله تعالى قد كان وقَّت هذا الأمر في سنة السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) اشتدَّ غضب الله فأخَّره إلى أربعين ومائة، فحدَّثناكم بذلك، فأذعتم وكشفتم قناع الستر، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتاً عندنا، ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]»(١٦١).
٣ - ما دلَّ على أنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يخرج المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو يدلُّ على تعذُّر التوقيت له (عجَّل الله فرجه).
وممَّا روي في ذلك ما نقله الشيخ الصدوق (رحمه الله) في باب الوصيَّة من لدن آدم (عليه السلام) حيث قال: ... وقد وردت الأخبار الصحيحة بالأسانيد القويَّة أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوصى بأمر الله تعالى...، إلى أنْ يقول: وأوصى الحسن بن عليٍّ إلى ابنه حجَّة الله القائم بالحقِّ الذي لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً(١٦٢).
فكونه (عجَّل الله فرجه) يخرج حتماً ولو في آخر يوم كاشف أيضاً عن عدم القدرة على تحديد هذا اليوم بنحو الجزم والعلم.
وقد ادَّعى الانطباق جماعة، ظنًّا منهم أنَّ التطابق في الأسماء أو الصفات أو الألقاب كاليماني أو الخراساني أو غيرهما كافٍ في إثبات ذلك، فإنَّ المشابهة في الاسم أو اللقب أو بعض الصفات الجسديَّة غير كافية، إذ يوجد في زمانٍ واحدٍ منها المئات بل أكثر، فيكون الجزم بها لبعضهم دون غيرهم ترجيح بلا مرجِّح.

* * *
الدرس الثامن عشر: ادِّعاء النيابة الخاصَّة والردُّ عليها

ادُّعيت النيابة الخاصَّة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) مبكّراً، ولا زالت إلى يومنا، وممَّا يستند إليه الأدعياء جملة أُمور، منها:
١ - الرؤى والأحلام: وهو من أهمّ أدلَّتهم، وفي مقام تقريبهم لحجّيَّتها يقولون: إنَّ القرآن الكريم دلَّ على حجّيَّة الرؤيا كرؤيا إبراهيم (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى﴾ (الصافَّات: ١٠٢)، وكرؤيا يوسف (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ (يوسف: ٤)، وكرؤيا المَلِك، قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (يوسف: ٤٣).
ويردُّها: أنَّ هذه الرؤى خاصَّة بالمعصومين من الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، أو مفسَّرة من قِبَلهم، فلا تشمل غيرهم.
ولعلَّ بعضهم يدَّعي أنَّ الملاك في حجّيَّة الرؤيا ذات الرؤيا لا الرائي.
إلَّا أنَّ هذا الكلام مردود، لأنَّ الملاك في الحجّيَّة هو العصمة، وهي التي اقتضت حجّيَّة تلك الرؤى.
ونحن في هذا المقام لا نريد إنكار أصل وجود الرؤيا بل إنكار حجّيَّتها، ومن يدَّعي أنَّها حجَّة هو المطالب بإقامة الدليل، فالحجّيَّة الذاتيَّة فقط للعلم، أو لما قام عليه الدليل وأُثبت أنَّه حجَّة، والرؤيا لا تفيد العلم كما هو ظاهر وواضح لكلِّ أحد، فلا بدَّ في إثبات حجّيَّتها من دليل، وما لم يتمّ الدليل يبقى تحت عنوان عدم الحجّيَّة.
ومدَّعي الحجّيَّة إنْ كان يدَّعيها أنَّها حجة في فروع الدِّين من أحكام الصلاة والصوم والحجِّ وغيرها، فهذا مخالف للضرورة الدِّينيَّة، فإنَّه لم تثبت الأحكام الشرعيَّة وتفاصيلها بالرؤى والأحلام.
وإنْ كان يدَّعيها في أُصول الدِّين، فعدمها أولى، لأنَّ الأُصول تحتاج إلى العلم واليقين حتَّى تُثبِتها، وتقدَّم آنفاً أنَّ الرؤيا لا تفيد علماً.
على أنَّ الرؤى عند الجميع تنقسم إلى صادقة وكاذبة، وجميعها تحتاج إلى تفسير، فكيف نجزم أنَّها من الصادقة، وأنَّ التفسير الكذائي هو المطابق للواقع دون التفسير الآخر؟
وقد ورد في جملة من الروايات ذمُّ الاعتماد في الدِّين على الرؤيا، ومنها:
١ - ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله)، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... كذبوا، فإنَّ دين الله (عزَّ وجلَّ) أعزّ من أنْ يُرى في النوم»(١٦٣).
٢ - في حديث المفضَّل مع الإمام الصادق (عليه السلام): «... فكِّر يا مفضَّل في الأحلام كيف دبَّر الأمر فيها فمزج صادقها بكاذبها، فإنَّها لو كانت كلُّها تصدق لكان الناس كلُّهم أنبياء، ولو كانت كلُّها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له، فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس في مصلحة يُهتدى لها أو مضرَّة يُتحذَّر منها، وتكذب كثيراً لئلَّا يُعتَمد عليها كلُّ الاعتماد...»(١٦٤).
وقال الشيخ الحرُّ (رحمه الله) بعد ذكره رواية المفضَّل: وتواترت الروايات بأنَّ بعض الرؤيا صادق وبعضها كاذب، وتواترت أيضاً بوجوب الرجوع في جميع الأحكام الشرعيَّة إلى أهل العصمة (عليهم السلام)(١٦٥).
٢ - ادِّعاء المعرفة بالعلوم الخاصَّة، كعلم التوسُّم، وعلم الحروف، والجفر، وغيرها من العلوم الغريبة.
ويردُّها: أنَّ هذه العلوم لا تتوفَّر أدواتها بأيدينا كي نُميِّز الكاذب من الصادق، وكلُّ علم لا نمتلك أدواته فادِّعاء امتلاكه من قِبَل أفراد أو جماعة لا يعدو كونه صرف دعوى عهدتها على مدَّعيها، وكذلك يجري مجرى ردِّ مثل هكذا دعاوى ادِّعاء امتلاك العلم الحقيقي، والارتباط بالعوالم الأُخرى من عوالم الملائكة والجنِّ، أو التمكُّن من علم النجوم، وغيرها.
٣ - ادِّعاء إقامة المعجزات والإتيان ببعض الخوارق والكرامات، وأنَّ لديهم الاتِّصال المباشر بالإمام (عجَّل الله فرجه)، وامتلاك نور المعرفة، وأنَّهم مؤيَّدون بالملائكة وجبرائيل وميكائيل.
ويردُّها: أنَّ هذه الدعاوى الكبيرة لو كان قد صدَّقها الواقع لبانت مع طول فترة الادِّعاء وكثرة المدَّعين قديماً وحديثاً، فهم لا يتمكَّنون من تدبير أبسط أُمورهم الدِّينيَّة أو الدنيويَّة، فكيف يمكن تصديقهم في مثل هكذا ادِّعاءات؟!
٤ - أمَّا دعوى بعضهم أنَّهم مسدَّدون ومؤيَّدون، فإنَّ هذه الدعوى لا تختصُّ بزمان دون زمان ولا بأشخاصٍ محدَّدين، وهذا لا يصلح أنْ يكون وجهاً لإثبات النيابة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة.
بل ربَّما يقال: إنَّ كلَّ المؤمنين مسدَّدون من قِبَل الله تعالى وإنْ اختلفت درجات التسديد.

