أبحاث العدد:
 خلاصات بحوث العدد:
 البحث في العدد ٩:
 الصفحة الرئيسية » اعداد المجلة » العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١هـ » آليات المحاججة اللغوية في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الروابط الحجاجية مثالاً
 العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١ه

المقالات آليات المحاججة اللغوية في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الروابط الحجاجية مثالاً

القسم القسم: العدد ٩/ جمادى الآخرة/١٤٤١هـ الشخص الكاتب: عبد الإله عبد الوهاب العرداوي التاريخ التاريخ: ٢٠٢٠/٠٢/١١ المشاهدات المشاهدات: ٣٣٠ التعليقات التعليقات: ٠

آليات المحاججة اللغوية في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
الروابط الحجاجية مثالاً

د.عبد الإله عبد الوهاب العرداوي

قسمنا البحث على شقين:
أولاً: الإطار النظري:
١ - فن التوقيعات الأدبية:
أ - التوقيعات لغة:
التوقيعات في اللغة مشتقة من التوقيع الذي هو بمعنى التأثير، يقال: وقع الدبر ظهر البعير إذا أثر فيه، وكذلك الموقع (كاتب التوقيع) يؤثر في الخطاب، أو الكتاب الذي كتب فيه حساً أو معنى(١) وقيل: إن التوقيع مشتق من الوقوع، لأنه سبب في وقوع الأمر الذي تضمنه، أو لأنه إيقاع الشيء المكتوب في الخطاب أو الطلب، فتوقيع كذا، معنى إيقاعه(٢) قال الخليل: التوقيع في الكتاب إلحاق فيه بعد الفراغ منه أو اشتقاقه من قولهم وقعت الحديقة بالميقعة، وهي المطرقة إذا ضربتها، وحمار موقع الظهر: إذا أصابته في ظهره دبرة، والوقيعة، نقرة في صخرة يجتمع فيها الماء وجمعها: وقائع فكأنه سمي توقيعاً، لأنه تأشير في الكتاب أو لأنه سبب وقوع الأمر وإنفاذه، من أوقعت الأمر فوقع(٣) وقال ابن الأنباري: (توقيع الكتاب في الكتاب المكتوب أن يجمل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة، ويحذف الفضول، وهو مأخوذ من توقيع الدبر ظهر البعير، فكأن الموقع في الكتاب يؤثر في الأمر الذي كتب الكتاب فيه ما يؤكده ويوجبه)(٤).
ب - التوقيع اصطلاحاً:
لقد اكتسبت التوقيعات في الإسلام معنى اصطلاحياً يرتبط بالمعنى اللغوي الذي ذكرناه سابقاً فأصبحت تستعمل لما يوقعه الكاتب على القضايا أو الطلبات المرفوعة إلى الخليفة أو السلطان أو الأمير فكان الكاتب يجلس بين يدي الخليفة في مجالس حكمه فإذا عرضت قضيته على السلطان أمر الكاتب أن يوقع بما يجب إجراؤه، وقد يكون الكاتب أحياناً السلطان نفسه(٥). يقول البطليوسي في بيان التوقيع اصطلاحاً: (وأمّا التوقيع فإن العادة جرت أن يستعمل في كل كتاب يكتبه الملك أو من له أمر ونهي في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عرضه بإيجاب ما يسأل أو منعه، كقول الملك ينفذ هذا إن شاء الله، أو هذا صحيح وكما يكتب الملك على ظهر الكتاب، لترد على هذا ظلامته أو لينظر في خبر ذلك أو نحو ذلك).
وتطور مفهوم التوقيعات في العصر العباسي واكتسب دلالة أدبية فأصبحت تطلق على تلك الأقوال البليغة الموجزة المعبرة التي يكتبها المسؤول في الدولة أو يأمر بكتابتها على ما يرفع إليه من قضايا أو شكايات متضمنة ما ينبغي اتخاذه من إجراء نحو كل قضية أو مشكلة، وهي بهذا المفهوم أشبه ما تكون بتوجيه المعاملات الرسمية في الوقت الحاضر(٦).
ج - أنواع التوقيعات:
إن التوقيعات بمجملها لا تخرج عن الأنواع الآتية(٧):
١ - قد يكون التوقيع آية قرآنية تناسب الموضوع الذي تضمنه الطلب أو استقلت عليه القضية.
٢ - قد يكون التوقيع بيت شعر.
٣ - قد يكون مثلاً سائراً.
٤ - وقد يكون حكمة.
٥ - وقد يكون غير ما ذكر.
د - فن التوقيعات عبر العصور التاريخية:
١ - التوقيعات في العصر الجاهلي:
التوقيع فن أدبي نشأ في أحضان الكتابة في التدوين وارتبط بهما، ولذلك لم يعرف العرب في الجاهلية التوقيعات الأدبية، بسبب أن الكتابة لم تكن شائعة بينهم، بل كان الذين يعرفون الكتابة في هذا العصر قلة نادرة فالأدب الجاهلي في مجمله كان شفاهياً وليس كتابياً(٨).
٢ - التوقيعات في صدر الإسلام:
شاعت الكتابة في عصر صدر الإسلام وأصبح الذين يجيدونها يمثلون نسبة كبيرة، فضلاً عن استعمال الكتابة في تحبير الرسائل وتبليغ أوامر الخليفة وتوجيهاته إلى الولاة والقواد في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية(٩).
٣ - التوقيعات في العصر الأموي:
عدت التوقيعات في العصر الأموي فناً أدبياً بعد أن كثر استعمالها وشاعت إذ اعتاد كل خليفة أموي أو بعض الأُمراء والولاة والقواد أن يوقِّع على الرسائل التي ترد إليه بعد أن يطلع عليها ويعرف مضمونها(١٠) وقد وصلت نماذج كثيرة لتوقيعاتهم مبثوثة في المصادر القديمة.
٤ - التوقيعات في العصر العباسي:
أصاب التوقيعات الأدبية في العصر العباسي الذيوع والانتشار بسبب ازدهار الكتابة الفنية وتعدد أغراضها وحلّت محل الخطابة في كثير من شؤون الدولة وقضاياها، وأصبح الكاتب البليغ مطلباً من مطالب الدولة تحرص عليه وتبحث عنه لتسند إليه عمل تحرير المكاتبات وأصبح لا يحظى بالوزارة إلّا ذوو الأقلام الراقية من الكُتّاب والبلغاء المترسلين كالبرامكة والفضل بن الربيع، والفضل والحسين ابْنَي سهل وغيرهم من الكُتّاب الذين جمعوا بين الوزارة والكتابة الأدبية البليغة(١١)، كما أصبح للتوقيعات ديوان خاص سُمي بديوان التوقيعات أُسند العمل فيه إلى بلغاء الأدباء والكُتّاب ممن عُرف بالشُهرة وبلاغة القول وشدة العارضة وحسن التأني للأمور والمعرفة بمقاصد الأحكام وتوجيه القضايا.
هـ - معايير التوقيع الأدبي(١٢):
ليس كل توقيع يصلح أن يكون توقيعاً أدبياً، وإنما لابد للتوقيع من المعايير الآتية:
١- الإيجاز: وهو أن تكون ألفاظه قليلة معدودة ذات معان غزيرة.
٢- البلاغة: وهو أن يكون التوقيع مناسباً للحالة أو القضية التي قيل فيها.
٣- الإقناع: وذلك أن يتضمن التوقيع من وضوح الحجة وسلامتها ما يحمل الخصم على التسليم ومن قوة المنطق وبراعته ما يقطع على صاحب الطلب عودة المراجعة.
التوقيعات عند آل البيت (عليهم السلام):
برزت التوقيعات عند آل البيت (عليهم السلام) لاسيما ما ورد من توقيعات للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فمن توقيعاته ما وقَّع به إلى طلحة بن عبيد الله «في بيته يُؤْتى الحكم»(١٣).
ووقع في كتاب سلمان الفارسي - وكان سأله كيف يُحاسب الناسُ يوم القيامة- «يحاسبون كما يرزقون»(١٤) ووقع في كتاب أتاه من الأشتر النخعي فيه بعض ما يكره «مَنْ لك بأخيك كله»(١٥).
ووقع في كتابٍ لصعصعةَ بن صُوحانَ يسألُه في شيءٍ: «قيمة كل امرئٍ ما يحسن»(١٦) وكتب إليه الحُضَيْن بن المنذر في صفين يذكر أن السيف قد أكثر في ربيعة، وبخاصةٍ في أسرى منهم، فوقع إليه: «بقيةُ السيفِ أنمى عدداً»(١٧).
إن كلمة التوقيع ذكرت لأول مرة في روايات الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث كتبها (عليه السلام) تحت أحد الكتب على نحو التذكير. وبهذا الشكل وهذا التركيب جاءت بعض الروايات عن الإمام الرضا (عليه السلام)(١٨)، ولكن هذا الاصطلاح أصبح مختصاً فيما بعد بالتوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث أصبح يطلق على ما جاء مكتوباً منه (عجّل الله فرجه) إلى علماء الشيعة أو لم يكن مكتوباً، بل عن مشافهة(١٩).
توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
نقلت كتبٌ متفرقة التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في سنوات مختلفة، سواء ما كان منها في زمان سفارة عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) أو زمان سفارة ابنه محمد العمري (رحمه الله)، منها ما صدر عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مشتملاً على الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل بيته (عليهم السلام)، أو في توثيق محمد بن جعفر الأسدي وكيل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد صدر التوقيع إلى صالح بن أبي صالح أو غيرها.
كذا صدر توقيع منه عن طريق الحسين بن روح (رحمه الله) وكان هذا التوقيع موجه إلى علي بن أحمد العقيقي من أجل مساعدة الحسين بن روح (رحمه الله) من الضيق الذي كان فيه حيث كان عاملاً في ذلك الوقت عند محمد بن عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)، كما هناك توقيعات عديدة صدرت منه (عجّل الله فرجه) في زمان سفارة الحسين بن روح النوبختي (رحمه الله).