* * *
الدرس التاسع عشر: أدعياء النيابة عن الإمام (عجَّل الله فرجه)

١ - أدعياء النيابة قديماً:
ادَّعى النيابة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) قديماً عدَّة أشخاص، منهم:
١ - الحسن الشريعي:
أوَّل المدَّعين الحسن الشريعي، ويُكنَّى بأبي محمّد...، وكان من أصحاب أبي الحسن عليِّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليٍّ بعده (عليهما السلام)، وهو أوَّل من ادَّعى مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله تعالى وعلى حُجَجه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، فلعنته الشيعة وتبرَّأت منه، وخرج توقيع الإمام (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه(١٦٦).
٢ - محمّد بن عليٍّ الشلمغاني:
كان مستقيماً فقيهاً متقدِّماً في أصحابنا، إلَّا أنَّ الحسد لأبي القاسم الحسين ابن روح (رحمه الله) حمله على ترك المذهب، فخرجت توقيعات في ذمِّه، ومنها: «... ارتدَّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادَّعى ما كفر معه بالخالق (جلَّ وتعالى) وافترى كذباً وزوراً...، ولعنَّاه، عليه لعائن الله... وعلى من شايعه وتابعه أو بلغه هذا القول منَّا وأقام على تولِّيه بعده...»(١٦٧).
٣ - أحمد بن هلال الكرخي:
من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، عشرون منها على قدميه، ولشدَّة تأثيره في الأصحاب لمَّا خرج توقيع في ذمِّه أنكروا ذلك، فحملوا الوكيل القاسم بن العلاء على المراجعة في أمره، فخرج إليه: «قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال (لا رحمه الله) بما قد علمت، لم يزل (لا غفر الله له ذنبه ولا أقاله عثرته) يداخل في أمرنا، بلا إذن منَّا ولا رضا...»(١٦٨).
٤ - الحسين بن منصور الحلَّاج:
ادَّعى أنَّه وكيل صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وكان يُغرِّر بالجُهَّال والبسطاء من الشيعة، وممَّن كان يصانعهم ويراسلهم أبا سهل إسماعيل بن عليٍّ النوبختي (رضي الله عنه) ليستميل الناس بذلك، فقال له أبو سهل: إنِّي أسألك أمراً يسيراً يخفُّ مثله عليك - يريد بذلك أنَّ ما تدَّعيه عظيم وما سأطلبه سهل -...، وتجعل لحيتي سوداء، فإنِّي طوع أمرك...، فلمَّا سمع ذلك الحلَّاج من قوله وجوابه علم أنَّه قد أخطأ في مراسلته...، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفر الجماعة عنه(١٦٩).
ثمّ إنَّه صار إلى قم، وكاتب جماعة، منهم فقيه زمانه ابن بابويه، فاجتمعوا في السوق، وكان لابن بابويه غلام، فقال له: يا غلام برجله وبقفاه، فخرج من الدار العدوُّ لله ولرسوله، ثمّ قال له: أتدَّعي المعجزات عليك لعنة الله؟ ولم يُرَ بعدها بقم(١٧٠).
٢ - أدعياء النيابة حديثاً:
وممَّن ادَّعى النيابة في زماننا جماعات، منهم:
المولويَّة، وهم جماعة برزت في العراق وبعض الدول يدَّعون الاتِّصال المباشر بالإمام (عجَّل الله فرجه)، ومنهم جماعة باب المولى أو السفارة في البحرين، حيث ادَّعى شخص أنَّه يتَّصل بالإمام (عجَّل الله فرجه) وأنَّه سفير الإمام (عجَّل الله فرجه) - لذلك تُسمَّى بجماعة السفارة أيضاً -، وهو عبد الوهَّاب حسن أحمد البحراني، وادَّعى أنَّه يلتقي به (عجَّل الله فرجه) عن طريق الرؤى، ويتلقَّى منه (عجَّل الله فرجه) الأوامر والنواهي.
ومنهم القحطاني، والمدعو حيدر مشتَّت يدَّعي أنَّه اليماني، وأنَّه وزير الإمام (عجَّل الله فرجه)، قُتِلَ في بغداد سنة (٢٠٠٦م)، كان في بداية أمره يُشكِّل مع المدَّعي أحمد إسماعيل گاطع مجموعة واحدة، ولكنَّه انشقَّ عنه، فاتَّهمته الجماعة بالارتداد، وحصل بينهما تنازع شديد وتقاذف، إذ إنَّ كلًّا منهما كان يدَّعي أنَّه اليماني.
ومنهم أحمد إسماعيل صالح السلمي المعروف بـ(ابن گاطع)، له عدَّة دعاوي، منها أنَّه ابن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ووزيره، واليماني الموعود، والقائم قبل القائم، وأوَّل المهديِّين الاثني عشر، ووصيّ ورسول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الناس.
وممَّا يحتجُّ به على دعاواه رغم كثرتها، عدَّة روايات عمدتها رواية الوصيَّة، والمهديِّين الاثني عشر، وبعض الأدعية التي ذكرت أبناء المهدي (عجَّل الله فرجه)، والرؤيا، والاستخارة، وغيرها، وقد تعرَّضنا إلى إبطال دلالة الرؤيا على أمثال هكذا مدَّعيات، ويأتي في الحلقة القادمة الردُّ على مدَّعياته الأُخرى، وبيان وجوه المغالطات، وسقم الاستدلال فيها.

* * *
الدرس العشرون: ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وأحداث البيعة في مكَّة

كيف يعرف الإمام (عجَّل الله فرجه) أنَّ وقت الظهور قد حان؟
١ - يعرف الإمام (عجَّل الله فرجه) أنَّ ظهوره قد حان عندما يُؤمَر بذلك، حيث ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يُنادى باسم القائم: يا فلان بن فلان، قم»(١٧١).
٢ - أنَّ الله تعالى ينقر في قلبه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (المدَّثِّر: ٨)، إذ ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... إنَّ منَّا إماماً مظفَّراً مستتراً، فإذا أراد الله (عزَّ ذكره) إظهار أمره، نكت في قلبه نكتة، فظهر فقام بأمر الله تبارك وتعالى»(١٧٢).
٣ - أنْ يُؤتى إليه بالراية، وممَّا دلَّ على ذلك عدَّة نصوص، منها ما ورد عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام): «... يُؤتى بها»، قلت: ومن يأتيه بها؟ قال: «جبرئيل (عليه السلام)»(١٧٣).
٤ - نداء السيف وانتشار العَلَم، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وهكذا يكون سبيل القائم (عليه السلام)، له عَلَم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العَلَم من نفسه، وأنطقه الله (عزَّ وجلَّ)، فناداه: اخرج يا وليَّ الله، فاقتل أعداء الله، وله سيف مغمد إذا حان وقت خروجه اقتُلِعَ ذلك السيف من غمده، وأنطقه الله (عزَّ وجلَّ)، فناداه السيف: اخرج يا وليَّ الله، فلا يحلُّ لك أنْ تقعد عن أعداء الله، فيخرج (عليه السلام)...»(١٧٤).
على أنَّه لو لم يكن بيدنا نصٌّ يدلُّ على كيفيَّة معرفته (عجَّل الله فرجه) لظهوره وزمان خروجه، فإنَّا نجزم بمقتضى عصمته وإمامته واتِّصاله بالغيب أنَّه سيعلم بزمان خروجه إذا حان الموعد.
كيف نعرف الإمام (عجَّل الله فرجه) إذا خرج؟
من خلال إقامة المعجزة الدالَّة على أنَّه هو الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، وكذلك عند تحقُّق العلامات بالنحو الذي يكشف عن ظهوره لا على نحو التخمين والظنِّ.
أحداث البيعة:
بعد خروج الإمام (عجَّل الله فرجه) من المدينة إلى مكَّة، وبعث السفياني جيشاً في إثر الإمام (عجَّل الله فرجه)، تقول الروايات كما فيما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ظهر السفياني، وأقبل اليماني، وتحرَّك الحسني، خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكَّة بتراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، فقيل له: وما تراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: «سيفه، ودرعه، وعمامته، وبرده، ورايته، وقضيبه، وفرسه، ولامته، وسرجه»(١٧٥).
وفي نصٍّ آخر: «... حتَّى ينزل بأعلى مكَّة، فيُخرج السيف من غمده، ويلبس الدرع، وينشر الراية والبردة، ويعتمُّ بالعمامة، ويتناول القضيب بيده، ويستأذن الله في ظهوره...»(١٧٦).
وفي نفس المصدر: «... إنَّ القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدَّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتَّى يسند ظهره إلى الحجر الأسود...»(١٧٧).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «... فيقوم القائم بين الركن والمقام فيُصلِّي وينصرف ومعه وزيره...، ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكَّة على غير ميعاد، قزعاً كقزع الخريف، يتبع بعضهم بعضاً...، يبايعونه بين الركن والمقام...»(١٧٨).
أحداث مكَّة وما بعدها:
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «يُبايَع القائم بمكَّة على كتاب الله وسُنَّة رسوله، ويستعمل على مكَّة، ثمّ يسير نحو المدينة، فيبلغه أنَّ عامله قُتِلَ، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك، ثمّ ينطلق فيدعو الناس بين المسجدين إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله والولاية لعليِّ بن أبي طالب والبراءة من عدوِّه...»(١٧٩).
وفي خبر آخر: «... يخرج إلى المدينة فيقيم بها ما شاء، ثمّ يخرج إلى الكوفة ويستعمل عليها رجلاً من أصحابه، فإذا نزل الشفرة جاءهم كتاب السفياني: إنْ لم تقتلوه لأقتلنَّ مقاتليكم ولأسبينَّ ذراريكم، فيقبلون على عامله فيقتلونه، فيأتيه الخبر، فيرجع إليهم فيقتلهم...، ثمّ يخرج إلى الكوفة...»(١٨٠).
وفي خبر ثالث: «إذا خرج القائم من مكَّة ينادي مناديه: ألَا لا يحملنَّ أحد طعاماً ولا شراباً، ويحمل معه حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلَّا نبعت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً روي، ودوابُّهم، حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة»(١٨١).
وفي غيبة النعماني: «... كأنِّي بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم...»(١٨٢).
وفي (دلائل الإمامة): «... كأنَّني به قد عبر من وادي السلام إلى مسجد السهلة»(١٨٣).
نزول عيسى (عليه السلام) وما يحصل بعده:
وممَّا دلَّ على نزول عيسى (عليه السلام) ما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فينزل روح الله عيسى بن مريم فيُصلِّي خلفه، وتشرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»(١٨٤).
وممَّا دلَّ على فتح العالم:
١ - عن الإمام الصادق، عن أبيه (عليهما السلام): «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كلِّ إقليم رجلاً، يقول: عهدك في كفِّك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفِّك واعمل بما فيها»، قال: «ويبعث جنداً إلى القسطنطينيَّة، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء، قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟ فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها، فيحكمون فيها ما يريدون»(١٨٥).
٢ - عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وإنَّ الله تبارك وتعالى سيجري سُنَّته(١٨٦) في القائم من ولدي، فيبلغه شرق الأرض وغربها حتَّى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين إلَّا وطئه، ويُظهِر الله (عزَّ وجلَّ) له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، فيملأ الأرض به عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٨٧).

* * *
الدرس الحادي والعشرون: إثارات وشُبُهات

الشُّبهة الأولى:
ادَّعى البعض(١٨٨) أنَّ مهدي الشيعة (عجَّل الله فرجه) سيسفك الكثير من الدماء عندما يظهر، وهو ما يتنافى مع مبادئ الدِّين الإسلامي وإقامته للعدل.
والجواب عنها:
١ - أنَّ حدود الحرب وعدد القتلى مقارنة مع فتح العالم كلِّه إذا ما تمَّ قياسه لأيِّ حرب سابقة عليه من حيث قصر الفترة الزمنيَّة التي لا تتجاوز (٨) أشهر، ومن حيث عدد الضحايا، فإنَّه قياس مع الفارق جدًّا، فلو قُدِّر لشخص أنْ يفتح العالم ويقيم العدل فيه، ماذا تراه سيواجه من مجاميع الظلم والطغيان؟ هل تراهم يفسحون له المجال للقيام بمهمَّته؟ وهل كان ذلك للأنبياء والرُّسُل والمصلحين على مرِّ الزمان؟ فلم نسمع أنَّ الطغاة والظلمة أتاحوا للأنبياء أو الصلحاء ذلك.
٢ - من هؤلاء ممَّن يعتقدون بمنقذ، وينتظرون مهديًّا، ونحن نسألهم: ماذا سيفعل إذا خرج مع المعاندين له؟ فما يُجيبون به نُجيب به نحن.
على أنَّ في مجاميع هؤلاء الروائيَّة أضعاف مضاعفة ممَّا سيقوم به.
٣ - أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) عندما يقوم بمكَّة يخطب بالناس، ويُبيِّن لهم صلته بالله تعالى وبالأنبياء، وأنَّه جاء لأجل دفع الظلم عن الناس وإقامة الحقِّ، ويقيم على ذلك الحجَّة والبرهان القاطع في أنَّه يُمثِّل السماء، فماذا عساه يفعل مع من يعاند الحقَّ بعد وضوحه ويبقى يكيد الدسائس لدولة العدل الإلهي؟ فهوكالغدَّة السرطانيَّة لا بدَّ من اقتلاعها لكي يسلم الجسد.
الشُّبهة الثانية:
وأثار نفسه إثارة أُخرى أخصّ من تلك، حيث قال: ... ولم يكتفِ منتظرهم بهذا، بل إنَّه يقوم بقتلٍ عامٍّ شاملٍ للجنس العربي واستئصال وجوده، ولذلك فإنَّ أخبارهم تعد العرب بملحمة على يد غائبهم...، ما بقي بيننا وبين العرب إلَّا الذبح...، ولا يخفى تغلغل الاتِّجاه الشعوبي لدى واضعي هذه الروايات، وهي تُبيِّن مدى العداوة للجنس العربي لدى مؤسِّسي الرفض...(١٨٩).
والجواب عنها:
١ - ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الحجَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) عربي، وأنَّ جملة من قادة جيشه وجنوده من العرب، وبعضاً من أبرز قادته من العرب كاليماني وشعيب بن صالح وغيرهم، ومن قادة جيشه وخصوص الـ(٣١٣) أبدال الشام، ونجباء مصر، وأخيار العراق.
٢ - أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عندما يخرج يقتفي أثر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإذا رجعنا إلى طريقة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تعامله مع أعدائه نجد أنَّ أكثر حروبه مع قريش والعرب، وليس ذلك تشفّياً وإنَّما لعنادهم الحقَّ وعصيانهم وجحودهم، فهل يصحُّ من أمثال هؤلاء أنْ يذمُّوا - والعياذ بالله - النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفق منهجهم؟ مع أنَّ الآيات الكريمة تُصرِّح بـ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، فكلُّ الولاءات تذوب أمام ولاء الدِّين والعقيدة.
٣ - ما هو حال العرب عند ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) بحسب روايات هؤلاء؟ نلاحظ بعضاً منها:
أ - ما رواه البخاري ومسلم من قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب»(١٩٠).
ب - في مسند أحمد - في عدَّة مواضع -: «... يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحلَّ البيت إلَّا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب»(١٩١).
وغيرها من النصوص التي تتحدَّث عن هروب العرب وتركهم لمكَّة والمدينة، مع أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جعلها آمنة حتَّى من فتنة الدجَّال، وحسب رواياتهم.