وفي نهاية الغيبة الصغرى صدر توقيع من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى علي بن محمد السمري (رحمه الله) آخر نواب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أخبره فيها أنه سيموت بعد ستة أيام وأن لا يوصي لأحد من بعده كوكيل خاص للإمام (عجّل الله فرجه) فقد بدأت الغيبة الكبرى وكان هذا سنة ٣٢٨ أو سنة (٣٢٩هـ).
وفي عصر الغيبة الكبرى صدر توقيعان من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد وكان هذا في سنة (٤١٠ و٤١٢ هـ). وهناك الكثير من التوقيعات لكنها غير معلومة التاريخ.
ومما تقدم يتضح أن التوقيع عنوان للخطاب الصادر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم ولاسيما من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث كان يكتبه بخط يده لشيعته، والدليل على أنه صادر عن الإمام (عجّل الله فرجه) وجود إمضائه، والتوقيعات التي كانت تصدر عنه (عجّل الله فرجه) ترسل إلى نوابه المعتمدين في الغيبة الصغرى، وفي الغالب فإن هذه التوقيعات تحمل طابع الإعجاز وخرق العادة، وهي واحدة من دلائل إمامته (عجّل الله فرجه).
والمراد من التوقيعات الصادرة عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لشيعته، بيان أمر من الأمور، أو جوابٌ لسؤال يرفع في رقعة إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عن طريق سفرائه، أو أنّه (عجّل الله فرجه) يرسل التوقيع دون سؤال من أحد. وأكثر التوقيعات صدرت في الغيبة الصغرى، وفي الأعم الأغلب تكون موجهة إلى سفرائه (عجّل الله فرجه) أو أحد وكلائه. وهناك بعض التوقيعات صدرت عن الإمام (عجّل الله فرجه) في الغيبة الكبرى كما في التوقيعين الصادرين إلى الشيخ المفيد.
٣ - الروابط الحجاجية:
ارتبط مفهوم الروابط في عدة دراسات بالمباحث النحوية والدلالية من دون النظر إلى وظيفتها الحجاجية والتداولية، إذ عد بعض الدارسين (أن دورها لا يتجاوز الربط بين الجمل والقضايا أمّا بُعدُها الحجاجي فقد برز مع ديكرو في إطار صياغته للتداولية المدمجة وهي النظرية التداولية التي تشكل جزءاً من النظرية الدلالية)(٢٠)، إذ لم يغفل ديكرو وزميله في أثناء صياغتهما لـ(النظرية الحجاجية في اللغة) هذا الجانب المهم الذي يتمركز في أبنية اللغة بوصفها ظاهرة لغوية مهمة جداً لها ارتباط بطريقة مباشرة في توجيه الحجاج من خلال إحداث الانسجام داخل الخطاب والدفع باتجاه تحقيق الإقناع عبر استمالة المتلقي وتوجيهه نحو الغاية التي يريدها المتكلم بمعنى أنها عناصر لغوية تلعب دوراً أساسياً في اتساق النص وانسجامه، وربط أجزائه شكلاً ومضموناً من أجل تحقيق الوظيفة التوجيهية الحجاجية للملفوظات(٢١) وبحسب تصور ديكرو فقد أشار شكري المبخوت إلى تنوع أشكال الربط الحجاجي بقوله (إذا كانت الوجهة الحجاجية محددة بالبنية اللغوية، فإنها تبرز في مكونات ومستويات مختلفة من هذه البنية فبعض هذه المكونات يتعلق بمجموع الجملة أي هو عامل حجاجي في عبارة ديكرو فيقيدها بعد أن يتم الإسناد فيها ومن هذا النوع نجد النفي والاستثناء المفرغ والشرط والجزاء وما إلى ذلك مما يغير قوة الجملة دون محتواها الخبري ونجد مكونات أخرى ذات خصائص معجمية محددة تؤثر في التعليق النحوي وتتوزع في مواضيع متنوعة من الجملة الحجاجية اللغوية، ومن هذه الوحدات المعجمية حروف الاستئناف بمختلف معانيها والأسوار (بعض، كل، جميع) وما اتصل بوظائف نحوية مخصوصة كحروف التقليل أو ما تخوض لوظيفة من الوظائف مثل (قطُ) أو (ابدا)(٢٢) ومن هنا ميز أبو بكر العزاوي بين الروابط الحجاجية والعوامل الحجاجية (فالروابط الحجاجية تربط بين قولين أو بين حجتين على الأصلح (أو أكثر) وتسند لكل قول دوراً محدداً داخل الاستراتيجية الحجاجية العامة)(٢٣).
كما فصل العزاوي القول في طبيعة هذه الروابط وقسمها على أقسام هي(٢٤):
- الروابط المدرجة للحجج (حتى، بل، لكن، مع ذلك، لان)
- الروابط المدرجة للنتائج (اذن، لهذا، بالتالي)
- الروابط التي تدرج حججاً قوية (حتى، بل، لكن، لاسيما)
- روابط التعارض الحجاجي (بل، لكن، مع ذلك)
- روابط التساوق الحجاجي (حتى، لاسيما)
من خلال ما سبق تبين أن الروابط اللغوية تسهم في انسجام الخطاب وتماسكه من خلال ربطها بين القيمة الحجاجية لقول ما وبين النتيجة أي الربط بين قضيتين وترتيب أجزاء القول ومنحها القوة المطلوبة بوصف هذه الأشياء حججاً في الخطاب(٢٥)، لقد أثرت هذه الروابط تأثيراً كبيراً في أدلجة الحجاج في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالخاصية الإقناعية والتأثيرية وهذا ما سنراه في الإطار التطبيقي.