* * *
الدرس الثاني والعشرون: بناء الدولة وأهدافها ومعالمها

بعد أو في أثناء الحرب تبدأ مرحلة بناء الدولة المهدويَّة المرتقبة، ودلَّت الأخبار على معالمها والآثار والأحكام التي ستتضمَّنها، ومنها:
١ - العدل، والقسمة بالسويَّة، والحكم بين جميع الأديان بكُتُبهم:
فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «... إذا قام قائم أهل البيت قسَّم بالسويَّة، وعدل في الرعيَّة، فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وإنَّما سُمّي المهدي مهديًّا لأنَّه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كُتُب الله (عزَّ وجلَّ) من غار بأنطاكيَّة، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن...»(١٩٢).
على أنَّ الحكم بين هؤلاء بكُتُبهم يكون في البداية دونما بعد ذلك.
٢ - العطاء فيها لم يسبق أنْ كان:
فعن الإمام الباقر (عليه السلام) في تتمَّة الحديث السابق: «... وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالَوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم الله (عزَّ وجلَّ)، فيُعطي شيئاً لم يُعطِه أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً وشرًّا»(١٩٣).
٣ - اجتماع العقول، واكتمال الأحلام:
فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم»(١٩٤).
وهو دالٌّ على الرقيِّ العلمي والفكري، وسعة الأُفُق والحكمة التي سيكون عليها الناس في زمانه (عجَّل الله فرجه).
٤ - إخراج الأرض بركاتها، ودخول أهل الأديان في الإسلام:
روى الشيخ المفيد (رحمه الله) عمَّن رواه: «إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيَّامه الجور، وأمنت به السُّبُل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردَّ كلَّ حقٍّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دين حتَّى يُظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان...»(١٩٥).
٥ - استغناء الناس عن الزكاة، وطول العمر:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى الناس عن ضوء الشمس، وذهب الظلمة، ويُعمِّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ذَكَر لا يولد فيهم أُنثى، وتُظهِر الأرض كنوزها حتَّى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله»(١٩٦).
وهذه النصوص واضحة في مضامينها حتَّى إنَّها لا تحتاج إلى شرح.
٦ - تعليم الناس القرآن كما نزل:
فعن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) ضرب فساطيط لمن يُعلِّم الناس القرآن على ما أنزل الله (جلَّ جلاله)»(١٩٧).
وهو صريح بما للقرآن الكريم من أهمّيَّة في دولة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وإزالة التحريف والفهم الخاطئ عنه.
٧ - خروج جميع العلم:
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «العلم سبعة وعشرون جزءاً، فجميع ما جاءت به الرُّسُل جزءان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزءين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزءين، حتَّى يبثَّها سبعة وعشرين جزءاً»(١٩٨).
٨ - انفتاح دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) على العوالم الأخرى ومجالسة المؤمنين للملائكة، ويكون بعضهم قاضياً بين مائة ألف من الملائكة:
فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «إذا قام القائم، يأمر الله الملائكة بالسلام على المؤمنين، والجلوس معهم في مجالسهم، فإذا أراد واحد حاجة أرسل القائم من بعض الملائكة أنْ يحمله، فيحمله المَلَك حتَّى يأتي القائم، فيقضي حاجته، ثمّ يردُّه، ومن المؤمنين من يسير في السحاب، ومنهم من يطير مع الملائكة، ومنهم من يمشي مع الملائكة مشياً، ومنهم من يسبق الملائكة، ومنهم من تتحاكم الملائكة إليه، والمؤمنون أكرم على الله من الملائكة، ومنهم من يُصيِّره القائم قاضياً بين مائة ألف من الملائكة»(١٩٩).
وهناك الكثير من التفاصيل التي تناولتها الروايات من أحكامه (عجَّل الله فرجه) في دولته، سنتطرَّق إليها في الحلقة القادمة إنْ شاء الله تعالى.

* * *
الدرس الثالث والعشرون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) (١)

أُثيرت حول نصوص دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقيامه عدَّة إثارات وإشكالات، من بينها:
١ - إذا خرج هل سيهدم الكعبة؟
يقول بعضهم(٢٠٠): ... فيقوم بعمليَّة هدم وتخريب في الحرمين الشريفين، حيث تنصُّ أخبارهم «أنَّ القائم يهدم المسجد الحرام حتَّى يردَّه إلى أساسه، ومسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أساسه، ويردَّ البيت إلى موضعه وإقامته على أساسه»، ولا يخفى أنَّ هذه الوعود بصنائع المنتظر... إنَّما تنمُّ عن دخائل نفوسهم وما تكنُّه صدورهم في مناوأة لدين الإسلام... .
والجواب عنها:
١ - أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو خليفة الله حتَّى في نصوص هؤلاء(٢٠١)، فهو أدرى بما يقوم به من وظيفة، وليس الهدم للانتقاص منها، ولا تضعيف مكانتها في قلوب المسلمين كما يدَّعي هؤلاء، إنَّما هو لأجل إرجاعها إلى أساسها الذي بُنيت عليه، وهو يسير بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك، فقد رووا هم بأنفسهم عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أصحّ الكُتُب عندهم أنَّه كان يريد أنْ يُرجِع الكعبة إلى أساس إبراهيم (عليه السلام)، لكنَّه كان يخشى حداثة القوم بالإسلام، فلاحظ ما ينقله البخاري عن عائشة أنَّها قالت: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثمّ لبنيته على أساس إبراهيم (عليه الصلاة والسلام)، فإنَّ قريشاً استقصرت بناءه، وجعلت له خلفاً»(٢٠٢).
فالنبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمقتضى هذا النصِّ أراد الهدم والإرجاع إلى أساس إبراهيم (عليه السلام) لولا التقيَّة من القوم، وهذا ما سيفعله الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) خليفة الله (جلَّ جلاله)، كما هو النصُّ الذي نقله صاحب الشُّبهة حيث جاء فيه: «حتَّى يردَّه إلى أساسه».
فليس هذا الهدم بدافع انتقامي أو مناوأة للدِّين الإسلامي، بل هو اتِّباع لسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - المهدي (عجَّل الله فرجه) يحكم بالديانة العالميَّة، وهي فكرة إلحاديَّة:
نفس هذا البعض يقول(٢٠٣): تقوم دولة المنتظر على الحكم لأهل كلِّ دين بكتابهم...، وهذا القانون الذي يطمح إلى تطبيقه واضعو هذه الروايات، ويعدون بتنفيذه على يد المنتظر هو شبيه - إلى حدٍّ كبير - بفكرة الديانة العالميَّة التي ترفع شعارها الماسونيَّة، وهي فكرة إلحادية تقوم أساساً على إنكار الأديان السماويَّة تحت دعوى حرّيَّة الفكر والعقيدة.
والجواب عنها:
١ - لا شكَّ أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) سوف يُظهِر الديانة العالميَّة، وهي ديانة الإسلام التي تستوعب جميع الأديان، وليس كونه ديناً عالميًّا أنَّه ماسوني، ولا ندري كيف فهم صاحب الشُّبهة من كونها عالميَّة أنَّها ماسونيَّة، وأنَّه إنكار للأديان الإلهيَّة؟!
٢ - بالنسبة للأديان السماويَّة الأُخرى في بداية الظهور لا بدَّ أنْ تُحاكَم حسب كُتُبها وقوانينها إلى أنْ يستتبَّ الوضع للإمام (عجَّل الله فرجه) ويعرف الناس أنَّه هو الحقُّ، وأنَّ ما أتى به هو العدل والقسط، فيقبل الناس على الإيمان بالإسلام إلى أنْ ينتشر في ربوع الأرض، حاله في ذلك حال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما ظهر وأسَّس دولته.
٣ - يأتي بدين جديد:
يدَّعي البعض أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يأتي بدين جديد، وأمرٍ جديد، وقضاء جديد، استناداً إلى رواية رواها الشيخ النعماني (رحمه الله) عن الإمام الباقر(عليه السلام)، جاء فيها: «يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد، على العرب شديد»(٢٠٤)، فحاول البعض التشنيع من خلالها على أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي يعتقد به الشيعة عندما يظهر سوف يأتي بدين جديد وقرآن جديد...
والجواب عنها:
١ - أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند هؤلاء استناداً إلى رواياتهم سوف يُخرج الإسلام من غربته بعد أنْ لا يبقى له إلَّا الاسم، فقد ورد في رواياتهم: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً»(٢٠٥).
٢ - الشيء الجديد الذي سيأتي به الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - رغم أنَّ الرواية لم تقل: دين - هو جديد على من لم يسمع به، وهذا ليس ابتداعاً في الدِّين، فإنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يتبع سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وينشر تعاليمه، فما يأتي به هو ما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن الناس تركوه ولم يُطبِّقوه، فأصله موجود في القرآن الكريم، وهو (عجَّل الله فرجه) عِدل القرآن.

* * *
الدرس الرابع والعشرون: إثارات وشُبُهات حول دولة الإمام (عجَّل الله فرجه) (٢)

٥ - مهديُّهم أفضل من النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأنبياء الآخرين (عليهم السلام):
تقول الشُّبهة: إنَّ القائم (عجَّل الله فرجه) أكمل من خاتم النبيِّين، وأقدر على تحقيق دين الله ممَّن أُرسل قدوةً للعالمين...(٢٠٦).
والجواب عنها:
١ - روت مصادر الحديث عندنا أخبار تفضيل النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الخلق طُرًّا، سواء الأئمَّة أو الأنبياء (عليهم السلام) أو غيرهم، ومنها: ما رواه الشيخ الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عن بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، قال: «إيَّانا عنى، وعليٌّ أوَّلنا، وأفضلنا، وخيرنا بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٠٧).
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما خلق الله خلقاً أفضل منِّي، ولا أكرم عليه منِّي»(٢٠٨).
٢ - لا ملازمة بين تحقيق العدالة في الكون على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والتي يعترف بها جميع من يؤمن بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبين كونه أفضل وأكمل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٦ - المهدي (عجَّل الله فرجه) يحكم بغير شريعة الإسلام:
تقول الشُّبهة: ... إنَّ الحكم والقضاء في دولة المنتظر يقام على غير شريعة المصطفى...، حَكَمَ بحكم داود وسليمان...(٢٠٩).
والجواب عنها:
١ - ممَّا أجمع عليه المسلمون أنَّ القاضي له أنْ يحكم بعلمه، وممَّا ورد في ذلك من طُرُقهم:
أ - قال ابن رشد: إنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ القاضي يقضي بعلمه(٢١٠).
ب - قال ابن عبد البرِّ: ... ففي هذا الخبر قضاء عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته(٢١١).
فإذا جاز في القاضي أنْ يحكم بعلمه، فلِمَ لا يجوز لخليفة الله المهدي (عجَّل الله فرجه) أنْ يحكم أيضاً بعلمه؟
٢ - أنَّ الروايات التي ذكرت أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إنَّما يحكم كما حكم داود (عليه السلام) لأنَّه كان يحكم بعلمه، فوجه الشبه ذلك، فهو كان لا يسأل الناس بيِّنةً وكذلك الإمام (عجَّل الله فرجه).
روى الشيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجل منِّي يحكم بحكومة آل داود ولا يسأل بيِّنة، يُعطي كلَّ نفس حقَّها»(٢١٢).
والتعليل في الرواية يفيد أنَّ الوجه في ذلك لأنَّه لا يسأل البيِّنة، لأنَّه يريد أنْ يُعطي كلَّ نفس حقَّها.

* * *
الدرس الخامس والعشرون: الرجعة من معتقدات الإماميَّة

دلَّت نصوص عديدة على رجعة جميع الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ دولتهم آخر الدول، وأنَّهم يحكمون فيها بأجمعهم، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]، وهو في الرجعة إذا رجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام)»(٢١٣).
بل ورجوع الأنبياء لنصرة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (غافر: ٥١)، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «... ذلك والله في الرجعة، أمَا علمتَ أنَّ أنبياء كثيرة لم يُنصَروا في الدنيا وقُتلوا والأئمَّة بعدهم قُتلوا ولم يُنصَروا؟ ...»(٢١٤).
بل إنَّ الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء (عليهم السلام) بنصرة نبيِّه، وأنْ يُخبروا أُمَمهم وينصرونه، فقد نصروه بالقول، وأمروا أُمَمهم بذلك، وسيرجع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويرجعون وينصرونه في الدنيا(٢١٥)، وهو صريح في رجعتهم إلى الدنيا لنصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
بل إنَّ بعض النصوص دلَّت على تعدُّد رجعات بعضهم كأمير المؤمنين (عليه السلام)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ لعليٍّ (عليه السلام) في الأرض كرَّة مع الحسين ابنه (صلوات الله عليهما)...، ثمّ كرَّة أُخرى مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى يكون خليفته في الأرض، وتكون الأئمَّة (عليهم السلام) عُمَّاله...، يُعطي الله نبيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مُلك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم يُفنيها»(٢١٦)، وهي دالَّة على تعدُّد الكرَّات وطول فترة الحكم في كلِّ كرَّة.
وعن أبي جعفر (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وإنَّ لي الكرَّة بعد الكرَّة، والرجعة بعد الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرَّات»(٢١٧).
إنْ قلتَ: إذا كانت الغاية من الرجعة هي إبراز عدالة الله تعالى في الدنيا من خلال إراءة المظلوم أنَّه ينتصر من ظالمه، فلِمَ لا يكون ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وإظهاره للعدل محقِّقاً للفائدة من الرجعة، فلِمَ لا يُستعاض بظهوره عنها؟
قلتُ:
١ - الحكمة الإلهيَّة كما اقتضت أنْ يكون السير في عالم الكمال من خلال التكليف، كذلك اقتضت أنْ تكون العوالم بهذه الكيفيَّة، فلو كان ثَمَّة لغويَّة في البين لامتنع على الحكيم العليم القيام بها.
٢ - طبيعة الحياة الدنيا أنَّها مملوءة بالمزاحمات، فالرجعة فرصة ثانية لكي يُحقِّق الإنسان - وهو في عالم الدنيا - كماله اللَّائق به قبل الانتقال إلى الآخرة.
الرجعة ليست مختصَّة بأُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد وقعت في الأُمَم السابقة:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٣)، فهذه الآية من دلائل وقوع الرجعة في الأُمَم السابقة، فقد روى الشيخ الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام): «... وكانوا سبعين ألف بيت، وكان الطاعون يقع فيهم في كلِّ أوان...، ثمّ إنَّهم مرُّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون، فنزلوا بها، فلمَّا حطُّوا رحالهم واطمأنُّوا بها قال الله (عزَّ وجلَّ): موتوا جميعاً، فماتوا من ساعتهم، وصاروا رميماً...، وكانوا على طريق المارَّة، فكنستهم المارَّة فنحَّوهم وجمعوهم في موضع، فمرَّ بهم نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له: (حزقيل)، فلمَّا رأى تلك العظام بكى واستعبر، وقال: يا ربِّ، لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتَّهم، فعمروا بلادك، وولدوا عبادك، وعبدوك مع من يعبدك...، فأوحى الله تعالى إليه: أفتُحِبّ ذلك؟ قال: نعم...، فعادوا أحياءً ينظر بعضهم إلى بعض...»(٢١٨)، وهي دالَّة على وقوع الرجعة في عالم الدنيا، وفي الأُمَم السابقة.
إنْ قلتَ: نُسلِّم وقوعها في الأُمَم السابقة دون وقوعها في أُمَّتنا، إذ لم نسمع برجعة من رجع منها.
قلتُ:
١ - ورد عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كلُّ ما كان في الأُمَم السالفة يكون في هذه الأُمَّة مثله حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة»(٢١٩)، فهي تقع فينا حتماً.
٢ - ما تقدَّم من أخبار دالَّة على وقوعها في هذه الأُمَّة، وأنَّ أقواماً سيرجعون بعد ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، بل جميع الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام).
والرجعة التي ستكون في عالم الدنيا مادّيَّة لا روحيَّة كما يدَّعيه البعض، فإنَّها ستكون كما كانت في الأُمَم السابقة وهي مادّيَّة، بل بعض النصوص عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورد فيها، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا عليُّ، سألت ربِّي فيك خمس خصال فأعطاني، أمَّا أوَّلها فسألت ربِّي أنْ أكون أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض وأنفض التراب عن رأسي وأنت معي، فأعطاني...»(٢٢٠).
على أنَّ المتبادر منها هو هذا، وغيره يحتاج إلى قرينة.