ثانياً: الإطار التطبيقي:
يعد خطاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مدونة تراثية فكرية، فهو من أعرق النصوص الأدبية وأفصحها وهذا ديدن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومن ذلك الخطاب الثر لتوقيعاته حيث بنيت على أسس تبليغية على وفق مقدمات خطابية تواصلية تحاور الناس عبر بوابة الإقناع والتأثير في المتلقي واعتماد استراتيجيات توجيه عقل المخاطب وروحه وضميره وتوقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يمكن مقاربتها حجاجياً من خلال دورها في إقناع الآخر والتأثير فيه، فقد توافرت في هذه التوقيعات مجموعة لا بأس بها من الروابط التي تميزت بفاعليتها الحجاجية وتوجيه دلالة المحاججة، لذلك سوف نعمد في هذه الأوراق البحثية إلى إعطاء صورة مكثفة لأهم الروابط الحجاجية التي ترد في هذه التوقيعات معتمدين في تقسيمها وفق ما يأتي(٢٦):
١ - روابط التعارض الحجاجي
٢ - روابط التساوق الحجاجي
٣ - روابط التعليل الحجاجي
٤ - روابط العطف الحجاجي
أ - روابط التعارض الحجاجي / الرابط الحجاجي (لكن):
وهي من الأدوات النحوية التي حددها العلماء العرب لنفي كلام وإثبات غيره، ومن هذا المنطلق فإن هذه الأداة تقيم علاقة ربط بين قولين متناقضين أو متنافيين هو من الناحية الحجاجية ربط حجاجي تداولي بين المعطى والنتيجة(٢٧) وتدل الخطاطة الحجاجية الموضحة التي قدمها أصحاب النظرية الحجاجية للأداة (لكن) إلى أن التلفظ بأقوال من نمط (أ لكن ب) يستلزم أمرين:
١ - إن المتكلم يقدم (أ) و(ب) بوصفهما حجتين، الحجة الأولى موجهة نحو نتيجة معينة (ن)، والحجة الثانية موجهة نحو النتيجة المضادة لها أي (لا - ن).
٢ - إن المتكلم يقدم الحجة الثانية بوصفها الحجة الأقوى وبوصفها توجه القول أو الخطاب برمته(٢٨).
ومن هذه الخطاطة نجد أن وظيفة (لكن) ومثلها (بل) الحجاجيتين تعمل على قلب الفرضية بين ما يتقدم الرابط وما يتبعه فما يسبق الرابط (لكن) يتضمن حجة (أ)، (ظاهرة) تخدم نتيجة (ضمنية) متوقعه (ن) وما بعد الرابط يتضمن حجة (ب) (ظاهرة) تخدم نتيجة (ضمنية) مضادة (لا - ن) للنتيجة السابقة (ن) وهنا يكون دور الرابط الحجاجي (لكن) في الربط بين قولين متنافيين من جانب وإعطاء الحجة الثانية التي تأتي بعده بالقوة اللازمة التي تجعلها أقوى من الحجة الأولى التي سبقت الرابط، ونتيجة لذلك فقد عمل الرابط على توجيه القول بجملة نحو النتيجة المضادة (لا - ن)(٢٩).
وقد ورد ذكرها -لكن- في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في قوله: «ولولا أن أمر الله لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يلعن، لظهر لكم من حقنا ما تبتز منه عقولكم، ويزيل شكوكم، ولكن ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب»(٣٠) الذي نلحظ فيه الرابط الحجاجي (لكن) قد عمل تعارضاً حجاجياً بين ما تقدم وما تأخر عنه فالقسم الأول الذي سبق الرابط قد تضمن حجة تخدم نتيجة ضمينة (ن) من قبيل أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يخاطبهم - جماعة من الشيعة: «إن أمر الله لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يلعن، وقد ظهر لكم من حقنا ما تبتز منه عقولكم، ويزيل شكوكم» أمّا القسم الثاني الذي جاء بعد الرابط فقد تضمن حجة تخدم نتيجة مضادة للنتيجة السابقة (لا - ن) أي تخدم نتيجة (ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب) فما أحدثه الرابط (لكن) هو استدراك ورفع ما يتوهم ثبوته، فحتمية مشيئة الله وكينونته تلقي بظلالها الحجاجية على النتيجة السابقة مما يكسبها فيضاً من التعارض الحجاجي الذي يوجه القول برمته إلى أبعاد غيبية يدركها آل البيت (عليهم السلام).
ب - الرابط الحجاجي (بل):
ذكر الرماني في فحوى هذه الأداة (هي من الحروف الهوامل ومعناها الاضراب عن الأول والإيجاب للثاني)(٣١) وعليه فهي من أدوات الربط التي تستعمل للإبطال والحجاج مثلها مثل (لكن) ولهذا الرابط حالان:
الأول: أن يقع بعد مفرد.