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ مطبعة بعثت/ قم.
٣ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٤ - الاستذكار: ابن عبد البرِّ/ تحقيق: سالم محمّد عطا ومحمّد عليّ معوض/ ط ١/ ٢٠٠٠م/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٥ - أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة: ناصر القفاري.
٦ - الاعتقادات في دين الإماميَّة: الشيخ الصدوق/ تحقيق: عصام عبد السيِّد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٧ - إعلام الورى: الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) / مطبعة ستاره/ قم.
٨ - بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٩ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد/ تحقيق: خالد العطَّار/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٠ - بروتكولات آيات قم: ناصر القفاري.
١١ - تاج المواليد: الشيخ الطبرسي/ ١٤٠٦هـ/ مكتبة آية المرعشي/ مطبعة الصدر/ قم.
١٢ - تاريخ الإسلام: الذهبي/ تحقيق: تدمري/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
١٣ - تحرير الأحكام: العلَّامة الحلّي/ تحقيق: إبراهيم البهادري/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام)/ مطبعة اعتماد.
١٤ - تفسير العيَّاشي: العيَّاشي/ تحقيق: هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
١٥ - تفسير القمّي: عليُّ بن إبراهيم القمّي/ تحقيق: طيِّب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
١٦ - تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي/ تحقيق: فارس الحسُّون/ ط ١٤١٧هـ.
١٧ - تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ تحقيق: حسن الخرسان/ ط ٣/ ١٣٦٤ش/ مطبعة خورشيد/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
١٨ - التوحيد: المفضَّل بن عمر/ تحقيق: كاظم المظفَّر/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
١٩ - الحاوي للفتاوي: جلال الدِّين السيوطي.
٢٠ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ ط ١ كاملة محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
٢١ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تحقيق: علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرِّسين/ قم.
٢٢ - خلاصة الأقوال: العلَّامة الحلّي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة نشر الفقاهة.
٢٣ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري (الشيعي)/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
٢٤ - رجال النجاشي: النجاشي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٢٥ - رسائل في الغيبة: الشيخ المفيد/ تحقيق: علاء آل جعفر/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٦ - الرسائل: الشريف المرتضى/ تحقيق: السيِّد أحمد الحسيني/ ١٤٠٥هـ/ دار القرآن الكريم/ مطبعة سيِّد الشهداء/ قم.
٢٧ - سُنَن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
٢٨ - سير أعلام النبلاء: الذهبي/ تحقيق: حسين الأسد/ ط ٩/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٢٩ - صحيح البخاري: البخاري/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٠ - صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٣١ - الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي/ ط ١/ ١٩٩٧م/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٣٢ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تحقيق: محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٣٣ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ مطبعة بهمن/ قم.
٣٤ - الغيبة: النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى/ مطبعة مهر.
٣٥ - الفتن: نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٦ - فِرَق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي.
٣٧ - الفصول المهمَّة في أُصول الأئمَّة: الحرُّ العاملي/ تحقيق: محمّد القائيني/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة معارف إسلامي إمام رضا (عليه السلام)/ مطبعة نگين/ قم.
٣٨ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: علي أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ مطبعة حيدري/ طهران.
٣٩ - الكامل في التاريخ: ابن الأثير/ ١٣٨٦هـ/ دار الصادر/ بيروت.
٤٠ - كشف الغمَّة: ابن أبي الفتح الأربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٤١ - كشف المراد: العلَّامة الحلّي/ تحقيق: إبراهيم الموسوي الزنجاني/ ط ٤/ ١٣٧٣ش/ انتشارات شكوري/ مطبعة إسماعيليَّان/ قم.
٤٢ - كفاية الأثر: الخزَّاز القمّي/ تحقيق: عبد اللطيف الكوه­كمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ انتشارات بيدار/ مطبعة الخيَّام.
٤٣ - كمال الدِّين: الشيخ الصدوق/ تحقيق: علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٤٤ - كنز الفوائد: أبو الفتح الكراجكي/ ط ٢/ ١٣٦٩ش/ مكتبة المصطفوي/ مطبعة غدير/ قم.
٤٥ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٤٦ - المختصر في أخبار البشر: أبو الفداء/ دار المعرفة/ بيروت.
٤٧ - المستدرك: الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
٤٨ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ دار الصادر/ بيروت.
٤٩ - المصنَّف: ابن أبي شيبة/ تحقيق: سعيد اللحَّام/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٥٠ - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ تحقيق: علي أكبر الغفاري/ ١٣٧٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٥١ - المعجم الكبير: الطبراني/ تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي/ ط ٢ مزيَّدة ومنقَّحة/ دار إحياء التراث العربي.
٥٢ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تحقيق: علي أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٥٣ - المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: عبد العليم عبد العظيم البستوي/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ المكتبة المكّيَّة/ مكَّة المكرَّمة، دار ابن حزم/ بيروت.
٥٤ - النكت الاعتقاديَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: رضا المختاري/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٥٥ - الهداية: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة الإمام الهادي (عليه السلام)/ مطبعة اعتماد.
٥٦ - وسائل الشيعة: الحرُّ العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ مطبعة مهر/ قم.
٥٧ - وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام (عليه السلام): ميرزا محمّد تقي الموسوي الأصفهاني/ ط ١/ ١٤٢٥هـ/ مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ النجف الأشرف.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة (ص ٤٩٧/ ح ١٤٧).
(٢) الهداية (ص ٢٥ - ٢٩).
(٣) راجع: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (ص ٤٩٠).
(٤) الكافي (ج ١/ ص ١٧٧/ باب أنَّ الحجَّة لا تقوم لله على خلقه إلَّا بالإمام/ ح ٤).
(٥) الغيبة للطوسي (ص ٣).
(٦) المصدر السابق.
(٧) الكافي (ج ١/ ص ١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمَّة/ ح ١).