الثاني: أن يقع بعده جملة ما فإن وقع بعده مفرد دخله حالان:
أ - إنْ تقدمه أمر أو إيجاب نحو (اضرب زيداً بل عمراً) و(قام زيد بل عمرو) فإنه يجعل ما قبله كالمسكوت عنه ولا يحكم عليه بشيء ويثبت الحكم لما بعده.
 ب - إنْ تقدمه نفي أو نهي نحو (ما قام زيد بل عمرو) و(لا تضرب زيداً بل عمراً) فإنه يكون لتقرير حكم الأول وجعل ضده لما بعده أي إثبات الثاني ونفي الأول.
أمّا إذا وقع بعد (بل) جملة فيكون معنى الاضراب:
أ - إمّا الإبطال نحو قوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٠).
ب - وإمّا الانتقال من غرض إلى غرض(٣٢) نحو قوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (الأعلى: ١٤-١٦).
ومما تقدم يتضح أن (بل) تعمل عمل (لكن) في المنحى الحجاجي الذي يصفها بالاستدراك والتوكيد والقصر والاضراب والإبطال(٣٣) ونجد حجاجية (بل) في قول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه): «يا هذا يرحمك الله إن الله لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألبا»(٣٤) أن (بل) الواردة في هذه المثال هي من النمط الحجاجي الذي أفاد التوكيد فقد توسطت بين حجتين فما تقدمها كان منفياً مؤكداً بـ(لم) في حين جاءت الحجة التي تلتها مثبتة (خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألبا) وبذلك يكون الرابط قد أقام علاقة حجاجية بين نفي احتمال (أن الله سبحانه وتعالى قد خلق عبثاً وأهملهم سدى) وبين إثبات حقيقة أن خلقهم بقدرته، إذ أن (لم يخلق الخلق عبثاً) المنظور الظاهر لم يكن عبثاً، وإنما هي في المنظور الحجاجي المؤكد بنتيجة مضادة (لا - ن) أنه خلقهم بقدرته وجعل لهم أسماعاً و...، وهذا كله يمثل الفضاء العلائقي الحجاجي بين العبد وربه المرتكز على البنى المعرفية / العقدية / الروحية.
ومن حجاجية (بل) قوله (عجّل الله فرجه): «يا محمد بن علي تعالى الله وجل عما يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه، بل لا يعلم الغيب غيره»(٣٥) الذي يدور خطابه حول ماهيّة علم الغيب وبعده الانطولوجي الإلهي.
٢ - روابط التساوق الحجاجي: الرابط الحجاجي (حتى):
يبرز الرابط الحجاجي (حتى) كعلامة حجاجية فارقة، ويكتسب هذا الرابط أهميته من علاقته الواضحة والقوية مع المعنى الضمني والمضمر، إذ أن دورها لا يقتصر على إضافة معلومة جديدة إلى سياق الجملة كما لو تقول: (جاء زيد) فتكون (حتى زيد جاء) إذا كان مجيء زيد غير متوقع، بل أن دور هذا الرابط يتمثل في إدراج حجة جديدة تردف الحجة التي تسبقها وتساوقها والحجتان تخدمان نتيجة واحدة لكن بدرجات متفاوتة من حيث القوة الحجاجية(٣٦) فتتساوق الحجتان في رفد النتيجة بالطاقة الحجاجية المؤثرة، ولكن تبقي الحجة التي يأتي بها الرابط (حتى) هي أقوى من الحجة التي سبقتها، أي أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها، ولذا أقرّ ديكرو بأن (الحجة المربوطة بواسطة هذا الرابط ينبغي أن تنتمي إلى فئة حجاجية واحدة، أي أنها تخدم نتيجة واحدة والحجة التي ترد بعد هذا الرابط تكون هي الأقوى، لذلك فإن القول المشتمل على الأداة (حتى) لا يقبل الإبطال والتعارض الحجاجي)(٣٧) وقد توافرت في كلام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الرابط حتى وهو في دلالات متعددة في مقام واحد فتستعمل للتعليل وللغاية، كما في قوله (عجّل الله فرجه): «إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت لها حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتى تقضيها، ولا تبيت إلّا في بيتها»(٣٨) فالرابط الحجاجي (حتى) في هذا المثال ينظر إليه من زاويتين من أجل تحقيق غايات إقناعية فمرة يقرأ من زاوية (سببية) أي أن ما قبلها علة وسبب وحجة لما بعدها فيكون مرادفاً لـ(كي) التعليلية فيكون المثال: «إذا كان حق خرجت فيه وقضته، وإن كانت لها حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها كي تقضيها، ولا تبيت إلّا في بيتها» وهنا يمكن أن نعد ما قبله حجة وما بعده نتيجة، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قدّم حجته في خروج المرأة في قضاء حق لها وهي في عدّتها.
فضلاً عن ذلك فقد تستعمل (حتى) للغاية فتكون مترادفة لـ(إلى) فحكم ما بعدها يكون مخالفاً لحكم ما قبلها فيتقرر الحكم قبل (حتى) في إفادة إمكان الخروج لقضاء حق يلزمها إذا لم يكن لها من ينظر إليها، أي تكون الحجة التي بعدها غاية لما قبلها، وهما في كل الأحوال يخدمان نتيجة واحدة، وتبقى الحجة التي ترد بعد (حتى) هي الأقوى حجاجياً.
وتكون مرادفة لـ(إلى) للغاية وبدلالتها التوكيدية الإبلاغية كما في قوله (عليه السلام): «فلمّا قبضه الله إليه ظننتم أنّ الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا يكون، حتى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون»(٣٩).
٣ - روابط التعليل الحجاجي:
١ - الرابط الحجاجي المتمثل بـ(لام التعليل):
من أدوات الربط التي تدخل على الفعل المضارع فيكون ما بعدها علة لما قبلها ويقال لهذا اللام: لام العلة ولام السبب، ولام كي، لان معنى التعليل فيها راجع إلى معنى الاختصاص فإن قلنا: (جئتك للإكرام) دلّت اللام على أن المجيء مختص بالإكرام إذ الإكرام سببه دون غيره(٤٠) فهذا الرابط يستعمله الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أجل التعليل لفعله فهو نتيجة الدعوى التي يقصدها المرسل، فعليه (هي) من الروابط التي تربط بين النتيجة والحجة لدعم النتيجة وتبريرها، ومن ذلك قوله (عجّل الله فرجه): «لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب، وليثقوا بالكفاية منه»(٤١) ويمكن هنا تحليل هذه المتوالية الحجاجية التراتبية بـ(لام) التعليل كالآتي:
النتيجة: لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء.
الرابط الحجاجي: لام التعليل.
الحجة ١: فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب.
الحجة ٢: وليثقوا بالكفاية منه.
٢ - الرابط الحجاجي (لأنّ):
يعد هذا الرابط من أهم ألفاظ التعليل والتفسير وهو إلى جانب هذا يستعمل لتبرير الفعل كما يستعمل لتبرير عدمه(٤٢) وقد ورد هذا الرابط في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لأنّ مقتضى الخطاب سواء أكان في الأمر أو الوعظ أو الدحض أو الدعوة يتطلب توجهاً تفسيرياً وتبريرياً من أجل التأثير والتوجيه والإقناع بالدعوى المقدمة، ومثال ذلك قوله (عجّل الله فرجه): «وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنّ الله معنا فلا فاقة بنا لي غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا»(٤٣) وهنا يمكن بيان الربط العلّي بين النتيجة والحجج المقدمة بالترسيمة الآتية:
النتيجة: وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم، فغمّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا.
الرابط الحجاجي: لأن.
الحجة ١: فلا فاقة بنا لي غيره.
الحجة ٢: والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا.
٣ - روابط العطف الحجاجي:
تتنسق مجموعة من الحروف ببعد حجاجي مهم من خلال ربطها بين الحجج والنتائج والتنسيق بينهما من أجل التعليل والتفسير والتبرير، ومن هذه الروابط احرف العطف (الواو، الفاء، ثم) إذ أنها تقوم بدور حجاجي كبير، فالملاحظ أنها تقوم بالربط بين قضيتين (حجتين) لنتيجة واحدة ووصفها سلماً حجاجياً يخضع هذه الحجج إلى تراتبية معينة بحسب قوتها في دعم النتيجة النهائية، فإنها تسهم أيضاً في بداعة المعنى المقصود ولاسيما إذا استعمل كل حرف واستغلت وظيفته في الموضوع المناسب فذلك يزيد من الإثبات على المعنى من جهة، ويلقي على الخطاب نوعاً من التنظيم والانسجام مرة أخرى(٤٤) وفي هذا المورد سنحاول أن نبين عمل هذه الروابط في توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وبيان مستوى دعمها لعمل المحاججة.
أ - الرابط الحجاجي (ثم):
هي من حروف العطف التي تفيد التراخي والمهلة بين قضيتين متباعدتين، فضلاً عن إفادتها الترتيب بين الحجج، ومثالها قوله (عليه السلام): «فمنهم من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتخذه خليلاً، ومنهم من كلمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، ومنهم من علّمه منطق الطير وأوتي من كل شيء، ثم بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحمة للعالمين وتمم به نعمته»(٤٥) فالحجج التي أقامها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) متتالية ومرتبة تتسق وتنسجم مع ما ينبغي أن يكون عليه ترتيب ومعاجزهم، وقد أفادت (ثم) في إقامة هذه التراتبية في عرض الحجج وبحسب سياقاتها، وحقيقة (ثم) هنا دالة على التراخي والمهلة للربط بين المعطوف والمعطوف عليهِ، وهذه المهلة مرتبطة بالزمن الحقيقي الفعلي مقترناً بزمن نفسي مفعم بالأحاسيس التي ترتكز على الوعد والبشارة بالرحمة والنعمة.
ومنه قوله (عجّل الله فرجه): «وختم به أنبياءه وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما ظهر، وبيّن آياته وعلاماته ما بين، ثم قبضه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حميداً فقيداً سعيداً»(٤٦) فنلحظ هنا أن الرابط (ثم) قد توسطت بين الأفعال للدلالة على التراخي وإعطاء المهلة، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخياً زمنياً مع إفادة الترتيب في إلقاء هذه الحجج.