(٨) كمال الدِّين (ص ٢٣٥/ باب ٢٢/ ح ٤٦).
(٩) كمال الدِّين (ص ٢٧٤ - ٢٧٩/ باب ٢٤/ ح ٢٥).
(١٠) النكت الاعتقاديَّة (ص ٤٣).
(١١) الاعتقادات في دين الإماميَّة (ص ٩٣ - ٩٥).
(١٢) كمال الدِّين (ص ٢٦١ و٢٦٢/ باب ٢٤/ ح ٨).
(١٣) الغيبة للطوسي (ص ١٤١/ ح ١٠٥).
(١٤) الغيبة للطوسي (ص ١٤٢ و١٤٣/ ح ١٠٧).
(١٥) الغيبة للطوسي (١٥٧ و١٥٨)، عنه منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (ج ٢/ الفصل ١٠ و١١)، وفيه ما يقرب من ٣٢٥ حديثاً.
(١٦) الكافي (ج ١/ ص ٥٠٣/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)).
(١٧) تهذيب الأحكام (ج ٦/ ص ٩٢).
(١٨) تحرير الأحكام (ج ٢/ ص ١٢٦/ الرقم ٢٦٦٠).
(١٩) تاريخ الإسلام (ج ٢٠/ ص ١٦١)، وسير أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١٢١).
(٢٠) الكامل في التاريخ (ج ٧/ ص ٢٧٤).
(٢١) كمال الدِّين  (ص ٤٠).
(٢٢) الغيبة للطوسي (ص ١٤٦/ ح ١٠٨).
(٢٣) الفرق.
(٢٤) كمال الدِّين (ص ١٠٥).
(٢٥) فِرَق الشيعة (ص ٨٠).
(٢٦) الغيبة للطوسي (ص ٢٣ و٢٤/ ح ٢).
(٢٧) فِرَق الشيعة (ص ٩٤).
(٢٨) الغيبة للطوسي (ص ٢٠٣/ ح ١٧٠).
(٢٩) الغيبة للطوسي (ص ١٩٨ و١٩٩/ ح ١٦٣).
(٣٠) كمال الدِّين (ص ٣٧٠/ باب ٣٥/ ح ١)، والرواية صحيحة سنداً.
(٣١) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٣/ ح ١٨٦).
(٣٢) الكافي (ج ١/ ص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١).
(٣٣) النكت الاعتقاديَّة (ص ٤٢ و٤٣).
(٣٤) الغيبة للطوسي (ص ١٠٦).
(٣٥) كمال الدِّين (ص ٩٤).
(٣٦) الغيبة للطوسي (ص ١٧٣ و١٧٤).
(٣٧) كنز الفوائد (ص ١٧٢).
(٣٨) تاج المواليد (ص ٦٥).
(٣٩) تقريب المعارف (ص ٤١٥).
(٤٠) إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٢٥).
(٤١) كفاية الأثر (ص ٩٧).
(٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٨٨ و٨٩/ باب ٤/ ح ١٧).
(٤٣) كمال الدِّين (ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣).
(٤٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢).
(٤٥) كمال الدِّين (ص ٣٧١ و٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥).
(٤٦) كمال الدِّين (ص ٣٨٣/ باب ٣٧/ ح ١٠).
(٤٧) الغيبة للطوسي (ص ١٥٧).
(٤٨) راجع: الغيبة للنعماني (ص ١٣٩ و١٤٠/ باب ما روي في أنَّ الله لا يُخلي أرضه بغير حجَّة/ ح ٨ - ١١).
(٤٩) كمال الدِّين (ص ٢٣٦/ باب ٢٢/ ح ٥٢).
(٥٠) الكافي (ج ١/ ص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١).
(٥١) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨٠).
(٥٢) الكافي (ج ١/ ص ٥١٤/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)).
(٥٣) كمال الدِّين (ص ٤٢٤ - ٤٣٤/ باب ٤٢/ ح ١ - ١٦).
(٥٤) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٩).
(٥٥) المختصر في أخبار البشر (ج ٢/ ص ٤٥).
(٥٦) تاريخ الإسلام (ج ١٩/ ص ١١٣).
(٥٧) بروتكولات آيات قم (ص ١٣).
(٥٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٢)، والرواية مرويَّة عن الإمام الباقر (عليه السلام).
(٥٩) كمال الدِّين (ص ٩٤).
(٦٠) راجع كلمات الأعلام في الدرس السادس.
(٦١) الغيبة للطوسي (ص ٧٦).
(٦٢) تقدَّم في الدرس الخامس.
(٦٣) رسائل في الغيبة (ج ٢/ ص ١٣).
(٦٤) الغيبة للنعماني (ص ١٨٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٧).
(٦٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥).
(٦٦) الغيبة للطوسي (ص ١٠٦و١٠٧).
(٦٧) المصدر السابق.
(٦٨) الغيبة للطوسي (ص ١٠٧).
(٦٩) أي جعفر الكذَّاب.
(٧٠) كمال الدِّين (ص ٥٨).
(٧١) كمال الدِّين (ص ٦٠).
(٧٢) المصدر السابق.
(٧٣) كمال الدِّين (ص ٦١).
(٧٤) تاريخ الإسلام (ج ١٩/ ص ١١٣).
(٧٥) الغيبة للطوسي (ص ٨٢).
(٧٦) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩).
(٧٧) وهو عبد الله بن زيد آل حمود الذي ألَّف كتاب (لا مهدي يُنتَظر بعد الرسول محمّد خير البشر)، أنكر فيه أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وقد ردَّ عليه جملة من أهل الحديث ذلك.
(٧٨) القائل هو محمّد صالح المنجد، نقل كلمات من ضعَّف الحديث، وقال في موقعه الرسمي: وتكاد تتَّفق كلمة المحدِّثين على تضعيف هذا الحديث.
(٧٩) ممَّن نقل تواتر أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): القرطبي، والآبري، والمزّي، وابن حجر، وابن القيِّم، وغيرهم، راجع: كتاب المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة لعبد العليم عبد العظيم البستوي (ص ٤٠ - ٤٦).
(٨٠) الحاوي للفتاوي (ج ٢/ ص ٢٠٢).
(٨١) الصواعق المحرقة (ص ١٦٧).
(٨٢) المعجم الكبير (ج ١٠/ ص ١٣٣ و١٣٥/ ح ١٠٢١٣ و١٠٢٢٢ و١٠٢٢٤).
(٨٣) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٦٤).
(٨٤) المصنَّف (ج ٨/ ص ٦٧٨/ ح ١٩٣).
(٨٥) الغيبة للطوسي (ص ١٨٠ - ١٨٢/ ح ١٤٠).
(٨٦) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٨٢/ ح ٣٧)، عن كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٧١/ ح ٢١)، عن الأربعين لابن حمَّاد، ورواه في الفتن (ص ٢٢٦ و٢٢٧).
(٨٧) كمال الدِّين (ص ٥٨).
(٨٨) المصدر السابق.
(٨٩) كمال الدِّين (ص ٥١).
(٩٠) الغيبة للطوسي (ص ١٥٧ و١٥٨).
(٩١) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٩).
(٩٢) كمال الدِّين (ص ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ١٠).
(٩٣) كمال الدِّين (ص ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥).
(٩٤) كمال الدِّين (ص ٣٢٢ و٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧).
(٩٥) كمال الدِّين (ص ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦).
(٩٦) علل الشرائع (ص ١٤٧/ باب ١٢٢/ ح ٢).
(٩٧) كمال الدِّين (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١).
(٩٨) الغيبة للنعماني (ص ١٦٣).
(٩٩) كمال الدِّين (ص ٩٤).
(١٠٠) الغيبة للطوسي (ص ١٧٤).
(١٠١) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٩).
(١٠٢) الغيبة للطوسي (ص ١٦٦ و١٦٧/ ح ١٢٨).
(١٠٣) كمال الدِّين (ص ٣١٩ و٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢).
(١٠٤) نقل هذا الإشكال عن بعضهم السيِّد المرتضى ; في رسائله (ج ٢/ ص ٢٩٧).
(١٠٥) الغيبة للطوسي (ص ٨٦).
(١٠٦) الغيبة للطوسي (ص ١٠٨ و١٠٩).
(١٠٧) الغيبة للطوسي (ص ١٠٩ وما بعدها).
(١٠٨) الغيبة للطوسي (ص ١٠٩ - ١١٣).
(١٠٩) كمال الدِّين (ص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢).
(١١٠) كمال الدِّين (ص ٤٧٣/ باب ٤٣/ ح ٢٥).
(١١١) كمال الدِّين (ص ٤٣).
(١١٢) الإرشاد (ص ٣٣٦ و٣٣٧).
(١١٣) كمال الدِّين (ص ٤٧٨ و٤٧٩/ باب ٤٣/ ح ٢٦).
(١١٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(١١٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٤ و٣٥٥/ ح ٣١٥).
(١١٦) كمال الدِّين (ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٩).
(١١٧) كمال الدِّين (ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٦).
(١١٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٣).
(١١٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٦١/ ح ٣٢٣).
(١٢٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦ و٣٥٧/ ح ٣١٨).
(١٢١) خلاصة الأقوال (ص ٢٢٠/ الباب ١٨/ الرقم ٢).
(١٢٢) كمال الدِّين (ص ٥١٠/ باب ٤٥/ ح ٤١).
(١٢٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٧٠/ ح ٣٣٩).
(١٢٤) الغيبة للطوسي (ص ٣٨٦ و٣٨٧/ ح ٣٥٠).
(١٢٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٣/ ح ٣٦٢).
(١٢٦) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤).
(١٢٧) تاج المواليد (ص ٦٥ و٦٦).
(١٢٨) وسائل الشيعة (ج ٢٧/ ص ١٤٨/ ح ٣٣٤٤٩/٣٤).
(١٢٩) رجال النجاشي (ص ١٠/ الرقم ٧).
(١٣٠) الكافي (ج ١/ ص ٦٧/ باب اختلاف الحديث/ ح ١٠).
(١٣١) كمال الدِّين (ص ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤).
(١٣٢) الكافي (ج ١/ ص ١٤٣ و١٤٤/ باب النوادر/ ح ٤).
(١٣٣) معاني الأخبار (ص ٩٧ و٩٨/ باب معنى الإمام المبين/ ح ٢).
(١٣٤) الكافي (ج ١/ ص ١٩٠/ باب في أنَّ الأئمَّة شهداء الله (عزَّ وجلَّ) على خلقه/ ح ٢).
(١٣٥) الكافي (ج ١/ ص ١٩١/ باب أنَّ الأئمَّة (عجَّل الله فرجه) هم الهداة/ ح ١).
(١٣٦) كمال الدِّين (ص ٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١).
(١٣٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ١).
(١٣٨) الكافي (ج ١/ ص ١٨٥ و١٨٦/ باب فرض طاعة الأئمَّة/ ح ١).
(١٣٩) كمال الدِّين (ص ٢٨٨/ باب ٢٥/ ح ٧).
(١٤٠) كمال الدِّين (ص ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣).
(١٤١) كمال الدِّين (ص ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤).
(١٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٣).
(١٤٣) كمال الدِّين (ص ٣٣٣/ باب ٣٣/ ح ١).
(١٤٤) كمال الدِّين (ص ٣٦٩/ باب ٣٤/ ح ٦).
(١٤٥) راجع: وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام (عليه السلام) (ص ١٠ - ٢٠/ مقدّمة المؤلِّف).
(١٤٦) الغيبة للنعماني (ص ٣١٢ و٣١٣/ باب ١٨/ ح ٥).
(١٤٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٦١/ باب ١٤/ ح ٩).
(١٤٨) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢/ باب ١٤/ ح ١١).
(١٤٩) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧).
(١٥٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣).
(١٥١) الغيبة للنعماني (ص ٢٧٢ و٢٧٣/ باب ١٤/ ح ٢٨).
(١٥٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).
(١٥٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠).
(١٥٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهيَّة التوقيت/ ح ٢).
(١٥٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٩ و٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٢).
(١٥٦) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٣).
(١٥٧) كمال الدِّين (ص ٤٨٣ - ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤).
(١٥٨) كمال الدِّين (ص ٣٧٢ و٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦).
(١٥٩) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٣/ باب ١٦/ ح ٨).
(١٦٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٩/ باب ١٦/ ح ١).
(١٦١) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٣ و٣٠٤/ باب ١٦/ ح ١٠).
(١٦٢) من لا يحضره الفقيه (ج ٤/ ص ١٧٧/ ح ٥٤٠٢).
(١٦٣) الكافي (ج ٣/ ص ٤٨٢/ باب النوادر/ ح ١).
(١٦٤) التوحيد للمفضَّل (ص ٤٣ و٤٤).
(١٦٥) الفصول المهمَّة (ج ١/ ص ٦٩٠/ ذيل الحديث ١٠٩٤/٤).
(١٦٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٧/ ح ٣٦٨).
(١٦٧) الغيبة للطوسي (ص ٤١١/ ح ٣٨٤).
(١٦٨) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٨١٦/ ١٠٢٠).
(١٦٩) الغيبة للطوسي (ص ٤٠١ و٤٠٢/ ح ٣٧٦).
(١٧٠) راجع: الغيبة للطوسي (ص ٤٠٢ و٤٠٣/ ح ٣٧٧).
(١٧١) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٧/ باب ١٤/ ح ٦٤).
(١٧٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٤٣/ باب في الغيبة/ ح ٣٠).
(١٧٣) الغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣).
(١٧٤) كمال الدِّين (ص ١٥٥ و١٥٦/ باب ٧/ ح ١٧).
(١٧٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٧٨/ باب ١٤/ ح ٤٢).
(١٧٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٧٩/ باب ١٤/ ح ٤٣).
(١٧٧) الغيبة للنعماني (ص ٣٢٩/ باب ٢٠/ ح ٩).
(١٧٨) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٥/ ح ١١٧).
(١٧٩) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٠٨/ ح ٨٣)، عن سرور أهل الإيمان (ص ٩٨ و٩٩).
(١٨٠) المصدر السابق.
(١٨١) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٩).
(١٨٢) الغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣).
(١٨٣) دلائل الإمامة (ص ٤٥٨/ ح ٤٣٨/٤٢).
(١٨٤) كمال الدِّين (ص ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٧).
(١٨٥) الغيبة للنعماني (ص ٣٣٤ و٣٣٥/ باب ٢١/ ح ٨).
(١٨٦) سُنَّة ذي القرنين.
(١٨٧) كمال الدِّين (ص ٣٩٤/ باب ٣٨/ ح ٤).
(١٨٨) وهو ناصر القفاري في كتابه أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج ٢/ ص ٨٧٦).
(١٨٩) المصدر السابق.
(١٩٠) صحيح البخاري (ج ٤/ ص ١٠٩ و١٧٦، وج ٨/ ص ٨٨ و١٠٤)، وصحيح مسلم (ج ٨/ ص ١٦٥ و١٦٦).
(١٩١) مسند أحمد (ج ٢/ ص ٢٩١ و٣١٢ و٣٢٨ و٣٥١).
(١٩٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح ٢٦).
(١٩٣) المصدر السابق.
(١٩٤) الكافي (ج ١/ ص ٢٥/ كتاب العقل والجهل/ ح ٢١).
(١٩٥) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٤).
(١٩٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨١).
(١٩٧) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٦).
(١٩٨) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٨٤١/ ح ٥٩).
(١٩٩) دلائل الإمامة (ص ٤٥٤ و٤٥٥/ ح ٤٣٤/٣٨).
(٢٠٠) وهو ناصر القفاري في أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج ٢/ ص ٨٧٥ و٨٧٦).
(٢٠١) مسند أحمد بن حنبل (ج ٥/ ص ٢٧٧).
(٢٠٢) صحيح البخاري (ج ٢/ ص ١٥٥).
(٢٠٣) وهو ناصر القفاري في كتابه أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج ٢/ ص ٨٧٣).
(٢٠٤) الغيبة للنعماني (ص ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٩).
(٢٠٥) صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٠).
(٢٠٦) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة (ج ٢/ ص ٥١٨).
(٢٠٧) الكافي (ج ١/ ص ٢٢٩/ باب أنَّه لم يجمع القرآن كلُّه إلَّا عند الأئمَّة (عليهم السلام).../ ح ٦).
(٢٠٨) كمال الدِّين (ص ٢٥٤/ باب ٢٣/ ح ٤).
(٢٠٩) أُصول مذهب الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة: (ج ٢/ ص ٨٧٢).
(٢١٠) بداية المجتهد ونهاية المقتصد (ج ٢/ ص ٣٨٥).
(٢١١) الاستذكار (ج ٧/ ص ٩٥).
(٢١٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٩٧ و٣٩٨/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود.../ ح ٢).
(٢١٣) تفسير القمّي (ج ٢/ ص ٢٥٨).
(٢١٤) تفسير القمّي (ج ٢/ ص ٢٥٩).
(٢١٥) تفسير القمّي (ج ١/ ص ١٠٦).
(٢١٦) مختصر بصائر الدرجات (ص ٢٩).
(٢١٧) مختصر بصائر الدرجات (ص ٣٣).
(٢١٨) الكافي (ج ٨/ ص ١٩٨ و١٩٩/ ح ٢٣٧).
(٢١٩) كمال الدِّين (ص ٥٣٠ و٥٧٦).
(٢٢٠) الخصال (ص ٣١٤/ ح ٩٣)، والحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُخبر عليًّا (عليه السلام) برجعته.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016