ب - الرابط الحجاجي (الواو):
يشير هذا الرابط إلى وظيفة الجمع بين قضيتين (حجتين) ويستعمل حجاجياً بوصفه رابطاً عاطفياً على ترتيب الحجج ووصل بعضها ببعضها الآخر، بل يعمل على رص الحجج وتماسكها وتقويتها فضلاً عن التدرجية أو السلمية في ترتيب الحجج وعرضها(٤٧) ومن الشواهد في نص توقيعات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، قوله (عجّل الله فرجه): «أم بعلم، فما يعلم حقاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حد الصلاة ووقتها»(٤٨) فالرابط الحجاجي (الواو) قام بالربط والوصل بين الحجج، وعمل أيضاً على ترتيبها بالشكل الذي يضمن تقوية النتيجة المطروحة ودعمها، وهي (أم بعلم) كما عمل على حصول الترادفية في النتيجة الواحدة وهذا الربط النسقي بين الحجج قد أضفى سلمية تدرجية باتجاه الحجة الأقوى بشكل عمودي.
«ن» أم بعلم
ق١ يعلم حقاً من باطل
ق٢ ولا محكماً من متشابه
ق٣ ولا يعرف حد الصلاة ووقتها
وهنا يتضح أن الحجة الأولى هي الحجة الأقوى مقارنة بالحجج التي سبقتها لخدمة النتيجة المعروضة لورودها في أعلى السلم الحجاجي.
ومن تمثلات (الواو) الحجاجية قوله (عجّل الله فرجه): «فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً»(٤٩).
ويمكن بيان السلم الحجاجي في الآتي:
«ن» فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى
ق١ وذلك بعد طول الأمد
ق٢ وقسوة القلوب
ق٣ وامتلاء الأرض جوراً
فالحجج المترادفة قد اتسقت واتحدت باتجاه دعم النتيجة المطروحة وتقويتها بقوة الرابط (الواو) الذي أفاد التعليل والتبرير لمضمون النتيجة (لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنته) كما اشتغل الرابط على التراتبية وإدراج الحجج بشكل عمودي.
 ومنه قوله (عجّل الله فرجه): «ثم بعث النبيين (عليهم السلام) مبشرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته، وينهونهم عن معصيته، ويعرفونه ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم»(٥٠) فهنا متوالية حجاجية نسقية تدعم النتيجة وتبرزها بقوة الرابط (الواو) الذي دل على التعليل والتبرير لمضمون النتيجة (الحمد لله أفضل ما حمده حامد إلى أبد الآبد) كما عمل الرابط على التدرجية والسلمية باتجاه الحجة الأقوى وبشكل عمودي.
«ن» بعث النبيين (عليهم السلام) مبشرين ومنذرين
ق١ يأمرونهم بطاعته
ق٢ وينهونهم عن معصيته
ق٣ ويعرفونه ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم
ومنه قوله (عجّل الله فرجه): «وجعل بينهم وبين إخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً بيِّناً، تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم، بأن: عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من العيوب، وطهّرهم من الدنس، ونزّههم من اللبس، وجعلهم خزائن علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرّه، وأيدهم بالدلائل»(٥١) فنلحظ فيه تدرجية حجاجية تشد علائقها (الواو) الرابطة التي أفادت التعليل والتبرير لمضمون النتيجة (تعرف به الحجة من المحجوج، والإمام من المأموم).
«ن» تعرف به/الفرق/ الحجة من المحجوج والإمام من المأموم
ق١ عصمهم من الذنوب
ق٢ وبرأهم من العيوب
ق٣ وطهرهم من الدنس
ق٤ ونزههم من اللبس
ق٥ خزائن علمه
 ق٦ ومستودع حكمته
 ق٧ وموضع سره
ق٨ وأيدهم بالدلائل
ج - الرابط الحجاجي (الفاء):
من حروف العطف التي تضطلع بمهمة حجاجية، إذ أنها تربط بين النتيجة والحجة من أجل التعليل والتفسير فهي أداة ربط تفيد التعليل والاستنتاج في الخطاب الحجاجي التداولي ومن ثم فهي تجمع بين قضيتين متباعدتين في الدلالة على التقارب بين الأحداث، فضلاً عن الدلالة على الترتيب والاتصال، وأكثر ورودها كون ما بعدها أو المعطوف متسبباً عما قبله(٥٢) ومن أمثلتها قوله (عجّل الله فرجه): «يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الكبرى»(٥٣) فهنا نجد الرابط (الفاء) قد عمل على الترتيب والاتصال/ التسارع ببلوغ الغيبة الكبرى.
الخاتمة:
- برزت التوقيعات كأحد الفنون النثرية التي اقتصرت على الأدب العربي، وعليه كان لابد من مقاربتها لغة واصطلاحاً في المنظومة المعرفية.
- ارتكز فن التوقيعات على مؤشرات تاريخية ولد من رحمها ثم نما وتطور.
- لكي يكون التوقيع أدبياً فلابد له من معايير واضحة تحدد خصائصه الجمالية التي يمتاز بها والتي تبنى البحث تحديدها بدقة.
- اعتمد المنجز النصي في خطابه على الحجاج اللغوي بوصفه ظاهرة لغوية نجدها في كل قول، وفي كل خطاب بحسب ديكرو.
- كشفت لنا المدونة عن بعض الآليات اللغوية الحجاجية من خلال الاعتناء بحروف الربط، وحسن اختيارها وأماكن تواجدها في النفس من أجل توجيه الكلام نحو آفاق واضحة يرومها الباحث منذ البداية وهذا ما يعرف بـ(الروابط الحجاجية)
- كان دور الروابط الحجاجية في سياق الكلام التأثير والإقناع وانتقاء مواضعها في الخطاب النصي من أجل هذه الغاية، وتوصيل المقاصد الحجاجية التي يريدها، لذلك أعطى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هذه الروابط اللغوية دوراً كبيرا في تأدية المعنى، وانسجام الكلام لتنحصر وظيفتها الحجاجية داخل اللغة مما يمنح الخطاب دفعاً قوياً ومؤثراً.

الهوامش:

(١) ينظر لسان العرب ٨/٤٠٦ مادة (وقع) وتاج العروس ١١/٥٢٥، وزهر الاكم في الامثال والحكم: ٢/٢٢٠، وتاريخ آداب اللغة العربية:٢٥.
(٢) ينظر تاج العروس: ١١/٥٢٢، وزهر الأكم: ٢ / ٢٢٠.
(٣) الاقتضاب في شرح أدب الكاتب: ١/١٩٦.
(٤) لسان العرب:٨/٤٠٦ مادة وقع، وينظر تهذيب اللغة: ٣/٣٥-٣٦ مادة (وقع).
(٥) ينظر: تاريخ آداب اللغة العربية: ٢٥.
(٦) ينظر فن التوقيعات الأدبية في العصر الإسلامي والأموي والعباسي: بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(٧) ينظر المرجع نفسه: بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(٨) ينظر فن التوقيعات الأدبية في العصر الإسلامي والأموي والعباسي: بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(٩) ينظر المرجع نفسه بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(١٠) ينظر: فن التوقيعات الأدبية في العصر الإسلامي والأموي والعباسي: بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(١١) ينظر: المرجع نفسه بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(١٢) ينظر: المرجع نفسه بحث منشور على الانترنت على موقع مجلة الأديب العربي.
(١٣) التوقيع في الأصل مثل ينظر: المثل وقصته: جمهرة الأمثال:١/٣٦٨، ومجمع الأمثال:٢/١٩.
(١٤) العقد الفريد:٤/٤١.
(١٥) م.ن:٤/٤٢.
(١٦) م.ن:٤/٤٢.
(١٧) م.ن:٤/٤٢.
(١٨) الكافي:٣/٥.
(١٩) كتاب الغيبة: ٣ - ٩.
(٢٠) معالم لدراسة تداولية حجاجية للخطاب الصحافي ١٩١.
(٢١) ينظر رسائل الإمام (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية: ٩٣ - ٩٤.
(٢٢) ينظر: نظرية الحجاج في اللغة العربية ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج) ٣٧٧.
(٢٣) الحجاج في اللغة: ١٤.
(٢٤) ينظر: المرجع نفسه: ٦٥.
(٢٥) ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة. دراسة حجاجية: ٩٨.
(٢٦) رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية: ٩٨.
(٢٧) رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية: ٩٩.
(٢٨) ينظر: اللغة والحجاج: ٥٨.
(٢٩) ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية ٩٩.
(٣٠) الاحتجاج: ٢/٢٧٧.
(٣١) معاني الحروف: ٧١.
(٣٢) ينظر: اللغة والحجاج: ٦١.
(٣٣) ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية: ١٠٥.
(٣٤) الاحتجاج:٢/٢٨٠.
(٣٥) الاحتجاج:٢/٢٨٨.
(٣٦) ينظر: اللغة والحجاج: ٢٧.
(٣٧) الاحتجاج:٢/٣٠٢.
(٣٨) الاحتجاج:٢/٢٧٧.
(٣٩) م.ن:٢/٢٧٧.
(٤٠) ينظر الجني الداني في حروف المعاني: ١٠٩.
(٤١) الاحتجاج:٢/٣٢٥.
(٤٢) ينظر: رسائل الإمام علي في نهج البلاغة - دراسة حجاجية: ١١٥.
(٤٣) الاحتجاج:٢/٢٧٨.
(٤٤) ينظر: الحجاج في كتاب المثل السائر (رسالة ماجستير): ٩٣.
(٤٥) الاحتجاج:٢/٢٨٠.
(٤٦) م.ن:٢/٢٨٠.
(٤٧) ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة - دراسة حجاجية:١٢٣.
(٤٨) الاحتجاج:٢/٢٨١.
(٤٩) م.ن:٢/٢٩٧.
(٥٠) الاحتجاج:٢/٢٨٠.
(٥١) م.ن:٢/٢٨٠.
(٥٢) ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة: دراسة حجاجية: ١٢٤٠.
(٥٣) الاحتجاج: ٢/٢٩٧.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved